عز الدين همت محمد // ضد // سيف الدين علي عبيـد
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ عبد الرحمن علي صالــح قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيدة/ سنية الرشـيد ميرغنــي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ عثمــان علي حســـن قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
عز الدين همت محمـد طاعن
// ضد //
سيف الدين علي عبيـد مطعـون ضده
النمرة : م ع/ط م/497/1998م
المبادئ:
قانون الإثبات - تقيد المحاكم في دعاوى المعاملات بالحكم الجنائي - من شروطها أن تكون المحكمة الجنائية قد فصلت فصلاً شاملاً في الوقائع التي عرضت أمامها
قانون المعاملات المدنية - العقد - فسخ العقد - الثمن - السداد بالشيك سداد معلق علي شرط تمام الدفع - فسخ العقد لا يمتد للمشتري حسن النية
1- إن مناط توافر الحجية للحكم الذي تصدره المحكمة الجنائية هو أن يكون قد فصل فصلاً شاملاً في موضوع الدعوى المدنية وهنا يتعين التفريق بين المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية إذ ليس بالضرورة أن تتلازم المسئوليات عن فقد لا يشكل الفعل مسئولية جنائية وقد يشكل مسئولية مدنية
2- إذا قضت المحكمة الجنائية ببراءة المتهم علي أساس أن الفعل لا يشكل جريمة فإن هذا الحكم لا يحوز قوة الشيء المحكوم به أمام المحكمة المدنية ولا يمنع المحكمة المدنية من البحث فيما إذا كان الفعل مع تجرده من صفة الجريمة يصلح أساساً لمسئولية مدنية
3- السداد بالصك سداد معلق علي شرط تمام الدفع فإذا ارتد لأي سبب فإن ذلك يعتبر إخلالاً بواجب السداد مما يستوجب الفسخ أو التنفيذ العيني
4- إذا باع المشتري إلي مشترٍ ثان وسلمه المبيع ثم فسخ البائع العقد فإن قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية تعترض الحكم باستعادة المبيع من المشتري حسن النية باعتباره حائزاً بسبب صحيح وبحسن نيه فهو بهذه الحيازة يرجع البائع علي المشتري الأول بالتعويض
ملحوظة المحرر :
هناك من السوابق ما لم يسر علي هذا النهج بل تحصن الحائز بحسن النية من استرداد المبيع وتنقل حق المضرور إلي الثمن ليقبضه من المشتري الأول
المحامون :
الأستاذ/ حسين الهادي حمد عـن الطاعن
التاريــخ : 7/9/1998م
الحكم:
هذا طلب طعن بالنقض في الحكـــم الصادر من محكمــــة الاستئناف لمحافظات أم درمان في استئنافها رقم 227/1998م والقاضي بشطب الاستئناف إيجازياً مؤيداً بذلك حكم محكمة أم درمان الجزئية في الدعوى رقم 517/97
ملخص الوقائع أن المدعي (المطعون ضده) كان قد أقام دعواه في مواجهة الطاعن وآخر مدعياً بأنه باع عربته موضوع النزاع للمدعي عليه الأول مقابل تسعة مليون ومائتين وخمسين ألف جنيه سدد له منها مبلغ مليونين كان قد حولها له المدعي عليه الثاني من حسابه بالبنك واستلم العربة وحرر له شيكات بباقي المبلغ وعند تقديمها للبنك ارتدت دون صرف لعدم وجود رصيد للمدعي عليه الأول وتصرف المدعي عليه الأول في العربة ببيعها للمدعي عليه الثاني الطاعن والذي اشتراها بسوء نية طالب المدعي بفسخ العقد بينه وبين المدعي عليه الأول وإبطال العقد بين المدعي عليهما الأول والثاني وإعادة العربة له أو بسداد قيمتها
أعلن المدعي عليه الأول بالنشر لاختفائه ولم يحضر وحفظ للمدعي الحق في إصدار الأمر المناسب في مواجهته
دفع المدعي عليه الثاني (الطاعن) بأنه اشتري العربة من المدعي عليه الأول ولا علم له بملكية المدعي لها ولا علاقة له بالمدعي كما دفع بأن الدعوى قد حازت علي حجية الأمر المقضي فيه ذلك أن المدعي كان قد أقام ضده وآخرين دعوى جنائية في موضوع هذه الدعوى نفسها وصدر القرار مؤيداً من المحكمة العليا بتسليمه العربة مما يعتبر حسماً لموضوع ملكيتها لصالحه ورفع دعوى فرعية مطالباً بتسليمه العربة أو سداد قيمتها
رد المدعي عليه فرعياً علي الدعوى الفرعية يتلخص في أن المدعي فرعياً اشتري العربة من المدعي عليه الأول وهو يعلم عدم مقدرته علي سداد قيمتها مما يعني سوء القصد وسوء النية صيغت الإقرارات ونقاط النزاع سمعت الدعوى وصدر الحكم لصالح المدعي أصلياً وقد سببت محكمة الموضوع ترجيحها لبينات الادعاء أصلياً علي بينات الدفاع وقناعتها بأن المدعي عليه الثاني اشتري العربة مع علمه بعدم وفاء المدعي عليه الأول لثمنها مما يعتبر شراء بسوء نية استؤنف هذا الحكم لدي محكمة الاستئناف التي أيدته علي أساس أن فسخ العقد لإخلال المدعي عليه الأول بسداد باقي الثمن صحيح قانوناً وأن العقد الثاني بين المدعي عليه الأول والطاعن باطل ويستوجب ذلك إعادة الحال إلي ما كان عليه قبل العقد
ومن ثم كان هذا الطعن وقد قدم في خلال المدة المحددة قانوناً واستوفي شروطه الشكلية الأخرى وتتلخص أسبابه في قصور المحاكم الأدنى في تسبيب أحكامها الخطأ في القانون حيث أن موضوع هذه الدعوى قد حاز علي حجية الأمر المقضي فيه لصدور حكم جنائي نهائي بين نفس الأطراف ببراءة الطاعن من جريمة الاحتيال وقررت أحقية الطاعن للعربة موضوع النزاع وأشار للمادة 25 من قانون الإثبات والتي توجب علي المحاكم أن تتقيد في دعاوى المعاملات بالحكم الجنائي في الوقائع التي فصل فيها كما يثير الطعن بأن الحكم المطعون مخالف للوزن السليم للبينة حينما قضي بأن الطاعن كان علي علم بعدم مقـــدرة المدعى عليه الأول المالية لسداد باقي قيمة العربة للمدعي وعلي فرض علمه فإن ذلك لا يؤثر على صحة العقد الثاني بين الطاعن والمدعي عليه الأول ذلك أن شراءَه كان بحسن نية هذا الطلب يتعين الفصل فيه علي النحو التالي :
أولاً : إن الحكم بفسخ العقد الأول بين المدعي والمدعي عليه الأول رغم أنه ليس محل طعن إلاّ أننا نقرر أنه حكم صحيح قانوناً وذلك لعدم الوفاء بباقي ثمن الشراء ذلك أن السداد بالشيك سداد معلق علي شرط تمام الدفع فإذا أرتد الشيك لأي سبب فإن ذلك يعتبر إخلالاً بواجب السداد مما يستوجب الفسخ أو التنفيذ العيني وأثر الحكم بالفسخ انحلال العقد واعتباره كأن لم يكن ويسقط أثره منذ نشوئه بأثر رجعي مما يستتبع إعادة الحال إلي ما كان عليه قبل العقد وذلك برد الثمن من جانب البائع ورد المبيع من جانب المشتري هذا هو أثر الفسخ فيما يتعلق بالمتعاقدين فما هو أثره بالنسبة للغير إذ أن تصرف المشتري في المبيع إلي مشتر ثان كما في هذه الدعوى يقول العلامة السنهوري في مرجعه الوسيط في شرح القانون المدني الجزء الأول ص 807 أن العقد ينحل أيضاً بالنسبة للغير بأثر رجعي فإذا باع المشتري العين إلي مشتر ثان وسلمه إياها ثم فسخ البائع العقد فإن قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية تعترض الحكم باستعادة المبيع من المشتري حسن النية باعتباره حائزاً بسبب صحيح وبحسن نية فهو بتملكه بهذه الحيازة وترجح البائع علي المشتري الأول بالتعويض وهذا يطابق نص المادة 653 من قانون المعاملات المدنية 1984م أما إذا كان المشتري الثاني لم يتسلم المبيع إذ كان سيئ النية يعرف سبب الفسخ فإنه لا يملك المبيع بالحيازة بل يرده للبائع
فهل يستفيد الطاعن من هذا النص ؟ بمعني أنه هل كان مشترياً حسن النية ؟ لقد توصلت محكمة الموضوع بناء علي ما طرح لديها من بينات أن الطاعن كان سيئ النية لعلمه ومتابعته لكل إجراءات شراء العربة بوساطة المدعي عليه الأول ومشاركته في هذه الإجراءات ودعمت قرارها بالبينات التي استندت عليها وأوضحت أسباب ترجيح البينة التي اعتمدت عليها وعليه فإن الطعن في هذه الجزئية لا يعدو أن يكون جدلاً حول تقييم الدليل وهذا ما لا تختص به هذه المحكمة كمحكمة قانون إلاّ إذا كان استخلاص المحاكم الأدنى للنتائج كان مخالفاً للمنطق والمجري العادي للأمور وهذا ما لم يتضح لقاضي هذه الدعوى ويتعين وفقاً لذلك تأييد ما توصلت إليه من أن شراء المدعي عليه الثاني للعربة كان بسوء نية مما يحرمه من الاستفادة من النص المذكور
يثير الطعن أيضاً مسألة حجية الحكم الجنائي بين أطراف هذه الدعوى أنفسهم والذي قضي ببراءة الطاعن من تهمة الاحتيال وبأحقيته للعربة موضوع النزاع ومخالفة الحكم المطعون فيه للمادة 25 من قانون الإثبات والتي توجــب التقيد بما فصل فيه ذلك الحكـــم
إن مناط توافر الحجية للحكم الذي تصدره المحكمة الجنائية هو أن يكون قد فصل فصلاً شاملاً في موضوع الدعوى المدنية وهنا يتعين التفريق بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية إذ ليس بالضرورة أن تتلازم المسئوليتان فقد لا يشكل الفعل مسؤولية جنائية ولكنه يستتبع مسؤولية مدنية والمحاكم الجنائية تفصل فيما يتصل بوقوع الجريمة ونسبتها إلي فاعلها وبوصفها القانوني وعليه فإنه يكون لهذا الحكم قوة الشيء المقضي فيه فيما يتعلق بهذه الأمور فإذا قضت المحكمة الجنائية ببراءة المتهم علي أساس أن الفعل لا يشكل جريمة كما في هذه الدعوى التي استندت عليها المحكمة الجنائية علي أن شراء المتهم (الطاعن) للعربة موضوع النزاع ممن له حق التصرف فيها لا يشكل جريمة الاحتيال التي اتهم بها وعناصـر هــذه الجريمة هي أن يتوصــل أي شخص بسوء قصد إلي خـداع شخص آخــر بأي وجـه ويحقــق بذلك كسباً غير مشروع لنفسه أو لغيره أو يسبب بذلك للشخص أو لغيره ضرراً أو خسارة غير مشروعة 0 وحكم المحكمة الجنائية محصور في هذه العناصر ولا يتعداها إلي الفصل في موضوع الدعوى المدنية بفسخ عقد بيع العربة موضوع النزاع لعدم الوفاء بالثمن وما يترتب عليه من آثار بالنسبة للمتعاقدين وللغير وتأكيداً لهذا النظر فقد وجهت المحكمة العليا عند فحصها للحكم الجنائي المذكور وجهت الشاكي باللجـوء إلي القضاء المدني إن كان لذلك محل أنظر م ع/ف ج/436/1996م محاكمة السر محمد عبد الله وآخرين والذي تم ضمه إلي أوراق هذا الطعن كان علي محكمة الموضوع ضمه في مرحلة سماع الدعوى
لما تقدم يبين أن الحكم الجنائي المذكور لا يحوز قوة الشيء المحكوم به أمام المحكمة المدنية ولا يمنع المحكمة المدنية من البحث فيما إذا كان الفعل مع تجرده من صفة الجريمة يصح أساساً لمسؤولية مدنية
فإذا سلمنا بأن الطاعن لم يرتكب جريمة الاحتيال كما قضت المحكمة الجنائية وبالتالي لم يخدع المطعون ضده ليحمله علي بيع العربة للمدعي عليه الأول فهل ينفي ذلك علم الطاعن بسبب فسخ العقد إن عدم مقدرة المشتري الأول للعربة علــى دفع قيمتها وعدم وجود رصيد له بالبنك يغطي قيمة الشيكات ثمن العربة ؟ لقد تعرضنا لهذه النقطة ورأينا تأييد محكمة الموضوع فيما توصلت إليه بعلم الطاعن لسبب الفسخ مما يعتبر سوء نية وهي لا تشكل جريمة الاحتيال وحدها إذ لابد من توافر عناصر أخري لثبوت هذه الجريمة لكنها تكفي لثبوت المسؤولية المدنية وتحرم الطاعن من الاستفادة من نص المادة 653 من قانون المعاملات المدنية 1984م التي تمنع تملكه للمبيع بالحيازة لانتفاء حسن النية وفي هذه الحالة يتعين رد المبيع إلي البائع والرجوع علي المشتري بالضمان
ولما وافقت المحاكم الأدنى هذا النظر فإن النعي علي أحكامها بمخالفة القانون في غير محله مما يستوجب شطب هذا الطعن إيجازياً برسومه وفقاً للمادة 186 من قانون الإجراءات المدنية 1983م
القاضي : سنية الرشيد ميرغني
قاضي المحكمة العليا
القاضي : عبد الرحمن علي صالح القاضي : عثمان علي حسن
قاضي المحكمة العليا قاضي المحكمة العليا

