عصمت عبد الجبار محمد وآخر /ضد/ فريد عبد الجبار محمـد
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / حسين عوض أبو القاسم قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / تاج السر محمد حامد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محمد أحمد سليمان شاهين قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
عصمت عبد الجبار محمد وآخر طاعـن
// ضد //
فريد عبد الجبار محمـد مطعون ضده
الرقم : م ع / ط م/ 996 /1995م
المبادئ:
معاملات مدنية - الأمانة الراجعة
المبدأ الذي ظل مطبقاً في السودان فيما يعرف بالأمانة الراجعة ليس له ما يسنده من القوانين السارية إذا كان مبنياً على التماثل أو الغش فإن الشريعة تعرف الأمانة إذا ما كانت خالية من الشوائب وينظر إلي مثل هذه الأوضاع على أساس أنها هبة يطعن فيها بالشروط الواجب توافرها في إبطال الهبات
ملحوظة المحرر :
سبق للمحكمة العليا أن أقرت في كثير من أحكامها مبدأ الأمانة الراجعة ولا يثور هذا المبدأ عندما تكون العلاقة بين الأطراف المتنازعة علاقة تشكل قرينة هبه مثل علاقة الأب والابن أو علاقة الزوج والزوجة حيث يصطدم مبدأ الأمانة الراجعة بقرينة الهبة وهي قرينة قابلة لإثبات العكس وهذا ما قررته المحكمة العليا في سابقة أحمد صالح عبد الله //ضد// زهرة إبراهيم أحمد المجلة القضائية ( 1972م ) صفحة 81 وفيما قبلها من سوابق
فإذا كان الغرض هو التحايل على الضرائب مثلاًِ كما قالت المحكمة العليا أو تفادي إجراءات التنفيذ ضد المالك الحقيقي للعقار أو إبراء ذمته للحصول على حقوق أخري ما كانت ستتم لو ظل العقار مسجلاً باسمه فإن هذه المسائل كلها تنفي قرينة الهبة القائمة على علاقة الأبوة أو الزوجية وليس في ذلك ما يتنافى مع النصوص القانونية المتعلقة بالهبة
المحامون :
1 - الأستاذ / عوض عبد الخير عـن الطاعنين
2 - الأستاذ / عبد الحليم الطاهر عـن المطعون ضـده
الحكــــم
القاضي : حسين عوض أبو القاسم :
التاريـخ : 27 /5 / 1996م
لدى محكمة الخرطوم الجزئية قيدت الدعوى المدنية 3481/92 في مواجهة المدعي عليه على أساس أن المدعين ورثة المرحوم عبد الجبار محمد أبوبكر وأنه في أو حوالي 23 / 12/1954 قام مورث المدعين والمدعي عليه بتسجيل القطعة رقم 42 مربع 3 شرق الديوم بمدينة الخرطوم والبالغ مساحتها 211 مم إلي اسم المدعي عليه على سبيل الأمانة الراجعة إذ أن المدعي عليه وبتاريخ التسجيل كان يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً وكان وقتذاك تحت ولاية والده الذي قام بسداد رسوم التسجيل وتشييد القطعة وإدخال النور والمياه فيها وسداد العوائد ورفض المدعي عليه إعادة تسجيل العقار بعد أن طالبه بذلك مورث الأطراف ووعد بإرجاع العقار ولكنه ماطل لحين وفاة مورث المدعين المدعي عليه في 17/10/ 1989م وهم يطالبون بتعديل سجل القطعة من اسم المدعي عليه إلي اسم ورثة المرحوم عبد الجبار محمد حسب الإعلام الشرعي أنكرت الدعوى وحددت محكمة الموضوع الإقرارات ونقاط النزاع وسمعت الدعوى وبتاريخ لم يبين من المحضر أمرت المحكمة بتغيير سجل العقار 42 مربع 3 شرق الديوم والبالغ مساحتها 211 مم من اسم المدعي عليه فريد عبد الجبار محمد أبوبكر إلي اسم مورث المدعين عبد الجبار محمد أبوبكر مع تحميل المدعي عليه رسوم وأتعاب الدعوى
محكمة استئناف ولاية الخرطوم وبقرارها م أ /أ س م / 557 / 995 بتاريخ 15 / 10 / 1995م ألغت حكم المحكمة الجزئية وأمرت بشطب الدعوى برسومها
الأستاذ عوض عبد الخير المحامي ونيابة عن المدعين تقدم لهذه المحكمة بطعن ضد قرار محكمة الاستئناف نوجز أسبابه في الآتي :
1 - لقد استقر القضاء على أن قاعدة الأمانة الراجعة أصبحت سبباً من الأسباب التي بموجبها يعدل السجل وهذا ما تواترت عليه السوابق القضائية المختلفة وإن اشتراط كفاية الأمانة الراجعة تؤدي إلي إهدارها
2 - استقر القضاء على أنه إذا كانت العلاقة بين المتصرف والمتصرف إليه علاقة أبوه أو ما حكمها أو كانت هناك علاقة زوجية تنشأ قرينة هبة لصالح المتصرف إليه لكن هذه القرينة قابلة لإثبات العكس
3 - إن مورث الأطراف قد مارس الحيازة بعنصريها المادي والمطلوب على العقار منذ تسجيله وإلي حين وفاته حيث طرد المدعي عليه من العقار إلي أن يتم إرجاعه وأن نية مورث الأطراف لم تتجه إلي التخلي على العقار
4 - ليس بالضرورة كل من نقل السجل باسمه أن يكون مالكاً مطلقاً وتقوم نظرية الأمانة الراجعة على فكر أن العدالة تأبي أن يستأثر شخص بما سجل باسمه عرضاً دون مقابل ولم ينص القانون على سقوط دعوى الأمانة الراجعة بمضي المدة
وبعد أن قدم الطعن في ميعاده تم تصريحه وأعطي المطعون ضده فرصة للرد على الطعن وجاء رده بوساطة محاميه الأستاذ عبد الحليم الطاهر المحامي ونوجز أسباب رده في الآتي :
1 - تعرضت المحاكم وطبقت مبدأ الأمانة الراجعة في بعض القضايا عملاً بما نصت عليه المادة 9 من قانون الإجراءات المدنية القديم لأن هذه المادة كانت تحيل القضاء في حالة غياب النص إلى مباديء العدالة والإنصاف والوجدان السليم وبعد صدور قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م والأحوال الشخصية لسنة 1991م وقانون الإثبات لسنة 1994م فإنه لا يصح بل يمتنع علينا الحديث عن هذه القاعدة كمرجع
2 - وبنص القانون الحالي أن تسترشد المحاكم في حالة غياب النص بالمبادئ الشرعية والقواعد الواردة في قانون أصول الأحكام القضائية إذ جاء في المادة (4) منه أن هذا القانون يطبق على جميع الحقوق والالتزامات الناشئة عن الهبة والاثراء بلا سبب والملكية ووسائل كسبها كما أن المادة (10) من القانون نفسه أشارت إلي تكييف العلاقة المدنية في حالة أي تنازع للقوانين وعرّف قانون المعاملات المدنية الهبة بأنها تمليك مال أو حق مالي لآخر حال الحياة دون عوض وجعل التسجيل أحد وسائل تمامه والتصرف الذي أمامنا هو هبة
3 - أن العدالة الإنجليزية تعتبر تمليك الأب لابنه العقار بأنه هبة وليس ائتماناً عائداً
4 - أشار الطاعن إلي سوابق تجيز مبدأ الأمانة الراجعة وهي سوابق كانت تحت ظل قوانين ألغيت لكننا نري أن الحكم الأولي بالاتباع أكثر من غيره هو الحكم الذي رفض تعديل السجل بالتطبيق لهذه القاعدة بحسبانها قاعدة خاصة بالقانون الإنجليزي
5 - السابقة القضائية أحمد محمد إبراهيم ضد بتول مصطفي المنشورة بمجلة الأحكام القضائية لسنة 1966م على الصحيفة رقم 53 ذكر فيها مولانا العالم بابكر عوض الله أنه بمجرد تسجيل من اسم مالك بمقتضى قانون تسجيل الأراضي فإن أي أمانة لا يمكن أن تنشأ إلا بأحكام نصوص ذلك القانون
6 - إن القضايا التي أشار إليها الطاعن كانت العلاقة بين عم وابن أخ وفيها إقرار صريح بملكية التصرف وأشار كذلك إلي قضية الزوج الأجنبي الذي سجل لزوجته العقار لأنه لا يحق له تسجيل العقار باسمه وزوجته على علم بذلك ولذا فإن مقصده من التسجيل كان الأمانة الراجعة
وقائع هذا النزاع لا خلاف عليها بين الأطراف ويمكننا أن نوجزها في الآتي : أنه وبموجب عقد الإجارة الصادر من الحكومة بتاريخ 7 /10/ 1955م تم منح المطعون ضده حق استئجار قطعة الأرض محل النزاع له وتم بموجب هذه الوثيقة تسجيل العقار باسم المطعون ضده وجاءت إفادات الطاعنين أن هذا تم على أساس الأمانة الراجعة حيث أن هذا الحق يخص مورثهم وتنازل إلي المطعون ضده خوفاً من خضوع العقار لإجراءات تنفيذ دين على ذمة مورث المدعين وأنه تفادي كذلك الحرمان من أن يمنح أية قطعة أرض أخرى طالما سجل هذا المنزل باسمه وعلي الجانب الآخر فـإن دفع المطعون ضده بأن هذه القطعة قد حرمته من حق الحصول على قطعة أرض عن طريق الخطة الإسكانية
إن مبدأ الأمانة الراجعة هو من المبادئ التي استقر القضاء عليها في السودان أخذا في الاعتبار ما أرسته السوابق الإنجليزية وهو ما يعرف مبدأ "Resulting trust" وكنا نطبق ذلك القانون بحسبان أن الوجدان السليم والإنصاف وقواعد العدالة آنذاك مأخوذة من ذلك القانون الذي اندثر بلا رجعة لا يعرف قانون المعاملات أو قانون تسوية وتسجيل الأراضي بالسودان بعد أن طبقنا التشريع الإسلامي هذا المبدأ إذ أنه ينطوي على تحايل يأباه الإسلام إذ أن العبرة تكمن دائماً في مثل هذه الأحوال على التهرب من الضريبة أو تفادي إجراءات التنفيذ لاستيفاء حقوق الدائنين أو بغرض إبراء ذمة المالك بالتنازل للحصول على حقوق أخرى ما كانت سوف تتم لو ظل العقار موجوداً باسم المالك في تقديرنا أن هذه الحالة يمكن القياس عليها ومعاملتها على أساس الهبة والهبة لها شروط لنقضها إذا نجح طالب إبطالها عاد المنزل أو العقار للشخص الذي كان مسجلاً باسمه مع ملاحظة أن الوضع في هذه القضية وضع مختلف وشاذ فعلاً إذ أن عقد الإجارة لم يوقع ابتداء مع مورث الطاعنين بل أبرم مباشرة مع المطعون ضده واسم المورث لم يرد على هذا العقار من بعيد أو قريب ويمكننا أن نكيف هذه الحالة بأنها وإن ثبت استحقاق مورث الأطراف لهذه القطعة فإنه تنازل عنها لاسم المطعون ضده بإرادته المنفردة ودون أي شروط متعلقة بهذا التنازل
لقد ولى العهد الذي نحتكم فيه إلي القوانين الإنجليزية أو غيرها إلا ما كان منها متماشياً مع نصوص قوانينا الإسلامية وبالتالي فإن هذا المبدأ الذي ظل مطبقاً في السودان فيما يعرف بالأمانة الراجعة ليس له ما يسنده في القوانين السارية إذا كان مبنياً على التحايل أو الغش لأن الشريعة تعرف الأمانة إذا ما كانت خالية من الشوائب ولعلاج مثل هذه الأوضاع مستقبلاً فإنه يتعين أن ينظر إلي مثل هذه الحالات على أساس أنها هبة يطعن فيها بالشروط الواجب توافرها في إبطال الهبات وأن القول بغير ذلك يجعل من هذا المبدأ لو طبق ( الأمانة الراجعة ) يفتح الباب للتحايل والغش في معظم حالاته إلا ما كان منها مقبولاً لعدم مخالفته لأحكام أي قواعد أمره أو قانون ولعل المثال الذي ساقه مولانا العالم بابكر عوض الله في السابقة القضائية أحمد محمد إبراهيم //ضد// بتول مصطفي المنشورة في مجلة الأحكام القضائية لسنة 1966م هي الأولي بالإتباع بالإضافة إلي ما جاء بشأن تسجيل الزوج الأجنبي العقار لزوجته وكانت تقييم ذلك بأنه لا يحق له التسجيل
عليه نقرر بالأسباب سالفة الإشارة إليها تأييد ما انتهى إليه حكم محكمة الاستئناف مع اختلافنا التام مع تسبيبها ونقرر شطب الطعن برسومه
القاضي : محمد أحمد سليمان شاهين
التاريخ:6/6/1996:
أوافق على الشطب على أساس أنه لم يثبت في رأيي من حيث الموضوع دعوى الأمانة الراجعة وذلك بعد أن أوضح وكيل الورثة المدعين من أن مورثهم والذي كان يعمل بالتجارة سجل المنزل موضوع الدعوى في اسم المدعي عليه والمطعون ضده أكبر الأبناء خوفاً من اضطرابات السوق ولا أعتقد أن هذا السبب هو احد ألأسباب التي أخذت بها السوابق القضائية عندما أخذت بسبب الأمانة الراجعة كسبب لتعديل السجل فالسوابق القضائية أخذت بالأسباب التي تري أن من العدالة والإنصاف والوجدان السليم أن تكون سبباً لتعديل السجل ورد الحقوق إلي أهلها مثل تعديل السجل بعد إثبات آن التسجيل تم استنادا إلي الاعتقاد بأنه من غير اللائق أن يظهر اسم امرأة في السجل أو ما شابه أما أن نعين على التحايل ونساعد على الأضرار بالغير كما في حالتنا هذه فإن القاعدة الأولي بالتطبيق هي القاعدة الأصولية الواردة في المادة (5) من قانون الإثبات لسنة 1993م ونصها
(( من سعي في نقض ما تم على يديه فسعيه مردود عليه ))
القاضي : تاج السر محمد حامد :
التاريخ : 18 / 6 / 1996م
أوافق لأن عقد القطعة المتنازع عليها قد ابرم بين حكومة السودان والمطعون ضده ابتداءً مما يضعف حجة الطاعنين ومن ناحية أخرى فإن مجاراة حجة الطاعنين يعد اعترافاً بالتحايل وتقنيناً للغش والخداع ومخالف لقيم الحق والعدالة التي تكرس المحاكم جهدها لتحقيقه

