أسامه بابكر مصطفي /ضد/ نجوى محمود محمد علي
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / جون أنقي كاسيبا قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / الطاهر أحمد الطاهر قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
أسامه بابكر مصطفى طاعن
ضد
نجوى محمود محمد على مطعون ضدها
النمرة : م ع / ط م/ 1024 /1994م
المبادئ:
معاملات مدنية - العقد - الوعد بالتعاقد المادة 46(1) من قانون المعاملات المدنية
إن إمكانية إلزام من يعد بالتعاقد بالتوقيع على العقد الرسمي وما يترتب على ذلك قانوناً من تنفيذ عقد البيع يعتمد في المقام الأول على اكتمال أو عدم اكتمال المسائل الجوهرية لعقد البيع
ورغم أن تعيين العقار والثمن هما من المسائل الجوهرية في عقد البيع إلا أنه لا يعدو أن يكون عقداً وهو ما يجوز أن يشترط فيه أي من المتعاقدين ما شاء له أن يشترط وأن يعلق التزامه على أي من تلك الشروط لذلك فإن مجرد تعيين العقار والثمن لا يلزم من وعد بالتعاقد بالتوقيع على العقد الرسمي
الحكـــــــــم
القاضي : زكي عبدالرحمن محمد
التاريخ : 25 / 1 / 1996م
يطعن الأستاذ / محمد كامل العاص المحامي نيابة عن موكله المدعي في الدعوى المدنية رقم 134/92 أم درمان الجزئية في الحكم الصادر بالأغلبية بتاريخ 4 / 7 / 1994م من محكمة استئناف ولاية الخرطوم في أس م /1051/ 93 بإلغاء الحكم الصادر من المحكمة الجزئية والقاضي بتعديل سجل القطعة رقم 308 الحارة 20 الثورة من اسم المطعون عليها لاسم الطاعن وقضت محكمة الاستئناف بدلاً من ذلك بشطب الدعوى
كان الطاعن قد أقام الدعوى المشار إليها فيما تقدم طالباً تعديل سجل القطعة 308 المشار إليها لاسمه وإلزام المطعون عليها بفك الرهن عن القطعة تأسيساً على أن المطعون عليها قامت ببيع القطعة له مقابل مبلغ ستمائة وخمسين ألف جنيه تسلمت منه مبلغ مائتي ألف جنيه على أن تقوم بفك الرهن عن العقار ومع ذلك رفضت تكملة إجراءات البيع
دفعت المطعون عليها بأن ما تم بينها وبين الطاعن كان مجرد وعد بالتعاقد على البيع ولم يكن بيعاً ومع أنها أقرت باستلام مبلغ المائتي ألف جنيه دفعت المطعون عليها بأن تكملة الإجراءات كانت رهينة بإبرام العقد على أن يرد المبلغ إذا لم يتم ذلك أما بالنسبة لما ادعاه الطاعن عن التزام المطعون عليها بفك الرهن فقد ردت الأخيرة بأن ذلك كان رهيناً أيضاً بإبرام العقد بعد تحديد نقاط النزاع وسماع أدلة الطرفين قضت المحكمة الجزئية بأن عقد بيع صحيح قد أنعقد بين الطرفين ومن ثم أصدرت حكمها المشار إليه فيما تقدم
لم ترض المطعون عليها بذلك القضاء فطعنت فيه أمام محكمة الاستئناف فكان حكم الأغلبية فيها ما سبق أن نوهنا عنه بينما أتفق أحد أعضاء الدائرة مع المحكمة الجزئية
يطعن الطاعن في حكم محكمة الاستئناف بأن الوعد بالتعاقد نفسه كان ملزماً بحيث كان ينبغي على المطعون عليها استكمال الإجراءات بالمثول أمام المحامي الموثق للتوقيع على العقد خاصة وأنها قد استلمت جزءاً من الثمن وتصرفت فيه بتسليمه لزوجها وهذا يعد تصرفاً لا يقدح فيه أن من سلم له المبلغ كان زوجها إذ أنه أجنبي - رغم ذلك - عن عقد البيع ويستطرد الطاعن بالقول بأن ما تم - وأن كان وعداً بالتعاقد أيضاً - إلاّ أنه توفرت فيه أركان عقد البيع جميعها بما يجعله عقداً نافذاً طبقاً لما يستقي من نص المادة 46 من قانون المعاملات المدنية وأنه لا يتبدل وجه الرأي في ذلك بما احتجت به المطعون عليها في مرحلة الاستئناف من أن العقد لم يستوف ركناً من الأركان التي تنص عليها المادة 46 المشار إليها وهو أن تكون المدة التي يتم فيها التعاقد قد حدثت وفي هذا يري الطاعن أن تلك المدة هي أما نهاية عقد إيجار العقار ( إذ أنه يستأجر نفس العقار من المطعون عليها ) أو هي المدة اللازمة للمثول أمام المحامي الموثق ولذلك وعلي أي وجه كان حمل النص فيما يتعلق بالمدة فإن هذا الشرط كان ما تم عليه الاتفاق ضمناً بين الطرفين
وأعلن الطعن للمطعون عليها فقام بالرد عليه نيابة عنها الأستاذ / علي محمود حسنين المحامي بأسبابه
ولعله من الواضح أن وجه الخلاف بين الطاعن والمطعون عليها ينحصر فيما إذا كان الاتفاق الذي تم بينهما بتاريخ 27 / 8 / 1991م ( وهو المستند الوحيد المقدم في الدعوى ) يشكل عقد بيع يلزم المطعون عليها بنقل ملكية العقار موضوع النزاع للطاعن بعد أن تلتزم أولاً بإبرام عقد رسمي وتتخذ الإجراءات اللازمة لذلك النقل بما في ذلك فك الرهن عن العقار
إن الاتفاق المشار إليه وبعد إثبات إقرار من المطعون عليها بأنها استلمت مبلغ خمسين ألف جنيه نقداً ومائة وخمسين ألف جنيه بموجب شيك ( أي ما جملته مائتا ألف جنيه ) يستطرد بما يلي :
" وهذا المبلغ عبارة عن عربون لبيع منزل رقم 308 الحارة 20 الثورة وسوف يكمل هذا المبلغ إلي السعر المتفق عليه لبيع المنزل بمبلغ 650 ألف جنيه حين إمضاء عقد البيع بواسطة المحامي أو يرد إلي السيد أسامة ( الطاعن ) في حالة عدم الاتفاق "
ولعله من الواضح أن هذه العبارات وقد أشارت إلي العربون وتوقيع عقد بيع لاحق وإمكانية رد العربون لا تكفي في مظهرها للدلالة على أن ما تم الاتفاق عليه عقد نهائي حيث أنها أكثر دلالة عوضاً عن ذلك - على الوعد بالتعاقد مستقبلاً وقد أضطر الطاعن نفسه إلي التسليم بذلك حين تمسك بالشق الثاني من المادة 46 (1) من قانون المعاملات المدنية ويبقي أن نقرر فيما إذا كان الاتفاق المشار إليه يستوفي الشروط التي تقررها المادة 46 (1)
وبالنظر إلي المادة 46(1) المشار إليها يبين أن الوعد بإبرام عقد " لا ينعقد إلا إذا عينت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه والمدة التي يجب إبرامه فيها "
وفي هذا الشأن يحتج الطاعن بأن المسائل الجوهرية لبيع العقار موضوع النزاع قد عينت جميعها بحيث لم يبق منها شيء يمنع انعقاد العقد ويستدل الطاعن على ذلك بما تضمنه المستند من إشارة واضحة للعقار برقمه وللثمن المتفق عليه أما فيما يتعلق بالمدة التي كان يجب إبرام العقد فيها فإن الطاعن يري أن تلك المدة هي إما نهاية مدة عقد الإيجار الساري بينه وبين المطعون عليها أو المدة التي تكفي للمثول أمام المحامي الموثق لإبرام العقد أما المطعون عليها فإنها تري أولاً أن المدة التي يتم فيها إبرام العقد لا يمكن أن تعين على هذا النحو خاصة وأن واقعة الإجارة السارية بين الطرفين أمر يثار لأول مرة في هذه المرحلة وثانياً أن هناك عدة مسائل أخري لم يتم حسمها ومن ذلك موضوع فك الرهن الذي كان من الممكن أن يكون محل خلاف نظراً إلي أن المطعون عليها كانت تملك بموجب عقد خدمتها حق تحويل الرهن لعقار آخر بدلاً من سداد قيمته فوراً
وفي تقديري أن حجة الطاعن في شأن تعيين المدة التي يتم فيها إبرام العقد بالرجوع إلي عقد الإيجار حجة مردود عليها حقاً بأن موضوع الإجارة لم يكن محل نظر في الدعوى في مراحلها السابقة ثم أن تلك الحجة مردود عليها أيضاً في اتجاهها لتعيين المدة بما يكفي من زمن للمثول أمام المحامي الموثق إذ أن من شأن ذلك ترك السؤال قائماً دون إجابة نظراً إلي أن الذهاب للمحامي الموثق أمر لا يمكن تحديد زمن له وإنما كان يخضع في النهاية لاتفاق جديد من الطرفين
وفي واقع الأمر وبالنظر إلي أن الطرفين اتفقا فعلاً فيما بعد للذهاب للمحامي ومثلا أمامه فإن مسألة المدة لا تكون محل اعتبار في انعقاد العقد بل وإذا كانت حجة الطاعن هي أن المطعون عليها وعدت ضمناً بالمثول أمام المحامي ومن ثم كان ينبغي عليها أن تفي بوعدها فإنها تستطيع أن تدعي بكل اطمئنان أنها أوفت بالتزامها بيد أنه ليس في ذلك الاطمئنان ما يلزم المطعون عليها بالتوقيع على العقد الذي أعده المحامي سواء من تلقاء نفسه أو بناءً على ما أملاه عليه الطاعن وهو ما امتنعت المطعون عليها عن الاستجابة له
وعلي ذلك فإن إمكانية إلزام المطعون عليها بالتوقيع على العقد الرسمي وما يترتب على ذلك قانوناًِ من تنفيذ عقد البيع تعتمد في المقام الأول على اكتمال أو عدم اكتمال المسائل الجوهرية لعقد بيع العقار وهو وحده ما ينبغي أن يكون محل النظر
وفي هذا الشأن فإن الطاعن يحتج - فيما نوهنا عنه من قبل - بأن المسائل الجوهرية لانعقاد عقد بيع العقار لا تتعدي تعيين العقار والثمن وهما ما لا خلاف على أن الاتفاق قد عينهما دون أي لبس
ويستطرد الطاعن بالقول بأن الاحتفاظ بالعربون يقوم دليلاً على أن المطعون عليها كانت قد اعتبرت الأمر مقضياً من جانبها ولهذا ذهبت إلي المحامي وكان من المقرر أن تعود إليه مرة أخري إلا أنها لم تفعل وما كان ذلك إلا بسبب تأثير زوجها عليها للتنصل من التزامها
وفي تقديري أن عدم رد العربون لا يكفي وحده دليلاً على اعتبار المطعون عليها مقرة بالتزامها نهائياً إذ أن واجب المطعون عليها في رد العربون ما كان ينشأ إلا بعد أن يتم حسم أمر التعاقد فحينما يحين وقت التعاقد يكون هناك احتمالان هما إما أن يتم الاتفاق - وعندئذ يقوم الطاعن بتكملة الثمن أو يختلف الطرفان وعندئذ ( وعندئذ فقط ) ينشأ الحديث عما إذا كان رد العربون واجباً أم لا أما قبل ذلك فلا أثر لاحتفاظها بالمبلغ
أما فيما يتعلق بما تم عليه الاتفاق فعلاً فلا خلاف على أن تعيين المبيع والثمن أساس أي عقد بيع ( المادة 178 من قانون المعاملات المدنية ) غير أن عقد البيع لا يعدو أن يكون في الأصل عقداً وهو ما يجوز أن يشترط فيه أي من المتعاقدين ما شاء له أن يشترط وأن يعلق التزامه على أي من تلك الشروط ومما لا خلاف عليه أن المطعون عليها علقت التزامها النهائي في التوقيع على شرط إبرام عقد رسمي لاحقاً ومؤدي ذلك أنها تكون قد احتفظت لنفسها بحق إدراج شروط ربما لم تكن في ذهن الطاعن وقت الاتفاق الأول إلا أنه ليس في القانون ما يمنعه طالما لم يتم اتفاق نهائي
ولو أن المطعون عليها امتنعت عن توقيع عقد نهائي اشتركت في إعداده أو وافقت على نصوصه لكان من الممكن القول بأن ما تم عليه الاتفاق في البداية يشكل جميع المسائل الجوهرية بما يخالف التزاماً نهائياً علي المطعون عليها غير أن ما حدث هو وفيما شهد به المحامي والموثق الذي مثل الطرفان أمامه ( الأستاذ سعد ياجي ) أن المطعون عليها علقت ( مجدداً) التزامها بالتوقيع على العقد على إمكانية حصولها على منزل تشتريه رغم أنها أكدت من جديد أمام ذلك المحامي نيتها في بيع العقار موضوع هذا النزاع
وإزاء هذا فأنني لا أري مجالاً للقول بأن المطعون عليها التزمت في أي وقت التزاماً مطلقاً ببيع العقار تماماً كما رأيت من قبل أنها لم تلتزم بالتوقيع على أي عقد نهائي
ولا يتبدل وجه الرأي في ذلك في تقديري بما يحتج به الطاعن من أن بعض الشهود شهدوا على أن المطعون عليها أعلنت أنها قامت ببيع العقار إذ أن المستند الذي حررته واضح في مدلوله وهو بذلك مما لا يجوز تقديم الشهادة بما يجاوز ما أشتمل عليه أو يعدله أو يعارضه ( المادة 38 من قانون الإثبات لسنة 1983م التي تتطابق معها المادة 37 من قانون الإثبات الحالي ) وذلك على النقيض مما ذكره الطاعن في هذا الشأن
وحيث أن هذا هو ما قضي به حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه بحسب النتيجة التي انتهي إليها فإنه لا يكون ما حدث للقانون في تطبيقه أو تأويله بما يجوز النقض ومن ثم يتعين تأييده وشطب هذا الطعن برسومه
القاضي : جون اونقي كاسيبا
التاريخ : 28 / 1 / 1996م
أوافـــق
القاضي : الطاهر أحمد الطاهر
التاريخ : 31 / 1 / 1996م
أوافـــق

