أعمال الهميم التجارية/ضد/ مصلحة الجمارك
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / علي يوسف الولي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / جون وول ماكيج قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / حيدر مصطفى حمد قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
أعمال الهميم التجارية الطاعن
ضد
مصلحة الجمارك المطعون ضده
النمرة : م ع / ط م/1082 /1994م
المبادئ:
قانون الجمارك 1406هـ - الحجز الإداري على البضائع - حدود مسئولية مصلحة الجمارك عن تعويض المضرور من هذا الحجز - المادة 34 من قانون الجمارك 1406هـ
لا يكون ضابط الجمارك مسئولاً عن أي أضرار بسبب حجز أجراه على البضائع أو وسائل النقل وفقاً لأحكام قانون الجمارك متي وجد سبب معقول للحجز
المحامون :
الأستاذة / اجلال أرباب سعيد حمور عن الطاعنة
الحكـــــم
القاضي : علي يوسف الولي :
التاريخ : 31 /7 / 1995م
هذا طعن رفعه لهذه المحكمة العليا المحامي اجلال أرباب سعيد حمور نيابة عن الطاعنة أعمال الهميم التجارية ضد حكم محكمة استئناف الولاية الشرقية بورتسودان المؤيد لحكم محكمة بورتسودان الجزئية القاضي بشطب دعوى الطاعنة
بتاريخ 4 / 5 / 1988م أصدرت المحكمة الجزئية بورتسودان ( محكمة التنفيذ ) حكمها برفض طلب المستشار القانوني لسلطات الجمارك بالأمر بتحصيل رسوم الجمارك من مشتري الباخرة البارق بعد بيعها وذلك تأسيساً على أن الباخرة ليست بضاعة وليست مستوردة وورد في حيثيات المحكمة ما يلي :
( عندما تخرج هذه الباخرة من السودان تخرج كأي باخرة أخري وليست كبضاعة صادرة وعليه تجد المحكمة أن الباخرة البارق ليست بضاعة واردة من قانون الجمارك ولا يعتبر دخولها الميناء للاستيراد ولا يعتبر خروجها تصديراً ولذلك تنتفي الحالة التي ينبني عليها تحصيل الرسوم الجمركية وعليه أمر :
1 - برفض طلب الأستاذ مستشار الجمارك بالأمر بتحصيل الجمارك من مشتري الباخرة البارق )
ولقد عرضت الباخرة البارق للبيع بالمزاد العلني عن طريق المحكمة الجزئية ( محكمة التنفيذ ) بورتسودان ورسى المزاد على الطاعنة أعمال الهميم التجارية في شرائها
بتاريخ 4 / 6 / 1988م عندما أرادت الطاعنة أعمال الهميم التجارية المالكة الجديدة للباخرة البارق التي أطلقت عليها اسم هشام (1) - أن تحركها من ميناء بورتسودان قامت سلطات الجمارك بمنعها من ذلك وحجزتها على أساس أنه لابد من دفع رسوم جمركية عليها طالما أن بيعها قد تم في السودان وظلت تلك الباخرة محجوزة في ألفترة من 4 / 6 / 1988م إلي 18 / 11 / 1988م وقد كان حجز سلطات الجمارك حجزاً إدارياً بخطاب رسمي معنون إلي الطاعنة أعمال الهميم التجارية بصورة للقاضي الجزئي
لقد تقدم المستشار القانوني لسلطات الجمارك باستئناف لمحكمة المديرية البحر الأحمر يطلب فيه إلغاء حكم محكمة التنفيذ وإصدار الأمر بتحصيل الرسوم الجمركية على الباخرة إلا أنه في الاستئناف رقم أس م / 119/1988م بتاريخ 16 / 11 / 1988م قضت محكمة المديرية بتأييد حكم محكمة التنفيذ ورفضت طلب المستشار ومن ثم تم فك الحجز على الباخرة المذكورة بتاريخ 18 / 11 / 1988م وأبحرت بعد فك الحجز مباشرة بعد أن منحت إذن التمكين من سلطات الجمارك
بتاريخ 25 / 6 / 1989م أقامت الطاعنة أعمال الهميم التجارية ( المدعية ) الدعوى رقم 406 / 1989م لدي محكمة بورتسودان الجزئية في مواجهة المطعون ضدها مصلحة الجمارك ( المدعي عليها ) فحواها أن الطاعنة هم أصحاب الباخرة البارق واسمها الحالي ( هشام ) وقامت المطعون ضدها مصلحة الجمارك ببورتسودان بحجز الباخرة البارق ( هشام ) في الفترة ما بين 4 / 6 / 1988م حتى 18 / 11 / 1988م حجزاً غير مشروع بطلب رسوم جمركية حيث صدر قرار من محكمة الموضوع ومحكمة المديرية ببطلان ذلك الحجز وأمر بفكه في 18 / 11 / 1988م ومن جزاء ذلك الحجز الغير مشروع ترتبت مديونية في ذمة الطاعن لصالح سلطات المواني البالغ قدرها 30000 دولار ( ثلاثون ألف دولار ) عبارة عن رسوم مواني كما ترتب على وقف الباخرة وتأخيرها من رحلاتها وإتلاف الشحنات كتعويض عام يقدر بمبلغ 165 ألف ( مئة وخمسة وستون ألف دولار )
طلبت الطاعنة الحكم لها بالآتي :
1 - إلزام المطعون ضدها بسداد المديونية وقدرها 30000 دولار
2 - تعويض عن وقف الباخرة قدره 165 ألف جنيه
أثناء سير الدعوى رقم 406 /1989م تقدم المستشار القانوني لمصلحة الجمارك بدفع قانوني شفوي لدي المحكمة الجزئية بأن حجز الباخرة تم وفقاً لنص المادة 54 من قانون الجمارك أي أنه حجز كان قانونياً ومشروعاً وبالتالي طالب بشطب الدعوى المذكورة وجاء في حيثيات قرارها بعد أن قررت شطب الدفع القانوني بتاريخ 20 / 8 / 1990م ما يلي :
( تقدم النائب العام عن المدعي عليها مصلحة الجمارك بدفع قانوني يتعلق بنص م 45 من قانون الجمارك 6041 هـ ويطالب بشطب الدعوى الطلب ليست بدفع قانوني وإنما هو أشبه بدعوى المقاصة )Set off claim )
ولما كان هذا النزاع محلاً لإجراءات سابقة بين نفس الأطراف وقد حاز الحجية فلا داعي لمناقشته البتة وإن نص المادة 45 جمارك لا ينطبق على هذه الحالة وعليه نقرر الآتي :
(رفض الدفع القانوني والاستمرار في الإجراءات وتحديد جلسة للإقرارات ونقاط النزاع )
عند الاستئناف لمحكمة الاستئناف بواسطة المستشار القانوني لمصلحة الجمارك في الاستئناف رقم م أ / أ س م/95/1990م الصادر بتاريخ 13 / 11 / 1990م قضت محكمة الاستئناف بإلغاء قرار المحكمة الجزئية في الدفع القانوني المذكور مع إعادة أوراق الدعوى لصياغة نقطة نزاع بشأن ذلك الدفع القانوني وجاء في حيثيات حكمها ما يلي :
( قرار محكمة الموضوع جاء متعجلاً إذ هو في ظاهره شطب للدفع القانوني وفي ذات الوقت تقرير بعدم انطباق قانون الجمارك على الحجز الذي تم مما يعني ضمناً أن الحجز لم يتم وفقاً للقانون على نحو ما أثير في الدفع وبالتالي يكون قد فصل في الدعوى موضوعاً رغم أن دفاع المستأنفة الموضوعي كان إنكار المستأنفة لعدم مشروعية الحجز ومناهضة طلبات المستأنف ضدهم ! إن سبب الدعوى ما دام قائم على عدم مشروعية الحجز الذي تم فإن ألفصل في الدعوى على نحو صحيح يستلزم تحديد نقاط النزاع القانونية والموضوعية وبعد سماع وبالتالي فإن ألفصل في الدفع القانوني ابتداء وعلي استقلال من الدفع الموضوعي ينطوي على مخالفة لنص المادة 74 من قانون الإجراءات المدنية
ودون حاجة للتطرق بالمناقشة للأوجه القانونية بالدفع القانوني وما أثير حوله من أسانيد وما قررته محكمة الموضوع بشأنها أري أن نلغي قرار محكمة الموضوع في الدفع القانوني وأن نعيد إليها الدعوى لتفصل فيها وفقاً لنقاط النزاع القانونية والموضوعية بعد سماع البينة )
عليه قررت المحكمة الجزئية سماع البينات حول نقطة النزاع الآتية :
( هل كان حجز الباخرة على أسباب قانونية ومعقولة ) ؟
وبعد ذلك خلصت المحكمة الجزئية في حكمها الصادر بتاريخ 28 /11 / 1993م إلي شطب دعوى الطاعنة رقم 406 / 1989م تأسيساً على أن حجز الباخرة موضوع الدعوى كان بسبب قانوني ومشروع وذلك بعد أن ناقشت بعض مواد قانون الجمارك سنة 1406هـ المتعلقة بوقائع هذه الدعوى حيث أبانت المحكمة الجزئية أن الباخرة موضوع الدعوى كانت عبارة عن بضاعة مستوردة وبيعت في السودان وقالت المحكمة الجزئية في حيثيات حكمها ما يلي :
( نجد أن تعريف البضائع بأنها الأموال المنقولة ينطبق على السفينة مما يعني انطباق التعريف الوارد للبضاعة في نص المادة 2 من قانون الجمارك على السفينة بأنها مال منقول
وبالرجوع لنص المادة 60 (1) من قانون الجمارك 1406هـ نجدها تنص :
( يجب أن تقدر على بيع البضائع التي استوردت للسودان وأعفيت عن رسوم الاستيراد وفقاً لأحكام هذا القانون في حالة بيعها في السودان رسوم الاستيراد المعتاد أخذها عليها وتؤدي عنها تلك الرسوم )
وبالنظر إلي هذا النص يتضح للمحكمة أن أي سفينة عند دخولها الحدود الجمركية للسودان لا يؤخذ عليها رسوم استيراد لأنها في تلك الحالة تعتبر وسيلة لنقل البضائع وذلك وفقاً للمعاهدات بين الدول أما في حالة دخول السفينة الحدود الجمركية وهي معفاة بموجب المعاهدة الدولية باعتبار أنها وسيلة لنقل البضائع فإن ذلك لا يمنع تطبيق نص المادة 60(أ) من قانون الجمارك عليها بحكم أنها مال منقول تم بيعه داخل السودان بمعني أن الباخرة عند دخولها الحدود الجمركية لا ينطبق عليها وصف البضائع وأن الإعفاء من ذلك مرتبط بوظيفة الباخرة في نقل البضائع إلا أنه بمجرد بيع تلك الباخرة فإن ذلك يعني تحولها لبضاعة وبالتالي يطبق عليها نص المادة 60(1) من قانون الجمارك وذلك لأنه بمجرد بيعها أصبحت مال متداول مثلها مثل سائر البضائع وبما أنها استجلبت من خارج الحدود الجمركية فإن ذلك يستوجب تحصيل رسوم استيراد جمركية عليها )
إن حكم المحكمة الجزئية المذكور والقاضي بشطب دعوى الطاعنة أعمال الهميم التجارية والصادر بتاريخ 28 / 11 / 1993م تم استئنافه لمحكمة الاستئناف بواسطة الطاعنة وكان طلب الاستئناف يتلخص في أن الحجز على الباخرة موضوع الدعوى بواسطة مصلحة الجمارك للفترة من 4 / 6 / 1988م وحتى 18 / 11 / 1988م كان حجزاً غير مشروع ولكن محكمة الاستئناف في الاستئناف رقم أ س م / 326 / 1993م بتاريخ 27 / 7 / 1994م أيدت حكم المحكمة الجزئية المذكور وقالت في حيثيات حكمها ما يلي :
( ثبت أن حجز الباخرة كان حجزاً ( مشروعاً ) تم طبقاً لقانون الجمارك سنة 1406هـ
لما تقدم أري أن نأمر بتأييد الحكم المطعون فيه وشطب الطلب )
لقد جاء في مذكرة الطعن المرفوع لهذه المحكمة العليا ضد حكم محكمة الاستئناف المذكور والتي ناقشت فيها المحامي اجلال أرباب سعيد حمور الوقائع ومواد القانون المتعلقة بالموضوع نقاشاً مستفيضاً بذل فيه الجهد الكبير المقدر ما يكفي لقيام المحامي بالواجب القانوني الملقي على عاتقه تجاه موكله ومعلوم أن المطلوب من المحامي بذل الجهد والحرص على قضية موكله ولكنه غير مسئول عن النتيجة السلبية ولذلك برغم أني أجدني مختلفاً فيما ذهبت إليه المحامي إجلال في الجوهر إلا أني أراني أنظر إلي هذا الجهد الكبير المقدر بكل احترام لقد جاء في مذكرة الطعن ما يجوز لي أن أوجزه فيما يلي :
1 - الموضوع نال حجية الأمر المقضي فيه وقالت المحامي اجلال فيما قالت ما يلي :
أن محكمة الموضوع لم تفصل في نقاط الدعوى القانونية حسب توجيه محكمة الاستئناف في الاستئناف بالرقم أ س م / 51 / 1990م بتاريخ 3 / 11 / 1990م وإنما فصلت في نقطة لم تكن أساساً نقطة نزاع وهي تحصيل رسوم جمركية على السفينة وحيث فصلت محكمة الموضوع والمديرية في تلك النقطة منذ عام 88 في قرار مولانا كمال مالك بالاستئناف بالرقم أ س م / 119 / 88 ووضحت عدم انطباق المادة 58 / 60 من قانون الجمارك وأمرت بعدم تحصيل الرسوم وفك السفينة بتاريخ 17 / 11 / 88 وأبحرت السفينة في 18 / 11 / 1988م وبالتالي نالت حجية الأمر المقضي فيه وهذا ما أثاره الزميل ممثل الدفاع مجدداً ويتضح من هذا أن محكمة الموضوع بقرارها هذا تلغي قرار محكمة أعلي منها محكمة مديرية بعد أكثر من خمسة أعوام فكيف يعقل هذا
حجز الباخرة موضوع الدعوى خالف القانون وقالت المحامي اجلال فيما قالت ما يلي :
(اتضح لنا بجلاء واضح الحجز تم ( مخالف ) للقانون نصاً وروحاً فقد تقدم الادعاء من خلال شهوده ومستنداته وأكد أن الحجز لا مبرر له وأنه مجحف في حقه وتضرر منه ولم يدحض الدفاع أقوال الشهود وبالتالي وقد أفلح الادعاء في إثبات النقطة الجوهرية في هذه الدعوى أن الحجز مخالف للقانون وأن الدفاع لم يدحض ذلك بل كل ما قدمه إبتداءً من حيث تبرير ذلك الحجز بالمواد 34 58 60 )
الأســــباب
لقد أعلنت الطاعنة بالحكم المطعون فيه بتاريخ 9 / 9 / 1994م وقامت برفع هذا الطعن لهذه المحكمة العليا بتاريخ 21 / 9 / 1994م واستناداً على القاعدة التي استقرت عليها معظم أحكام دوائر المحكمة العليا بأن القيد الزمني الوارد في المادة 208 من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م لرفع الطعن وهو خمسة عشرة يوماً يتعين أن يحتسب من اليوم التالي لليوم الذي تم فيه الإعلان بالحكم المطعون فيه بحسبان أن اليوم الواحد كما هو معلوم قضائياً يتكون من أربعة وعشرين ساعة عليه أجد أن هذا الطعن الذي بين أيدينا قد تم رفعه خلال 15 يوماً وليس 16 يوماً ومن ثم أري أنه يتعين أن يكون هذا مقبولاً من حيث الشكل لأنه لا تثريب إذا قضينا بأنه رفع خلال القيد الزمني المحدد قانوناً لرفعه
ولكن من حيث الموضوع فاني أري رفض هذا الطعن وعدم قبوله إيجازياً دون حاجة بنا لأن نتلقى رد المطعون ضدها على مذكرة الطعن لأن الطعن لا أمل في نجاحه البتة ومن ثم أري تأييد حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه المؤيد لحكم المحكمة الجزئية القاضي بشطب دعوى الطاعنة
دعني أناقش النقطتين الجوهريتين الأساسيتين اللتين ينهض عليهما هذا الطعن الذي بين أيدينا :
1 - هل نال الموضوع حجية الأمر المقضي فيه طبقاً لنص المادة 29 من قانون الإجراءات لسنة 1983م
إن تطبيق قاعدة حجية الأمر المقضي فيه كما معلوم - يتطلب شروطاً معينة من بينها توافر وحدة السبب المتنازع عليه في النزاع السابق والنزاع اللاحق فالنزاع السابق الذي أقامته المطعون ضدها مصلحة الجمارك ضد الطاعنة أعمال الهميم التجارية في التنفيذ الذي تدخلت فيه كان بغرض تحصيل الرسوم الجمركية على الباخرة موضوع النزاع حيث أنها بيعت في داخل السودان في حين أن النزاع اللاحق الحالي الذي أقامته الطاعنة ضد المطعون ضدها في الدعوى رقم 406 / 1989م كان بشأن الحجز على الباخرة بأنه غير مشروع أو غير قانوني كما تدعي الطاعنة وأنه مشروع أو قانوني كما تدفع المطعون ضدها فواضح أن السبب مختلف في النزاعين وليس هنالك أي إشارة لمطالبة المطعون ضدها في هذا النزاع اللاحق الحالي بالرسوم الجمركية على الباخرة كما كان الحال في النزاع السابق وعليه فإنه لانعدام وحدة السبب في النزاعين استحال تطبيق قاعدة حجية الأمر المقضي فيه الواردة في المادة 29 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م
صحيح أن أي مطالبة بشأن تحصيل الرسوم الجمركية على الباخرة موضوع النزاع تحاول أن تثيرها المطعون ضدها في مواجهة الطاعنة تكون مرفوضة لأن ذلك الأمر قد تم الحسم والفصل فيه بواسطة محكمة التنفيذ في حكمها بتاريخ 4 / 5 / 1988م وأيدتها محكمة المديرية في الاستئناف رقم أ س م / 129 / 1988 الصادر بتاريخ 16 / 11 / 1988م كما هو واضح من خلال سرد الوقائع في صدر حكمنا هذا
2 - هل حجز الباخرة موضوع النزاع الذي أجرته المطعون ضدها بتاريخ ما بين 4 / 6 / 1988م و 18/11/1988م والذي أعلنت محكمتا التنفيذ والمديرية بطلانه - وفكه - هل كان حجزاً غير مشروع وغير قانوني ؟
لقد جاء في مرافعة الدفاع التي قدمها المستشار القانوني لمصلحة الجمارك أمام المحكمة الجزئية ما يلي :
( باستقراء المادة 34 من قانون الجمارك لسنة 1406هـ والتي تقرأ كالآتي :
(1) لا يكون ضابط الجمارك مسئولاً عن أي حجز أجراه وفقاً لأحكام هذا القانون متي وجد سبب معقول لذلك
2 - إذا استرد المدعي وسيلة النقل أو أي بضاعة محجوزة أو العائد من بيعها فيجوز للمحكمة أن تدون في حيثياتها بأن الحجز قد تم بناء على أسباب معقولة ويكون ذلك مانعاً من اتخاذ أي إجراءات ضد ضابط الجمارك بشأن ذلك الحجز )
وبالنظر إلي النص أعلاه نجد أن المشرع قد أعطي ضابط الجمارك الحماية المدنية الكاملة عند تطبيقه لأحكام قانون الجمارك لسنة 1406هـ وفقاً لسلطته التقديرية التي منحها له القانون وبالطبع أن هذه الحماية لا يقصد بها ضابط الجمارك في شخصه بل تنسحب تلك الحماية لمصلحة الجمارك كشخصية اعتبارية حتى لا تتعرض الدولة لمطالبات مثقلة نتيجة لممارسة ضابط الجمارك لسلطاته المنصوص عليها في القانون
وبالرجوع إلي ألفقرة الأولي من المادة 34 نجد أن المشرع قد حدد تلك الحماية بأن يكون الحجز وفقاً لأحكام قانون الجمارك وبناء على سبب معقول ماذا قدمنا حتى نقنع المحكمة الموقرة في أن الحجز تم وفقاً للقانون واستناداً على أسباب معقولة عند استجواب شاهد الدفاع عبد الله حسن عيسي ذكر للمحكمة الموقرة الأسباب التي من أجلها قام بحجز الباخرة موضوع الدعوى
ذكر بأنه هو الذي قام بإجراء الحجز على الباخرة موضوع هذه الدعوى وفقاً لسلطته المنصوص عليها في قانون الجمارك
ذكر بأن الأسباب التي استند عليها في حجز الباخرة كالآتي :
(أ) عندما تم بيع الباخرة كانت موجودة في الرقابة الجمركية
(ب) استند على نص المادة 60 من قانون الجمارك سنة 1406هـ التي تقرأ كالآتي :
( يجب أن تقدر على جميع البضائع التي استوردت للسودان من رسوم الاستيراد وفقاً لأحكام هذا القانون في حالة بيعها في السودان رسوم الاستيراد المعتاد أخذها عليها وتؤدي عنها تلك الرسوم )
علماً بأن الباخرة عندما دخلت للسودان أعفيت من الرسوم وفقاً للاتفاقيات بين الدول
(ح) الاستناد على سوابق وقد ذكر شاهد الدفاع أنه قد تم في مرحلة سابقة للباخرة موضوع هذه الدعوى تقدير الرسوم الجمركية على الباخرة مريم عندما تم بيعها في السودان
(هـ) الاستناد على تعريف كلمة وارد أو استيراد المنصوص عليها في المادة (2) من قانون الجمارك لسنة 1406هـ حيث جاء تعريفها كالآتي :
( يقصد به نقل البضائع إلي السودان عبر الحدود الجمركية ) إن سلطات الجمارك قامت بحجز الباخرة موضوع الدعوى وطالبوا المحكمة بإلزام المشتري بدفع الرسوم الجمركية بسبب بيع الباخرة في السودان وقررت المحكمة آنذاك بأنه ليس على الباخرة رسوم جمركية وعند صدور قرار محكمة المديرية تم فك الحجز عليها استناداً على قرار المحكمة واحتراماً له ولم تقم سلطات الجمارك بحجز الباخرة بعد ذلك القرار يوماً واحداً إن الحجز الذي أجراه ضابط الجمارك على الباخرة موضوع هذه الدعوى كان وفقاً لأسباب قانونية وأسباب معقولة تكون مانعاً عن اتخاذ أي إجراءات أو مسئولية مدنية تجاه مصلحة الجمارك)
واضح من سياق نص المادة 34 من قانون الجمارك لسنة 1406هـ أنه أضفي سياجاً محكماً من الحصانة حول تصرفات مصلحة الجمارك فيما يختص بالحجز الإداري على البضائع ووسائل نقلها فإذا جاء حجز مصلحة الجمارك على أي بضاعة وفقاً لأحكام قانون الجمارك 1406هـ وبناء على أسباب معقولة فإن ذلك يكون مانعاً عن اتخاذ أي إجراءات قانونية ضد مصلحة الجمارك بخصوص استرداد التعويض عن أي ضرر نتج عن ذلك الحجز
ولكن إذا جاء الحجز مجافياً لأحكام قانون الجمارك سنة 1406هـ ولا يستند على أسباب معقولة فإنه يصبح حجزاً غير مشروع وغير قانوني مما يعرض مصلحة الجمارك إلي اتخاذ الإجراءات القانونية من قبل المضرور مطالبتها بالتعويض عن الضرر الذي تمخض عن ذلك الحجز والسؤال الذي يطرح ويفرض نفسه ويثور هنا ما إذا كان الحجز الإداري الذي قامت به المطعون ضدها بتاريخ 4 / 6 / 1988م على الباخرة موضوع الدعوى قد جاء وفقاً لقانون الجمارك سنة 1406هـ وبناء على أسباب معقولة
إن الإجابة على هذا السؤال تجيء - في تقديري - بالإيجاب ولكن ذلك لا يعني - كلما أسلفت - فرض رسوم جمركية على الباخرة موضوع الدعوى فقد حسمت محكمة التنفيذ وأيدتها محكمة المديرية - هذا الأمر لمصلحة الطاعنين كما أبنا آنفاً - بل يعني حماية وحصانة المطعون ضدها ضد أية إجراءات قانونية تتخذ ضدها لاسترداد التعويض على الضرر الناتج عن الحجز كما هو الحال في هذه الدعوى رقم 604/89 التي نحن بصددها
(1) الثابت من خلال إفادة الشاهد عبد الله حسن عيسي الذي قام بإجراء الحجز على الباخرة موضوع الدعوى أنه اعتبر أن الباخرة ( بضاعة ) طبقاً لنص المادة (2) من قانون الجمارك سنة 1406هـ وأنها مستوردة وفقاً لنص المادة 60 من ذات القانون ومن ثم قام بإجراء الحجز على تلك الباخرة توطئة لفرض الرسوم الجمركية عليها بواسطة المحكمة
عليه أري أن تصرفات مصلحة الجمارك ( المطعون ضدها ) المتمثلة في الحجز الإداري الذي أجراه ذلك الشاهد على الباخرة موضوع الدعوى جاءت وفقاً لقانون الجمارك سنة 1406هـ لأن المطلوب من مصلحة الجمارك أن تتصرف في إطار القانون ولا تخرج عنه قيد أنملة ولكنها غير ملزمة بتفسير مواد قانون الجمارك وتطبيقه لأن ذلك من عمل المحكمة وواجبها فإذا برزت لمصلحة الجمارك الأدلة المبدئية التي تشكل التهمة المبدئية التي إذا ثبتت أمام المحكمة فهي تؤدي إلي الجريمة تحت قانون الجمارك فيجب عليها أن تقوم بالحجز على البضائع حتى ولو جاء حكم المحكمة فيما بعد بالبراءة وعدم مخالفة قانون الجمارك وهذا ما حدث في هذه الدعوى التي بين أيدينا هذا وأنه من الثابت أن المطعون ضدها لم تستمر في حجز الباخرة موضوع الدعوى بعد حكم محكمة المديرية بفك الحجز بتاريخ 17 / 11 / 1988م بل سمحت للباخرة المذكورة بأن تبحر وتغادر الميناء
2 - الثابت أيضاً أن الأسباب التي استندت عليها المطعون ضدها في حجزها على الباخرة موضوع الدعوى كانت أسباباً معقولة
إن التصرف الذي يستند على أسباب معقولة هو تصرف الرجل المعقول العادي الرشيد أي هو التصرف من غير إهمال ومن عناصر التصرف بإهمال نشوء واجب العناية والإخلال بواجب العناية
فواجب العناية والانتباه وهو الافتراض القانوني - الذي يقع على عاتق المطعون ضدها بأن تتخذ الحيطة والحذر بحيث لا تسبب الضرر للطاعنة بحجزها على الباخرة موضوع الدعوى قد نشأ في حالة هذه الدعوى التي بين أيدينا
والمعيار المطلوب قانوناً لاتخاذ العناية والحرص والتدابير اللازمة لدرء الإخلال بواجب العناية والحيطة والحذر ليكون التصرف مستنداً على أسباب معقولة هو معيار الرجل المعقول العادي الرشيد في موقف وظروف الشخص مسبب الضرر بإهماله ولقد جاء في سابقة بابكر أبولكيلك ضد أحمد عبد الله بابكر الطاهر مجلة الأحكام القضائية سنة 1983م ص 268 في تعريف الرجل المعقول كالآتي : -
( فالرجل المعقول هو الرجل الحريص الحذر والذي لابد أن تجيء تصرفاته وسلوكه متسقة مع واجبات العناية والحيطة ولا يمكنه أن يقبل الاعتياد على الخطأ أو مخالفة القانون )
فتصرف المطعون ضدها بحجز الباخرة موضوع هذه الدعوى للفترة من 4 / 6 / 1988م إلي 18 / 11 / 1988م هو التصرف المألوف والمعروف في نظر الرجل المعقول العادي الرشيد في الظروف والملابسات التي اتخذت في ظلها المطعون ضده ذلك الحجز فالثابت أن الطاعنين قاموا بشراء الباخرة البارق بناء على حكم صادر من محكمة بورتسودان وقاموا بتحويل اسمها إلي الباخرة هشام (1) وعليه فإن الباخرة قد تم بيعها في داخل السودان وبما أن المطعون ضدها قد اعتبرت أن الباخرة بضاعة فإن الرجل المعقول في موقف وظروف المطعون ضدها سوف يقوم بحجز تلك الباخرة على أمل أن المحكمة قد تحكم بفرض الرسوم الجمركية عليها إن الباخرة التي تكون معفاة من الرسوم الجمركية هي الباخرة التي ترسو على الشاطيء للإصلاح فقط وبما أن الباخرة محل الدعوى ليست كذلك فإن ذلك يشكل سبباً معقولاً يبرر للمطعون ضدها - كالرجل المعقول في ظروفها - حجز تلك الباخرة حجزاً إدارياً
لذا بما أن حجز الباخرة موضوع النزاع الذي أجرته المطعون ضدها بتاريخ بين 4 / 6 / 1988م و 8 / 11 / 1988م والذي أعلنت محكمتا التنفيذ والمديرية بطلانه وفكه قد جاء وفقاً لقانون الجمارك سنة 1406هـ واستناداً لأسباب معقولة فانه لم يعد بحجز غير مشروع وغير قانوني وبالتالي بات حصناً للمطعون ضدها ضد الإجراءات القانونية التي اتخذتها الطاعنة ضد المطعون ضدها في الدعوى رقم 406/1989م مما يجعل الحكم بشطبها صادف صحيح القانون ويتعين تأييده
لما تقدم من أسباب أري شطب هذا الطعن إيجازياً ورسومه
القاضي : حيدر مصطفي حمد :
التاريخ : 1 / 8 / 1995م
أوافق على ما جاء بمذكرة مولانا العالم علي يوسف الولي أسباباً ونتيجة
القاضي : جون وول ماكيج
التاريخ : 3 /8 / 1995م
أوافـــق

