(م ع/ف ج/913/1993م)
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ بابكــر زين العابديــن قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ محمـد حمـد أبـو ســن قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ عبــد الرحمــن شرفـي قاضي المحكمة العليا عضواً
(م ع/ف ج/913/1993م)
المبادئ:
إثبات - شهادة الشهود - أهلية الشاهد - شهادة المرأة الواحدة - شهادة الشخص الواحد في جرائم التعازير - المادة 28 من قانون الإثبات 1983م
إثبات - عدالة الشهود - مفترضة ما لم يدع خلاف ذلك
المحامون :
الأستاذ / محمد الوسيلة محمد عن المتهـــــم
الحكــم
القاضي : محمد حمد أبو سن
التاريـخ : 6/12/1993م
قدم المتهمون الأربعة في هذه القضية للمحاكمة أمام محكمة جنايات بحري شرق تحت المادة 174(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م بتهمة سرقة مبلغ مليون جنيه نقدي من عربة الشاكي التي كانت تقف أمام عمارة الضرائب بحلة كوكو بعد سماع بينة الاتهام واستجواب المتهمين أمرت المحكمة بشطب الدعوى الجنائية في مواجهة المتهمين الثاني والثالث وذلك استنادا علي المادة 141(1) من قانون الإجراءات الجنائية لأن البينة المقدمة لا تؤدي إلي إدانتهما
استمرت الإجراءات في مواجهة بقية المتهمين (الأول والرابع) وبعد الاستماع لقضية الدفاع والمرافعات الختامية توصلت محكمة الموضوع إلي قرار يقضي بإدانة المتهم الأول وبراءة المتهم الرابع وحكمت علي المتهم الأول بالسجن لمدة عامين والغرامة مليون جنيه وبعدم الدفع السجن لمدة عام آخر وفي حالة دفع الغرامة تدفع كلها للشاكي كتعويض على أن يحصل مبلغ الغرامة بالطريق المدني في حالة عدم دفعها
إستندت محكمة الموضوع في قرار إدانة المتهم الأول على أقوال شاهدة الاتهام الثانية التي أكدت رؤيتها للمتهم الأول وهو يقوم بفتح باب العربة ورفع المقعد وأخذ الكيس الذي به القروش المسروقة ثم اختفاءه بعد ذلك
أيدت محكمة استئناف ولاية الخرطوم قرار الإدانة وعقوبة الغرامة والسجن البديل في حالة عدم الدفع وكذلك الأمر بالتعويض إلا أنها خفضت عقوبة السجن إلي عام واحد بدلا من عامين
أمامنا الآن طعن فــي قضاء المحاكم الأدنى مقدم بواسطة الأستاذ المحامي محمد الوسيلة محمد ويتلخص في الآتي :
أولاً : اعتمدت محكمة الموضوع في قرار الإدانة علي بينة الشاهدة الوحيدة وقد اختلف الفقهاء حول كفاية مثل هذه البينة للإدانة في جرائم التعازير وقد أشار الأستاذ للعديد من أقوال الفقهاء في هذا الصدد وخلص في النهاية إلى أنه ينبغي ألاّ تقبل بينة المرأة الواحدة كأساس للإدانة
ثانياً: أن الشاهد الذي تقبل شهادته هو من توفرت فيه عدالة الشاهد وأن الشاهدة التي أدلت بشهادتها في مواجهة موكلة المتهم ليست شاهداً عدلاً بحكم عملها كبائعة شاي لأنها تجالس الرجال الغرباء ويلتف حولها المتبطلون والمتسكعون كما أن بائعات الشاي مثلها يجلسن في الطريق العام كاشفات حاسرات كما تقوم الشاهدة أيضا بالدخول في مكاتب الرجال بالعمارة المجاورة لمكان عملها
ثالثاً: ليس مطلوباً من المتهم الطعن في عدالة الشاهد لأن التحقق من عدالة الشاهد واجب تقوم به المحكمة حتى ولو لم يطعن المتهم في ذلك وأن المحكمة لم تقم بهذا الواجب قبل الاستماع لأقوال الشاهدة في قضيتنا هذه وقد استند الأستاذ المحامي لتأييد وجهة نظره هذه إلي أقوال صاحبي أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد
رابعاً: لا توجد أي بينات أخرى تعضد بينة الشاهدة الوحيدة
نقول رداً علي ما ورد في مذكرة محامي المدان أن قانون الإثبات لسنة 1983م لا يفرق بين شهادة الذكر والأنثى وكل ما اشترط لأهلية الشاهد هو العقل والقدرة علي التمييز فقد جاء في المادة 28 من القانون المشار إليه ما يلي : "يكون أهلا لأداء الشهادة كل شخص عاقل مميز للوقائع التي يشهد بها"
من ناحية أخري لا يوجد ما يمنع الاعتماد علي شهادة الشخص الواحد ولو كانت امرأة في جرائم التعازير متي ما اطمأنت المحكمة إليها واقتنعت بها
أما ما أثير حول عدالة الشاهدة فإنني أتفق مع محكمة الاستئناف فيما أوردته في هذا الصدد إذ كان يتعين أن يطعن في عدالة الشاهدة أمام محكمة الموضوع لأن ذلك ما نص عليه المنشور الجنائي رقم 97/83 حيث أشار إلي أن الأصل في الشاهد العدالة حتى يقوم الدليل علي خلاف ذلك ممن يدعي خلاف هذا الأصل معني هذا أنه ليس من واجب القاضي من تلقاء نفسه أن يتحقق من عدالة الشاهد الذي يشهد أمامه بل تفترض العدالة في الشاهد ويتم التحقق من عدالة الشاهد بواسطة القاضي بعد أن يطعن أمامه في عدالة الشاهد
الواضح أن المشرع عندنا بموجب المنشور المشار إليه قد تبني رأي الإمام أبي حنيفة وخالف رأي الصاحبين أبي يوسف و محمد فقد ورد في كتاب البدائع للكاساني (الجزء السادس صفحة 268 و 269) ما يلي" أما فيما عدا الحدود والقصاص فإذا طعن الخصم في الشاهد فعلي القاضي ألاّ يكتفي بظاهر العدالة بل يسأل عن حال الشهود أما إذا لم يطعن الخصم في عدالة الشاهد فقال أبو حنيفة لا يسأل الحاكم عن عدالة الشاهد اكتفاء بالعدالة الظاهرة لأن ظاهر المسلمين العدالة وقال البعض الآخر ومنهم أبو يوسف ومحمد عليه أن يسأل عن عدالة الشاهد ولو لم يطعن الخصم"
لقد كان يتعين علي المدان أن يطعن في عدالة الشاهدة قبل الإدلاء بأقوالها أمام محكمة الموضوع والتي كان في إمكانها التحقق من عدالة الشاهدة أما الطعن في العدالة بعد تلك المرحلة فهو يعتبر متأخراً وينبغي ألاّ يلتفت إليه
أخلص من كل ما تقدم إلي أن محكمة الموضوع اطمأنت إلي بينة الشاهدة الوحيدة المقدمة ضد المدان وأسست عليها الإدانة ولا أري فيما توصلت إليه ما يستوجب تدخلنا عليه أري أن نؤيد قضاء محكمة الاستئناف المؤيد لقضاء محكمة الموضوع فيما يتعلق بتأييد الإدانة وعقوبة الغرامة والسجن البديل في حالة عدم الدفع والأمر بالتعويض كما أري أن نؤيد قرار محكمة الاستئناف القاضي بتخفيض عقوبة السجن إلي عام واحد
القاضي : بابكر زين العابديـن
التاريـخ : 9/12/1993م
كان الواجب ألاّ يكون الاعتراض علي البينة في هذه القضية علي أساس أن شاهدة الإثبات الثانية امرأة ولا علي أساس أنها من بائعات الشاي وذلك لأن قانون الإثبات وفيما عدا حالات الضرورة وفيما عدا جرائم الحدود لم يشترط الذكورة في مؤهلات الشاهد لإدلاء الشهادة ولم يشترط التعددية ولم يشترط المهنة ولكن كان يمكن الاعتراض على أقوال الشاهدة علي أنها في هذه القضية بالذات لا تصلح لأن تؤسس عليها الإدانة وذلك باختصار للأسباب الآتية :
1- تعترف الشاهدة بأنها شاهدت المدان الأول يرتكب الجريمة أمام عينيها ومع ذلك لم تتدخل لمنعه من ارتكاب الجريمة ولم تبلغ عنه أصحاب الشأن بأنه قد ارتكب الجريمة ولم تستعن بالآخرين لمنعه من ارتكاب الجريمة سلوك الشاهدة آنفة الذكر يضعها في موضع الشريك حكماً بينة الشريك حكماً كما استقر القضاء تتطلب التأييد انعدم التأييد الذي يتطلبه الاحتياط في مثل هذه الظروف
2- بالإضافة إلي أن أقوال شاهدة الإثبات الثانية في حكم أقوال الشريك وبالإضافة إلي أن القضاء في السودان وخارجه قد استقر على أن أقوال الشريك أو من هو في حكم الشريك تتطلب من باب الحيطة والحذر والاحتياط التأييد وبالإضافة إلى أن التأييد المطلوب قضاءً قـد انعدم في هذه القضية فإن سلوك الشاهدة من جلوس على الكرسي عندما وجدت المتهم الرابع يتحدث مع شاهد الإثبات الرابع عن السرقة من التزام جانب الصمت إلى أن استفسرها شاهد الإثبات الرابع ثم الحديث فيما بعد وبعد أن استفسرت عما إذا شاهدت السارق والإدعاء بـأنها شاهدت السارق ولم تتكلم لأنها خائفة ثم الإدعاء بأنها تابعت السارق إلي منزلها خوفاً من أن يضع السارق المال المسروق في منزلها فإنه سلوك لا يبعث الطمأنينة في صدق رواية الشاهدة وعلى العكس من ذلك يبعث الشك ويزعزع الثقة في شهادة الشاهدة
3- بالإضافة إلى أن بينة الشاهدة في هذه القضية تحتاج لتأييد وقد انعدم ذلك التأييد وبالإضافة إلى أن سلوك الشاهدة يبعث عدم الثقة في أقوالها فإن ظروف القضية الأخرى من علم المتهم الرابع بمكان المال المسروق في السيارة ومن أخذه لمفاتيحها من الشاكي وفتحها به من عدم استعمال وسائل عنف في فتح السيارة ومن علاقة المتهم الرابع بشاهد الإثبات الرابع تزيد من الشك في حديث الشاهدة
عليه أري إلغاء الإدانة والعقوبة والأمر بالإفراج عن المدان الأول لأن البينة اقتصرت علي أقوال شاهدة الإثبات الثانية ولأن تلك الأقوال تحتاج إلي تأييد وقد انعدم التأييد كما أن سلوك الشاهدة والظروف التي ارتكب فيها الحادث تبعث الشك في مصداقية الشاهدة
القاضي : عبد الرحمن شرفي
التاريــخ : 25/1/1994م
أختلف تماماً مع زميلي بابكر زين العابدين في اعتبار شاهدة الاتهام الأولى - شريكاً - ومن ثم اعتبار شهادتها من قبيل بينة الشريك فهي لا ينطبق عليها شيء من عناصر الاشتراك مطلقاً فهي مجرد شاهدة تقاعست عن أداء الشهادة حيناً وتلك يمكن أن ترقي إلي جريمة قائمة بذاتها - أحياناً - ولكن بالطبع لا يبدل في مركز الشاهد بالدرجة التي تجعله شريكاً - ومن ثم فإن شهادتها الصريحة القائمة علي المعاينة كافيه لتأسيس الإدانة عليها ولا يعتد بشيء كما في أقوال المحامي من تجريح بعدم العدالة للأسباب التي ذكرها زميلي محمد حمد أبو سن - ومن ثم أتفق تماماً مع زميلي محمد حمد أبو سن فيما خلص إليه بشأن الإدانة والعقوبة

