(م ع/ف ج/388/1993م)
المحكمة العليا
القضــاة :
سعادة السيد/ جـلال علــي لطفــي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ هاشـم محمـد أبو بكــر قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ حسـين عوض أبو القاســم قاضي المحكمة العليا عضواً
(م ع/ف ج/388/1993م)
المبادئ:
قانون جنائـــي - مصادرة الأماكن التي تستخدم لأغراض الدعارة - المادة 155 من القانون الجنائي لسنة 1991م
قانون جنائي - جريمة ممارسة الدعارة - ثبوتها بالتكرار والاعتياد - المادة 154/1 من القانون الجنائي لسنة 1991م
قانون جنائــي - جريمة التستر - لا تشمل تستر الوالد على ابنه - المادة 107/2 من القانون الجنائي لسنة 1991م
أن مصادرة الأماكن التي تستخدم لأغراض الدعارة وفقاً للمادة 155 من القانون الجنائي لسنة 1991م جوازية في حالة الإدانة الأولي وترك تقديرها للمحكمة وفقاً لظروف كل قضية ويجوز لها استعمال الحق في حاله المجاهرة والاستهتار والإعلان بالفاحشة وما يثير شعور المواطنين أما إذا كان المكان معداً للدعارة وتكررت الإدانة وثبت الاعتياد وعدم الاكتراث والإصرار فإن عقوبة المصادرة ملزمة للمحكمة
ثبوت واقعة واحدة لا يقوم دليلاً علي ممارسة الدعارة أو التكسب منها وفقاً لنص المادة 154/1 من القانون الجنائي لسنة 1991م بل يتعين أن يتم ذلك الفعل بشكل متكـرر وإثبات عــدة حالات فــي هــذا الصـدد لأن جريمة ممارسة الدعارة لا تثبت إلا بالتكرار والاعتياد
تستثني المادة 107/2 من القانون الجنائي لسنة 1991م الوالدين والأبناء والزوجين من التجريم لتسترهم أو إيوائهم لبعضهم البعض
الحكــم
سعادة رئيس القضاء / جلال علي لطفي
التاريخ : 9/6/1993م
1- تتلخص وقائع هذه القضية في أن المتهم وآخرين قد أدينوا أمام محكمة الأسعار والنظام العام بودنوباوي تحت المواد 154 و 155 من القانون الجنائي لسنة 1991م وحكم علي كل منهم بتسعين جلدة كما وأصدرت المحكمة قراراً بمصادرة مزرعة المدعو والد المتهم الأول بالرغم من أنه لم يكن متهما في البلاغ موضوع المحاكمة
2- تقدم الأستاذ مرسي عبد الله مرسال المحامي باستئناف لمحكمة استئناف محاكم الأسعار والنظام العام نيابة عن كل المتهمين فأيدت محكمة الاستئناف الإدانة والعقوبة وألغت قرار المصادرة الخاص بالمزرعة ووجهت محكمة الموضوع بإجراء مزيد من التحري بالنسبة " لعلم " مالك المزرعة بما كان يجري في مزرعته من أفعال وممارسات تقع تحت طائلة القانون الجنائي وقد قامت محكمة الموضوع بالتحري في ذلك واستمعت إلي شهادة بعض شهود الاتهام وقررت إعادة الأمر بالمصادرة
3- تقدم الأسباب محامي المتهم باستئناف مرة أخري لمحكمة الأسعار والنظام العام ضد قرار المصادرة الخاص بالمزرعة فأيدت محكمة الاستئناف قرار محكمة الموضوع للأسباب التي ذكرتها في حيثياتها ومن ثم كان طلب الفحص الذي أمامنا والذي تقدم به كل من الأستاذين مرسي عبد الله مرسال وحسن البيلي المحاميين وقد طلبا إلغاء حكم محكمة الموضوع وحكم محكمة الاستئناف المؤيد له والذي يقضي بمصادرة المزرعة مبديان الأسباب التالية :
( أ) أن المدعو لم يكن من المتهمين في البلاغ موضوع المحاكمة الذي حوكم بمقتضاه المتهمون تحت المواد 154 و 155 من القانون الجنائي لسنة 1991م
(ب) لم يقدم الاتهام ما يثبت أن الأفعال التي عوقب عليها المتهمون أفعال متكررة ارتكبت أكثر من مرة
(ج) أن الجزء الذي كان يقيم فيه المتهم الأول إبن المتهم يقع في الجانب الآخر من المزرعة بعيداً عن المكان الذي يقيم فيه والده مع زوجته وبقية العائلة ويفصل الجزأين أشجار كثيفة يصعب معها مشاهدة الوالد لما يفعله ابنه وأصدقاؤه في المكان الذي كانوا فيه
(د) إنه حتى إذا كان الوالد يعلم ما كان يفعله ابنه وتستر عليه فإن المادة 107(2) من القانون الجنائي لا تعتبره مرتكباً لجريمة التستر ولا تعاقبه على ذلك
(هـ) إن المصادرة للمزرعة والتي تبلغ قيمتها الملايين من الجنيهات لا تتناسب كعقوبة علي ما أتهم به والد المتهم الأول خاصة وأن المتهمين الآخرين لم يعاقبوا بأكثر من الجلد
(و) أن هنالك شيء غير عادي بالنسبة للمحكمة التي أصدرت الحكم من حيث الاختصاص لان ما حدث كان في منطقة سوبا وفتح البلاغ في نقطة شرطة شمال أم درمان ونظرت القضية أمام محكمة الأسعار والنظام العام بودنوباوي
(ز) أن المحكمة قد بنت إدانتها للمتهم علي شهادة أحد المتهمات التي تدعى والتي ذكرت بأن المتهم قد شاهدها في المزرعة
(ك) إن ما ذكره المتهم للشرطة وأنكره فيما بعد وهو أن المتهمة التي تدعي هي خطيبة ابنه لا يصح سبباً للإدانة لأنه أولاً ليس هو بالإقرار الصحيح لأنه - إن صح - فهو مجرد حديث مع المتحري وثانياً حتى إذا قاله وأعتبر إقرارا فإنه قد أنكره ورجع عنه والرجوع عن الإقرار يجعله مكاناً للشك ولا يعتمد عليه ما لم تؤيده بينات أخرى مستقلة وهي ليست متوفرة في هذه الحالة
(ع) هذه هي الأسباب التي ساقها الأستاذان المحاميان العالمان فــي طلب الفحص وبعد إطلاعي علي الأوراق أري أن ما أصدرته محكمة الموضوع من عقوبة علي المتهم مالك المزرعة وأيدته محكمة استئناف محاكم الأسعار والنظام العام وهو مصادرة المزرعة لعلمه بأنها تستخدم لأغراض الدعارة لا تسنده وقائع ثابتة ولا قانون وذلك واضح من الآتي :
أولاً : كما هو ثابت من وقائع فان مساحة المزرعة موضوع المصادرة تبلغ حوالي خمسة أفدنه يسكن في أحد أطرافها مالكها ويسكن في طرفها الآخر ابنه المتهم الأول ويفصل المكانين أشجار كثيفة يصعب معها علي المتهم أن يشاهد أو يراقب أو يري أو يسمع ما يجري في المكان الذي به ابنه وهذه البينات المادية الظاهرة تنفي أنه كان علي مشهد أو مسمع للممارسات غير الأخلاقية التي صدرت من ابنه وأصدقائه
هذا فضلاً عن أنه من المعروف لدي الجميع وبين أفراد الأسرة السودانية أن الآباء لا يتدخلون في شئون أبنائهم وما يتصل بحرياتهم ولا يحاولون التجسس عليهم للوقوف والإطلاع علي تصرفاتهم مع ضيوفهم وأصدقائهم حتى ولو كان الابن يسكن في حجرة ملاصقة لحجرة والده ناهيك عن المزرعة التي تبلغ مساحتها خمسة أفدنة ويبعد المكان الذي فيه الابن وأصدقاؤه عن المكان الذي فيه الوالد آلاف الأمتار ولذا فانه لا غرابة إذا ادعى الوالد أنه كان لا يعلم عما كان يقوم به ابنه في تلك الليلة
لذا إذا طبقنا معني كلمة " العلم " الواردة في القانون الجنائي نجد أن المتهم لم يكن مدركاً لما كان يجري في الطرف الآخر من مزرعته لصعوبة أو استحالة مشاهدة ذلك ولعدم وجود ما يحمله على الاعتقاد بان ابنه يمارس من الأفعال ما يخالف القانون
ثانياً : تنص المادة 154 من القانون الجنائي لسنة 1991م على الآتي :
1- يعد مرتكباً جريمة ممارسة الدعارة من يوجد في محل للدعارة بحيث يحتمل أن يقوم بممارسة أفعال جنسية أو يتكسب من ممارستها يعاقب بالجلد بما لا تجاوز مائة جلدة أو بالسجن مدة لا تجاوز ثلاث سنوات
2- يقصد بمحل الدعارة أي مكان معد لاجتماع رجال أو نساء أو رجال ونساء لا تقوم بينهم علاقات زوجية أو صلات قربي وفي ظروف يرجح فيها حدوث ممارسة جنسية
أما بالنسبة للفقرة الأولى 154(1) فإن الاتهام لم يثبت بأن مزرعة المتهم مكان تمارس فيه الدعارة بشكل متكرر وهذه أول مرة يداهم فيها رجال الأمن هذه المزرعة كما وأنه لم ترد أية بينات تثبت أن صاحب المزرعة يعيش ويتكسب من السماح للآخرين بممارسة الدعارة فيها وثبوت واقعة واحدة لا يقوم دليلاً علي ممارسة الدعارة أو التكسب منها التي قصدها القانون إذ لابد من إثبات عدة حالات في هذا الصدد ولا تثبت جريمة ممارسة الدعارة إلا بالتكرار والاعتياد
أما بالنسبة للفقرة الثانية من هذه المادة (154 (2) ) فإن الاتهام لم يقدم من البينات ما يثبت أن المتهم قد أعد هذه المزرعة موضوع القضية لتكون مكاناً لالتقاء الرجال والنساء الذين لا تربطهم صلة قربي وذلك بغرض ممارسـة الدعارة أو تهيئة الظروف التي يمكن أن يستنتج منها احتمال ذلك خاصة وأن المتهم الأول هو ابن المتهم صاحب المزرعة ولا يعقل أن يخصص والد مكاناً في بيته أو مزرعته التي يسكن فيها ليمارس فيه ابنه وأصدقاؤه الفاحشة والدعارة لأن ذلك عكس ما تعارف عليه الناس في السودان كما وأنه يتنافى مع ديننا وأخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا بل أنه أمر شاذ حتى في البلدان التي عرفت بانحلال أخلاق أهلها وتفكك روابط أسرها
ثالثاً : إن ما وصلت إليه محكمة الموضوع ومحكمة استئناف محاكم الأسعار والنظام العام من استنتاج مما ذكرته المتهمة في شهادتها بأن المتهم قد شاهدها في المزرعة وبالتالي فإنه كان يعلم بما كان يمارسه ابنه وأصدقاؤه من أفعال الفاحشة استنتاج غير صحيح ولا يثبت علم المتهم المطلوب قانوناً خاصة وأن ابنه قد أخبره بما ينفي ذلك وهو أنه قد تزوجها وقد أثبت الابن ذلك بمحضر التحقيق في أقواله الأولي بصفحة 12 من يومية التحري حيث قال :
" ما عندي أي علاقة مع فقط عملت معاها عمل خير أنا ما بعرفها قبل كده أنا قلت لوالدي أنا عاقد عليها "
فإذا كذب الابن وصدقه الوالد لا يحاسب على عدم تشككه فيما أخبره ابنه به أما القول بأن هذه متزوجة من آخر ولازالت في عصمته وأن هذا يؤكد علم المتهم بما كان يمارسه ابنه معها من معاشرة غير شرعية قول غير سليم ولا يستقيم منطقاً ولا تؤسس عليه إدانة لأن علم هذا كان عند الابن وعند رجال الأمن أما الوالد فإن ما ذكره له ابنه من أنه متزوج بها يكفي لنفي علمه بأية علاقة غير شرعية بينها وبين ابنه
وحتى إذا كان الوالد يعلم أن ابنه يمارس الدعارة مع المتهمة وتستر عليه فإنه لا يسأل جنائياً عن ذلك وفقاً لنص المادة 107(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م التي تستثني الوالدين والأبناء من المعاقبة على التستر
رابعاً : أن المادة 155 من القانون الجنائي لسنة 1991م تنص علي حالتين بالنسبة لمصادرة الأماكن التي تستخدم لأغراض الدعارة الحالة الأولي جوازية أي يجوز للمحكمة أن تأمر بالمصادرة أو لا تأمر بها وهذا بالطبع يتوقف علي ظروف كل قضية وملابساتها وأعتقد أن المشرع قد أعطي المحكمة هذا الحق وتركـه لتقديرها لكي تستخدمه في حالات المجاهرة والاستهتار والإعلان بالفاحشة وما يثير شعور المواطنين وتصادر العقار حتى في أول إدانة
أما الحالة الثانية التي نصت عليها المادة المذكورة فإن المحكمة ملزمة بأن تأمر بالمصادرة إذا كان المكان معداً للدعارة وتكررت الإدانة وثبت الاعتياد وعدم الاكتراث والإصرار علي ارتكاب الجريمة والتمادي في ذلك
وفي الحالة التي أمامنا فإنه واضح أنها أول مرة يجد فيها رجال الأمن ما وجدوا من اجتماع يضم بعض النساء والرجال مما لا تربطهم صلة قربي ومما يمكن أن يستنتج من اجتماعهم احتمال اتصالات غير شرعية مع بعضهم البعض ولم تسبق هذه الحالة حالات أخري وحتى في هذه الحالة كما وضحنا فإن هنالك من المبررات والشبهات والشك ما يجعل هذه المحكمة تتردد بل تصرف النظر عن موضوع المصادرة لان المتهم الأول هو ابن مالك المزرعة وكما بينا فإنه لا يعقل أن يعد الأب جزءاً من منزله أو مزرعته ليمارس ابنه وأصدقاؤه فيها الدعارة والفاحشة كما وأنه لم يثبت أن المزرعة قد اشتهرت بأنها مكان معد للدعارة
إن ما ثبت من وقائع قد يدين المتهم أدبياً وليس جنائياً فهو يستحق اللوم فقط علي عدم اهتمامه بتصرفات ابنه الذي يسكن معه إذ أنه بالرغم مما يفرض هذا الزمان علي الأباء من عدم التدخل في شئون أبنائهم وعدم انتهاك خصوصياتهم وبالرغم مما تنادي به مبادئ التربية الحديثة من إعطاء الأبناء ما ينشدونه من حرية كان الواجب علي الأب ألا يترك الحبل علي القارب ويعطي ابنه هذا القدر الكبير من الحرية وكان عليه أن يتفقد مكان سكنه ولو بعد فترات طويلة
وعليه لما ذكرنا من أسباب ولعدم وجود ما يبرر مصادرة المزرعة فإنني أري - إذا وافق الزميلان - الثاني إدانة المتهم وإلغاء قرار محكمة الموضوع المؤيد من محكمة استئناف محاكم الأسعار والنظام العام الخاص بمصادرة المزرعة وإعادتها لصاحبها وتأييد إدانة بقية المتهمين
القاضي : هاشم محمد أبو القاسم
التاريــخ : 9/6/1963م
أوافـــــــــــق
القاضي : حسين عوض أبو القاسم
التاريــخ : 9/6/1993م
أوافـــــــــق

