(م إ/إ س ج/73/1993)
محكمة استئناف الولاية الشرقية
بورتسودان
القضاة :
سعادة السيد/ عبد الرؤوف حسب الله ملاسي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ هاشــم حمـزة عبد المجيد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ محمــد صالــح محمـد قاضي المحكمة العليا عضواً
(م إ/إ س ج/73/1993)
المبادئ:
إجراءات جنائية - فتح الدعوى الجنائية دون إذن في الجرائم التي تتطلب الإذن - أثره - بطلان إجراءات التحري والمحاكمة - المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية 1991م
إجراءات جنائية - إحالة النيابة بلاغ للمحاكمة بتهمة غير صحيحة - إذا كانت التهمة الصحيحة تحتاج إلي إذن للتحري ولم يتحصل عليه - أثر ذلك - بطلان الإجراءات ووجوب شطب الاتهام
1- إغفال الحصول علي الإذن في حالة الدعوى الجنائية التي يحتاج تحريكها إلي إذن يبطل إجراءات التحري لانعدام السند الذي تحرك به الدعوى الجنائية ابتداءً وينعدم تبعاً لذلك السند للمحاكمة انتهاء
2- إذا أحالت النيابة بلاغاً للمحاكمة بتهمة غير صحيحة أو تكييف غير سليم فالمحكمة لا تتدخل ولكنها غير ملزمة بمحاكمة المتهم بموجب هذه التهمة ولها سلطة تعديلها أو إعادة صياغتها ويجوز لها شطب الاتهام أما إذا كانت التهمة الصحيحة تتطلب إذنا ولم يتحصل عليه فعلي المحكمة شطب الاتهام دون سماع لانعدام الإذن بالسير في الدعوى ابتداءً
رأي عابــر :
3- لإدانة المتهم تحت المادة 114 (قانون جنائي) لا يكفي لتأسيس الاتهام أن الشاكي قد شطب البلاغ في مواجهته نتيجة لوزن البينات بل يتعين عليه أن يثبت كذَّب الإدعاء المنسوب إليه ابتداء
الحكـــم
القاضي : عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
التاريـخ : 19/3/1993م
هذا طلب يلتمس فيه مقدمه فحص قرار محكمة المديرية القاضي بإلغاء قرار قاضي الجنايات من الدرجة الثالثة وإعادة البلاغ للمحاكمة (بلاغ 2773/92 تحت م 159 ع (جنائي) ويدور محور الطلب حول أن النيابة أحالت البلاغ للمحاكمة دون (إذن المحكمة) التي وقعت أمامها الإجراءات محل إشانة السمعة وفي تقديري أن الطلب يتعين الفصل فيه علي النحو التالي :
أولاً : الواضح أن البلاغ فتح بواسطة النيابة بناء علي شكوى قدمتها الشاكية ضد المتهمين علي أساس أنهم فتحوا ضدها بلاغ بتهمة أنها تمارس الدعارة وأن البلاغ شطب في محاكمة إيجازي 842/1982م
ثانياً : الواضح أن هنالك بلاغ آخر أيضاً فتحه (زوج الشاكية) بنفس المعني وبالتالي ضمت البلاغات في إجراءات واحدة وأيضا ضم معهما بلاغ آخر في ذات الموضوع
ثالثاً : سمعت محكمة الجنايات الإجراءات في محاكمة إيجازي 110/1993م وقررت في هذه المحاكمة شطب البلاغ علي أساس أن البلاغ الذي فتحته النيابة كان (تحت م 159 إشانة السمعة) في حين (أن الاتهام الذي تدعيه الشاكية هو (تحت م 114 جنايات سنة 1991م لأن الشاكية تدعي أنها أشينت سمعتها بناء علي بلاغ كاذب وحيث لم تأمر النيابة بإحالة البلاغ تحت هذه التهمة فإنها لم تأذن (بتحريك الدعوى الجنائية) بموجب م (33) / 34 / 35 إجراءات جنائية سنة 1991م والتي تتطلب الإذن قبل تحريك الدعوى الجنائية إلا أن قاضي المديرية يخالف ذلك حسب وجهة نظره في أن إحالة النيابة البلاغ ينطوي علي وجود الإذن حتى بفرض عدم صحة أو خطأ في التهمة الموجهة للمتهم وهذا لا يؤثر في صحة الإذن
رابعاً : بالرجوع إلي نصوص م 33 - 34 - 35 إجراءات نجد تحريك الدعوى الجنائية بشكوى هو من (سلطات النيابة) أو الشرطة تحت إشراف النيابة فالمادة 33 تقول (تفتح الدعوى الجنائية بناء علي علم لدي الشرطة الجنائية أو وكيل النيابة أو بناء علي ما يرفع إلي أيهما من بلاغ أو شكوى) وبالتالي فنظر الشكوى من اختصاص النيابة كوسيلة لتحريك الدعوى الجنائية - وبالرجوع إلي نص م (34) من نفس القانون فهي تحدد الأشخاص الذين لهم حق (رفع الشكوى إلي النيابة) ومنهم من ارتكبت الجريمة في حقه أو في نطاق مسئوليته إلا أن نص م (35) من ذات القانون (قيد فتح الدعوى الجنائية) بوجوب الإذن والواضح أن هنالك خلاف حول فهم مسألة الإذن اللازم (لفتح الدعوى الجنائية) وسبب الخلاف نابع من فهم وتفسير نص م (35) إجراءات جنائية سنة 1991م وفقاً لما تتطلبه م 6(1) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة سنة 1974م والذي ينص على أنه في حالة تفسير النصوص القانونية يجب أن (تفسر نصوص أي قانون بما يحقق الغرض الذي شرع من أجله ويفضل في جميع الحالات التفسير الذي يحقق هذا الغرض)
وبالتالي فالسؤال هو ما هو المقصد أو الغرض الذي رمي إليه المشرع في قانون سنة 1991م بوجوب (الإذن لفتح الدعوى الجنائية) في حالة تعلق الجريمة بمسائل معينة أوردها علي سبيل الحصر (في حين أن الإذن غير لازم ولا قيد علي النيابة أو الشرطة بالنسبة لفتح الدعوى في الجرائم الأخرى) ؟؟
وفي تقديري أن القصد ينحصر في هدف وغرض محدد :
هو تقييد سلطة الشرطة في فتح البلاغ في حالات معينة وتقييد النيابة وسلطتها في فتح الدعوى الجنائية عن طريق البلاغ أو الشكوى بحيث لا تملك النيابة أو الشرطة تحريك الدعوى الجنائية إلا بالحصول علي الإذن المسبق في الجرائم المعنية وذلك الإذن نابع من خصوصية والطبيعة الخاصة للجرائم المعنية التي تجعلها تختلف عن باقي الجرائم الأخرى بما يستوجب (ذلك الإذن الخاص) قبل تحريك الدعوى تجاه الأفعال المذكورة علي أساس التحوط والتدقيق بالإذن حتى لا يترتب علي تحريك الدعوى الجنائية بالطريقة العادية إلي آثار ضارة يصعب تداركها بناء علي تلك الطبيعة الخاصة
ومن ثم وعلي ضوء مقصد المشرع هذا يمكن فهم النتيجة من الإذن بأنه :
لا يصح أي إجراء قانوني يرتبط بفتح الدعوى الجنائية إذا تم دون الحصول علي هذا الإذن ويعتبر باطلاً وما بني علي الباطل فهو باطل ولا يرتب أي أثر قانوني صحيح ويتبع من بطلان فتح الدعوى الجنائية بطلان إجراءات المحاكمة بحيث لا تملك المحكمة سلطة (محاكمة أي دعوى جنائية لم يتحقق الإذن اللازم لفتحها أو بالتالي لم يتحقق بالتبعية الإذن اللازم لصلاحيتها للمحاكمة)
وتبعاً لذلك نعود إلي المناقشة التفصيلية لمسألة الإذن قبل أن نقرر خطأ (قاضي الجنايات القاضي بشطب الاتهام لعدم وجود الإذن من عدمه) أو نقرر خطأ محكمة المديرية في تقريرها أن عدم وجود الإذن لا يبطل الإجراءات لأنها من سلطة النيابة التحقق منه ولا تتدخل بشأنه المحكمة وما عليها إلا أن تحاكم ما حول إليها من النيابة علي أنه صحيح ومطابق للقانون - وذلك على النحو التالي :
(1) تنص م (35) علي الآتي : وهي واردة في باب تقييد فتح الدعوى الجنائيــة لا يجوز فتح الدعوى الجنائية :
( أ ) بواسطة الشرطة الجنائية إلا بإذن من وكيل النيابة في الجرائم الآتية :
أولاً: التي لا يجوز فيها القبض بدون أمر :
ويلاحظ بالنسبة لهذه الفقرة أن المشرع قيد سلطة الشرطة فقط في الجرائم التي لا يجوز لها أن تقبض فيها إلا بأمر من النيابة أو المحكمة مع ملاحظة أن المشرع في الجدول الثاني (حدد الجرائم التي يجوز فيها القبض دون أمر) بما يفهم منه أن باقي الجرائم لا يجوز القبض فيها بدون أمر
ثانياً : المتعلقة بموظف عام :
وهي الجرائم التي نص عليها المشرع في الباب العاشر مـــن القانون الجنائــــي سنة 1991م المواد (من 88 إلي 103) والتي وردت في باب (الجرائم المتعلقة بالموظف العام)
وبالنظر في مقصد المشرع في هذه الفقرة أنه أراد أن يقيد سلطة الشرطة الأصلية ( في فتح الدعوى الجنائية بموجب (إجراء البلاغ) وهي السلطة المحددة في م (33) تفتح الدعوى الجنائية بناء علي علم لدي الشرطة الجنائية أو وكيل النيابة أو بناء علي ما يرفع إلي أيهما من بلاغ وشكوى - والمادة 25 (2) ب : تلَّقي البلاغات والشكاوي وتدوين الدعوى الجنائية وإجراء التحريات اللازمة وممارسة السلطات والواجبات المنصوص عليها في هذا القانون) ووفقاً للمادة 44 (1 - 2 - 3) والخاصة بإجراءات فتح الدعوى الجنائية فالمشرع في الفقرة أولاً : نص في م 45 (1 - 2) إجراءات نجد أن المشرع قد نص على (كيفية فتح الدعوى الجنائية أمام الشرطة في الجرائم التي لا يجوز فيها القبض بدون أمر بأن عليه رفع الأمر إلي النيابة والمقصد من م (45) مقروءة مع م 35(أ) أولاً واضح من أن المشرع قيد الشرطة وسلطتها في إجراء محدد بالنسبة للجرائم التي لا يجوز القبض فيها بدون أمر بأن (علي الشرطة تدوين ملخص البلاغ أو الشكوى أو المسألة محل الاشتباه ثم رفع ذلك الملخص في تقرير وإحالته مع المبلغ أو الشاكي إلى وكيل النيابة لاتخاذ ما يراه مناسباً) والنص يقول :
يشتبه في ارتكاب جريمة لا يجوز فيها القبض بدون أمر فعليه تدوين ملخص ذلك في تقرير وإحالته مع المبلغ أو الشاكي إلي وكيل النيابة لاتخاذ ما يراه مناسباً وذلك مع مراعاة أن م (45) فقرة (2) تجيز استثناء للشرطة فتح الدعوى الجنائية في الأحوال الاستثنائية إذا تبين لها من ظروف الحال أن التأخير في التحري يضر بسير العدالة بشرط أن ترسل تقريراً بذلك إلي النيابة خلال 24 ساعة موضحاً أسباب اتخاذه تلك الإجراءات
ومن ثم فبقراءة م (35) (أ) مع م 54 ( 1 2 ) والخاصة بالجرائم التي لا يجوز فيها القبض بدون أمر نجد أن المشرع ( أوجب علي الشرطة أن تدون فقط ملخص البلاغ أو الشكوى وإحالة ذلك الملخص مع المبلغ أو الشاكي إلي النيابة للحصول علي الإذن الذي تتطلبه م 35 ( أ) كما أسلفنا ويكون إجراء الشرطة باطلاً إلاّ في حالة الاستثناء السالف ذكره وهذه مسألة تقدرها النيابة بموجب سلطتها الإشرافية علي الشرطة في التحري وينطبق ذات الأمر علي الفقرة ثانياً من م 35 (أ)
أما الفقرة (ب) من المادة (35) فتنص علي الآتي :
لا يجوز فتح الدعوى الجنائية إلا بناء على إذن إذا كانت من الجرائم الآتية :
أولاً : المتعلقة بالموظف العام
ثانياً : المخلة بسير العدالة
ثالثاً : التي يجوز فيها التنازل الخاص عن الدعوى الجنائية
رابعاً : التي ينص أي قانون علي اشتراط الإذن فيها
أما الفقرة (ج) لا يجوز تحريك الدعوى الجنائية في مواجهة أي شخص يتمتع بالحصانة الخ إلا من الجهة التي لها حق سحب الحصانة الخ وفي هذه الفقرة لبس في تحديد الجهة التي تمنح الإذن) وهنالك رأي يري أنها (النيابة وفي تقديري أن هذا الفهم يخالف النص تماماً ويخالف مقصد التشريع الذي أسلفنا الحديث عنه وأري أن الإذن المعني في هذه الفقرة هو على النحو التالي :
أولاً : إذن الموظف العام المتعلقة به الجريمة
ثانياً : إذن الجهة التي حدث الإخلال بالعدالة قبلها أو أمامها
ثالثاً : الإذن من الجهة التي تحدد القانون الخاص وجوب الحصول علي إذنها كقانون الشرطة مثلاً والذي يوجب إذن رأس الدولة بالنسبة للشرطة في غير حالة التلبس - والنيابة تحت قانون النائب العام الذي يوجب إذن النائب العام وقانون السلطة القضائية الذي يوجب إذن رئيس القضاء
رابعاً : الجرائم التي يجوز فيها التنازل الخاص (المنصوص عليها في (الجدول الأول) الملحق بقانون الإجراءات الجنائية والإذن المعني هنا من صاحب المصلحة المباشر والمضرور في حالة إذا تقدم بالبلاغ والشكوى (شخص آخر غير المضرور) أما الفقرة (ج) فلا يكون الإذن إلا من الجهة التي خولها القانون سحب الحصانة وواضح من الفقرات جميعها ومن صياغتها أن (الإذن) يأتي من جهة أخري غير النيابة ولو صح الفهم أن (النيابة هي التي تمنح الإذن) أو أن (مجرد نظر النيابة للشكوى بموجب م (47) إجراءات عن طريق التحري المبدئي أو بمجرد حلف اليمين يعتبر بمثابة الإذن) فإن النيابة لا تكون في حاجة لأخذ إذن رئيس القضاء أو رأس الدولة في الجرائم التي تحتاج إلي إذن عن تلك الجهة وبالتالي فتكون النيابة قد حلت مكان تلك الجهات في منح الإذن كما يجعل مثل هذا الفهم مخالف تماماً لنص القانون ومقاصد التشريع من الإذن فالمشرع نص في م (47) علي كيفية فتح الدعوى الجنائية أمام النيابة (عن طريق اتخاذها طريق التحري المبدئي أو مجرد حلف اليمين بحسب سلطتها التقديرية في الأمر وهذا الإجراء تتبعه النيابة في أي شكوى أو بلاغ تحت أي جريمة إلا أنها لا تملك أن تبدأ هذا الإجراء بمفهوم م 35(ب - ج) إلا بعد الحصول على الإذن اللازم في الجرائم التي نص القانون صراحة على وجوب أخذ الإذن فيها بمعنى أن الإجراء في الحالين يختلف :
ففي الجرائم الأخرى : تفتح الدعوى بشكوى أو بلاغ وللنيابة سلطة توجيه التحري المبدئي أو فتح الدعوى بمجرد حلف اليمين م (47)
ففي الجرائم التي تحتاج إلي الإذن : الإذن أولاً - ثم تفتح الدعوى الجنائية بالإجراء المنصوص عليه بتوجيه اليمين أو بالتحري المبدئي قبل فتحها
ومن ثم فلا مجال لافتراض أن حالات الجرائم التي تحتاج إلي إذن تكون كحالات الجرائم الأخرى التي لا تحتاج إلي إذن وبالتالي لا مجال للقول أو الافتراض بوجود الإذن لمجرد أن النيابة فتحت البلاغ أو الدعوى الجنائية وإغفال النيابة الإذن وعدم وجوده في الإجراءات ابتداء يجعل كل إجراءاتها باطلة وبالتبعية لا تملك المحكمة النظر في محاكمة تلك الإجراءات لأن عدم الإذن يبطل إجراءات التحري وبالبداهة إجراءات المحاكمة لارتباط التحري وفتح الدعوى بالمحاكمة - وبالتالي أخالف ما ذهب إليه قاضي المديرية في قوله (من أن التأكد من الإذن السابق علي تحريك الدعوى هو مسئولية النيابة) فصحيح أن النيابة هي التي تتأكد من الإذن ولكنها إذا لم تتحصل عليه فإن إجراءاتها تكون مخالفة للقانون لأن الإذن وجوبي وفي هذه الحالة لا تملك المحكمة سلطة محاكمة إجراءات غير صحيحة ومخالفة للقانون وبالتالي تملك المحكمة سلطة شطب الاتهام لانعدام الإذن المسبق لأن انعدام الإذن يعني انعدام أي أساس للاتهام بالتحري أو المحاكمة - وإن كانت المحكمة لا تعقب علي خطأ النيابة إلا أن المحكمة لها سلطة شطب الاتهام عند عرض الإجراءات أمامها لأن الإذن شرط لصحة الاتهام وشرط لصحة المحاكمة وبانعدامه ينعدم أي سند لمحاكمة المتهم - وإن كانت المحكمة لا تطلب الإذن لتكملة خطأ النيابة لأن (الإذن يبدأ من مرحلة فتح الدعوى الجنائية) فهذا لا يبرر ما ذهبت إليه محكمة المديرية في قولها بوجوب أن تفصل (المحكمة في المحاكمة رغم عدم وجود الإذن) لأن المحكمة لا تبدأ المحاكمة إلا بإجراءات لها سندها القانوني وانعدام الإذن إذا كان يعني ابتداء انعدام السند لفتح الدعوى الجنائية فإنه يعني انتهاء انعدام السند للمحاكمة أيضا إذ لا يعقل أن تكون إجراءات فتح (الدعوى الجنائية باطلة ثم تكون المحاكمة سليمة)
وعلى ضوء ذلك نعود إلي وقائع الفحص التي أمامنا فقاضي الجنايات شطب الاتهام علي أساس أن القضية التي أحيلت إليه من النيابة تحت م 159 جنائي غير صحيحة وأن الاتهام يجب أن يكون تحت م 114 جنائي وأنه لا يستطيع المحاكمة لهذه المادة لأنها ( تتطلب الإذن ) حسب منطوق م (35) وهو لا يملك سلطة الإذن ولا يوجد إذن أساساً
وأجدني متفقاً مع قاضي الجنايات في وجهة نظره القانونية لما يلي :
(1) كما أسلفت فالدعوى الجنائية التي تحتاج إلي إذن لا يصح الإجراء فيها وتكون باطلة لانعدام السند الذي تُحرك به الدعوى الجنائية ابتداء وبالتالي ينعدم السند للمحاكمة انتهاء لأن ما بُني علي الباطل فهو باطل
(2) إحالة النيابة بلاغ بتهمة (غير صحيحة) أو تكييف غير سليم لا تتدخل فيه المحكمة لكنها في نفس الوقت غير ملزمة قانونا بمحاكمة المتهم بهذه التهمة غير الصحيحة ويجوز للمحكمة لها تحت الفصل الثالث من قانون الإجراءات سنة 1991م مواد من 145 - إلي 147 أن تعدل التهمة بالإضافة أو الحذف أو تعيد صياغتها من جديد والمادة 147 واضحة في ذلك كما يجوز للمحكمة بموجب م 141 إجراءات بعد سماع الاتهام أن تشطب الاتهام إلا أن هذا الإجراء خاص فقط بالدعاوى التي لا تحتاج إلي إذن أما الدعاوى التي تحتاج إلي إذن للتحري والمحاكمة فلا مجال لسماع بينة فيها لأن سماع البينة يعني صحة الفتح للدعوى وصحة محاكمتها وبالتالي فيه إهدار لمسألة الإذن وبالتالي ففي الجرائم التي تتطلب الإذن منذ مرحلة فتح الدعوى ولم يتحصل عليه فلا مجال لسماع دعوى أو اتهام بل يكون الشطب لانعدام الإذن بالسير في الدعوى الجنائية ابتداء
(3) إحالة النيابة للبلاغ بتهمة ويتضح أن هنالك تهمة أخرى ولكنها تحتاج إلي إذن فالمحكمة لا تملك طلب الإذن أو إعادة الإجراء للنيابة لأن هذا خطأ النيابة ولا تصححه المحكمة بإعادة الإجراء إليها وكل ما في الأمر أن المحكمة متي اتضح لها بموجب م 147 أن التهمة الجديدة قد اندرجت في الجرائم التي تحتاج إلي إذن فليس أمامها إلا شطب الاتهام لانعدام الإذن بتحريك الدعوى ابتداء ثم محاكمته انتهاء
وعليه أري أن قاضي الجنايات كان قراره صائباً في أن التهمة تحت م (159) جنائي المحالة للمحاكمة أمامه غير صائبة لأنها متعلقة بإجراءات محاكمة جنائية ومتعلقة بإشانة سمعة ومن الإستثناءات في النص أنه لا توجد إشانة سمعة إذا كان الفعل في سياق أي إجراءات قضائية بقدر ما تقتضيه أو كان نشراً لتلك الإجراءات م 159(2)(أ) والواضح فعلاً أن التهمة الصحيحة هي تحت م (114) جنائي التي تقول (من يتخذ إجراء جنائي ضد شخص أو يتسبب فيه أو يتهم الشخص كذباً بارتكاب جريمة قاصداً الإضرار به مع علمه بعدم وجود أساس معقول أو مشروع لذلك الإجراء أو الاتهام الخ)
فالشاكية فتح ضدها بلاغ بتهمة جنائية وقدمت للمحاكمة وبرئت منها والمتعلقة بجريمة أخلاقية وبالتالي فكان الواجب أن توجه النيابة الاتهام تحت المادة المذكورة كما أنه بموجب م 35(ب) كان عليها أي الشاكية أن تتحصل علي إذن من محكمة الجنايات التي حدث أمامها تبرئتها من الاتهام الكاذب لفتح الدعوى الجنائية في مواجهة الشاكين في تلك المحاكمة لما لحقها من ضرر لأن المحكمة الجنائية هي الجهة التي قيمت الاتهام وهي الجهة التي يمكن أن تقيم إن كان شطبها للاتهام كان لكذب الادعاء أو لمسألة (وزن البينات) والفرق كبير بين البراءة بناء علي وزن البينات والبراءة لكذب الاتهام من أساسه ومن ثم فالتهمة التي تريد المحكمة تعديلها تتطلب الإذن المسبق من المحكمة الجنائية ثم تقدم الشكوى بعد ذلك للنيابة بموجب م (47) إجراءات وطالما لم يحدث ذلك فلا تملك المحكمة إلا شطب الاتهام بموجب م (141) السالف ذكره ولانعدام الإذن ابتداء تحت م (114) قانون جنائي وبالطبع يعتبر هذا الإذن أساس لانعدام الدعوى الجنائية أو وجودها ومن ثم فلا مجال لقبول صحة الإجراء لمخالفته النظام العام
وعليه أري لكل ما تقدم إلغاء قرار محكمة المديرية وتأييد قضاء محكمة الجنايات القاضي بشطب الاتهام وما علي الشاكية إلا أن تتخذ إجراءاتها بصورة سليمة بطلب الإذن المسبق من محكمة الجنايات ثم رفع الشكوى بالإذن للنيابة للسير في الاتهام فيها وبدون إذن محكمة الجنايات فلا مجال لفتح دعوى جنائية تحت م (114) جنائي لأنها جريمة متعلقة بالإدلاء بالبينة الكاذبة أمام موظف عام
القاضي : هاشم حمزة عبد المجيد
التاريخ : 28/3/1993م
أوافــــــق
القاضي : محمد صالح محمد
التاريـخ : 29/3/1993م
أوافـــــــق

