قضية تركـة
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
قرار المراجعة رقم 34/2008م
الصادر في 29/6/2008م
القضاة:
صاحبة الفضيلة الشيخة/رباب محمد مصطفى أبوقصيصة
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ/ د. إبراهيم أحمـد عثمـان
قاضي المحكمة العليا
عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ/ د. أحمـد محمـد عبد المجيد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ/ جعفر صالح محمـد أحمـد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ/ د. سليمان محمـد شايـب
قاضي المحكمة العليا
عضواً
قضية تركـة
قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م- الطلاق - كتمانه - أثر كتمان الطلاق على حقوق المطلقة – معاملة المطلق بخلاف مقصوده – قياسه على المريض مرض الموت والفار من الميراث.
المبادئ:
1-
2- عدم العلم بالطلاق أو كتمانه ليس له تأثير فيما يتعلق بإسناد الطلاق أو مبتدأ العدة ومنتهاها ولكن بلا شك له تأثيره على حقوق المطلقة المترتبة على هذا الطلاق تبعاً لمقصود المطلق من وراء هذا الكتمان ، فيعامل على خلاف مقصوده قياساً على المريض مرض الموت الفار من الميراث.
رأي مخالف:
عدم علم المطلقة بالطلاق ، لا يمنع وقوع الطلاق ولا سبيل لأن ترث المطلقة بسبب عدم العلم..
الحكــم
القاضي: جعفر صالح محمد أحمد
التاريخ: 30/12/2007م
تتحصل الوقائع الجوهرية وبالقدر اللازم للفصل في طلب المراجعة ، أن محكمة الخرطوم للأحوال الشخصية ، انتهت في شأن تركة المرحوم ........ بالرقم 47/تركات/2006م إلى إصدار الإعلام رقم 318/2006م ، الذي قضى بإثبات وفاة المرحوم ........ وانحصار إرثه ، في زوجته الباقية في عصمته لحين وفاته ، ........ وفي أولاده البلغ من مطلقته ........ وهم ...... و...... و...... و...... و...... و ...... و...... و...... و...... ، وفي أولاده البلغ من مطلقته ........ وهم ...... و...... و...... و...... ، دون سواهم ، وقد جاء في الإعلام الإشارة إلى أن ........ قد ثبت طلاقها من المرحوم بموجب وثيقة الطلاق بالرقم 61290 الصادرة من مأذون محكمة الخرطوم الشرعية ، وأنها لم تدع الرجعة ، وأنه استناداً لنص المادة (133) من قانون الأحوال الشخصية مقـروءة مع المادة (207) من ذات القانون ، قررت استبعادها من الإرث . وباستئناف هذا القرار من قبل المحكوم عليها انتهت محكمة استئناف الخرطوم بموجب حكمها رقم أس ش/1721/2006م بالأغلبية إلى إلغاء ما قضت به محكمة أول درجة من استبعادها من الإرث في المرحوم مع إصدار حكم جديد يقضي بإدخالها كوارثة له لجهة الزوجية تشارك المطعون ضدها في الثمن مناصفة وقد تضمن الحكم أمراً بالتأشير على هامش الإعلام رقم 318/2006م بذلك ، وبالطعـن بالنقض في الحكم من قبل الزوجة الأخـرى ، انتهت المحكمة العليا بموجب حكمها رقـم 349/نقض/2006م إلى شطـب الطعن إيجازياً. وقد كان هذا الحكم موضوع طلب المراجعة الماثـل.
وللتقرير في شأن طلب المراجعة ، نجد فيما يلينا من نظر فيما يتعلق بالمواعيد ، أنه قد سبق وقبلنا طلب المراجعة شكلاً ، وأعلن به الطرف الآخر للرد ، وقد جاء الرد بما يشير إلى شطب طلب المراجعة ، وأما من حيث الموضوع فإنه يشترط فيما يحكم التوارث بين الزوجين ، أن يكون الزواج صحيحاً ، وأن تكون الزوجية قائمة حقيقية أو حكماً ، وقيام الزوجية حقيقية أن تكون المرأة عند الوفاة في عصمة الرجل ، وأما قيام الزوجية حكماً فيتحقق في إحدى صورتين ، الأولي: أن يتوفى أحدهما والزوجة في عدة الطلاق الرجعي ، وأما الصورة الثانية: أن يتوفى أحدهما والزوجة في عدة الطلاق الباين ، إذا كان من باشر الفرقة فاراً من الميراث . وسنقف عند الصورة الأولى لتعلقها المباشر بالنزاع القائم ، إما فيما يتعلق بالمدى الزمني لقيام الزوجية حكماً بموجب الصورة الأولى فإن شرط القيام هذا يتحقق متى ما حصلت الوفاة والزوجة لا تزال في العدة من طلاق رجعي ، ومدى هذا القيام يمتد مهما تكن المدة بين الطلاق والوفاة ، وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة ، إلا أن العمل في المحاكم في السابق قد جرى على خلاف ذلك ، فإنه وفقاً للفقرة السابعة من المنشور الشرعي رقم (41) لا تسمع عند الإنكار دعوى الإرث بسبب الزوجية لمطلقة توفي عنها زوجها بعد سنة من تاريخ الطلاق . وبإلغاء هذا المنشور يكون العمل بالراجح من المذهب الحنفي فيما لا حكم فيه في قانون الأحوال الشخصية ، ويصار في حالة المسائل التي يوجد لأصلها حكم ، أو تحتاج إلى تفسير ، أو تأويل ، إلى المصدر التاريخي ، الذي أخذ منه القانون . وفيما يتعلق بمدى ما يكون لامتداد قيام الزوجية حكماً من تأثيرات جانبية فاعلة ، فإنه فيما يتعلق بمبتدأ ومنتهى العدة ، فإنه إذا كان سبب العدة هو الطلاق أو المتاركة أو الوفاة ، فيكون ابتداؤها عقب ذلك مباشرة لأن المسبب يعقب السبب ، ولا يتوقف هـذا الابتداء على علم الزوجة بسبب الفرقة من طلاق وموت وغيرهما ، وتنقضي العدة حتى وإن كانت جاهلة حصول الفرقة لأن العدة أجل فلا يشترط العلم بمضيه وهذا يعني أن عدم العلم بسبب الفرقة ليس له تأثير على مبتدأ العدة ومنتهاها ، ولا على إسناد الطلاق إلى وقت وقوعه ، ويقتصر التأثير في حال تعذر إثبات الطلاق فيكون الإسناد لوقت ثبوت الافتراق وإن لم يكن فمن تاريخ الإقرار به أمام المحكمة . ولا شك أن عدم العلم بالطلاق أي كتمانه يكون له تأثيره على حقوق المطلقة المترتبة على هذا الطلاق تبعاً لمقصود المطلق من وراء هذا الكتمان ، فيعامل على خلاف مقصودة بحسب الأحوال ، قياساً على المريض مرض الموت القار من الميراث.
وبمراجعة الحكم في إطار ما تقدم من نظر ، نجد أن الطلاق المدفوع به ثابت بموجب مستند رسمي لا مطعن عليه ، والذي يترتب على إثبات الطلاق إسناده إلى تاريخ وقوعه ، ومع ذلك فإن الدفع بالطلاق مع إثباته لا يكفي للاستبعاد من الإرث ، ما لم يثبت إلى جانبه علم المطلقة بهذا الطلاق على أي نحو ، وهذا هو الذي يجب أن يتجه إليه الإثبات . وقد كان هذا بالفعل مدار النزاع والـذي نشير إليه أن محكمة الموضوع قد أدارت دفة هذا الصراع باقتدار ، ولكن رغم ذلك انتهت إلى نتيجة لا تتفق مع ما انتهت من تحقيق في هذا الشأن ، وهذا لا يقدح في أدائها الرائع الذي تمكنت من خلاله المحاكم الأعلى أن تضع الأمور في نصابها . وبالاحتكام إلى البينات فيما يتعلق بواقعة العلم بالطلاق ، نجد أن البينة التي استمعت لها المحكمة لا تخرج في مجملها وتفاصيلها ، عن كون أن المرحوم طلق المدعية بموجب وثيقة ، وأنه كان وقتها بالسودان والمدعية بالإسكندرية ، وما أشارت إليه الشهادة في شأن الطلاق إثبات لما هو ثابت بموجب مستند رسمي . وأما فيما يتعلق بالعلم بالطلاق فشهادة من شهد من الشهود تشير إلى محادثة هاتفية تمت بين المرحوم وطرف آخر أشار المرحوم إلى أنه ، المدعية ........ ، كما أنه أشار لهؤلاء الشهود بمحور ما دار من نقاش وما اشترطه من شروط للرجعة وشهادة هؤلاء الشهود بشكلها الوارد شهادة سماعية لا يعول عليها وليس فيها ما يفيد ، إذ أن مصدرها هو ذات الشخص المعني بكتمان الطلاق ، وأما ذلك الشاهد الذي أفاد بأنه يجزم بعلم المطلقة بالطلاق ، فكيف يجزم من لم يكن طرفاً في المحادثة التي دارت بين طرفين أحدهما في الخرطوم والآخر في الإسكندرية ؟!! وفي الجانب الآخر كانت وثيقة الطلاق بصورتيها محفوظة بمعرفة المرحوم ، وحصول الطلاق في الخرطوم وإقامة المطلقة بمدينة الإسكندرية والمطلقة لم تحضر للخرطوم منذ وقوع الطلاق في حين أن المطلق ذهب للإسكندرية وكل هذا له دلالته على عدم العلم بالطلاق ومقصود كتمانه خاصة وأن الفرصة كانت متاحة لتسليمها صورة من وثيقة الطلاق . وإزاء هذا الواقع ، أشارت المحكمة إلى أن البينة المقدمة في هذه الدعوى مجتمعة ، لم تشهد على علم المدعى عليها بالطلاق ، ومن ثم قررت تحليف المدعـى عليها اليمين على عدم العلم بالطلاق ، وقد حلفتها بالفعل ، ومقتضى هذه البينة أن المطلقة لم تعلم بالطلاق وأن المطلق قصد كتمانه فيعامل خلاف مقصودة من الكتمان وإذا كان هذا الكتمان امتد لحين الوفاة فيكون المقصود من وراء هذا الكتمان حرمان المطلقة من الميراث فيعامل على خلاف مقصودة ، ويعتبر فاراً من الميراث قياساً ، وتكون بهذا الزوجية قائمة حكماً لأغراض الميراث ، ولا يكون طلاق الغائب لازماً للزوجة لجهة حقوقها بحسب الأحوال ، من نفقات أو ميراث أو غيرهما ، إلا إذا كان قد بلغها به ، أو ثبت علمها بالطلاق على أي نحو . وهذا هو الذي يجب أن ينتهي إليه الحكم حسب مجريات التحقيق ، إلا أن محكمة أول درجة ، رغم هذه التهيئة للفصل في الدعوى نجدها قد نحت بالإجراءات منحي آخر ، وذهبت إلى إبعاد المدعية من الإرث ، وأشارت في حيثيات حكمها إلى أن الطلاق ثابت بموجب مستند رسمي لم يطعن فيه بالتزوير ، وأن المدعية لم تدع الرجعة ، وقادها هذا إلى القول بعدم تحقيق شرط التوارث ببقاء العصمة حقيقية أو حكماً ، وقد كان هذا استناداً للمادة (133) مقروءة مع المادة (207) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م. وهذا الذي ذهبت إليه المحكمة لا وجه له ، لأن النزاع لم يكن يتعلق بالرجعة وكيف تدعى الرجعة من تنكر الطلاق ؟!! والحكم قائم على افتراض لا على واقع الحال ولم يفصل في موضوع النزاع ، وهو مدى تأثير عدم العلم بالطلاق أو كتمانه على حقوق المطلقة سواء تعلقت بنفقة زوجيه سابقة أو ميراث . وهذا ما أشرنا إليه في صدر هذه المذكرة ونحيل عليه ، وأما تاريخ إسناد الطلاق فقد يكون له تأثيره على مثار النزاع كمانع من السماع إلا أن القيد قد ارتفع بإلغاء المنشور الشرعي رقم 41 وعدم العلم بالطلاق أو كتمانه فليس له تأثير فيما يتعلق بإسناد الطلاق أو مبتدأ العدة ومنتهاها ولكن بلا شك له تأثيره على حقوق المطلقة المترتبة على هذا الطلاق تبعاً لمقصود المطلق من وراء هذا الكتمان فيعامل على خلاف مقصوده فتكون الزوجية قائمة حكماً إلى تاريخ العلم بالطلاق لجهة هذه الحقوق ، وبالنتيجة إذا كان الحكم موضوع المراجعة قد سبق وانتهى إلى ما يساير هذا النظر ، فلا يكون قد انطوى على مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية ، ومن ثم يرفض طلب المراجعة موضوعاً.
القاضي: د. إبراهيم أحمد عثمان
التاريخ: 17/1/2008م
مع احترامي لرأي الأخ الكريم فإني اختلف معه فيما ذهب إليه ذلك لأن عدم علم المطلقة بالطلاق لا يمنع وقوع الطلاق فإذا أقر المطلق بالطلاق في تاريخ سابق فإن المطلق مطالبٌ بسداد نفقتها في تلك الفترة وبما أن الطلاق ثابت في حق المطعون ضدهـا فلا سبيل لأن ترث بسبب عـدم العلم ولم تثبت الرجعة . وعليه أرى إلغاء حكم المحكمة العليا والاستئناف وتأييد حكم محكمة الموضوع.
القاضي: د. أحمد محمد عبد المجيد
التاريخ: 27/1/2008م
مع احترامي الشديد لرأي الأخ د. إبراهيم صاحب الثاني فإني اختلف معه قليلاً ومؤيداً الرأي الأول لما ذكره من أسباب مضيفاً إليها أن الطلاق كحق من حقوق الله تعالى يسند لتاريخ ثبوته في 12/1/2004م وتترتب عليه آثاره من حق لله تعالي في أن عدتها تبدأ من تاريخ الطلاق سواء علمت به أم لا لذا فإن المشرع قد جاء بالنص واضحاً عندما نص بقوله ( تبدأ العدة منذ وقوع الفرقة وإن لم تعلم بها المرأة ) المادة 207(2) من قانون الأحوال الشخصية وكذلك الرجعة وبعض أحكام النسب كلها تعتبر منذ تاريخ وقوع الطلاق لأن فيها حقًّا لله تعالي.
أما الآثار المالية من حقوقها فتبدأ من تاريخ علمها بالطلاق وهي نفقة العدة والمتعة ومؤخر الصداق والميراث وقد نص على ذلك بعض المتأخرين مثل صاحب كتاب موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية لمحمد عزمي البكري ج 2/379.
ولأن كتمان الطلاق عن المطلقة قصد منه المطلق حرمانها من حقوقها المالية مما يجعل القاعدة الشرعية هنا واجبة التطبيق حيث تنص على أنه ( من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مـردود عليه ) (المادة 6- ل) من قانون الأحوال الشخصية وقد قيست هذه الحالة بالفار من الميراث وعليه فإن جميع حقوقها المالية تثبت لها ولا تسقط ما لم تكن عالمة بالطلاق.
القاضي: رباب محمد مصطفى أبوقصيصة
التاريخ: 29/6/2008م
اتفق مع مولانا إبراهيم فيما ذهب إليه مع تقديري لرأي الأخوين في الأول والثالث.
القاضي: د. سليمان محمد شايب
التاريخ: 29/6/2008م
بعد المراجعة والاطلاع على سائر أوراق المراجعة وعلى الأحكام والقرارات السابقة والمتعلقة بطلب المراجعة أجد نفسي على اتفاق تام مع الأخوين الكريمين في الرأي الأول والرأي الثالث وأرى بأن يصدر القرار في طلب المراجعة على ضوء ذينك الرأيين.
والله المستعان
الأمر النهائي:
يرفض الطلب.
رباب محمد مصطفى أبوقصيصة
قاضى المحكمة العليا
رئيس الدائـرة
29/6/2008م

