عبد القادر حسن فضل الله // ضد // بابكر عبد القادر حسن وآخر
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد / تاج السر محمد حامــد قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيدة/ فريدة إبراهيم حــسين قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / ميرغني حامد إسماعيــل قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف:
عبد القادر حسن فضل الله الطاعن
// ضد //
بابكر عبد القادر حسن وآخر المطعون ضدهما
الرقم م ع/ط م/395/2001م
قواعـد العدالة – الأمانة الراجعـة – البيـع الأجنبي دون علمه بهـا – أثـره
المبدأ:
مبدأ الأمانة الراجعة لا ينطبق في حالة خروج العقار محل الأمانة بالبيع إلى مشترٍ وبمقابل ذي قيمة وبدون علم بموضوع الائتمان العائد
المحامون:
الأستاذ/ خالد إبراهيم سعيد عن الطاعن
الأستاذ/ عمر بادناب عن المطعون ضده الأول
الحكــم
قدم هذا الطعن بوساطة المذكور أعلاه ضد الحكم الصادر من محكمة استئناف الخرطوم بالرقم أ س م/1211/2000م وقد تم قبول الطلب مبدئياً وأتيحت الفرصة للمطعون ضده للرد عليه وقد قام بإرفاق رده أمامنا
تتلخص الوقائع في أن الطاعن المذكور أعلاه أقام الدعوى المدنية رقم 7/99 أمام محكمة الخرطوم شرق الجزئية ضد المطعون ضده وأخر حسب عريضة الدعوى المعدلة والتي جاء فيها بأن الطاعن كان هو المالك المسجل للقطعة رقم 451 الحارة الثالثة الجريف غرب وأنه قد قام بتسجيل 200م م من العقار أعلاه باسم المدعى عليه الأول على سبيل الأمانة الراجعة وأنه بناء على قرار لجنة النزع والتعويض في أراضي الجريف تم تعويض المدعى عليه الأول بالقطعة رقم 43 مربع 22 الجريف غرب بدلاً عن الأمتار المذكورة وقد قام المدعى بتاريخ 9/11/1998م بسداد جميع رسوم التسوية لسلطات الأراضي وقد طلب المدعى من المدعى عليه الأول إرجاع سجل القطعة إلى اسمه فرفض الأخير ذلك وأثناء سير الدعوى قام المدعى عليه الأول بالتصرف بالبيع للقطعة محل النزاع للمدعى عليه الثاني بسوء نية وعليه فهو يطالب بإبطال التصرف بين المدعى عليه الأول والثاني وإعادة تسجيل العقار في اسمه زائداً دفع الرسوم والأتعاب تقدم المدعى عليه الأول بمذكرة دفاعه حيث أقر بأن العقار رقم 154 الحارة الثالثة الجريف غرب كان مسجلاً باسم المدعى كما أقر بتسجيل المدعى 200 م م من العقار باسم المدعى عليه الأول ودفع بأن التسجيل كان نهائياً لأن المدعى عليه الأول هو أبنه ولم يكن على سبيل الأمانة الراجعة كما اعترف بتعويضه القطعة محل النزاع بوساطة لجنة النزع والتعويض بدلاً عن تلك الأمتار كما يقر بسداد المدعى رسوم التسوية لسلطات الأراضي وأنكر مطالبة المدعى له لإرجاع سجل القطعة لأسمه كما أقر بالتصرف في العقار والذي تم قبل رفع الدعوى وأنكر سوء النية
المدعى عليه الثاني تقدم بوساطة محاميه أيضاً بدفوعه والتي احتوت على دفوع قانونية أنكر فيها وجود ائتمان عائد ما بين الأصول والفروع بافتراض أن ما تم هبة وفق السوابق القضائية التي أشار إليها وبالنسبة للدفوع الموضوعية أنكر دعوى المدعى
حددت محكمة الموضوع نقاط النزاع وقد حاول المدعى عليه الأول تعديل مذكرة دفاعه بتنازل جده لأمه عن 200م م إلا أن محكمة الموضوع قامت بشطب طلبه وسمعت محكمة الموضوع بينات الأطراف وأصدرت حكمها بشطب دعوى المدعى
استؤنف الحكم أمام محكمة الاستئناف وقد أيدت الأخيرة حكم محكمة الموضوع
ضد هذا الحكم يطعن أمامنا محامي المدعى وقد تلخصت أسباب طعنه في أن الحكم قد جاء مخالفاً للقانون ومخطئاً في تطبيقه وتفسيره وذلك لأن استناد محكمة الاستئناف على سابقة عصمت عبد الجبار وأخر ضد فريد عبد الجبار المنشورة بمجلة الأحكام القضائية سنة 1995م بأن مبدأ الأمانة الراجعة لا يجد سنده في الشريعة الإسلامية إذا كان قائماً على التحايل والغش وأن الشريعة تعرف الأمانة إذا كانت خالية من الشوائب وهو يرى أنه في حالة غياب النص تسترشد المحاكم بالمبادئ الشرعية وتتبع القواعد المنصوص عليها في قانون أصول الأحكام القضائية سنة 1983م وأن جميع السوابق القضائية أرست مبدأ الأمانة الراجعة وأشار إلى عدد من السوابق القضائية التي أرست المبدأ من حيث كيفية نشوء الأمانة الراجعة والعلاقة بين الأطراف كعلاقة الزوجين أو الأبوين التي تفترض الهبة في التصرف وكيفية تكييف هذه العلاقة كما يقر محامي الطاعن بأن الغش والتحايل سمتان لا يقرهما دين ولا قانون أو مجتمع ولكنه يتساءل أين هو هذا الغش والتحايل الذي ارتكبه الطاعن أما بالنسبة لمسألة تقدير التعويض فهو يرى أن البينة حوله مكتملة وكان لمحكمة الاستئناف الفصل فيه أو إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للتقرير فيه وهو يطالب بإلغاء الأحكام الصادرة وإصدار حكم جديد بالقضاء للطاعن بكل طلباته واحتياطياً الحكم له بمبلغ التعويض بقيمة الأرض كتعويض بديل للتنفيذ العيني
أتيحت الفرصة للمطعون ضدهما للرد على الطعن وتقدم محامي المطعون ضده الأول برده على أسباب الطعن وهو يطالب بتأييد الحكم المطعون فيه وشطب الطعن المقدم وتلخصت أسباب رده بأن ما نصت عليه المادة (6) من قانون الإجراءات المدنية والمادة (303) من ذات القانون وقانون أصول الأحكام فيما يطبق في حالة غياب النص وهي قواعد العدالة والشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاء والعرف والوجدان السليم تقتضي بأن من يطالب بتطبيق هذه المبادئ يجب أن يأتي بأيد نظيفة كما أن من سعى لنقض ما تم على يديه فسعيه مردود عليه وأن السوابق القضائية افترضت قرينة الهبة في حالة وجود التزام يقع على عاتق من يدعي الأمانة تجاه من سجل العقار في اسمه مثل الزوج أو الابن
كما أن الشريعة تعرف الأمانة إذا ما كانت خالية من الشوائب وهو يرى بأن من أهم عناصر الأمانة الراجعة هو أن الحق المتنازل عنه هو حق للشخص المتنازل وفي الحالة الراهنة فإن الطاعن لم يكن أساساً : يملك الحق حتى يسلمه للمطعون ضده كأمانة وذلك لأن القطعة رقم 43 مربع 22 الجريف غرب هي ملك لحكومة السودان ومنحتها للمطعون ضده الأول كتعويض لعدد 200م م بالحارة الثالثة الجريف قامت الحكومة بنزعها منه ولا علاقة للطاعن وقتها بها وأن الأمر يختلف لو أن أل 200م م كانت مسجلة وقت النزع باسم الطاعن أما مسألة الرسوم التي قام بسدادها لسلطات الأراضي فهذه يمكنه المطالبة بالتعويض عنها كما قالت محكمة الموضوع أما ما تم ما بين الطاعن والمطعون ضده الأول فيما يتعلق بتسجيل أل 200م م قبل النزع فهو هبة ناجزه منه لابنه وكان بإمكانه الرجوع عنها قبل هلاك الموهوب إذا توافرت أسباب الرجوع وبالتالي فإن الطاعن لا يمكن أن يطالب بالقطعة محل النزاع بالرقم 43 مربع 22 الجريف غرب لا كأمانة راجعة لأنها لم تكن أساساً مسجلة أو مملوكة له ولا كهبة لأنها لم تكن موهوبة منه للمطعون ضده الأول أما بالنسبة لتصرف المطعون ضده الأول في الأرض بالبيع للمطعون ضده الثاني فقد كان تصرف المالك في ملكه ولم يكن هناك أي مانع يمنعه من ذلك التصرف وعليه فهو يطالب بتأييد الأحكام المطعون فيها وشطب الطعن برسومه
بإطلاعنا على محضر إجراءات الدعوى والأحكام الصادرة فيها يتضح لنا الآتي:
أولاً : لقد جاء في أقوال الطاعن المدعى في الدعوى بأن القطعة رقم 451 الحارة الثانية الجريف غرب مملوكة للطاعن وأن مساحتها كانت قبل إعادة التخطيط 1637م2 وقد أقر الطاعن بأنه قبل قرار النزع قام بالتصرف بتقسيم أجزاء من القطعة إلى إخوانه وأخواته وأولاده وزوجته وأن نصيب المطعون ضده الأول أبنه بابكر 200م م ووفقاً لأقواله بأنه قام بالتسجيل علشان يعوض قطع باسمه وأنه فعلاً تم تعويض المطعون ضده القطعة رقم 43 مربع 22 الطائف وقد كان المطعون ضده الأول طفلاً صغيراً يبلغ عشر سنوات وقد قام الطاعن بسداد جميع الرسوم المستحقة محل القطعة
ثانيا: من الناحية الأخرى يفيد المطعون ضده الأول بأن القطعة أساساً قام الطاعن ببيعها إلى جده أب أمه محمد يوسف شطيطه وأن جده قد قام بتسجيل القطعة محل النزاع باسمه
بالإطلاع على أورنيك تسجيل رقم (أ ) عقد البيع الخاص بالقطعة رقم 451 الحارة الثانية والمرفق صورة منه بالمستندات والذي تم تسجيله بتسجيلات الأراضي في 21/11/1976م فإن المطعون ضده الأول لم يكن أحد الذين باع لهم الطاعن عبد القادر حسن فضل الله المالك الوحيد للأرض المذكورة حيث تم البيع إلى كل من خالد وفاطمة ونفيسة وفضل الله حسن فضل الله وسنية محمد يوسف وخديجة بابكر البشير ومحمد يوسف شطيطه وتم بيع 200م2 لكل من المشتريين ومن هنا ثبتت لنا صحة أقوال المطعون ضده الأول فيما يتعلق ببيع الطاعن لعدد 200م2 إلى محمد يوسف شطيطه الطاعن أفاد بأن محمد يوسف شطيطه قد تنازل له عن التعويض عن هذه الأمتار إلا أنه لم يقدم أي بينة تفيد ذلك التنازل أو حتى رقم القطعة التي تم تسجيلها كتعويض لذلك الشخص
ومن ناحية أخرى فقد ثبت بأن القطعة محل النزاع بالرقم 43 مربع 22 الجريف قد آلت إلى المطعون ضده عن نصيبه في القطعة 451 الحارة الثالثة الجريف غرب والبالغ 200م2 وبما أن أورنيك التسجيل لا يفيد بإدراج اسم المطعون ضده الأول ضمن المشتريين من الطاعن فإن الاستنتاج السائغ هو تنازل جد المطعون ضده الأول لأمه عن 200 م م إلى المطعون ضده الأول وربما كان الموضوع يكون أكثر وضوحاً لو أن محكمة الموضوع قد قامت بطلب ملف القطعة 451 الجريف غرب من رئيس لجنة تحقيق أراضي الجريف غرب وقامت بسماع أقوال رئيس اللجنة عن تلك القطعة والتأكد بصفة قاطعة عن تسجيل أو عدم تسجيل الطاعن لعدد 200 م م باسم المطعون ضده الأول أو تسجيل محمد يوسف شطيطه لهذه الأمتار للمطعون ضده الأول وليس فقط الاكتفاء بخطاب لجنة مخالفات أراضي الجريف غرب والصادر من وكالة نيابة الأراضي ووزارة العدل والذي جاء فيه بأن القطعة المشار إليها طالها التزوير وأنها محجوزة وشكلت لها محكمة خاصة بوساطة رئيس القضاء وأن المتهم فيها عبد القادر حسن فضل الله متهم بتزوير القطعة وأن منشأ القطعة تم بالتزوير وسجلت باسم المتهم عبد القادر حسن فضل الله " الطاعن " والذي تصرف عقب اكتمال التزوير لعديد من الأشخاص " أنظر الخطاب المرفق بالرقم و ع/ ل ت/2000 بتاريخ 4 يناير 2000 "
ونخلص من ذلك بأنه وإن كان قد ثبت بأن القطعة محل النزاع بالرقم 43 مربع 22 قد تحصل عليها المطعون ضده الأول كتعويض عن نزع 200م م بالقطعة 451 الحارة الثالثة الجريف إلا أنه لم يثبت بأن الطاعن أساساً قد تنازل عن هذه الأمتار للمطعون ضده الأول باعتبارها أمانة حتى يحق له استردادها وإن كان هناك ثمة تزوير قد تم للحصول على القطعة 451 الحارة 3 الجريف " فإن من يأتي العدالة يجب أن يأتي بأيد نظيفة
“ He who seeks Equity must come with clean hands “
ثالثاً: ومن ناحية أخرى فقد جاء في عريضة الدعوى بأن المطعون ضده قد تصرف بالبيع في القطعة محل النزاع إلى المطعون ضده الثاني مما يعني بأنه وبفرض وجود ائتمان عائد بين المدعى والمدعى عليه الأول وهو ما لم يثبت لنا فإن مبدأ الأمانة الراجعة لا ينطبق في حالة خروج العقار محل الأمانة بالبيع إلى مشترٍ وبمقابل ذي قيمة وبدون علم بموضوع الائتمان العائد فقد أثبت المطعون ضده الثاني شراءَه العقار محل النزاع من المطعون ضده الأول وبمبلغ سبعة وسبعين مليون جنيه وبموجب شهادة بحث تشير إلى خلو العقار من الموانع المسجلة وقام بتسجيله باسمه دون علم بائتمان عائد أو خلافه
فمبادئ نظرية الائتمان العائد أخذت بها السوابق القضائية في السودان من قواعد العدالة في القانون الإنجليزي فقد جاء في كتاب العلامة
Snells Principles of Equity
على ص 46 وما بعدها
A purchaser for valuable consideration who obtains a legal estate at the time of his purchase without notice of a prior equitable right is entitled to priority in equity as well as at law, in such case equity Follows the law, the purchaser's conscience in no way affected by the equitable right Where there is equal equity the law prevails
وعليه فإن حق المطعون ضده الثاني في العقار محل النزاع بالقانون مقدم على قواعد العدالة والإنصاف
رابعاً: وبفرض وجود هبة أو تنازل بدون عوض من الطاعن للمطعون ضده الأول عن 200م م 2 في القطعة 451 الحارة 3 الجريف غرب وهذا لم يثبت أمامنا وذلك باعتبار أن الطاعن هو والد المطعون ضده الأول وأن التصرف تم عندما كان المطعون ضده الأول يبلغ العاشرة من عمره فإن الطاعن لا يستطيع الرجوع عن هذه الهبة لأن الموهوب له قد تصرف ناقلاً لملكية القطعة ببيعها وتسجيلها باسم المطعون ضده الثاني وهذا التصرف يعتبر مانعاً من الرجوع في الهبة وفقاً لقانون المعاملات المدنية سنة 1984م المادة 243(ب) ونصل من ذلك بأن الطاعن من جميع الأوجه والاتجاهات لم يكن لينجح في دعواه وعليه نقرر تأييد القرار الصادر بشطبها ولا أمر فيما يتعلق برسوم هذا الطعن
القاضي: فريدة إبراهيم حسين
التاريخ: 30/3/2002م
القاضي: تاج السر محمد حامد القاضي: ميرغني حامد إسماعيل
التاريخ: 6/4/2002م التاريخ: 13/4/2002م
الأمر النهائي:
يشطب الطعن برسومه
تاج السر محمد حامـد
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائـرة
14/4/2002م

