حكومة السودان / ضد / سنوسي على بله
المحكمة العليا
القضاة:
السيد/ بابكر زين العابدين قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ يوسف دفع الله قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ على يوسف الولي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان / ضد / سنوسي على بله
م ع/م ك/50/1988
المبادئ:
إثبات – الاعتراف تجزئته رفض القول الذي يجافي الحقيقة – متى اطمأنت المحكمة لذلك
إثبات – جريمة القتل (القصاص) – خلو القانون من اشتراط الشهود جواز الإثبات بشاهد واحد أو القرائن
1/ لا بد من تجزئة إقرار المتهم بحيث تطرح وترفض القول الذي يجافي الحقيقة والواقع إذا كان هذا القول لا يعدو أن يكون افتراء وتضليلاً وإدعاء كاذباً حشره المتهم يبرر ارتكابه للجريمة
2/ لقد أخذ المشرع السوداني لقانون الإثبات بالبينة بمعناها الواسع أي بأية وسيلة يتم بها إثبات الوقائع أو نفيها وجاء القانون خلوا من نص يوجب نصاباً معيناً من الشهود في جريمة القتل ومن ثم فأن القانون لا يتطلب في جريمة القتل توفر شاهدين أو اكثر كما هو الحال بالنسبة للجرائم الحدية
الحكـــــم
القاضي: علي يوسف الولي
التاريخ: 15/5/1988م
عرضت لنا أوراق هذه القضية إعمالاً لنص المادة 234 من قانون الإجراءات الجنائية 1983 لتأييد الحكم فيها بالإعدام والنظر أيضاً في طلب الاسترحام المقدم من المحكوم ضده سنوسي على بله
نوجز الوقائع في أن المتهم سنوسي علي بله كان زوج المرحومة حواء يس ويسكننان قرية ود النيل سافر المتهم ليعمل في حصاد الذرة مع أحد المزارعين في الخلاء بعيداً عن ود النيل وبعد مضي شهر أرسلت له زوجته للرجوع للقرية ود النيل لأنها تود السفر إلي أهلها بجهة الكرمك ولكنه بعد أن وصل وجدها سافرت بعد أن باعت العيش الذي كان يدخره لاستهلاك أسرته وعادت المرحومة حواء يس بعد شهر إلي ود النيل حيث وجدت زوجها المتهم هنالك وساءت العلاقة بينهما ولم تسكن هذه المرة في بيت زوجها المتهم وبعد ذلك سافر المتهم إلى مقر عمله وعندما عاد بعد وقت وجيز أخبره المدعو يس الجاك زوج أخت المرحومة زوجة المتهم بأنه زوج المرحومة زوجته إلي رجل آخر لا يعرفه المتهم واحتج المتهم على ذلك التصرف لدى يس الجاك بوصفه شيخ القرية وفي أثناء نقاشهما حضرت المرحومة زوجته ومعها المرحومة كونه باجك والمرحومة فاطمة روكه لمنزل المتهم بغرض أخذ العدة منه لمنزل المرحومة حواء يس الجديد بعد أن تزوجت ولكن بعد أن خرجت المرحومات الثلاثة من منزل المتهم يحملن العدة في طريقهن إلي المنزل الجديد كان النقاش مستمراً بين المتهم المذكور وشيخ القرية وقال الشيخ للمتهم وكان ذلك بتاريخ 11/4/1987:
"لو أنت راجل اعمل زي ما داير" وبعد ذلك غادر الشيخ المتهم وتركه لوحده وقام المتهم ولحق بالمرحومات في الطريق وهجم على زوجته المرحومة حواء يس وأنقض عليها بالسكين وسدد لها طعنتين هما جرح نافذ بالجهة اليسرى من الصدر وجرح نافذ بالجهة اليمين من الصدر وكان سبب وفاتها الجرح النافذ بالصدر مع نزيف وهبوط بالقلب وعندما تدخلت المرحومة كونه باجك بروت لتفض الاشتباك بين المرحومة المذكورة والمتهم إلا أن المتهم قام بطعنها مسبباً لها جرحين نافذين بالجهة اليسرى من الصدر والقلب وتوفيت بسبب الجرح النافذ بالصدر مع نزيف وهبوط بالقلب وعندما تدخلت المرحومة فاطمة روكه لتفض الاشتباك قام المتهم بطعنها مسبباً لها جرحاً نافذاَ بالبطن أسفل الصرة ونزفاً داخلياً بالبطن مع تهتك بالأمعاء كان سبب وفاتها نزيفاً داخلياً بالبطن مع هبوط بالدورة الدموية
الأسبـــــــــاب
باستقراء الأدلة أجد أن حكم المحكمة الكبرى بإدانة المتهم سنوسي علي بله بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983 لقتله عمداً زوجته المرحومة حواء يس والمرحومة كونه باجك والمر حومة فاطمة روكه – جاء سليماً وفقاً للوزن السليم للبينات وصحيحاً وفقاً لصحيح القانون
بما أنه ليس هنالك أية بينة بالشهادة في هذه القضية التي بين أيدينا أي ليس هنالك شهادة ذات نصاب شرعي صادره من فيه شاهدين اثنين على الأقل وذات عدالة أي شاهدين عدلين وذات أصالة ومباشرة ورؤيا ومعاينة وبعيده كل البعد ومجردة كل التجرد وخالية كل الخلو من شبهة تهمة المصلحة والمنفعة والخصومة والقرابة وعدم الفهم والإدراك ونقصان العقل وضعفه ومن شبهة تهمة الضلال فإن تأسيس الإدانة وارتكازاً فقط على البينة الشرعية المتمثلة في إقرار المحكوم ضده سنوسي علي بله الصحيح الصريح غير المرجوع فيه في مجلس القضاء كان تأسيساً في محله فليس هنالك من شهود الاتهام سوى المتحري عبد الرحمن النعيم الحاج الذي لم ير الحادث ولكنه باشر التحريات وجمع البينات وسوى عبده خليفة الذي لم يباشر الحادث ولكنه جاء في وقت لاحق وشاهد المتهم المذكور يجرى في يده السكين والمرحومات ساقطات على الأرض
أما المتهم سنوسي على بله على صفحتي 2/3 من يومية التحري عندما استجوبه المتحرى قال ما يلي:
" زوجتي حواء تزوجتها في ود النيل قالت عاوز أمشي البلد وأنا قلت لها اصبري إلي أن أمشى الخلاء وأرجع وسافرت البلد وباعت العيش ووصلت إلى الكرمك وجاءت راجعة قبل 15 يوم أعطيتها جوا ل عيش ورفضت أنا مشيت ورجعت ووجدتها لمت مع راجل ما بعرف اسمه وسألتها قالت وجدت راجل ولمت معاه وأنا قلت أنا قنعت منك أنتي ليه تلمي مع راجل وقالت ليه أنا ما عندي معاك قضية الكلام كان اليوم في الشارع وكانت معها أختها ومعها امرأة جارتها ومسكت زوجتي حواء وطعنتها عدة مرات أثنين أو ثلاثة مرات ما عارف ووقعت على الأرض وما قامت من الأرض وجاءت جارتها وطعنتها مرة واحدة ووقعت أنا طلعت وأختها جات جارية وطعنتها مرة واحدة وكل الطعنات بنفس السكينة"
نجد على صفحة 9 من محضر المحاكمة تفيدنا محكمة الموضوع بأن التحري تلا أمامها أقوال المتهم أعلاه المتهم أثناء انعقاد المحكمة واقر المتهم بها
قال المتهم سنوسي علي بله في اعترافه القضائي أما رئيس محكمة ود النيل الرئيسية على صفحتي 4 و5 من يومية التحري ما يلي:
"وبعد وصولها الكرمك رجعت مرة ثانية لود النيل وسكنت مع أختها وسألتها عن وجودها مع أختها السبب شنو قالت أنا بعدى كده لم أذهب معك إلي منزلك قلت له السبب شنو قالت أنا تزوجت رجل خلافك ولذلك الحقيقة أنا زعلت سحبت السكين وطعنتها في جنبها اليمين وأيضاً طعنتها مرة ثانية قريب من الطعنة الأولي ووقعت على الأرض وكان كله هذا في الشارع وكانت معها أختها فاطمة قودى وكون ياسين كانوا الثلاثة وعندما طعنت الأولي وقعت حضروا الاثنين حريمات لا جل يمسكوني أول مرة طعنت جارتها كوني بالسكين مرة واحدة في بطنها ثم حضرت لي الثانية أختها أيضاً طعنتها بالسكين وكلهم في نفس المكان وكانت السكين معي حتى وصلت بها نقطة البوليس والسكين التي طعنتهم بها هي سكيني أنا أملك عليها "
وعلى صفحة 21 من محضر المحاكمة سجلت محكمة الموضوع بأنها تلت على المتهم المذكور اعترافه القضائي أعلاه وقد أيده وأقر بصحة الإدلاء
وجاء في أقوال المتهم سنوسي على بله عندما استجوبته محكمة الموضوع على 22 – 26 ما يلي:
"المرحومة حواء سيده هي زوجتي وزواجنا عرفي فقط ونحن في عاداتنا ما عندنا زواج بس نعمل عزومة وناس العروس يشيلوا البهائم ولبست مع واحدة عنده عيش في الخلاء طلب منى أن أذهب وأدف له العيش ومكثت في الخلاء مدة شهر كامل وزوجتي رسلت لي عشان أحضر لأنها مسافرة وأثناء غيابي زوجتي باعت العيش الموجود داخل المنزل للأكل وسافرت أهلها جهة الكرمك وأنا عدت لود النيل ولم أجدها وبعد شهر عادت زوجتي ووجدتني في ود النيل ولما رجعت الشغل تركت زوجتي قاعدة في المنزل ولما جيت راجع ياسين الجاك وهو زوج أخت المرحومة زوجتي أخبرني أنه زوج زوجتي رجل آخر وأنا قلت له "أنت من شيخ البلد وأنا أشتكي لمنو ؟" وأنا قلت للشيخ عملتك ده ما كويس والنسوان الثلاثة حواء وكونا وفاطمة كانن شايلات العدة بتاعت الأكل مودينها لمنزل الراجل الجديد لزوجتي وشالن العدة من منزلي أنا وأنا في تلك الأثناء كنت بتكلم مع الشيخ والشيخ قال لي "لو أنت راجل أعمل ذي ما داير" والشيخ قام منى وأنا قمت لحقت النسوان وأنا مسكت كونه ومسكت منها العدة والمرحومة حواء طوالي جاءت ناطه من هنالك ومسكتني من ذكرى والمرحومة فاطمة قامت خنقتني وأنا تضايقت جداً ولم أجد طريقة أحل نفسي منهم وأنا هبشت سكيني وكانت مربوطة في صلبي وضربت زوجتي بالسكين على بطنها مرتين وهي وقعت أرضاً وكونه كانت لا تزال ما سكاني من رقبتي وطعنتها طعنة واحدة على صرتها والمرحومة فاطمة كانت ماسكاني بي وراء وأنا طعنتها في بطنها طعنة واحدة وكلهن وقعن على الأرض المرحومات لم يكن يحملن أي سلاح"
إن المنشور الجنائي رقم 7 يبدأ بالقول بان أقوال المتهم في يومية التحرى ليست ببينة ويجب إثباتها باستدعاء الشخص الذي دونها وفي قضية حكومة السودان ضد جمعة صالح محمد مجلة الأحكام القضائية 1977 م ص 204 قضى بأن أقوال المتهم بيومية التحرى ليست ببينة وعليه يتحتم استدعاء من قام بتدوينها إذا أرادت المحكمة أن تعتمد عليها كبينة وفي قضية حكومة السودان ضد فريد ربك واندى جانباً مجلة الأحكام القضائية 1977 ص 141 قضت المحكمة العليا بأن الأقوال التي يدلى بها المتهم بيومية التحرى لا يعول عليها في الإدانة
ولكن في هذه القضية التي بين أيدينا قد استدعت المحكمة الكبرى المتحرى الذي اثبت الأقوال التي أدلى بها المتهم المذكور له بيومية التحرى بأنها أقواله ومن ثم جاز لنا أن نؤسس عيها الإدانة باعتبارها كأنما أدلى بها المتهم في مجلس القضاء
فيما يختص باعتراف المتهم القضائي الذي أدلى به لرئيس محكمة ود النيل الرئيسية والمدون بيومية التحرى أتفق مع محكمة الموضوع بأنه لا يعتبر إقراراً قضائياً يعول عليه في هذه الإجراءات الجنائية لأنه حسب المادة 20 (2) من قانون الإثبات لسنة 1983 لم يدل به المتهم في مجلس القضاء أي لم يدل به في محكمة أثناء انعقادها حسب نص المادة 2 من ذات القانون ولكن فات على محكمة الموضوع أن هذا الإقرار طالما تلته هي على المتهم أثناء انعقادها وأقر به بصحة إدلائه به فأنه بات إقراراً قضائياً كأنما أدى به المتهم أثناء انعقاد المحكمة أي في مجلس القضاء ومن ثم لا تثريب في التعويل عليه
ونجد أن القاعدة العامة بالنسبة لقبول الإقرار القضائي كبينة شرعية هي الركون والارتكاز إليه ككل دون تجزئة لأنه لا يجوز – عدالة وإنصافاً – أخذ ما هو ضد المقر وترك طرح ما هو في صالحه ولكن نجد أن الاستثناءات من هذه القاعدة العامة هي أن ترفض المحكمة أجزاء الإقرار التي لا تطابق الحقيقة والواقع لأن المقر حشرها حشراً لتبرر أفعاله الإجرامية كادعاءات باطلة كاذبة واختلافات وتضليل وتلفيق وافتراءات لا أساس لها من الصحة ففي هذه القضية التي بين أيدينا واضح أن قول المرحومة زوجته حواء يس بادرته وقبضته في ذكره وقوله بأن المرحوم كونه باجك خنقته وأن المرحومة فاطمة روكه قبضته من نصف جسمه وذلك أمام المحكمة الكبرى عندما استجوبته – والقول مردود عليه لأنه لا يعدو أن يكون افتراء وتضليلاً وتلفيقاً وإدعاء كاذباً باطلاً حشره المتهم حشراً ليبرر ارتكابه تلك الجرائم الخطيرة ذلك لم يذكره في أقواله للمتحرى أو في اعترافه القضائي لدى رئيس محكمة ود النيل الرئيسية ولذلك لا بد من تجزئة إقرار المتهم بحيث نطرح ونرفض ذلك القول الذي يجافى الحقيقة والواقع ونرى أن الرواية الصحيحة هي التي رواها المتهم للمتحرى في اعترافه القضائي فيما يتعلق بأنه هو الذي بادر المرحومات بالعدوان والاعتداء ولم يقبضنه من ذكره أو جسمه ولم يقاومنه مطلقاً ولم يخنقنه
فإذا رجعنا إلي الأركان الثلاثة التي تنهض عليها جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983 نجدها ثانية استناداً إلي إقرار المتهم سنوسي علي بله الصحيح غير المرجوع فيه حتى هذه اللحظة مما يبرر إدانته بصفة مبدئية فواقعة طعن المتهم المذكور للمرحومات زوجته حواء يس بالسكين في صدرها والمرحومة كونه باجك بروت في صدرها وقلبها والمرحومة فاطمة روكه في بطنها – الثابتة من إقرار المتهم المدعوم بالقرارات الطبية من جثث المرحومات الثلاثة
رابطة السببية التي تربط ربطاً مباشراً بين موت المرحومات وتلك الإصابات التي سببها المتهم المذكور للمرحومات أيضا ثابتة من خلال القرارات الطبية وحالة المرحومات الصحية قبيل الحادث حيث كن بصحة جيدة يحملن العدة من منزل المتهم إلي منزل زوج زوجته الجديد
قصد المتهم لقتل القتيلات الثلاثة نستطيع بكل سهولة أن نستشفه من الآلة الخطرة التي استعملها المتهم في طعن القتيلات وهي تلك السكين التي بطبيعتها قاتلة كما نستطيع أن نستقيه من المواضع الحيوية التي اختارها المتهم أن يسبب بها الإصابات من أجسام المرحومات وهي الصدر والبطن كما نستطيع أن نستخلص قصد المتهم من العنف والقوة التي بذلها المتهم في تسبيب الإصابات حيث أردت الإصابات القتيلات قتيلات في الحال دون أن ينطقن بكلمة عن أسباب الحادث
وإذا افترضنا جدلاً بأن المتهم المذكور لم يقصد بتلك الإصابات موت المرحومات فإنه على أقل تقدير كان يعلم بأن موتهن سيكون نتيجة "راجحة" وليست فقط "محتملة" لتلك الإصابات القاتلة ذلك لأن الرجل العاقل العادي الرشيد سيصاب بدهشة بالغة للغاية وباستغراب شديد وبذهول عميق إذا قيل له أن مثل الطعنات الغائرات في تلك المواضع الحيوية من جسم المرحومات بمثل ذلك السلاح القاتل وبتلك القوة ولم تؤدى إلى موت المرحومات
أتفق مع محكمة الموضوع في أنه ليس هناك أي سبب من أسباب الإباحة التي تعفى المتهم سنوسى على بله نهائياً من المساءلة الجنائية – فالمتهم في وقت ارتكابه جرائمه الثلاثة كان بالغاً سن الحلم ولم يعان من أي لون من ألوان الجنون أما سبب الإباحة المتعلق بممارسة حق الدفاع الشرعي فلا أجد ظلاً فيه يستظل به المتهم فقد تبين لنا من إقرار المتهم بأنه هو الذي بادر الاعتداء والهجوم علي المرحومات ورفضنا قوله بأن المرحومة زوجته بادرته واعتدت عليه عندما قبضته من ذكره ورفضنا قوله بأن إحدى المرحومات خنقته والأخرى قبضته من جسمه وإذا كان ذلك كذلك وإذا كان المتهم قد ثبت بأنه هو المعتدى على المرحومات فإنه لا يستحق ممارسة حق الدفاع الشرعي عن نفسه إذ أنه قضى في حكومة السودان ضد حسن النحلة أحمد وآخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974 ص 485 بأنه لا ينشأ حق الدفاع الشرعي عن النفس لصالح المعتدى وإذا كان المتهم مسلحاً بسكين وأن المتهمات عزل من أي سلاح فأنه لا يستحق أن يمارس حق الدفاع الشرعي عن نفسه ضد أي منهن لأنه كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد إبراهيم موسى هارون مجلة الأحكام القضائية 1976 ص 718 بأنه لا ينشأ حق الدفاع عن النفس لصالح رجل مسلح بسكين ضد امرأة عزلاء من كل سلاح
بعد ذلك أنتقل لمناقشة الدفوع الستة الواردة في الاستئنافات بالمادة 249 من قانون العقوبات لسنة 1983 والمخففة والمغيرة والتي تنزل بجريمة القتل العمد إلي جريمة القتل شبه العمد
بخصوص دفع الاستفزاز الشديد والمفاجئ تحت المادة 249(1) من قانون العقوبات 1983 لا يستفيد المدان سنوسي على بله وذلك لانعدام ركن أساسي من الأركان التي ينهض عليها هذا الدفع ذلك هو فقدان الاستفزاز للمدان المذكور السيطرة على نفسه بمعيار الرجل المعقول العادي الرشيد في موقفه وبيئته وفي وظروفه يجب أن يكون فعل أو قول المجني عليه الاستفزازي للمتهم كفيلا بجعل الرجل المعقول العادي الرشيد في موقف وظروف وبيئة ومستوى عقلية المتهم يفقد السيطرة على تملك أعصابه ويخرج عن أطواره ويغيب عن صوابه بصفة مؤقتة والسؤال ما إذا كان الاستفزاز شديداً ومفاجئاً سؤال وقائعي تحدده الظروف كل قضية على حده ففي قضية حكومة السودان ضد محمد فضل المولي وآخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974 ص 326 قضت المحكمة العليا بأنه عند قياس حالة الفجائية العنيفة يكون المعيار هو معيار الرجل العادي في المستوى الثقافي للمتهم ومن بيئته وفي قضية حكومة السودان ضد جلاب محمد على مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 218 قضت المحكمة العليا بأن مسألة ما إذا كان الاستفزاز شديداً ومفاجئاً بدرجة تكفى لعدم اعتبار القتل قتلا عمداً مسألة وقائع ينظر فيها للظروف والملابسات مع مراعاة طبيعة الفعل وحالة المتهم مقاساً بمعيار الشخص العادي في مثل وضعه وعقليته
ففي القضية التي بين أيدينا صحيح أن زواج المرحومة زوج المتهم المدعوة حواء يس من شخص آخر قبل أن يطلقها المتهم لا شك فيه استفزاز ولكن ليس استفزازاً شديداً وعنيفاً ومفاجئاً للرجل المعقول العادي في نفس بيئة وظروف وعادات المتهم المذكور ذلك أنه من المألوف في بيئة المتهم أن تتزوج الزوجة غير زوجها السابق قبل الطلاق منه إذا ما ساءت العلاقة الزوجية وتدهورت بينهما – فالأمر يهون وقعه في نفس المتهم المذكور إذ أن تلك الممارسة شئ عادي في بيئته ومنطقته وظروفه خصوصاً وأن المتهم يحدثنا بأن زواجه كان عرفياً حسب عاداتهم وتقاليدهم وخصوصاً أن شيخ القرية هو الذي قام بالزواج الثاني
بخصوص المرحومتين كونه باجك وفاطمة روكه لم يثبت أنهما فعلا أو قالا قولاً من شأنه أن يؤدى أي استفزاز المدان المذكور قبيل أن يقوم بقتلهما
بخصوص دفع تجاوز حق الدفاع الشرعي تحت المادة 249 (2) من قانون العقوبات لسنة 1983 أيضا لا يستفيد من المدان المذكور لأننا - كما أسلفنا القول بأنه لا يوجد ابتداء وانتهاء أي نوع من الاعتداء على المدان من قبل المرحومات الثلاثة وبالتالي لم ينشأ ذلك الحق لصالح المدان وعليه لا معنى لمناقشة تجاوز ممارسة ذلك الحق
بخصوص الدفع تحت المادة 249 (2) من قانون العقوبات لسنة 1983 غير وارد في هذه القضية لأن المدان لم يعد موظفاً للدولة
بخصوص دفع المعركة المفاجئة الوارد في المادة 249 (4) من قانون العقوبات لسنة1983 لا يستفيد منه المدان لتخلف العنصر الأول لانطباقه وهو نشوب المشاجرة الكلامية والخصام المفاجئ السابق للمعركة بين المدان والمرحومات وأيضاً لتخلف عنصر عدم استغلال الظروف فقد استغل المدان فرصة لم تتاح للمرحومات عندما طعنهن بسكين في الوقت الذي كان فيه المرحومات عزل عن أي سلاح فالمعركة كانت غير متكافئة ولم يراع المدان فيها قواعد الفروسية والبطولة والمبارزة فقد طعن المدان المرحومات وهن في وضع خاسر
لا يستفيد المدان من الدفع تحت المادة 249 (5) من قانون العقوبات لسنة 1983 لأن المرحومات لم يعرضن أنفسهن للموت برضائهن
أيضاً لا يستفيد المدان من الدفع تحت المادة 249 (6) من قانون العقوبات لأنه لم يثبت – كما أسلفنا – أنه كان يعاني من أي نوع من الجنون على الإطلاق
عليه لهذه الأسباب جميعها ولتوافر جميع الأركان الثلاث التي تنهض عليها جريمة القتل العمد ولعدم توافر أي سبب من أسباب الإباحة التي يتخف المدان المذكور نهائياً عن المسألة الجنائية ولعدم انطباق أي دفع من الدفوع المخففة لجريمة القتل العمد إلي جريمة القتل شبه العمد الواردة في الاستثناءات بالمادة 246 من قانون العقوبات لسنة 1983 فأني أري أن إدانة المدان سنوسي علي بله بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من ذات القانون جاءت صحيحة
إزاء العقوبة التي أنزلتها محكمة الموضوع وهي الإعدام شنقاً حتى الموت بعد أن عجزت عن الاهتداء لموضع وجهة تواجد أولياء الدم لتعرض عليهم العفو عن القصاص وهو التنازل عن القصاص مجاناً دون الدية أو الصلح وهو التنازل عن القصاص لقاء كل الدية أو جزء منها هي العقوبة التي لا مناص منها في هذه الحالة حسب المنشور الجنائي 94/1984 وحسب ما استقرت عليه السوابق القضائية الحديثة وما أجمع عليه جمهور الأئمة
القاضي يوسف دفع الله :
التاريخ 3/7/1988م
أوافق الزميل على يوسف الولي أن المتهم سنوسي على بله قتل (1) حواء يس و(2) فاطمة روكه (3) كونه باجك بطعنهن بالسكين في لحظات متصلة في 11/4/87 طعنات قاتلة أودت بحياتهن دون تدخل عوامل خارجية وكان يقصد قتلهن أو كان يدرك أن طعنات لهن بسكين حادة الطرفين طول نصلها 24 سم وعرضها 35 سم في مواضع قاتلة بعنف كاف ليسبب الموت أن أفعاله هذه يرجح معها الموت
شاهد الاتهام الوحيد هو الرجل البالغ المدعو عبده خليفة كافي الذي شاهد المتهم يجرى من مكان الحادث وبيده سكين وقد تابعه عن بعد حتى وصل المتهم لنقطة الشرطة التي تبعد من مكان الحادث حوالي ثلاث أرباع كيلو وسلم نفسه واعترف بجرمه على النحو السالف البيان لقد أقر المتهم كما أبان الزميل علي يوسف الولي بأنه طعن الثلاث نسوة المذكورات في جميع مراحل القضية حتى أمام مجلس القضاء وأن روايته الأخيرة مختلفة عن رواياته السابقة كانت كاذبة حيث أدعى أن إحدى النسوة أمسكته من ذكره وأمسكتا به الأخريتين أوافق الزميل أنه حتى لو كانت الرواية الأخيرة صحيحة فلا يستفيد المتهم من استثناء المعركة المفاجئة لأنه سلك سلوكاً قاسياً وغير عادى باستعماله بالسكين بعنف ضد نسوة عزل من أي سلاح
أخلص إلي أني في اتفاق تام مع الزميل على يوسف الولي بأنه باستبعاد حالات الإباحة وموانع القصاص فأن المتهم مذنب تحت المادة 251 عقوبات بإقراره غير المرجوع عنه في مجلس القضاء والمدعم بالقرائن الأخرى ولكن ماذا لو رجع المتهم عن إقراراه في أي وقت آخر هل ينقلب وصف الجريمة المقترفة إلي قتل شبه عمد بحجة أنه لا يوجد لدينا شاهدين عدلين أو شاهد وامرأتين كما في الحدود ؟ أجيب على ذلك بأن فقهاء المسلمين قد اختلفوا في ذلك والاختلاف رحمة لتغيير الظروف من حيث الزمان والمكان يشترط الجمهور في إثبات الجرائم الموجبة للقصاص أن يشهد بالجريمة رجلان عادلان أن القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط لدرئه باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود ويرى الاوزاعي والزهري أن الجريمة التي توجب القصاص تثبت بما يثبت به الأموال فيكفى في إثباتها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ويؤيد الشوكاني هذا الرأي (التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عوده – ج2 – ص 315 والمغني ج10 ص 4 وهناك من الفقهاء من لا يشترط نصاباً معيناً في الشهود فيكفي عنده إثبات الجريمة الموجبة للقصاص أن يشهد بها شاهد واحد إذا رجح القاضي صدق شهادته (المرجع السابق ص 216 – الطرق الحكيمة ص 66 – 78 – طرق الإثبات الشرعية ص 181)
وذهب الإمام أبن القيم من الحنابلة وابن فرجون من المالكية وعلاء الدين الطرابلسي من الحنفية إلي أن البينة هي كل ما يبين به الحق وهو أكثر التعريفات الاصطلاحية مرونة قال أبن القيم: "البينة في كلام الله وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق فهي اعم من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين ولا حجر في الاصطلاح ما لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص وحملها في غير مراد المتكلم منها وقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النصوص ويذهب ابن فرعون إذ يقول "أعلم أن البينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره ويمسي النبي (ص) الشهود بينة لوقوع البيان وارتفاع الإشكال بشهاداتهم (معين الحكم للطرابلسي ص 68)
وفي مناقشة أدلة الجمهور في هذا المقام مع غيرهم مثل أبن القيم ومن معه يقول الأستاذ أحمد فتحي بهنس في كتابه نظرية الإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي (ص8) ما يلي:
"المقصود بالبينة وردت البينة في القرآن والسنة ويرى كثير من الفقهاء أن المقصود بالبينة هي شهادة الشهود وحجتهم أنها وردت في لسان الشرع مراداً بها الشهود في أكثر من موضع ففي الزنا ورد في القرآن الكريم قوله تعالي:" والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون" وفسرت البينة الورادة في حديث رسول الله (ص) في قضية هلال بن أمية حينما قذف زوجته ورماها بالزنا فقال له النبي)"البينة أو حد في ظهرك" بأنها أربع رجال وأختصم إليه (ص) الأشعث بين قيس مع آخر في بئر فقال له النبي (ص) "ببينتك أو يمينه" وفي رواية "شاهداك أو يمينك" ولهذا كله قال جمهور الفقهاء أن كلمة بينة الواردة في كتاب الله وسنة رسوله يقصد بها ويراد شهادة الشهود"
وقد ناقش القاضي عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي في كتابه (تعارض البينات القضائية في الفقه الإسلامي – وهي رسالة الماجستير التي نوقشت بكلية دار العلوم جامعة القاهرة في 27/7/1986 ونالت تقدير ممتاز بالإجماع أدلة الجمهور السالفة الذكر وانتهى إلي أنها لا ترجح عند المناقشة ففي قضية هلال بن أمية كان إثبات وقائعها متبعاً على أربعة شهداء فوجب الإثبات بأربعة شهداء ولما علم من المقام أنه مقام إثبات بالشهود فقد أطلق النبي (ص) لفظ البينة لعموميتها ولا يفيد ذلك منها التعميم على أن الحديث لا يمنع أيضاً أن يكون المقصود من البينة إقرار الزوجة بما قذفها به فهو يثبت الدعوى ويسقط الحد عنه ويمضى المؤلف فيقول أننا لا نسلم أن البينة في لسان الشرع هي الشهادة بدليل ما في حديث الاشعت بن قبر فالحديث لا يفيد الحصر وبدليل أنه صلي الله عليه وسلم كان يقضى وبكل ما يبين به الحق ففي غزوة بدر اعتبر القرينة بينة وقضى بها في منازعة ابني عفرا لما تداعبا في قتل ابن جهل ثم يقول المؤلف "لقد عني القرآن الكريم بالشهادة في الإثبات إلا أننا لا نسلم أنه حصر معنى البينة في الشهادة بل أن القرآن الكريم قد توسع في معنى البينة إذ جاءت استعمالات البينة في القرآن بمعاني عديدة كما رأينا في التعريف اللغوي هذا بجانب قد أجاز وسائل أخرى للإثبات كالقرائن فقال تعالي:"وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبلٍ فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبرٍ فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبرٍ قال أنه من كيدكن إن كيدكن عظيم" (سورة يوسف آية 26 و27 و28) وورد في الطرق الحكمية ص 201 وما بعدها: "هل يشك أحد رأى قتيلاً يتشخط في دمه وآخر قائم على رأسه بالسكين أنه قتله ولا سيما إذا عرف بعداوته
ولهذا جوز جمهور الفقهاء لولي القتيل أن يحلف خمسين يميناً أن ذلك الرجل قتله ثم قال مالك وأحمد: يقتل به وقال الشافعي: يقصى عليه بديته وانتهى المؤلف أنه يختار رأى أبن القيم ومن معه وما استقر تشريعاً استناداً إلى أن القرآن الكريم أجاز الحكم بالقرائن في قصة يوسف عليه السلام وحينما حكم صلى الله عليه وسلم بالدم على نصل السيف وحكمه بالإمارة عن جابر بن عبد الله حينما كلفه النبي (ص) أن يأخذ من وكيله خمسة عشر وسقاً وقال له إن ابتغى منك آية "فضع يدك على ترقوته"
هذا ما كان من اختلاف الفقهاء في إثبات القتل الموجب للقصاص فبأي أخذ المشرع السوداني؟ نرى أن المشرع السوداني أخذ بالبينة بمعناها الواسع إذا نص في المادة (2) من قانون الإثبات على أن: "بينة يقصد بها أي وسيلة يتم بها إثبات أو نفى أي واقعة متعلقة بدعوى أمام محكمة" كما نصت المادة 18 من نفى القانون على طرق الإثبات الجائزة قانوناً وحصرتها في الإقرار وشهادة الشهود والمستندات وحجية الأحكام والقرائن واليمين والمعاينة والخبرة أما في نصاب البينة الموجبة للقصاص فلم ينص المشرع على ذلك بل نص عليها في الحدود وبين مقدارها وذلك في الفصل الثاني عشر "البينة في الحدود" المادة 77 وما بعدها ولو أراد المشرع أن يلحق البينة في الحدود بالقصاص لفعل ذلك صراحة ولذلك فنحن نأخذ بما توصلنا إليه ويتمشى مع رأى أبن القيم ومن معه
القاضي: أبو بكر زين العابدين
التاريخ: 20/8/1988
فبجانب أن الاعتراف الذي أدلى به المدان في مرحلة التحرى يشكل إقرار قضائياً بالطعن وأسبابه وذلك لأنه أدلى به أمام قاضى في مجلس قضاة – أثناء إجراءات التحرى التي هي جزء من إجراءات الدعوى المتعلقة بالوقائع التي أقر بها وعلى الرغم من أن الأفعال التي قامت بها زوجة المدان من بيع لعيشه وسفر للكرمك دون إذنه وفى غيابه ومن اقتران بزوج آخر أثناء قيام عقد الزوجة الأول بين الزوجة القتيلة من جانب والمدان من الجانب الآخر وعلى الرغم من أن الوقت قد مضى على هذه الأفعال إلا أن الإفصاح بالزواج الأخير والإصرار عليه – مع الأخذ في الاعتبار بأثر الأفعال السابقة – من الأفعال المثيرة التي أثارت المدان وتثير أمثاله وبالتالي تشكل إثاره فجائية عنيفة ولكن وضح أن الأفعال التي قامت بها القتيلة مجتمعة ومنفردة تشكل أثاره فجائية عنيفة تثير حفيظة المادان وأمثاله إلا أن رد المدان قد كان غير مناسب مع حجم تلك الإثارة وقد طعن القتيلتين الأخريتين دون سبب يبرر أو يخفف الطعن ومن ثم أرى أن نوافق على تأييد الإدانة والعقوبة

