حكومة السودان / ضد / عماد مصطفى محمد
القضاة:
السيد/ زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ أحمد عثمان قاضي قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ محمد عبد الرحيم على قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان / ضد / عماد مصطفى محمد
م ع/ف ج/263/1987
المبادئ:
إجراءات جنائية - الإجراءات الجنائية التي تتخذ في دولة أجنبية مدى تأثيرها على الإجراءات التي تتخذ في السودان
لا اعتبار لأية إجراءات مهماكان نوعها يتم اتخاذها في دولة أخرى إلا ما كان منها قد انتهي إلى حكم حيث تتدخل قواعد محددة وصريحة في قوانين السودان لمعالجة الأمر
المحامــون: جعفر الحاج
الحكــــم
القاضي: زكي عبد الرحمن :
التاريخ:15/9/1988م
هذا طلب تقدم به الأستاذ جعفر الحاج المحامي نيابة عن موكليه طارق حسن فرحات وخالد محي الدين الشاكين في البلاغ رقم 489/87 القسم الشرقي (الخرطوم) تحت المادتين 362 و350 من قانون العقوبات في مواجهة المواطنين عماد مصطفي محمد يوسف وجلال مصطفي محمد يوسف
والطلب التماس لنا لفحص قرار محكمة استئناف الخرطوم الصادر بتاريخ 15/10/1987 مؤيداً قرار قاضي مديرية الخرطوم المؤرخ 14/8/1987م والذي أيد بدوره قرار قاضي الجنايات الصادر بتاريخ 2/7/1987م بشطب البلاغ المشار إليه فيما تقدم
ويبين من جميع الأوراق والدلالات التي جمعت بالتحري في البلاغ أن اتفاقاً كان قد تم بين طرفي هذه الإجراءات سلم بموجبه الشاكي الأول مبلغ ألف وتسعمائة ريال سعودي للمشكو ضده الأول في المملكة العربية السعودية لإقامة مشروع تجاري في السودان وبناءاً على ذلك يبدو أنه أسست شركة تم تسجيلها في السودان باسم شركة فرحات وشركاه الاستثمار المحدودة "بيد أنه سرعان ما دب الخلاف بين الشركاء ورأى الشاكيان أن المشكو ضدهما قد احتالا عليهما وعليه فقد حركا إجراءات قضائية بالمملكة يطالبان فيها بما دفعاه من مال حيث أقيمت دعوى أمام ما تسمى بهيئة حسم النزعات التجارية بجدة بالمملكة
ويبين أيضاً من الاستدلالات ومذكرات محامي الطرفين أنه ربما أضطر المشكو ضده إلي إيداع مبلغ يقارب المليون ريال بواسطة والده ولضمان الإفراج عنه خلال تلك الإجراءات وأنه صدر حكم غيابي في مواجهة المشكو ضده ولكنه لم يصبح نهائياً نظراً إلي أنه قد تمت معارضته طبقاً للأوضاع المقررة في الإجراءات المماثلة في المملكة
إن القرارات المطلوب فحصها تقوم كلها على وجود إجراءات أمام الهيئة السعودية يحرم الشاكيين من تحريك إجراءات جنائية في نفس الموضوع في السودان ورغم أن القواعد القانونية التي تستند إليها تلك القرارات غير واضحة إلا أنه يبدو لي أن أساسها هو ما ورد في مذكرة محامي المشكو ضدهما التي يطلب بموجبها شطب البلاغ
ويبين من ذلك أن السند خليط من مواد قانون الإجراءات المدنية (المادتين 29 و30 على وجه الدقة) ومواد قانون الإثبات و(المادتين 55 و56 على وجه الخصوص) والمادة 188 من قانون الإجراءات الجنائية وإذا صح هذا التقرير فإن القرارات تكون قائمة على خلط مخزي للقواعد القانونية ومجالات تطبيقها فالمادتين 29 و30 تحكمان الإجراءات المدنية ولا شأن لهما بالإجراءات الجنائية والمادتين 55 و56 من قانون الإثبات تنطبقان على الأحكام الانتهائية وواضح أنه لم يصدر أي حكم نهائي في النزاع الذي نشب بين الشاكيين والمشكو ضدهما "هذا إذا تركنا جانباً ما إذا كان أي حكم وأن صدر نهائياً من جهة أجنبية يعتبر حكماً انتهائياً لأغراض المادتين المشار إليهما" وأخيراً فإن المادة 188 من قانون الإجراءات الجنائية تقنين لمبدأ قانوني واسع يسود العالم بأسره ويمنع تعريض أي إنسان للمحاكمة المتجددة
بيد أن هذا المبدأ وفيما هو واضح من صريح نص المادة 188 المشار إليها لا ينشأ إلا في حالة المحاكمات التي تنتهي بالبراءة أو الإدانة
ولا حاجة بنا إلي الإشارة إلي أن الإجراءات التي تم تحريكها في المملكة العربية السعودية لا تشكل "محاكمة" ولا هي انتهت سواء بالبراءة أو الإدانة وهي لن تنتهي بأي منهما بطبيعة الحال ولعله يجعل أن نضيف من باب الاستطراد أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال بشأن مجالات تطبيق المادة 188 نظراً إلي أنها تقصر حالات تطبيقها على المحاكمات التي تتم أمام "محكمة مختصة" وهي وفق تفسيرها في القانون ذاته لا بد أن تكون محكمة سودانية في المقام الأول
مما تقدم يصبح من الواضح أن تخلي المحاكم السودانية عن الاختصاص "وما حدث في جوهره لا يخرج عن ذلك" لا يقوم على سند من قواعد القانون ما كان منها وطنياً خالصاً أو مستنداً من القانون الدولي الخاص غير أن ما يدعو للقلق هو أن هذا التخلص يهدر ذلك الكبرياء الوطني الذي يدفع المحاكم في كل مكان إلي التشبث بإضفاء الاختصاص على نفسها لإحساسها بأنها أكثر قدرة على تحقيق العدالة من أية محكمة أجنبية ولهذا لا تتخلى عن الاختصاص إلا فيما يقرره القانون صراحة وما قواعد الاختصاص المقررة بمقتضى مبادئ القانون الدولي الخاص إلا تعبيراً عن هذا الكبرياء وحلاً لما قد يترتب عليه من تنازع بين محاكم الدول المختلفة وإن كان هذا يصح على وجه الدقة في مجال الإجراءات المدنية فإن الاختصاص في الإجراءات الجنائية قد حسمت بصفة قاطعة ولا اعتبار فيها لآية إجراءات أخرى مهما كان نوعها يتم إتخاذها في دولة أخرى إلا ما كان منها قد انتهى إلى كم حيث تتدخل حيئنذ قواعد محددة وصريحة في قوانين السودان لمعالجة أمره
على أننا قد نلتمس عذراً للمحاكم الأدنى في أنها ربما وجدت في الاجراءات القائمة في المملكة العربية السعودية وما ترتب عليها من معاناة للمشكو ضدهما أو أحدهما واضطرارهما لإيداع مبلغ من المال لإيقاف تلك المعاناة "ربما ما زال محجوزاً في انتظار نهاية الإجراءات ما حمل المحاكم عدالة إلي صد الشاكين عن تحريك قضية جديدة في السودان لن تقل عن سابقتها فيما قد تسببه من معاناة ولعل هذه يفسر ما ورد في قرار محكمة الاستئناف من أن الإجراءات الجنائية Undesirable غير أن الحقوق القانونية واضحة أما أن تقرر تلك الحقوق أو تنفيها
وبالإضافة إلي ذلك فإنني أرى قواعد العدالة لا ينبغى أن تسود على القواعد القانونية إذا كانت صريحة كما أنها لا ينبغى أن تسود على المبادئ الراسخة في الاختصاص الوطني ثم أن المبلغ الذي تم إيداعه في المملكة العربية السعودية لا يمثل المبلغ الذي يرى الشاكيان أنهما يستحقانه بل أنه يمثل ما يقل عن نصف ذلك المبلغ وعلى ذلك فإنه ما من عدالة تهدر بمطالبتهما بحقوقهما كاملة الآن ولا شئ يمنع
على أي حال أن يدفع المشكو ضدهما بما يتخذ ضدهما من إجراءات في السودان في تلك الإجراءات القائمة الآن في المملكة العربية السعودية ثم أن هناك مسألة جد هامة أغفلتها المحاكم الأدنى وهي أن المشكو ضدهما قد اعترضا على الإجراءات التي تم تحريكها في المملكة العربية بحجة أن الاختصاص لا ينعقد فيها للمحاكم السعودية وقد ذهبا في ذلك إلي حد تحريك النائب العام ليشهد على ذلك وبالطرق الدبلوماسية "فيما ورد في مذكرة محامي المشكو ضدهما أمام قاضي الجنايات" وأيا كانت سلطة النائب العام فيما أقدم عليه وأياً كانت سلامة ما شهد به من الناحية القانونية فإن محامي المشكو ضدهما يناقض نفسه حين يتمسك بالإجراءات السارية في المملكة في مواجهة موكليه ويحتج بها على أية إجراءات جديدة يمكن إقامتها هنا في السودان وإذا كانت صحة الإجراءات في السعودية من حيث الاختصاص محل خلاف أو يمكن أن يكون كذلك مستقبلاً فإنه لا يستقيم منطقاً أو عدالة أن تعول عليها محاكمنا في تقريرها في أمر ولايتها على ما يرى الشاكيان إقامته من إجراءات أمامها
وعليه وفي تقديري أنه وحتى بمنظور قواعد العدالة - ترجح اعتبارات العدالة جانب الشاكيين أكثر مما يرجح الجانب الآخر
ورغم أن الجدل الذي ثار في محكمتي المديرية والاستئناف كان قائماً على ما إذا كانت الدعوى التي تنظر بالمملكة سبباً مانعاً لاتخاذ إجراءات جنائية في السودان إلا أن قاضي الجنايات لن يقتصر في تسبيبه لقرار شطب البلاغ على هذا الجانب وحده – بل تعدى ذلك (في محاولة واضحة لحشد أكبر قدر ممكن من الأسباب لقراره) إلي القول بأن النزاع في جوهره مدني في طبيعته مما لا يصلح أصلاً لإجراءات جنائية
إن مثل هذا القرار لا شك يحتاج إلي تسبيب أكثر تفصيلاً ودقة خاصة وإجراءات البلاغ تشرف عليها النيابة العمومية ولم تصدر عنها توصية بشأن تقديم القضية للمحكمة أو حفظ الإجراءات (سواء بسبب طبيعة النزاع (خلاف ذلك) وتقتضى العدالة وحسن سير العلاقات بين أجهزتها أن تصدر المحكمة قرارها بعد بلوغ الإجراءات مرحلتها المناسبة وأن يكون ذلك القرار مسبباً بقدر كاف
ولهذا ولأن محكمتي المديرية والاستئناف لم تتعرضا لهذا السبب عند تأييدهما لقرار شطب البلاغ فإنني أرى أنه من غير الملائم أن نقرر من جانبنا بمدى صحة ما أطلقه قاضي الجنايات في هذا الصدد وأن كنا نرى عدم سلامته إجرائياً على الأقل ليكون الأمر برمته محل نظر جديد طبقاً للقواعد المرعية في إصدار مثل هذا القرار
أخلص من كل ذلك إلي أن قار شطب البلاغ موضوع هذا الطلب جاء مخالفاً للقانون وكذا قرار محكمتي الاستئناف والمديرية المؤيدان لذلك القرار ما يتعين معه تدخلنا طبقاً لنص المادة (339) من قانون الإجراءات الجنائية وعليه نقرر إلغاء تلك القرارات وإعادة الأوراق للسير فيها طبقاً للقواعد القانونية السليمة كما أوضحتها هذه المذكرة
القاضي أحمد قاضي :
التاريخ: 18/9/1988م
اطلعت على الأوراق واجد نفسي على اتفاق تام مع التسبيب الضافي الذي ساقه زميلي العالم زكي والذي انتهى إلي التقرير بعدم سلامة قرار السيد قاضي الجنايات وما تبعه من تأييد من محكمتي المديرية والاستئناف – لذا أوافق على إلغاء قرار السيد قاضي الجنايات والقرارات المؤيدة له و أوافق على إعادة الأوراق لإعادة فتح البلاغ والسير في إجراءات التحري حتى النهو منها
القاضي محمد عبد الرحيم :
التاريخ 9/10/1988م
أوافـق

