محافظ مديرية الخرطوم طاعن ضــد بشير عبد الله السلمابي مطعون ضده
المحكمة العليا
القضاة:-
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد أحمد التجاني عبد الهادي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة الأمين محمد الأمين تاتاي قاضي المحكمة العليا عضواً
محافظ مديرية الخرطوم طاعن
ضــد
بشير عبد الله السلمابي مطعون ضده
م ع/ ط م/ 50/1981م
المبادئ:
- القانون الإداري – القرارات القابلة للطعن بالإلغاء- عدم تسبيب القرار الإداري وأثره
1 كل قرار صادر من فرد أو هيئة تابعة للسلطة التنفيذية أثناء أدائها لوظيفتها يكون قرارا إداريا قابلاً للطعن بالإلغاء
2 القرار الإداري الصادر من الجهة الإدارية يتعين أن يكون مسببا وجزاء تخلف ركن السبب هو بطلان القرار ويتحتم إلغاؤه
الحكـم
1981824
القاضي محمد الفضل شوقي:
رفع السيد بشير عبد الله السلمابي دعوى رقم 41/74 بتاريخ 15/12/74 أمام محكمة المديرية المدنية بالخرطوم بحري ضد المدعو الشيخ عبد القادر حسن يطالب فيها بتغيير سجل القطعة رقم 84 مربع (15) شمبات المسجلة باسم الأخير لتكون باسمه استناداً على أنه قد اشتراها منه وهي من قطع أراضي ذوي الدخل المحدود التي باعتها لهم الدولة ولا يتم التصرف فيها بدون موافقة محافظ المديرية – وذكر المدعي أنه سدد عن القطعة كل المبلغ المتفق عليه ما عدا 1400 جنيه تسدد عند إتمام تسجيل القطعة- ولكن البائع المشار إليه تقاعس عن إتمام عقد البيع- وبتاريخ 24/2/1979 أصدرت المحكمة حكمها لصالح المدعى عليه أمرت بتحويل سجل القطعة المذكورة إلى اسمه بعد الحصول على موافقة محافظ المديرية وفقا للفقرة (7)من عقد الحكر والمادة 3 من قانون تقييد تصرف السودانيين في الأراضي لسنة 1918م كما أمرت بأن يدفع المجني عليه الرسوم والأتعاب- ولم يستأنف المدعى عليه هذا الحكم- وبدأ المحكوم له السعي لاتمام التسجيل حسب الحكم الذي حصل عليه فوقفت في طريقه مسألة موافقة محافظ المديرية التي امتنع عنها وكتب لرئيس تسجيلات الخرطوم بحري معلنا عدم موافقته بالخطاب المؤرخ 325/1979 – فكان أن رفع بشير عبد الله السلمابي المحكوم له طعنا إداريا وفقا للمادة 309من قانون الإجراءات المدنية أمام محكمة الاستئناف ضد هذا القرار الإداري الذي أصدره المحافظ ومنع بموجبه تعديل السجل وقد قاوم المحافظ الدعوى أمام محكمة الاستئناف ولكن المحكمة في حكمها الصادر بتاريخ 10/12/1981 قررت بطلان قرار المحافظ الإداري وأمرت بتغيير السجل إلى اسم المتقدم بالطعن الإداري وأمامنا الآن طعن بالنقض ضد قرار محكمة الاستئناف في تلك الدعوى الابتدائية من المستشار القانوني بمحافظة الخرطوم نيابة عن المحافظ وقد جاء طلبه بعد المدة المحددة لتقديمه وشرح أسبابه التي أدت للتأخير في تقديم الطعن- وقد رأينا نظراً لما يثيره الطعن من نقاط قانونية أن نتقاضى عن ذلك- وتم إعلان الطعن لمحامي المطعون ضده (وهو المدعي في القضية الأولى المذكورة من قبل) فأرسل رده – وفي أثناء تبادل هذه المذكرات جاء طعن جديد من محامي المدعى عليه (المحكوم ضده) في القضية الأولى وذكر في نهايته أنه ينضم إلى مذكرة زميله المستشار القانوني لمحافظ الخرطوم ويسانده في طلبه لإلغاء قرار محكمة الاستئناف
ونبدأ أولا بأن نقرر أن صاحب هذا الطعن الثاني وهو المدعى عليه (المحكوم ضده) في الدعوى السابقة والخاصة بموضوع عقد بيع المنزل موضوع النزاع لا محل له إطلاقا في هذا الطعن ضد قرار محكمة الاستئناف حيث أنه لم يكن طرفا في تلك الدعوى ولم يطلب الانضمام إليها ولم يكن له وجود فيها ولم يتقدم بأي دفوع أو أسباب في شأنها حتى يمكن أن يقال أن لديه قضية هنالك دافع عنها وفشل في كسبها ويريد أن يواصل سعيه للنجاح فيها أمامنا – إن قبوله كطاعن بالانضمام الآن يعني ببساطه أننا سنقبل منه وننظر في حجج ونقاش لم يعرض أمام محكمة الموضوع ولم تنظر فيه ولم تصدر قرارا في شأنه وهو أمر بديهي أنه غير جائز- وبنا عليه فإن مذكرته لن تكون محل اعتبار لدينا هنا
من بين ما قاله المستشار القانوني الطاعن نيابة عن محافظ الخرطوم في اعتراضه على قرار محكمة الاستئناف:-
1 أن محكمة الاستئناف لم تكن مختصة بالنظر في الطعن الإداري المقدم لها لأنه لم يكن طلبا للإلغاء ولا التعويض – ولم يكن هنالك قرار قابل للطعن فيه أو المطالبة بالتعويض عنه
2 وان محكمة الاستئناف أخطأت بقبولها السير في دعوى تختص بنزاع لا يزال قيد النظر أمام محكمة مختصة – وهي بذلك قد خالفت المادة (30) من قانون الإجراءات المدنية
3 وكذلك أخطأت المحكمة لقبولها دعوى ضد المحافظ يرفعها المشتري في حين أنه من المفروض أن يكون البائع (الطرف المتعاقد مع المحافظ ) هو الذي يسعى وراء الحصول على موافقة المحافظ
4 أنه كان على محكمة الموضوع أن تكتب للمحافظ وتمده بالبينات اللازمة ليتمكن من ممارسة صلاحياته في شأن الموافقة على التصرف في تلك الأرض
5 أن محكمة الاستئناف أخطأت بخلطها بين قضيتين منفصلتين عندما اعتمدت للفصل في الطعن الإداري المعروض أمامها على وقائع الدعوى المدنية المقامة لتنفيذ عقد بيع الأرض والتي لم يكن المحافظ طرفا فيها
6 أن المحكمة أغفلت البند الوارد في عقد الحكر والذي يكفل للمحافظ حق الامتناع عن منح موافقته بدون إبداء أي أسباب – وقد فحص المحافظ الطلب المقدم إليه بعناية ورفض منح الموافقة لأسباب معقولة لم يكن للمحكمة أن تتدخل في تقييمها – وبعدم صدور موافقة المحافظ يبطل عقد البيع
7 أن المعايير الواردة في المادة 3 من قانون تقييد تصرف السودانيين في الأراضي لسنة 1981 هي لمجرد الاستهداء – وان لدى السلطة المختصة الخيار في أن ترفض منح الموافقة حتى إذا توفرت تلك المعايير لأن المادة تنص على أن الموافقة جوازيه
8 أن موافقة المحافظ ليست شرطا شكليا يمكن التغاضي عنه بل هو مطلب جوهري لنفاذ العقد- وعدم الحصول على هذه الموافقة يبطل التصرف ويجعله كأن لم يكن ويصبح السبيل الوحيد أمام المشتري في هذه الحال وهو المطالبة بالتعويض
وقد جاء رد محامي المطعون ضده مفنداً للأسباب التي بسطها مقدم الطعن ونوجز ما ورد بمذكرته فيما يلي:-
1 أن الإجراءات التي تمت أمام محكمة الاستئناف لم تتخذ وفقا لاختصاصها في المادة 17 وإنما بناءً على المادة 309 من قانون الإجراءات المدنية
2 أن القرار الذي أصدره المحافظ هو قرار خاضع للطعن إذا رأى ذو مصلحة أن ذلك القرار يشوبه التعسف أو عدم التسبيب المعقول
3 أن الدعوى المدنية والطعن الإداري منفصلين – ولم يكن هنالك مبرر لاقحام المادة 30 من قانون الإجراءات المدنية في الطعن الذي قدمه المستشار القانوني
4 أن البائع في الدعوى المدنية ينكر عقد البيع ويحاول التهرب منه ومن الطبيعي إلا يسعى للحصول على موافقة المحافظ
5 لقد توفرت للمحكمة فرصتان للإلمام بحقيقة الأمر وإصدار قرار مسبب وذلك عندما وصله الحكم الوقتي ثم عندما وصله التظلم
6 أن القول بأن للمحافظ أن يصدر قراره بدون توضيح الأسباب التي دعت له يؤدي إلى إخراجه عن الرقابة القضائية المفروضة على القرارات الإدارية
هذا ملخص سريع لأهم ما ورد بمذكرة الطعن التي قدمها المستشار القانوني وما جاء بالرد الذي قدمه محامي المطعون ضده
ونحن نرى أولا أن الطعن المقدم لمحكمة الاستئناف هو طعن إداري استوفى سائر المتطلبات القانونية- حيث أن القرار الذي أصدره المحافظ بعدم الموافقة على تعديل سجل الأرض المتنازع عليها هو بدون أدنى شك قرار إداري- ويكفي لتأكيد هذا أن نشير إلى ما ورد بكتاب الدكتور سليمان محمد الطماوي عن القانون الإداري بالصفحة 779 (الطبعة الرابعة) حيث يقول:- ولو أخذنا بهذا المعيار لا مكن تعريف العمل الإداري بأنه كل عمل صادر من فرد أو هيئة تابعة للإدارة أثناء أداء وظيفتها" ثم يذهب في الصفحة 783 إلى حسم الموضوع بشكل قاطع وذلك عن طريق الأخذ بالتعريف الذي وضعه مجلس الدولة المصري في حكمه الصادر بتاريخ 30 يونيو 1953 والذي جاء فيه " وما من شك في أن قضاء هذه المحكمة قد جرى باطراد على الأخذ بالمعيار الشكلي فصدور قرار من السلطة التنفيذية أيا كانت طبيعته يجعله قابلا للطعن بالإلغاء كأي قرار إداري"
ومقدم الطعن الإداري صاحب مصلحة ظاهرة وبديهية لإلغاء ذلك القرار وما من سبيل أمامه عمليا ولا قانونيا لتحقيق الإلغاء سوى طريق الطعن الإداري على أية حال فإن المستشار القانوني لم يعرض وجهة نظره هذه أمام محكمة الموضوع وما كان له أن يثيرها أمامنا الآن لأول مرة كما أن اعتراضه الثاني بعدم اختصاص محكمة الاستئناف لا محل للجدال حوله الآن أمامنا بدون أن يكون قد أثير من قبل أمام محكمة الطعن الإداري – وهو على أي حال مردود عليه بأن القضية المدنية عن تنفيذ عقد البيع تعتبر منفصلة تماما عن الطعن الإداري الذي نظرته محكمة الاستئناف وكان يمكن أن يقام الطعن الإداري بدون أن يكون هناك نزاع حول عقد بيع الأرض – حيث أن رفض المحافظ لم يستند على ذلك النزاع بين البائع والمشتري ولم يذكر أن له أي صلة به
لقد صدر حكم في تلك القضية المدنية ولم يقدم أي استئناف ضده- فاستقر ذلك الحكم وأصبح باتا- وسعى المحكوم له لتنفيذه فواجهته عقبة عدم تصديق المحافظ فاتخذ لمعالجتها سبيل الطعن الإداري فأي خلل هنالك في هذا الإجراء وهذا الاتجاه
أن كل النقاط التي أثارها المستشار القانوني في شأن ذلك الحكم الابتدائي الذي أصدرته المحكمة المدنية خارجة عن الاعتبار ولا محل للخوض فيها هنا حيث أننا الآن إزاء موضوع محدد الأطراف ومحصور فقط في أن شخصا ذا مصلحة تقدم بطلب لجهة إدارية للحصول على تصريح مطلوب كشرط لكي ينال حقا ثبت له فأصدرت تلك الجهة قرارا إدارياً رفضت بموجبه منحه التصريح الذي طلبه فطعن في ذلك القرار الإداري- وسنحصر أنفسنا في هذا النطاق ولن نتجاوزه ولن يكون ردنا مسهبا إذ أن جمع الحجج التي ساقها المستشار القانوني عن سلطة المحافظ التقديرية وإمكانية إصداره القرار غير مسبب ووجود بند في عقد الحكر يؤكد هذه السلطة لا تحتاج إلى نقاش مستفيض بل هو مردود عليه في بساطة بأنه من القواعد المفروغ منها قانونياً بأن أي قرار غير مسبب باطل ولا يعتد به- وأي نص في هذا المعني لا يؤخذ به حرفيا حيث أن عدم التسبيب للقرارات إدارية كانت أو قضائية أو شبه قضائية يتعارض معارضة جذرية مع قواعد العدالة والإنصاف ولا تحتاج لتأكيد هذا المذهب المستقر والذي أصبح بديهيا غير قابل للجدل- لا تحتاج لتأكيده لأكثر من أن نشير إلى كتاب ويد عن القانون الإداري ففيه الكفاية- لقد شنها ويد حربا قانونية ومنطقية شعواء ضد القرارات الإدارية غير المسببة وراح يذكر ويردد في مكان بعد مكان أن القرار الإداري غير المسبب باطل ولا يساوي الحبر الذي كتب به سواء كان صادرا من الوزير أو من أي موظف مسئول آخر- وان أي نص في أي قانون يعطي جهة إدارية سلطة إصدار قرار بدون تسبيب لا يعني أكثر من أن التسبيب المستفيض هو الذي يمكن الاستغناء عنه أما توضيح دواعي صدور القرار ومسبباته نتيجة الاستقصاء الذي تم قبل إصداره والذي استند عليه القرار فهو لازم لا يمكن التجاوز عنه بحال من الأحوال – لأن التجاوز في هذه الأحوال يقود إلى العشوائية – والعشوائية هي الفوضى التي تقود إلى فقدان الثقة في السلطة- ونرفق هنا مقتطفات من الكتاب ونتركها تتحدث عن نفسها فهي مشحونة بالمعاني التي أشرنا لها أن قرار المحافظ الذي كان موضوع الطعن الإداري الذي قدم لمحكمة الاستئناف هو قرار غير مسبب وخالي تماما من أي توضيح يشرح الدواعي له- وان الفقرة (4) من الصفحة الأولى من مذكرة الطعن المقدم لنا حيث يذكر المستشار القانوني أن خطاب المحافظ بتاريخ 24/12/79 يوضح أسباب عدم موافقته على تعديل السجل- هو قول منافي للواقع- ويمكن الإطلاع على ذلك الخطاب بالصفحة 14 من المحضر لنجد أنه خال تماما من أي سبب أو شرح للظروف التي دعت لذلك الرفض- وننبه هنا إلى أن قانون تقييد تصرف السودانيين في الأراضي لم ينص على أن قرار عدم الموافقة يمكن أن يكون مسبب- وقد ورد هذا التعبير في العقد فقط- وقد استقر العمل على إغفال مثل هذا الشرط قضائيا على اعتبار أنه تعسفي
وكما قال الفقيه ويد فإن عدم التسبيب يعني أن السلطة الإدارية المعنية لم يكن لديها دواعي منطقية ومقبولة لذلك القرار ومن ثم فإنه يتحتم إلغاء القرار الصادر وهو ما نحكم به هنا ونؤيد على ضوئه ما توصلت له محكمة الاستئناف غير أننا نوجه الحكم للمحافظ ليصدر موافقته على تعديل السجل بالطريقة المشار إليها واتخاذ الخطوات اللازمة لكي يتم تسجيل الأرض رقم (84) مربع (10) شمبات بالخرطوم بحري باسم بشير عبد الله السلمابي
1981824
القاضي أحمد التجاني عبد الهادي:
أوافق
1981824
القاضي الأمين محمد الأمين تاتاي:
أوافق

