محاسـن صالـح سعيـد الطاعنة // ضد // الصندوق القومي للتأمين الاجتماعي سفـارة سلطنـة عمان بالخرطـوم المطعون ضدهما
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
القضاة:
سعادة السيد / د.حيـدر أحمـد دفع الله
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / هاشـم إبراهيم البشـير
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيدة/ د.سوسن سعيـد شندي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
الأطراف:
محاسـن صالـح سعيـد الطاعنة
// ضد //
الصندوق القومي للتأمين الاجتماعي سفـارة سلطنـة عمان بالخرطـوم المطعون ضدهما
الرقم م ع/ط م/410/2013م
اتفاقية فيّنا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961م – المـادة (41) منهـا – مسؤولية المبعوث الدبلوماسي عما أتاه من أعمال – وضع التشريعات الوطنية حدود الحصانات التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي.
المبدأ:
إن تمتع المبعوث بحصانة قضائية محلية لدى الدولة المعتمد لديها لا ينفي مسؤوليته عما أتاه من الأعمال ، بمعنى أنه إذا كان المبعوث الدبلوماسي يتمتع بإلإعفاء من الخضوع للقضاء الإقليمي في الدعاوى المدنية والإدارية فليس مؤدى ذلك ضياع حقوق الأشخاص إذ إن تشريعات الدولة يجب أن تضع في الاعتبار حدود الحصانات والامتيازات التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي.
ملحوظة محرر:
تأيد الحكم بقرار المراجعة رقم 26/2014م.
المحامون:
الأستاذة/ منال عوض خوجلي عن الطاعنة
المستشار القانوني/ عمر فاشر عبد الكريم عن المطعون ضده الأول
الأستاذ/ محمد الأمين أبوسمرة عن المطعون ضدها الثانية
الحكـــم
القاضي: د. حيدر أحمد دفع الله
التاريخ: 25/7/2013م
هذا طلب طعن بالنقض تقدمت به الأستاذة/ منال عوض خوجلي المحامي نيابة عن موكلتها الطاعنة أعلاه ضد القضاء الصادر من محكمة الاستئناف بالخرطوم بالرقم م ا/ا س م/3789/2012م بتاريخ 15/12/2012م والقاضي بشطب الاستئناف إيجازياً ، وفقاً لنص المادة (186) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م.
سبق لهذه الدائرة أن قبلت الطعن المقدم من حيث الشكل ، وأمرت بإعلان المطعون ضدهما بصورة منه للرد حيث أودع كل من المطعون ضده الأول بوساطة مستشاره القانوني عمر فاشر عبد الكريم نيابة عن وزير العدل ؛ مذكرة رده ، بينما أودعت المطعون ضدها الثانية بوساطة محاميها محمد الأمين أبو سمرة مذكرة ردها وبذلك أصبح الطعن صالحاً للفصل فيه موضوعاً كما يلي:
وجيز وقائع الدعوى موضوع هذا الطعن على ما يبين من سائر الأوراق أن المدعية " الطاعنة " سبق وأن أقامت الدعوى المدنية رقم (940) لسنة 2012م أمام محكمة الخرطوم الجزئية في مواجهة المدعى عليهما (المطعون ضدهما ؛ الصندوق القومي للتأمين الاجتماعي ، وسفارة سلطنة عمان بالخرطوم) بوساطة محاميهما على سند من الادعاء بأن المدعية سودانية الجنسية ؛ وكانت تعمل لدى المدعى عليها الثانية في وظيفة سكرتيرة منذ الفترة من 1/3/1993م وحتى 28/7/2007م بأجر شهرى مقداره 433 دولار أمريكي وأن المدعى عليها الأولى لم تقم بتقييد وتسجيل المدعية لدى الصندوق القومي للتأمين الاجتماعي مخالفة بذلك نص المادة 6(1) من قانون التأمينات الاجتماعية لسنة 1990م ، وقد طالبت المدعية مراراً وتكراراً المدعى عليه الأول بأن يخاطب المدعى عليها الثانية لإدخالها في مظلة التأمين الاجتماعي ولكنها لم تستجب ، وأنها أنذرت وزير العدل بتاريخ 23/1/2012م برغبتها في رفع دعوى مدنية ضد المدعى عليه الأول ، وأنها استلمت بتاريخ 8/3/2012م خطاباً من وزارة الخارجية بعد أن خاطبت الوزارة المدعى عليها الثانية بشكوى المدعية . والتمست المدعية الحكم لها بمبلغ 19026 دولار أمريكي أصل الدعوى . وفي مرحلة لاحقة عدلت المدعية دعواها ملتمسة الحكم لها بإلزام المدعى عليها الثانية بدفع مبلغ 19.992 دولار أمريكي للمدعى عليه الأول لصالح المدعية وأتعاب المحاماة ورسوم المحكمة.
بعد الدفوع القانونية والموضوعية التي تقدم بها المدعى عليهما والتعقيب عليها انتهت محكمة الموضوع إلى إصدار قرارها بشطب الدعوى برسومها بتاريخ 30/8/2012م وأيدتها في ذلك محكمة الاستئناف في حكمها المطعون فيه والمشار إليه في صدر هذا الحكم.
جاءت مذكرة أسباب الطعن مطولة (13 صفحة) ويمكن تلخيص أسباب الطعن التي تقدم بها الأستاذ/ نبيل أديب فيما يلي:
1- استندت محكمة الاستئناف على خطاب وزارة الخارجية التي أكدت أن سفارة سلطنة عمان تتمتع بالحصانة الدبلوماسية وفقاً لاتفاقية ڤيَّنا ولكنها أخطأت حين لم تنظر لمدى حصانة الدولة الأجنبية بالنسبة لولاية قضاء الدولة على ما يقع في إقليمها من أفعال ، وكان يتعين على محكمة الموضوع أن تتفحص حدود الحصانات المقررة لصالح البعثات الدبلوماسية.
2- القانون السوداني يأخذ بوحدة القانونين الدولي والداخلي ، والمحاكم تطبق المعاهدات التي يصدق عليها السودان باعتبارها جزءاً من القانون الداخلي وبالتالي فإن معاهدة ڤيَّنا 1961م هي جزء من القانون الداخلي يملك تفسيرها القضاء وليست وزارة الخارجية إذ هي لا تملك القول الفصل في المسائل المتعلقة بالاتفاقية أمام القضاء والقول بغير ذلك فيه إخلال بالأساس الدستوري للفصل بين السلطات.
3- بانضمام السودان في عام 1981م لاتفاقية ڤيَّنا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961م أصبحت المسألة كلها من صميم العمل القضائي ، وقد لفت منشور رئيس القضاء رقم 2/92م نظر المحاكم إلى الاستثناءات الواردة في اتفاقية ڤيَّنا ، إذ وجه بعدم تطبيق الحصانة بشكل تلقائي ، بل بالنظر لطبيعة المعاملة وما إذا كان يشملها أحد الاستثناءات.
4- ليس لمبدأ الحصانة الإجرائية للدول الأجنبية من قضاء الدولة على ما يختص به قضاؤها صلة باتفاقية جنيڤ ، وتلك الحصانة ترد عليها عدد من الاستثناءات إلا أنها لا صلة لها بموضوع الدعوى . فالمدعية لا تقاضي السفير ولا أياً من أعضاء السفارة وإنما هي دعوى في مواجهة الدولة التي تمثلها السفارة وهذه الدولة لا حصانة لها من الولاية القضائية لقضاء السودان.
5- شهد مبدأ حصانة الدولة تطوراً وقد استقر الأمر في الفقه باعتبار أن المبدأ الدولي العرفي والقاضي بحصانة الدولة الإجرائية من ولاية القضاء الأجنبي هو مبدأ يمنح الدولة حصانة في حدود أعمالها كسلطة عامة فقط أي أنها حصانة مقيدة والحصانة المقيدة تقوم على أساسين هما الأول أن العدل يقتضي أن يكون لمن دخل في علاقة تعاقدية مع دولة أجنبية على أساس من القانون أن يعرض دعواه على المحكمة ، والثاني هو أن إخضاع الدولة للمقاضاة في هذه الحالة ، لا يتضمن تحدياً لقرار سيادي أصدرته الدولة وبالتالي فهو لا يسبب انتقاصاً من هيبة الدولة . وقد استقرت الأحكام القضائية المقارنة على نظرية التفسير المقيد لحصانة الدول كما في سويسرا والنمسا التي تعتبر رائدة في مجال السماح بالمقاضاة حول عقود العمل وقد أخذت بمعيار أن عقد الاستخدام هو عقد خاص وطالما أن الدولة دخلت فيه فمن العدل أن يسمح بمقاضاتها في الدولة التي يتم تقييد العقد فيها.
6- بالنسبة لعقود العمل فقد ذكرت محكمة العدل الأردنية في قرارها الاستشاري بوضوح أن الدولة لا يجوز لها التمسك بحصانتها بالنسبة لعقود العمل التي تجريها خارج نطاق اختصاصها كسلطة عامة والمادة (35) من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م تكفل للكافة الحق في التقاضي ولا يجوز منع أحـد من حقـه في اللجوء إلى العدالة .) والحق في التقاضي هو أساس إنفاذ سيادة قانون الدولة وهو محور نظامها القانوني ، ولو رأت المحكمة أن المادة (1) من قانون الحصانات مقروءة مع القسم الأول تمنح البعثات الدبلوماسية حصانة مطلقة ، فهي ملزمة دستوراً وقانوناً بأن تمتنع عن تطبيقها لتعارضها مع الأحكام المضمنة في وثيقة الحقوق.
7- قرار المحكمة جاء مخالفاً للمادة (33) من اتفاقية ڤيَّنا بالنسبة للمطعون ضدها الأولى التي نصت على إعفاء المبعوث الدبلوماسي بالنسبة إلى الخدمات المقدمة من أحكام الضمان الاجتماعي التي يجوز أن تكون نافذة في الدولة المضيفة بما يعني أن الضمان الاجتماعي حق كفله الدستور ونظمه القانون الذي أنشأ من أجله الصندوق لحماية حقوق العاملين وليس لحرمان العاملين بحجة عدم التأمين عليهم بوساطة المخدم باعتباره الجهة المنوط بها إلزام المطعون ضدها الثانية ويجب على المبعوث الدبلوماسي الذي يستخدم أشخاصاً يطبق عليهم الإعفاء المنصوص عليه في الفقرة (2) من المادة المذكورة أن يراعي الالتزامات التي تفرضها أحكام الضمان الاجتماعي للدولة المضيفة على المخدمين.
8- المطعون ضده الأول هو الجهة المناط بها إلزام المطعون ضدها الثانية وذلك لإلزامية القانون ووجوب تطبيقه على كل السودانيين العاملين في الدولة طبقاً لنص المادة (6) والتي تنص على أن : (يكون التأمين في الصندوق طبقاً لأحكام هذا القانون إلزامياً بالنسبة إلى جميع أصحاب الأعمال والعاملين لديهم الذين يسرى عليهم هذا القانون) والمادة 7(1) التي تنص على أن (يجب على كل صاحب عمل تسرى عليه أحكام هذا القانون أن يقوم بطلب لقيد اسمه في الصندوق وأن يلزم بتسجيل العاملين الخاضعين لديه لأحكام هذا القانون) والمادة (27) التي تنص على أن: (يجوز لصاحب العمل أن يقتطع من أجر المؤمن عليه مقدار الاشتراك الشهري الذي سدد عنه بشرط أن يتم ذلك من أول أجر مستحق للعامل بعد أداء الاشتراك وإلا سقط حق صاحب العمل في الاقتطاع) وكذلك ما تنص عليه المادة (72) بالتزام صاحب العمل بأداء الفرق بين المكافأة وبين أي أجرة أكبر يستحقها العامل وتقررها القوانين أو اللوائح ....) والمادة (73) التي تتحدث عن الحقوق المكتسبة.
9- سابقة: سعاد علي محمد //ضد// دار شيشر لتأهيل الأطفال م ع/ط م/1013/2011م والتي تم الاستناد عليها كدفع قانوني لشطب الدعوى في مواجهة المطعون ضده الأول هي ذات السابقة التي بنص البند (2) من المادة (70) من قانون التأمين الاجتماعي بالنسبة للفرق أو الزيادة بين ما يتحصل عليه من الصندوق القومي وبين ما يستحقه حسب القوانين أو اللوائح بما يشكل وضعاً أفضل للعامل.
10- والتمس محامي الطاعنة في ختام مذكرة طعنه إلغاء حكم المحاكم الأدنى والأمر بإعادة الملف لمحكمة الموضوع للسير في الدعوى.
في رده على أسباب الطعن يورد المستشار القانوني للمطعون ضده الأول ما يمكن تلخيصه فيما يلي:
1- الحكم المطعون فيه جاء سليماً ومتفقاً مع صحيح القانون وفي تفصيل ذلك يقول إن المادة (33) من اتفاقية ڤيَّنا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961م لا تنطبق على وقائع الدعوى لأن الطاعنة أسست دعواها في مواجهة كل من الصندوق القومي للتأمين الاجتماعي وسفارة سلطنة عمان مطالبة باستحقاقات التأمين الاجتماعي علي الرغم من أنها لم تكن مؤمناً عليها ولم تكن مخدمتها مسجلة لدى المطعون ضده الأول (صاحب العمل) وبالتالي لم تورد 25% من راتبها طوال فترة خدمتها.
2- اتفاقية ڤيَّنا تتحدث عن إعفاء المبعوثين الدبلوماسيين والخدم الخاصين العاملين في خدمتهم من أحكام قانون الضمان الاجتماعي حتى ولو كانت الدولة المضيفة تطبقه والطاعنة تعمل في سفارة سلطنة عمان التي تعتبر امتداداً لسيادة دولة عمان التي تتمتع بالحصانة وعدم الخضوع للقضاء المدني في الدعوى المقامة وذلك وفقاً لقانون الحصانات والامتيازات لسنة 1956م.
3- الطاعنة غير مؤمن عليها ولم تكن مخدمتها سفارة سلطنة عمان مسجلة صاحب عمل لدى المطعون ضده الأول ولم تستقطع اشتراكات شهرية منها وفقاً لنص المادتين 25 ، 26 من قانون التأمين الاجتماعي لسنة 1990م (تعديل) لسنة 2004م ، وقد استلمت فوائد ما بعد الخدمة وفقاً لعقد العمل المبرم مع المطعون ضدها الثانية وهو عقد تنطبق عليه أحكام قانون العمل لسنة 1997م وتحديداً المادة (60) المتعلقة بفوائد ما بعد الخدمة حيث إنه الوضع الأفضل للطاعنة لعدم التأمين.
4- الطاعنة انتهت خدمتها مع مخدمتها المطعون ضدها الثانية بالاستقالة وفقاً لنص المادة 50(1)(ج) من قانون العمل لسنة 1997م وقد سويت حقوقها بعد انتهاء الخدمة ما جملته 5469.54 دولار أمريكي عبارة عن تعويض نقدي عن الإجازة ، وكذلك فإن الطاعنة تستحق مكافأة نهاية الخدمة من 1/3/1993م وحتى 28/2/2007م وفقاً لنص المادة (60) الفقرة 1(ب) من ذات القانون تدفع لها مباشرة من مخدمتها وفقاً لنص المادة 72(1) من قانون التأمين الاجتماعي لسنة 1990م تعديل لسنة 2004م التي جاء فيها: " بأن المعاشات والتعويضات تعادل مكافأة نهاية الخدمة المحسـوبة طبقاً لأحكام قانون العمل لسنة 1997م ".
5- لا توجد علاقة مباشرة وفقاً لقانون التأمين الاجتماعي بين الطاعنة والمطعون ضده الأول ومع افتراض أن الطاعنة مؤمن عليها من قبل المطعون ضدها الثانية فقانون العمل لسنة 1997م هو الذي يحكم وينظم العلاقة بين المخدم والعامل ولا يمكن مطالبة المطعون ضده الأول باستحقاقات لم تورد لديه أصلاً.
والتمس شطب الطعن وتأييد قضاء محكمة الاستئناف.
وفي مذكرة رده نيابة عن المطعون ضدها الثانية [ سفارة سلطنة عمان ] يورد الأستاذ/ محمد الأمين أبو سمرة في أسباب الرد ما يمكن تلخيصه فيما يلي:
1- مذكرة الطعن ورغم ما حوته من أسباب وأسانيد إلا أنها لا تتماشي ووضع الدعوى ومركز المطعون ضدها الثانية من وجهة النظر القانونية وقانون الحصانات والامتيازات.
2- سابقة الهيئـة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي //ضد// أحمد الريح أحمد المنشورة بصفحة 163 بمجلة 1983م والتي ورد ذكرها في مذكرة الطعـن لا تنطبق وقائعها ومبادئها على النزاع المطروح.
3- مذكرة الطعن خلت من ذكر واقعة جوهرية ألا وهي علاقة الطاعنة مع المطعون ضدها الثانية تستنـد لعقد استخـدام مبـرم ما بين حكومة سلطنة عمان وفقاً للقانون العماني وبين الطاعنة ولم ترد في هذا العقد أي إشارة لاختصاص القانون السوداني بأي نزاع ينشأ بين طرفيه.
4- السبب الأول من أسباب الطعن مردود عليه بالرجوع إلى سابقة: أماديلا الجيلاني //ضد// مصطفى حلمي م ع/ط م/35/1983م المنشورة بصفحة 159 من مجلة 1983م التي أمنت على أن الشهادة الصادرة من وزارة الخارجية السودانية هي الدليل القاطع بتمتع أو عدم تمتع شخص بالحصانة الدبلوماسية وفقاً لقانون الحصانات والامتيازات ، وتطبيق ما جاء بقانون الحصانات والامتيازات لسنة 1956م المذكور.
5- معلوم قانوناً أن الشخص لا يتمتع بالحصانة والامتياز الدبلوماسي من تلقاء نفسه بل تسبغ حكومة السودان هذه الحصانات والامتيازات بموجب القانون.
6- أفيدت محكمة الموضوع بتمتع المطعون ضدها بالحصانة الدبلوماسية التي تمنع تعرضها للقضاء المدني بما فيه الدعوى محل الطعن مؤكدة فيها أي وزارة الخارجية للمطعون ضدها في خطابها المؤرخ 3/6/2012م التزام حكومة السودان بما نصت عليه الاتفاقيات والمواثيق الدولية.
7- فات الطاعنة أننا محكومون بنصوص قانون خاص يقيد العام والشهادة والخطاب الصادر من وزارة الخارجية هو الفصل في تمتع المطعون ضدها بالحصانة الدبلوماسية ولجوء الطاعنة للدستور لا يفيدها في شيء.
8- إذا كانت الحصانة الدبلوماسية هي الحائل والمانع من التعرض للقضاء فكيف يطلب من قرر القانون خروجه عن ولاية القضاء المدني والجنائي مقروناً بعدم الاختصاص أن تطبق عليه القوانين الموضوعية أياً كانت مسمياتها ؟.
والتمس محامي المطعون ضدها الثانية شطب الطعن برسومه.
بعد الاطلاع على المحضر وسائر الأوراق أرى أن محور الدعوى وأسباب الطعن في حدود ما يقتضيه الفصل في هذا الطعن ، يدور حول عدم إدخال الطاعنة تحت مظلة التأمين الاجتماعي ، وأن عقد الاستخدام المبرم بينها وبين حكومة سلطنة عمان المؤرخ 2/3/1993م لم يُرَاعِ القوانين السودانية التي يجب انطباقها على السودانيين العاملين داخل السودان بالنسبة لاستحقاقاتهم عند نهاية الخدمة حيث تمت تسوية مستحقات الطاعنة بموجب عقد الاستخدام المذكور (الفقرة تاسعاً) وليس بما نصت عليه المادة (60) من قانون العمل أو المادة 72(1) من قانون التأمين الاجتماعي لسنة 1990م.
في تقديري أن محكمة الموضوع قد تعجلت في إصدار قرارها بشطب الدعوى وأيدتها في ذلك محكمة الاستئناف ؛ استناداً على حصانة المطعون ضدها الثانية الدبلوماسية التي تمنع تعرضها للقضاء المدني ، وإخطار وزارة الخارجية السودانية بموجب خطابها رقم و خ/م/13/42 بتاريخ 3/6/2012م التي أكدت فيه بوساطة الإدارة العامة للمراسم والحصانات والامتيازات التزام حكومة السودان بما نصت عليه الاتفاقيات والمواثيق الدولية وأكدته القوانين الوطنية ذوات الصلة ، كما أكدت حصانة المطعون ضدها الثانية الدبلوماسية وانتهـت محكمة الموضوع إلى القول : " بأنه لا يحق رفـع الدعـوى ابتداءً قبل التحقق من الحصانة الدبلوماسية .." كما أن محكمة الاستئناف استندت هي الأخرى في قرارها المقتضب على إفادة وزارة الخارجية بذات الخطاب على الحصانة الدبلوماسية لسفارة سلطنة عمان حسبما جاء في اتفاقية ڤيَّنا للعلاقات الدبلوماسية وقانـون الحصانات والامتيازات لسنة 1956م وفي تقديـري أنه كان حرياً بمحكمـة الموضوع ومن بعدها محكمـة الاستئناف أن تستوثقا من حـدود الحصانة المقررة لصالح المطعون ضدها بدلاً من مجرد الاكتفاء بالقول بأن المطعون ضدها الثانية تتمتع بتلك الحصانة إذ لا جدال في أن وزارة الخارجية السودانية هي الجهة الرسمية الوحيدة التي تقرر التمتع بالحصانة الدبلوماسية أو خلاف ذلك ، ولا جدال كذلك في أن حكومة السودان ملتزمة بما نصت عليه الاتفاقيات والمواثيق الدولية وأكدته القوانين ذات الصلة بالحصانة الدبلوماسية وذلك ما أكدته وزارة الخارجية في خطابها لسفارة سلطنة عمان رقـم و خ/م/13/42 سلطنة عمان المؤرخ في 3/6/2012م ، وهو خطاب لا يعدو أن يكون تأكيداً على الحصانة الدبلوماسية للسفارة المطعون ضدها الثانية ولو تفحصت المحكمتان فحوى خطاب وزارة الخارجية السابق للخطاب المذكور والمرفق بالمحضر بالرقم و خ/م/13/7 عمومي المؤرخ في 23 فبراير 2012م والمعنـون إلى كافة البعثات الدبلوماسية والمنظمات الإقليمية المعتمدة بالخرطوم ، ومن بينها بالطبـع المطعون ضـدها الثانية ، لتبين للمحكمتين أن وزارة الخارجية السودانيـة قد حثت السفارات والمنظمات الدولية المعتمـدة بالسودان على مواءمة عقـود عامليها من السودانيين والأجانب المقيمين بالسودان وبما ينص عليه قانون العمل السوداني لسنة 1997م ، خاصـة وأن توقيـع العاملين المشار إليهم على أي اتفاق يخالف نصوص قانـون العمل السوداني لا يحرمهم من المطالبة بحقوقهـم وفقاً لنصوص القانـون السودانـي والذي ينص صراحة على بطـلان الإبـراء أو المصالحة أو التنازل عن الحقـوق الواردة فـي قانـون العمـل إلا فـي حالة المزايا الأفضـل ، مع الأخـذ فـي الاعتبار أن الطاعنـة طالبت بإدخالها فـي مظلة التأمين الاجتماعـي والتمست من وزير العـدل بموجب خطابها المؤرخ 23/1/2012م إلزام المطعون ضده الأول بإدخالها غير أن إدارة الصندوق قد فشلت في ذلك.
وفي تقديري أنه ليس ثمة تعارض بين الخطابين الصادرين من وزارة الخارجية السودانية على أساس تمتع المطعون ضدها بالحصانة الدبلوماسية بموجب قانـون الحصانات والامتيازات لسنة 1956م وهو أمر ليس محل خلاف ، وإنما يكمن الخلاف في حدود تلك الحصانة وهل هي الحصانة المطلقة التي استندت عليها محكمة الموضوع في إصدار حكمها أم هي حصانة مقيدة ؟ والذي نراه أنها حصانة مقيدة وليست مطلقة إذ العدل يقتضي – كما ذهب إلى ذلك الأستاذ محامي الطاعنة وبحق – أن يكون لمن دخل في علاقة تعاقدية مع دولة أجنبية على أساس من القانون أن يعرض دعواه أمام المحكمة . وطالما أن عقد الاستخدام المبرم مع الطاعنة هو عقد خاص . وفي هذا الصدد فإن السؤال الذي طرحه علينا الأستاذ العالم/ محمد الأمين أبو سمرة محامي المطعون ضدها الثانية في معرض مذكرة رده على أسباب الطعن وهو: كيف يطلب من قرر القانون خروجه من ولاية القضاء المدني والجنائي مقروناً بعدم الاختصاص أن تنطبق عليه القوانين الموضوعية أيا كانت مسمياتها ؟ من الممكن الإجابة عليه بأن المطعون ضدها الثانية قبلت في واقع الأمر المقاضاة أمام المحكمة بموجب خطابها المرفق بالمحضر والمعنون لرئيس الجهاز القضائي بالخرطوم ، بل التمست تأجيل الجلسة المقررة أمام المحكمة إلى تاريخ 25/5/2012م حتى تتمكن السفارة من المثول أمام المحكمة بوساطة ممثلها للرد على الدعوى كما فوضت السفارة كذلك وبموجب خطابها المرفق بالمحضر السيد/ مختار حسن مختار الموظف بالسفارة لينوب عنها في الظهور أمام محكمة الخرطوم الجزئية لمباشرة إجراءات الدعوى موضوع هذا الطعن بموجب التفويض المرفق بالمحضر . ومع افتراض أن الحصانة الممنوحة للمطعون ضدها الثانية هي حصانة مطلقة فإنها وبموجب خطابها لرئيس الجهاز القضائي وتفويضها لموظف في السفارة للظهور أمام المحكمة إنما يعني تنازلها عن تلك الحصانة سواء أكانت حصانة مطلقة أم مقيدة ؛ ومن المعلوم قانوناً أنه يجوز التنازل عن الحصانة القضائية التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي سواء بالنسبة للدعاوى الجنائية أو المدنية وهذا أمر لا خلاف عليه.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ومن باب العلم القضائيJudicial Notice لهذه المحكمة فإنه من المسلم به طبقاً لنظرية السيادة فإن للدولة الحق في أن تمارس اختصاصها القضائي علي كافة الأفراد الذين يقيمون علي إقليمها وعلي كافة التصرفات التي تتم علي إقليمها ، وذلك يعني أن الحصانات والامتيازات الدبلوماسية ليست في حقيقتها سوى استثناء يرد علي اختصاص الدولة . وقد نصت المادة (31) من اتفاقية ڤيَّنا صراحة على أن: (الحصانة القضائية التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي في الدولة المعتمد لديها لا يعفيه من الخضوع لقضاء الدولة المعتمدة) وذلك يعني أن تمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانة القضائية لا يعني تحرره من إطاعة القوانين في الدولة المعتمد لديها . بل عليه أن يحترم هذه القوانين ونعني في هذا الصدد قانون التأمين الاجتماعي السوداني لسنة 1991م وقانون العمل السوداني لسنة 1997م ، إذ ينص قانون التأمين الاجتماعي في مادته السادسة على أن: (يكون التأمين في الصندوق طبقاً لأحكام القانون إلزامياً بالنسبة لجميع أصحاب العمل والعاملين لديهم) كما نصت المادة السابعة في فقرتها الأولى من ذات القانون على أنه: (يجب على كل صاحب عمل تسرى عليه أحكام هذا القانون أن يتقدم بطلب لقيد اسمه في الصندوق وأن يلزم بتسجيل العاملين الخاضعين لديه لأحكام القانون) وذلك ما أكده خطاب وزارة الخارجية السودانية السابقة الإشارة إليه للمطعون ضدها الثانية بتاريخ 23/2/2012م.
وترتيباً على ما تقدم فيجب على المطعون ضدها الثانية أن تحترم تلك القوانين وتلتزم بمقتضيات النظام العام للدولة ، وعلى ذلك تنص المادة 41(1) من اتفاقية ڤيَّنا على أنه: (... دون الإخلال بالمزايا والحصانات المقررة لهم على الأشخاص الذين يستفيدون من هذه المزايا والحصانات واجب احترام قوانين ولوائح الدولة المعتمدين لديها ..).
ولذلك يجب في تقديرنا أن نفرق بين الحصانة ضد الإجراءات القضائية والحصانة ضد المسؤولية ، ذلك أن تمتع المبعوث بحصانة قضائية محلية لدى الدولة المعتمد لديها لا ينفي مسؤوليته عما أتاه من الأعمال ، وبمعني آخر إذا كان المبعوث الدبلوماسي يتمتع بالإعفاء من الخضوع للقضاء الإقليمي في الدعاوى المدنية والإدارية فليس مؤدى ذلك ضياع حقوق الأشخاص إذ إن تشريعات الدولة يجب أن توضع في الاعتبار في تحديد حدود الحصانات والامتيازات التي يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي.
وبالنظر إلى ما ورد في أسباب الرد على مذكرة الطعن نيابة عن المطعون ضده الأول فإن قول المستشار عمر فاشر عبد الكريم بأن الطاعنة لم يؤمن عليها ولم تكن مخدمتها المطعون ضدها الثانية مسجلة كصاحب عمل لدى المطعون ضده الأول ولم تستقطع اشتراكات شهرية منها هو أمر لا تلام الطاعنة عليه على أساس أن إلزامية القانون وفقاً للمادة (6) من قانون التأمين الاجتماعي تأتي في مواجهة صاحب العمل (المخدم) وهو في دعوانا هذه المطعون ضدها الثانية والتي يتعين عليها تسجيل العاملين الخاضعين لديها لأحكام هذا القانون وذلك ما لم تفعله تجاه الطاعنة كما أن المطعون ضده الأول لم يوضح الأسباب التي حالت دون إدخال الطاعنة في مظلة التأمين الاجتماعي مع أن المطعون ضده الأول مناط به حماية وتطبيق القانون بالصورة المثلى ، وعليه فمن حق الطاعنة الاستفادة من ميزة التأمين الاجتماعي لأنها أخذت فوائد ما بعد الخدمة حسب العقد المبرم بينها وبين المطعون ضدها الثانية وليس حسب القوانين السودانية حيث تنص المادة (73) من قانون التأمين الاجتماعي على أنه: (لا تخل أحكام هذا القانون بما يكون للعامل من حقوق مكتسبة بمقتضى أحكام القوانين واللوائـح وأنظمة التأمين والمعاشات أو الادخار الخاصة أو عقود العمل الجماعية أو المشتركة وغيرها ، ويلتزم أصحاب الأعمال المرتبطون بتلك الأنظمة بقيمة الزيادة بين ما كانوا يتحملون في تلك الأنظمة ومكافأة نهاية الخدمة القانونية محسوبة على الأساس المشار إليه في المادة 72(1) على أساس كامل مدة الخدمة) مع مراعاة نص المادة (60) من قانون العمل لسنة 1997م.
وترتباً على ما تقدم أرى إن وافقني الزميلان الفاضلان بالدائرة أن يكون قرارنا هو نقض حكم محكمة الموضوع ومن بعده حكم محكمة الاستئناف وإعادة الأوراق أمام محكمة الموضوع مجدداً للعمل وفقاً لموجهات هذا الحكم والوضع الأفضل للطاعنة مع السماح لمحكمة الموضوع بسماع أي بينات إضافية تراها مناسبة وصولاً للقرار العادل في الدعوى.
القاضي: هاشم إبراهيم البشير
التاريخ: 28/7/2013م
أوافق.
القاضي: د. سوسن سعيد شندي
التاريخ: 15/8/2013م
أتفق تماماً مع مذكرة زميلي العالم في الرأي الأول لأن المطعون ضدها الثانية وإن كانت تتمتع بحصانة موضوعية حتى تتمكن من أداء وظيفتها في أمان وحرية تامة إلا أن ذلك يتعلق بالحصانة الجنائية ولكن الخصومة المدنية لها سلطة على كل اعتبار ولا يجوز إِهدارها مهما كانت الظروف والطاعنة تربطها بالمطعون ضدها علاقة عمـل ينبغـي أن تستوفي كل مستحقاتها لقاء ما قدمته من عمل فهـذا لا يتعارض مع مبـدأ الحصانة الدبلوماسية وقد ظهرت المطعون ضدهـا الثانيـة أمام المحكمة وبهذا تكـون قد تنازلت عن حصانتها المدنيـة إن كانت هناك حصانـة كما جاء بمذكرة صاحب الرأي الأول د. حيدر أحمد دفع الله وعلى ضوء ما تقدم أرى موافقتي لرأى زميلي تسبيباً ونتيجة.
الأمر النهائي:
1- ينقض حكم محكمة الموضوع وحكم محكمة الاستئناف.
2- تعاد الأوراق مجدداً أمام محكمة الموضوع لموالاة السير في الدعوى في ضوء موجهات هذا الحكم مع السماح لها بسماع أي بينات إضافية تراها مناسبة وصولاً للقرار العادل في الدعوى.
د. حيدر أحمـد دفع الله
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
22/8/2013م

