قضيـة هبـة
المحكمة العليا
قرار النقض 98/ 1994م
الصادر في4/6/ 1994م
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ/ الطيب أحمد محمد قاضي المحكمة العليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ/ حسين عوض أبو القاسم قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ/ عبد العزيز الرشيد قاضي المحكمة العليا عضواً
قضيـة هبـة
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين - هبة المشاع - شرط القبض فيها - رأي المالكية والشافعية - مصدر القانون في هبه المشاع محل الخلاف بين القانون والمذهب الحنفي
1 - قانون الأحوال الشخصية للمسلمين أخذ بجواز هبة المشاع وصحتها واشترط في كل هبة القبض لتمامها والمذهب المالكي والشافعي يجيز كل منهما هبة المشاع ويشترط القبض في كل هبة
2 - القانون ومن قبله المنشور 13 أجاز هبة المشاع أخذاً من مذهب المالكية والشافعية وخالف مذهب الحنفية الذي لا يجيز هبة المشاع مطلقاً فالخلاف في جواز هبة المشاع أما القبض فالقانون والفقه يشترطه في الهبة
الحكــــم
القاضي : الطيب أحمـد محمـد
التاريـخ : 30/ 4/ 1994م
أمام محكمة أم درمان شمال الشرعية قالت المطعون ضدها في الدعوى أن زوجها مورث الطاعنين وهب لها المنزل نمرة 12 الحارة 11 المهدية وإنها قد قبضت الموهوب وطلبت الحكم بإثبات الهبة أجاب الطاعنون على الدعوى بإنكار الهبة وأن المطعون ضدها تسكن المنزل على سبيل السماح لأنها وارثة وأن مورثهم فكر فـي الهبة إلا أنه رجع عن هذه الفكرة كلفت المطعون ضدها البينة على الهبة فأحضرت شاهدين شهدا على مستند الهبة الذي فيه هبة ···················· نصف المنزل رقـم 12/ الحـارة 11 إلى ··········· زوجته وبعد ذلك حكمت المحكمة بإثبات الهبة وقالت أن الهبة ثابتـة بشهادة الشاهدين على المستند المتضمن الهبة وان انقبض لأن الموهوب لها كانت ولا تزال بالمنزل وفي الاستئناف المقدم لمحكمة استئناف ولاية الخرطوم أيدت المحكمة الحكم المطعون فيه وجاء في أسباب محكمة الاستئناف أن المقدار الموهوب هو نصف المنزل فهو بالتالي هبة مشاع والمرجع في جوازها المادة 276 من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م وإعمالاً للمادة 5 من نفس القانون فقد رجعنا إلى كيفية قبض المشاع في المذهب المالكي فوجدناه يعتبر حلول الموهوب له محل الواهب فـي المشاع جوز وقبض وذكرت محكمة الاستئناف نصاً فقهياً من كتاب المدونة سأتعرض له في الأسباب
ثم جاء بمذكرة الاستئناف أنها تري أن هذا لا يتعارض مع نص المالكية في هبة الزوج لزوجته دار سكناه الذي يقولون فيه ( هبة الزوج دار سكناه لزوجته لا تصح لعدم الحوز لأن السكن للزوج لا للمرأة فإنها تبع له ) حاشية الدسوقي ص 106 ج 4 فقالت المحكمة أن هذا النص لا ينطبق لأن الزوج لم يهب كل دار سكناه وإنما وهب نصفها والنصف هبة مشاع ينطبق عليه حكم هبة المشاع بعد ذلك تقدم محامي الطاعنين بعريضة ذكر فيها بعد الوقائع أن الشهادة فيها تصوب بين الشاهدين في حضورهما مع بعض عند التوقيع على الهبة كما ذكر المحامي أن النصوص التي ذكرتها محكمة الاستئناف لا تسند ما توصلت إليه من قرار وطلب إلغاء الحكم بالهبة وقرار الاستئناف المؤيد له هذا وقد أعلنت العريضة وجاء الرد مؤيداً ما توصل إليه الحكم
الأســـباب
أعلن الطاعنـون بقـرار الاستئناف في 4/ 11/ 1993م وقـدم الطعـن فـي 17/11/1993م فهو قد استوفي الناحية الشكلية أما عن الموضوع فإن هبة المشاع قد وضح قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م إنها صحيحة حسب ما جاء بالمادة 267وانه لابد من القبض في كل هبة كما جاء بالمادة 268 فالقانون اخذ بجواز هبة المشاع وصحتها واشترط في كل هبة القبض لتمامها والمذهب المالكي والمذهب الشافعي يجيز كل منها هبة المشاع ويشترط القبض في كل هبة فقد قال الشيخ خليل وهو يتكلم عن شروط الموهوب قوله وجيز وقال الشيخ الدرديري وجيز الشيء الموهوب لتتم لهبة أي تحصل الحيازة من الواهب التي هي شرط لتمامها وقال الدسوقي فإن عدم الجواز لم تلزم مع كونها صحيحة أزاد الشيخ الدسوقي الأمر وضوحاً فقال لا أن بقيت الهبة عنده أي عند واهبها حتى حصل المانع من موت أو إحاطة دين أو غير ذلك فتبطل لعدم الجوز أي إذا لم يعلم الموهوب له بها أو علم بها ولم يجد في طلبه حتى حصل المانع وفي الشرح الصغير بطلت الهبة بحصول مانع قبل حوزها من واهبها كموت الواهب قبل المجوز ص 435 و 436 ج 2 والشافعية الذين يرون جواز هبة المشاع المالكية يسترضون القبض فقد جاء النص صريحاً عندهم بأن الهبة مطلقاً لا تتم إلا بالقبض أنظر مغني المحتاج ص 400 ج 2 فقد جاء فيه النص التالي ولا يملك الموهوب إلا بالقبض فلا يملك بالعقد وعلى حسب ما جاء بهذا النص فإن كل موهوب لا تتم الهبة فيه والملك إلا بالقبض فالقانون ومن قبله المنشور 13 أجاز هبة المشاع أخذاً من مذهب المالكية والشافعية وخالف مذهب الحنفية الذي لا يجيز هبة المشاع مطلقاً فالخلاف في جواز هبة المشاع أما القبض فالقانون والفقه يشترطه في الهبة كما أن قرار النقض 120/ 1978م يؤيد أن القبض شرط في المشاع كما جاء في القرار المذكور بما أن الموهوب له اعترف بأنه لم يقبض ما وهب له لأنه مشاع وحال شيوعه دون قبضه وبما أن هبة المشاع صحيحة بناء على المنشور 13 وإن ذلك لا يمنع القبض لأن القبض هو التخلية بطريقة تمكن منه وأن الموهوب له لم يسع إلى قبض الهبة ولا استلام أجرتها وتركها في يد الواهب حتى توفي فتكون باطلة
فهذه النصوص واضحة في أن كل هبة لا بد فيها من القبض حتى تكون هـبة تامة أما النص الذي ذكرته محكمة الاستئناف فإنه يدل على أن القبض شرط في المشاع فقد قال أرأيت أن رجلاً تصدق على رجل بنصف دار له بينه وبين رجل أو وهب له نصف داره غير مقسومة أتجوز هذه الهبة ؟ أم لا في قول مالك قال مالك الهبة جائزة وان لم تكن مقسومة قلت فكيف يقبض هذا هبته أو صدقته قال يحل محل الواهب فيجوز ويمنع مع شركائه يكون هذا قبضه وقضت محكمة الاستئناف في الاستدلال بالنص هنا وبقية النص : قال قلت وكذلك هذا فيما لا يقسم إذا وهب نصفه لرجل فهو جائز في قول مالك قال نعم فلست يكون قبضه مثل ما ذكرت في الدار قال نعم قلت وهو قول مالك قال نعم إذا جاز ما وهب له دون صاحبه فقد قبض " ص 327 و 328 ج 4 المدونة الكبرى " فالنص واضح في طريقة قبض المشاع بأن يستلم نصيبه مع الشركاء ويكون واحداً منهم فيزرع مقدار نصيبه إن كانت الهبة في أرض زراعية أو لسكن مقدار نصيبه أو يأخذ مقدار أجرته فلا بد إذن من القبض في المشاع عند المالكية وبما أن سكني الزوجة مع زوجها لا تعتبر قبضاً عند المالكية حسب ما جاء بالنص الذي ساقته محكمة الاستئناف وسلفت الإشارة إليه في هذه المذكرة فالزوجة تسكن مع زوجها بسبب الزوجية فإذا وهب لها المنزل كله أو وهب لها جزء منه وظلت ساكنة معه فلا تعتبر سكناها قبض ولما كان القبض شرطاً للهبة حتى في المشاع كما تبين من هذه النصوص ولما كانت سكني الزوجة لا تعتبر قبضاً فإن المطعون ضدها في هذه القضية لم تقبض الموهوب وبالتالي لم تتم الهبة وبذلك نتفق مع محامي الطاعنين بأن النصوص التي استدلت بها محكمة الاستئناف لا تسند ما توصلت إليه أما ما أشارت إليه مذكرة الطعن من تضارب شهادة الشاهدتين فإن المادة 77 من الجدول الثاني من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م تنص على أنه يكفي بقبول الشهادة إن تطابقت شهادة أحد الشاهدين شهادة الآخر في المعني الخ فلا يوجد تضارب يؤدي إلى إلغاء الشهادة
هذا وقد كتبنا لمحكمة الموضوع للإفادة عن خطاب التسجيلات وجاء الرد بأن القطعة هي 12 الحارة 11
وعلى ضوء ما سبق من أسباب فأني أري إلغاء الحكم الابتدائي وحكم الاستئناف المؤيد له وشطب دعوى الهبة
القاضي : عبد العزيز الرشـيد
التاريـخ : 2/ 5/ 1994م
أوافق
القاضي : حسين عوض أبو القاسم
التاريـخ : 4/ 6/ 1994م
بعد المداولة وأخذ الرأي أوافق ما جاء بمذكرة الزميلين العالمين الجليلين حيث أن هذا المبدأ قد استقر به العمل أخذا بمذهب الإمام مالك والإمام الشافعي وقد انبنى تحفظنا على هذه النتيجة على أساس أن مبدأ هبة الزوج للزوجة حال حياته لجزء من المنزل الذي يسكن فيه لا يتم إلا إذا تم تسجيله أو تم القبض الفعلي فيه وإلي أن يعاد النظر في هذه المسألة في معالجة شاملة لقانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م فإن أي خروج على هذا المبدأ يشكل إهدارا لما استقر عليه القضاء في السودان خاصة بعد أن جوز القانون صحة الهبة في المال المشاع عقاراً كان أم منقولاً
الأمر النهائـي :
قررنا إلغاء الحكم الابتدائي وحكم الاستئناف المؤيد له ورفض دعوى الهبة

