قضية هبــة
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
قرار النقض رقم 313/2009م
الصادر في 18/11/2009م
القضاة:
صاحبة الفضيلة الشيخة/رباب محمد مصطفى أبوقصيصة
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ/ محمــد مصطفـى حمـد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
صاحبة الفضيلة الشيخة/آمـال محمــد حســن
قاضي المحكمة العليا
عضواً
قضية هبــة
قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م- المادة 207(2) (أ ) منه – سكن الزوجـة مع زوجها – اعتباره قبضـاً – اقتران الهبـة بشرط العوض – أثـره.
المبدأ:
صحيح سكن الزوجة مع زوجها يعتبر قبضاً وفق أحكام المادة 270(2) (أ ) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م غير أن وقوع الهبة مقرونة بشرط العوض الحكمي وهو شرط لا يغني عن تمام الحوز ، يمنع معه هذا القول.
المحامون:
الأستاذة/ الزهور عمر محمد نصر عن الطاعن
الأستـاذ/ عبد الله الحسن عن المطعون ضده
الحكــم
القاضي: محمد مصطفى حمد
التاريخ: 10/11/2009م
وحيث إِنَّ الواقعـة تتلخص فـي أنَّ الطاعنـة ............. اقامت الدعوى رقم 885/ق/2008م لـدى محكمـة أمدرمان للأحوال الشخصية علـى ورثة المرحـوم/ ......... من مطلقته ........ وهم ........ و........ و........ وحياة وثريا وإخلاص البلغ الثابت ارثهم بموجب الإعلام 1113/2008م أمدرمان للأحوال الشخصية أدعت فيها بأن مورثها وهو ذاته مورث المدعى عليهم وهب لها العقار رقم 832 مربع 512 حي العرب ومساحته 98 م.م بما فيه من منقولات عبارة عن غرفة نوم وجلوس وصفره وكراسي وغيرها ما جاء في شرح الدعوى حسب عقد الهبة وهو التوثيق الصادر من مكتب المحامي عبد الحليم الطاهر الصادر في 10/5/1998م وكانت الهبة دون عوض وأنها قبضت الأعيان الموهوبة وحازتها منذ تاريخ الهبة وحتى وفاة الواهب وأضافت شارحة دعواها أن الواهب عند قيامه باستصدار مستند الهبة قد اشترط فيه ألا تتصرف الطاعنة في الأعيان الموهوبة حال حياته بأي نوع من التصرفات وتكون الهبة ملغاة إذا حصل مثل هذه التصرفات أو توفيت الموهوب لها الطاعنة أو طلقت منه . وحيث أن الواهب قد توفي وظلت الطاعنة ساكنة في العقار وحائزة للمنقولات موضوع الهبة فقد طلبت الحكم بصحة ونفاذ عقد الهبة.
وحيث إِنَّ الدعوى تداول نظرها بالجلسات وفيها حضر عن مدعية الهبة وكيلها محام كما حضر عن بقية الورثة المدعى عليهم عدا ورثة ........ وكيلهم محامي أيضاً وتغيب ورثـة ........... رغـم إعلانهـم فصـاغ سماع الدعوى في غيبتهم . وحيث إِنَّ الورثة المدعى عليهم قد أنكروا دعوى الهبة ودفعوا بعدم تمام قبض الطاعنة للهبة المدعاة وأن الواهب كان يقيم في المنزل حتى وفاته ويقوم بالإشراف عليه من صيانة ودفع فواتير الماء والكهرباء ولم يتخلَّ عنه ولا ممتلكاته حتى وفاته حسب الشرط الذي تضمنه مستند الهبة . وأنهم لا يقرون الهبة وطلبوا رفض الدعوى . وبجلسة 17/2/2009م حكمت محكمة أول درجة بثبوت الهبة بمقدار {97م .م} في العقار 832 مربع 2/5 وصرف النظر عن باقي الطلبات حكماً حضورياً في مواجهة جميع الورثة المدعى عليهم عدا ورثة ........... فاستأنف الورثة المدعى عليهم لدى محكمة الاستئناف بأمدرمان وبجلسة 29/3/2009م حكمت المحكمة بإلغاء الحكم بإثبات الهبة وإعادة الأوراق لمحكمتها للنظر وفق المذكرة فطعنت مدعية الهبة أمامنا بالنقض.
الحكم المطعون فيه علمت به الطاعنة بتاريخ/11/5/2009م وأودعت صحيفة الطعن بالنقض بتاريخ/26/5/2009م مستوفياً إجراءات الشكل مما يعني قبوله من حيث الشكل.
وحيث إِنَّ الطاعنة تنعي على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه ذلك.
1- أن الهبة قد تمت صحيحة بموجب المستند الصادر بالهبة والذي يتحدث عن نفسه.
2- أن الواهب في وهبه للطاعنة هبة مشروطة وهو المنزل موضوع الهبة وتم القبض الحكمي فوراً وأن إثبات ذلك سوف يتم لاحقاً أي بعد وفاة المرحوم وأنها كانت تقوم بكل التصرفات من إجراءات إدارية من دفع رسوم والعوائد والكهرباء واستمرت ساكنة في المنزل الموهوب حتى وفاة الواهب.
3- أخطأت محكمة الاستئناف بقولها أن وجود الشرط حرم الطاعنة من التصرف في الموهوب إذ كيف يتسنى لها التصرف في المنزل وهو المأوي الوحيد لها ولزوجها الواهب وقد وعد المرحوم أصدقائه بتسجيل المنزل للموهوب له بعد وفاته . وقد خالف الحكم المطعون فيه ذلك مما يوجب نقضه واستعادة حكم محكمة أول درجة.
أتحنا الفرصة للمطعون ضدهم للرد فتقدموا بوساطة محاميهم بالرد على عريضة الطعن بتبنيهم لوجهة نظر الحكم المطعون فيه وعدم ثبوت الهبة المدعاة.
وحيث إِنَّ النعي في مجمله غير سديد . ذلك أن من المقرر شرعاً أن الهبة تبطل إذا حال مانع دون تمامها . وقد حدد الفقهاء الموانع التي تبطلها قبل تمام حوزها . قال أحمد الدرديري (وبطلت بمانع قبل الحوز من أحاطة دين أوجنون أو مرض اتصالاً بموته .
وجاء في تبين المسالك شرح الشيباني 18304 (( يعني أن الهبـة تبطل بحصول مانع للواهب قبل حوزها من قبل الموهوب له)) ولما تقدم أنه لا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة) وقال الشيخ الدرديري وحيز الشيء الموهوب لتتم الهبة أي تحصل الحيازة من الواهب التي هي شرط لتمامها وزاد الشيخ الدرديري فقال إن بقيت الهبة عنده أي عند واهبها حتى حصل المانع من موت أو احاطة دين أو غير ذلك فتبطل لعدم الحوز وفي الشرح الصغير بطلت الهبة بحصول مانع قبل حوزها من واهبها كموت الواهب . قبل الحوز ((انظر ص435و436ج2)). فهذه النصوص تؤكد على ضرورة القبض لكي تصح الهبة ولما كان الثابت من الأوراق أن الواهب قد اشترط عدم تصرف الموهوب لها في الأعيان الموهوبة بما فيها العقار طيلة حياته بمعنى أن يظل ساكناً فيه طيلة حياته وهي دار سكناه وقد مكث ساكناً به حتى مات ومن ثم فإن الإخلاء لم يتم بمعنى أن الطاعنة الموهوب لها لم تستقل بحوز العقار الموهوب منذ تاريخ الهبة وحتى وفاة الواهب وإنما سكناها به على اعتبار قيام الزوجية بينها وبين الواهب وعليه – أي الواهب – سكناها شرعاً . ويؤخذ من مضمون عقد الهبة الذي حرره الواهب بمكتب المحامي عبد الحليم الطاهر أن الواهب علق الهبة على شرط بقاء الأعيان الموهوبة بما فيها العقار محل سكناه تحت يده منتفعاً بها حتى مماته . فالعبارة التي في مستند الهبة قد جاءت قاطعة في أن يتمتع الواهب بسكنى العقار الموهوب والانتفاع ببقية الأعيان الموهوبة حتى وفاته في 12/8/2007م مما يؤكد أنه لم يخله للموهوب لها ولم يتم الحوز المشروط شرعاً لتمام الهبة وأن مذكرة الطعن بالنقض تؤيد ذلك . كما أنَّ المطعون ضدهم يتمسكون فيها بوقوع الهبة بشرط العوض الحكمي وهو شرط لا يغني عن تمام الحوز وفق ما قـرره فقهاء المالكية ومن ثم فإن الهبة لم تستوف شروطهـا القانونيـة فتكون باطلة لعـدم تمام الحوز بشروطه الشرعية.
جاء في البهجة في شرح التحفة 2/244/245 (.... خليل – عاطفاً على ما لا يصح قبضه لمحجوره ما نصه ودار سكناه إلا أن يسكن اقلها وبكري له الأكثر وأن سكـن النصف بطل فقط والأكثر بطل الجميـع .... الخ وهذا في الصغار وأما الكبار الرشداء فيصبح لهم ما حازوه ولو قل وهذا في دار السكني وأما غيرها من العقار والعروض على محاجير فكعبه الإشهاد.
أن ما اشترطه قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م ضرورة حصول القبض لانعقاد الهبة صحيحة بعد الإيجاب والقبول وبما أن القبض في العقار يكون بالتحلية المفضية إلى الاستيلاء بلا مانع والتسجيل لدى السلطات المختصة وتسلم مفتاح الدار وحيث إِنَّه في قضيتنا هذه فإن الواهب بإقرار الطاعنة لم يتخلَّ عن ملكيته العقار الموهوب حتى وفاته وظل منتفعاً به ويقوم بإدارته والأشراف عليه ودفع فواتير الماء والكهرباء ولم يرد في البينات قيام الموهوب لها – الطاعنة – بأي مظهر من المظاهر التي تدل على حوزها للعقار، بل أنها أقرت بقيام الواهب بكل التصرفات بحكم وضعيته الاجتماعية كرجل وأن النساء عادة لا يقمن بهذه التصرفات وهـو تبرير غير مقبول في ظل معايشتنا للواقع الاجتماعي اليوم وصحيح أن سكنى الزوجة مع زوجها يعتبر قبضاً وفق المادة (270/2/أ ) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م غير أن وقوع الهبة مقرونة بشرط العوض الحكمي وهو شرط لا يغني عن تمام الحوز كما ذكرنا يمتنع معه هذا القول . وقد يتغير وجه الدعوى لو أن عقد الهبة جاء خالياً من هذا الشرط أو استطاعت الطاعنة إثبات القبض بالوجه الذي تتكيف به واقعة التخلية أما أنه لم يثبت ذلك فإن الهبة كما ذكرنا لم تستوف شروطها القانونية والشرعية مما يؤدي إلى القول ببطلانها وفق ما توصل إليه الحكم المطعون فيه صواباً . ويبقي التصرف مما يدخل في دائرة الوصية باعتبار أن الواهب قد علق الهبة على شرط عدم تصرف الطاعنة فيما وهبه لها بأي نوع من التصرفات حال حياته . وأن الهبة تعتبر ملغاة لوفاة الموهوب لها – الطاعنة – أو طلاقها منه. وقد توفي الواهب في حياة الموهوب لها ومن ثم أصبح التصرف مما يدخل في باب الوصية. حيث أن الورثة المدعى عليهم لم يجيزوا هذه الهبة ومن ثم تأخذ شرعاً حكم الوصية إذا أجازها الورثة إذ لا وصية لوارث إلا إذا جازها الورثة الباقون وفق نص المادة (297) من قانون الأحوال الشخصية. والحديث أن الله أعطي كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث (رواه أحمد والأربعة إلا النسائي وإِسناده صحيح ) وعليه عمل أهل المدينة وجاء في تبيين المسالك لتدوين المسالك شرح الشيباني وإن أجاز الورثة ما أوصى به الموصي لبعضهم أو ما زاد على الثلث لغير وارث – فيكون ذلك ابتداءً عطية منهم لا أنه تنفيذ لوصية الموصي . وعلى كل فقد أجاز القانون – كما ذكرنا – الوصية لوارث بموافقة الورثة الباقون.
اخلص مما تقدم إلى صحة ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه بعدم تمام الهبة لعدم الحوز ووجود الشرط المانع ولا يكفي مجرد صدور توثيق بالهبة لأن قصارى هذا الإجراء إن صح جدلاً أن يكون إشهاداً عرفياً بالهبة وهو لا يكفي عن الحوز في هبة دار السكني على الوجه الذي أوضحناه ويكون النعي برمته قائم على غير أساس من الشرع والقانون متعين الرفض برسومه . هذا ما أراه والرأي للزميلين الجليلين لما هو أوفي واشمل .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاضي: رباب محمد مصطفى أبوقصيصة
التاريخ: 15/11/2009م
أوافق.
القاضي: آمال محمد حسن
التاريخ: 17/11/2009م
أوافق.
الأمر النهائي:
يرفض الطعن.
رباب محمد مصطفى أبوقصيصة
قاضى المحكمة العليا
رئيس الدائـرة
18/11/2009م

