قضية هبة
القضاة:
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد اللطيف محمد السيد قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ الضو سليمان الضو قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية هبة
قرار النقض نمرة 56/1989
الصادر في يوم 13/7/1989
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين: عدالة الشاهد – اشتراطها – حجيتها – اتفاق الشهادات مع بعضها البعض
1/ عدالة الشاهد شرط يوجب قبول الشهادة وليس شرطاً لأداء الشهادة فلو قضى القاضي بشهادة فاسق نفذ قضاؤه لوجود أهلية الشهادة – ولكنه يوثم
(راجع الأصول القضائية للشيخ على قراءة ص 159)
2/ اتفاق الشهادات مع بعضها يراعى في الاتفاق في الموضوع لا في اللفظ كذا عند الصاحين وعليه العمل بالمحاكم
الحكم
1/ هل يقبل الطعن في الشهود أن كان الطعن مجردا دون تحديد وبيان ذلك الطعن أو لا بد من بيانه
2/ هل يجوز القضاء بشهادة الفاسق غيد العدل
بتاريخ 4/4/1984 صدر الحكم حضورياً في القضية رقم 296/1406هـ محكمة شندي الشرعية بغثبات هبة أراضي زراعية بالسواقي رقم 8 و15 أوني والساقية أم قرع وضحت مقاديرها بالحكم لصالح ورثة على المدعـى عليهم ورثة وورثة
وقد جاء في دعوي المدعين أم مورثة المدعي عليهم وهي قد وهبت إلي مورث المدعين وهو أراضي السواقي المذكورة بعد أن وضحوا مقدارها وذلك بموجب ورقة عرفية بتاريخ 17/11/1963 وقد قبض الموهوب له ومن بعده ورثته مذلك الهبة من تاريخ وهبتها وإلي الآن كانت هذه الهبة بشهادة كل من الشيخ الطيب محمد صالح وقد توفي لرحمه مولاه ومحمد العوض بيلو وأبو شامة التوم زياد شيخ خط البسابير وأن قيمة الموهوب 4500 جنيه وطلبوا إثبات الهبة واستبعادها من التركة أنكر محامي المدعي عليهم هذه الهبة كما ذكر أن المستند العرفي مزور لأن المرحومة لم تغادر القرية وظلت في رعاية أبنتها أكثر من عشرين سنة والشهود المذكورين هم من خارج قريتها أما عن القبض فإن المدعين يحوزون هذه الأرض وغيرها كذلك على سبيل الإجارة والأمانة المترجعة لأن معظم المدعي عليهم يعملون خارج المنطقة ولكنهم يستلمون أجرة عائد الأرض من المدعين كل سنة حسب العرف السائد في هذه المنطقة لهذا طلبوا رفض الدعوى
كلف المدعون البينة فحصروا شهادتهم في شاهدين الأول محمد العوض بليو وجاء في شهادته أنه في عام 1963م كان هو العمدة وكان شيخ الخط أبو شامة التوم زياد (الشاهد الثاني) وعند مروره بالمنطقة نزل معه في المنطقة فحضرت إليهم الواهبة ومعها الشيخ الطيب وعلى بابكر وأبنها فقال له شيخ الخط أن المذكورة تريد هبة الأراضي وطلبت منه كتابه المستند وكتبه (أي الشاهد) بخط يد بعد سؤال الواهبة والموهوب له وأنه وقع على هذا المستند بإبهامه وهو المستند المعروض أمام المحكمة ولما سئل الشاهد عن محمد صالح الطيب وعلى بابكر اللذين حضروا معها قال أنهما قد توفيا لرحمة مولاهما وأنهما كانا من المنطقة بل أحدهما وهو على بابكر زوج لأخت الواهبة
والشاهد الثاني هو أبو شامة التوم زياد وعمره 73 سنة شهد بأنه كان يعمل شيخ خط سابقاً وحضرت أمامه الواهبة ووهبت 4 ونصف فدان في السواقي 15 و1 و8 أوني وأم قرع وكان ذلك بحضور العمدة وشيخ الحلة الطيب محمد صالح الذي توفي وهبت ذلك لأبنها مورق المدعين لوجه الله تعالي وأنه قد وقع على المستند العرفي وعرض عليه بالمحكمة فأقر بأنه هو وأن التوقيع توقيعه وأن البصمة التي وضعتها الواهبة هي بصمتها كذلك وقد كان ذلك سنة 1963 وذكر كذلك في شهادته عند سؤاله بأن المستند العرفي أحضر مكتوباً ووقع فيه وهي بصمت عليه وكان بحضور الشاهد الأول والشاهدين اللذين توفيا – ثم استمعت المحكمة بعد ذلك لشهادة ثلاثة شهود واستبعدت الشاهد الرابع كشهود دفاع أحضرهم المدعي عليهم كما طعن المدعي عليهم في الشاهد الأول من شهود المدعين بقولهم أنه أرتكب جرائم مخلة بالشرفة والأمانة وتم سجنه في الفترة ما بين 1955 وسنة 1966م وقد علموا بعد الإدلاء بشهادته فقررت المحكمة الابتدائية استبعاد هذا الطعن في الشاهد لعدم طعنه عند استجوابه كما لم تحدد السنة أو الشهر الذي حكم فيه بالسجن وصدر الحكم سالف الذكر لصالح المدعين
وبتاريخ 13/4/1988م قدم المحكوم عليهم طعناً في الحكم أمام محكمة الاستئناف بالإقليم الشمالي الدامر وذلك بواسطة محاميهم الأستاذ حسن الخواض وقد جاء في طلبهم أن الشاهدين اللذين أثبتا الهبة اختلفا في أمور جوهرية من شأنها إجهاض الشهادة لأن الشاهد الأول ذكر في شهادته بأن الشاهد الثاني طلب منه كتابه مستند الهبة وكتبه بخط يده أمامه مع أن الشاهد الثاني ذكر في شهادته أن المستند أحضر مكتوباً ووقع عليه وهذا تناقض في الشهادة كما أن هذه الهبة لم يشهد عليها شهود من أهل القرية بل شهودها من قرى بعيدة
أما قبضهم للأرض بالزراعة عليها فإن ذلك كن بصورة تسامحية إذا أنهم يعملون بالخرطوم وتركوا أرضهم لبناء خالهم وهذا عرف في كل قرى الإقليم الشمالي كما أن الهبة لم تطابق الواقع لأنها كانت بالفدان وأرض النزاع مسجلة بالقيراط كما أن شاهد الهبة الأول وهو محمد العوض بليلو طعن في شهادته وطلب من المحكمة الابتدائية إحضار سوابقه أو الكتابة لسلطات بوليس شندى لمعرفة ذلك وكلن المحكمة رفضت هذا الطلب إضافة إلي أسباب أخرى ذكرت طاعنين في الحكم وطلبوا إلغائه وبتاريخ 17/12/1988 صدر القرار من محكمة الاستئناف في قضيتهم رقم 43/1988م بشطبه موضوعاً إيجازياً
وجاء في أسباب ذلك الحكم أن اختلاف الشاهدين حول كتابة المستند وإعداده لا يطعن في هذه الشهادة بعد تقويمها لأنه لو شهدا بها دون أن يكون هناك مستند عرفي فلا ترد شهادتهما فإن اختلاف الألفاظ واتحاد الموضوع في الشهادة مقبول كنص المادة 77 الجدول الثاني لقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م أما فيما يتعلق بالقبض فقد ثبتت الحياة والتي يعترف بها المستأنفين فالهبة في هذه الحالة يكفي فيها مجرد الإيجاب كنص المادة 230/2 قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ويؤيد ذلك أيضاً ما جاء في كتاب شرح الأحكام الشرعية لزيد الابياني ج2 صفحة 234 سواء كانت الحيازة غير مضمونة عليه بهذا القبض كالوديعة والإجارة والعارية أو كانت مضمونة لأن القبض ثابت وقد تم إعلان الطاعنين بواسطة محاميهم الأستاذ حسن الخواض بقرار الاستئناف بتاريخ 18/1/1989م وبتاريخ 12/3/1989 تقدم الأستاذ عصام الدين دقاش المحامي نيابة عن الطاعنين بطلب يطلب فيه أن يمد لموكليه في فترة الطعن فقيد له وأمهل مدة أسبوعين لتقديم أسباب الطعن ثم تقدم بعريضة أخرى ذكر فيها أسباب الطعن وقد تضمنت ما ذكر في دفع الدعوى بالمحكمة الابتدائية وما ذكر في عريضة الاستئناف وتتلخص في الآتي:
1/ الطعن بالتزوير في المستند العرفي
2/ الطعن في قبض الهبة لأن الطاعنين كانوا يستلمون الأجرة من المطعون ضده ولهم شهود على ذلك
3/ الطعن في بينة المطعون ضدهم خصوصاً الشاهد الأول وقد ذكر بعض الجرائم له لم توضح في المرحلة الابتدائية ولم تذكر كذلك في مذكرة الاستئناف لهذا طلبوا إلغاء الحكمين الابتدائي والاستئناف لضعف وعدم إثبات القبض
الأسباب
أعلن محامي الطاعنين الأستاذ حسن الخواض بقرار الاستئناف بتاريخ 18/1/1989م وتقدم محاميهم الثاني الأستاذ عصام الدين دقاش بطلب بتاريخ 22/3/1989م لمدة فترة الطعن فقيد له وأمهل أسبوعين لإحضار أسباب الطعن بما أن الطاعنين لم يعلنوا بقرار الاستئناف حيث أعلنوا في شخص وكيلهم المحامي فلاحتمال عدم وكالته بالطعن في النقض وترجح هذا الاحتمال بتوكيل غيره فهذا يعتبر مبررا وبناء على المادة 70 الفقرة ب من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م فإن الطعن مقبول شكلاً
وفي الموضوع فقد أتضح أن أسباب الطعن بعد صحة الهبة التي حكمت بها المحكمة الابتدائية في الدعوى رقم 626/1406هـ محكمة شندي الشرعية وأيدها قرار الاستئناف في القضية رقم 43/1988م الدامر والتي ركز عليها الطاعنون تنحصر في الآتي:
1/ الطعن بالتزوير في المستند العرفي الذي كتبت فيه الهبة موضوع النزاع
2/ الطعن في البينة التي أحضرها المطعون ضدهم وخصوصاً الساهد الأول
3/ الطعن في قبض الهبة حيث لم بتم لأن الطاعنين كانوا يستلمون الأجرة ولهم البينة على ذلك
4/ مقدار الموهوب كان بالفدان في المستند والتسجيل كان بالقيراط ولا يوجد ما يؤيد من مكاتب المساحة أن ما ذكرته الواهبة يساوى ما أفادته التسجيلات بعد أن وضحت سلطات المساحة المعادلة للقيراط بالفدان
وبالنسبة للطعن بالتزوير أتضح أن الطاعنين لم يحددوا هذا الطعن بعد صحة بصمة الواهبة مثلاً أو عدم صحة توقيع الشاهدين سوى ما ذكره بأن الشاهدين ليسا من القرية بل من قري بعيدة وحيث حضر نفس الشاهدين اللذين وقعا على المستند وأقرا بأن التوقيع يخصهما بعد عرضه عليهما وبم يعترض الطاعنون على هذا القول وكونهما ليسا من المنطقة لا يطعن في هذه الشهادة لأن الشاهدين اللذين حضرا من المنطقة قد توفيا لرحمه مولاهما وأحدهما ذو صلة بالواهب لأنه زوج أختها وما بقي من الشهود هم من الإداريين العمدة أو الناظر أو شيخ الخط وهذا يؤيد قوة الشهادة فيهم في هذه الهبة لأنه في القرى والأرياف اعتاد الناس توثيق معاملتهم وتوقيعها بالنسبة لمثل هذه التصرفات أن تتم أمام العمدة أو الناظر أو شيخ الخط وهذا ما تم هنا أما بعد الشاهدين عن المنطقة فلا يقدح كذلك في الشهادة مع ملاحظة أن شاهدي المنطقة قد توفيا
أما بالنسبة للطعن في الشاهدين بأن الشاهد الأول غير عدل لارتكابه جرائم تزوير وسجنه والثاني عدم مطابقته للشهادة الأولي فقد أتضح أن الطعن في الشاهد الأول أن بعد سماع شهادته واستجوابه من الطرفين وكان طعناً عاماً مجرداً دون تحديد جريمة معينة سوى أن له سوابق ولم توضح كذلك في عريضة الاستئناف بالتفصيل وقد ذكرت الآن له بعض الجرائم في عريضة الطعن هذا وقد قسم الحنفية الطعن في الشاهد إلي قسمين:
1/ الطعن المجرد و هومن غير أن يتضمن إيجاب حق من حقوق الشرع أو من حقوق العباد كقوله بأنهم فسقة أو أكله ربا فهذا الطعن لا يقبل منه
2/ أن يكون مركبا ًبأن يتضمن إيجاب حق من حقوق الشرع أو من حقوق العباد بأن يدعى بأنهم زنوا أو شربوا الخمر ولم يتقادم الطعن و أرادوا البينة على ذلك قبل منه أحياء للحق/ راجع في كتاب المرافعات الشرعية للأستاذ معوض صفحة 171 و172 وعليه فإن الطعن في الشاهد كان من النوع الأول وهو الطعن المجرد الذي ذكر أمام لمحكمة الابتدائية وعليه فأن قرارها بعدم سماعه صحيحاً إضافة غلي أنه تم بعد سماع الشهادة واستجوابه من الطرفين وأن المادة رقم 73 الفقرة 2 فقد ثبت في نهايتها بأنه استجواب الخصمين للشاهد فلا يجوز بعد ذلك إعادة سؤاله
هذا على فرض صحة الطعن في الشاهد بأنه غير عدل فأن الحنفية جعلوا العدالة في الشاهد هي شرط وجوب القضاء على القاضي لا شرط صحته ونفاذ فلو قضى بشهادة فاسق نفذ قضاؤه لوجود أهلية الشهادة وهي الولاية ولكنه يكون أثماً راجع في ذلك كتاب المرافعات الشرعية للأستاذ معوض صفحة 146 وحيث أتضح من شهادة الشاهد الثاني مطابقة شهادة الأول في الموضوع وهذا يكفى كنص المادة 77 الجدول الثاني لقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وكما جاء في كتاب المرافعات الشرعية للأستاذ معوض صفحة 137 فأنه تكفى الموافقة الضمنية عند الصاحبين وهو عليه العمل بالمحاكم الشرعية وعليه فأن شهادة الشاهدين صحيحة ومقبولة شرعاً أم الطعن في قبض الهبة فأن ما أوردته محكمة الاستئناف من نصوص فقهية ومواد يكفي لرد هذا الطعن خصوصاً وأن النص الشرعي ذكر صراحة الإجارة بالنسبة للموهوب كما هو الحال في هذه الدعوى حسب دعوى الطاعنين وقد أقروا بأنها بيد المطعون ضدهم عن هذا الطريق فإن ذلك يعتبر حيازة وقبضا لها لوجودها بيدهم قبل الهبة
أما بالنسبة لمقدار الموهوب كونه بالفدان أو بالقيراط فهذا لا يقدح في أصل الهبة بعد أن شهد بها الشاهدان حسب ما هو مدون بالمستندات وكانت معروفة بالمقدار فيه وأن خطاب المساحة الذي ورد يوضح بأن هذه المساحة وأن كانت بالقيراط يمكن أن تكون بالفدان أيضاً وبالتالي فكونها بالفدان أو القيراط لا يقدح الهبة طالما أنها موضحة المقدار ويمكن تسجيلها بالفدان أو بالقيراط
ولم تكن هناك حاجة لسماع بينة دفاع من المدعى عليهم بعد أن أنكروا الهبة وسمعت هذه الشهادة في المرحلة الابتدائية وغم ذلك فأن الحكم الابتدائي وقرار الاستئناف قد صدرا صحيحين ولا أمل في هذا الطعن
لهـــذا:
قررنا شطب الطعن إيجازياً بناء على المادة 186 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م

