قضية هبة
المحكمة العليا
القضاة :
فضيلة الشيخ/ الضو سليمان الضو قاضي المحكمة العليا رئيساً
فضيلة الشيخ/ الطيب أحمد محمد قاضي المحكمة العليا عضواً
فضيلة الشيخ/ عمر أبو القاسم قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية هبة
قرار النقض 187/ 1991م
الصادر في 12/11/1991م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الهبة – موانع الرجوع في الهبة – أثرها
موانع الرجوع في الهبة لا أثر لها إلا بعد تمام القبض
الحكم:
القاضي : الضو سليمان الضو
التاريخ : 12/10/1991م
رفعت المطعون ضدها الدعوى رقم 493/1989م أمام محكمة الخرطوم بحري الشرعية ضد /الطاعن مدعية أنه ابن أختها وأنها قد وهبت له القطعة نمرة 208 شمبات الغربية بموجب الإشهاد رقم 381/1988 محكمة الخرطوم بحري وأنها قد اشترطت عليه شرطاً لم يرد في الإشهاد وهو أن يسجل المنزل بعد إكمال تخطيط شمبات الغربية في اسم شقيقته السارة الشيخ علي وكان ذلك شفاهه وأنها لم تسلم المدعي عليه المنزل موضوع الهبة وبالتالي لم يقبضه الموهوب له وهي تقيم فيه منذ الهبة وحتى الآن وإن المدعي عليه قام بتغيير سجل المنزل إلي أسمه بناء على تلك الهبة التي لم يتم وإنها الآن امرأة مسنة تبلغ من العمر 70 سنة وليس لها عائل وعاجزة عن الكسب وليس لها منزل سوى العقار الموهوب وأنها في حاجة إليه وتطلب فسخ الهبة وإبطالها وإعادة تسجيل القطعة باسمها لعدم تمام الهبة بالقبض – صادقها المدعى عليه (الطاعن) على هبة العقار المذكور بالإشهاد 381/ 1988 محكمة الخرطوم بحري و أنكر الشرط الذي ذكرته كما صادقها على أن العقار موضوع الدعوى مشغول بالواهبة وأنها تقيم فيه حتى الآن إلا أنه يقوم بالانفاق عليها على أحسن وجه و أنكرت المدعية الاتفاق كلف كل منهما البينة فاثبت كل دعواه وخلصت المحكمة إلى إصدار حكمها الحضوري بإبطال الهبة وإعادة تسجيل العقار باسم الواهبة – ثم تقدم الطاعن باستئناف لمحكمة استئناف ولاية الخرطوم قيد ه تحت النمرة 138/س/1991م وفي 3/6/1991م صدر فيه قرارها المطعون فيه ويقضي برفض الطعن موضوعاً وتأييد الحكم المطعون فيه وجاء في أسبابه أن المستأنف /ضدها/ تقيم في نفس المنزل موضوع النزاع وهي الحائزة له ولا تزال تستغل المنزل ولم تغادره أبداً وقد ثبت من الشهود و إقرار المستأنف بأن المستأنف ضدها امرأة فقيرة ولا تملك غير هذا العقار كما ثبت أن المستأنف كان يريد بيع هذا العقار وباستعراض الوقائع يتضح أن نقطة النزاع هي أن قبض الهبة قد تم بالتسجيل ولا يجوز الرجوع بعد التسجيل كما أن الرحم المحرم من موانع الرجوع في الهبة هذا ما جاء في مذكرة الاستئناف واستعرضت محكمة الاستئناف السوابق القضائية ومنها 780/966 بتاريخ 3/12/1966 وجاء فيها أن الإقرار بالقبض في إشهاد رسمي لا يعتبر قبضاً بل لا بد من حصول القبض الفعلي وقد استند هذا القرار على ما جاء في ابن عابدين ج4 ص 561 وما بعدها التسليم يكون بالتخلية على وجه يمكن القبض معه بلا مانع ولا حائل وما جاء في شرح الأحكام الشرعية للأبياني القبض يكون في كل شئ بما يناسبه ثم ذكر العقار ولا يتم قبضه إلا بالتخلية وهي أن يخلي الواهب الوهوب بين والموهوب له على وجه يتمكن من قبضه بأن لا يكون هناك مانع من الاستيلاء عليه ومما تقدم يتبين أن ما اعتمدت عليه محكمة الموضوع له سند من الفقه والسوابق القضائية هذا وقد ثبت بالبينة أن الموهوب مشغول بسكن الواهبة وبالتالي فهناك وجود مانع يحول بين الموهوب له والاستيلاء على الموهوب وعليه فقد جاء حكم محكمة الموضوع وفق الوزن السليم للبينات
أما خصوصية العلاقة بين الواهبة والموهوب له هي علاقة محرمية وتمنع الرجوع فهذا مردود بأن الهبة تتم بالإيجاب والقبول ولا تملك إلا بالقبض وبما أن الواهبة لم تمكن الموهوب له من القبض فلا يتأتى القول بأن الرجوع في الهبة ممتنع لأن الموهوب له ذا رحم محرم من الواهبة أن موانع الرجوع في الهبة لا تكون ذات أثر إلا بعد تمام القبض وحيث ثبت عدم قبض الموهوب له للعين الموهوبة فيحق لنا القول بأن الموانع لا أثر لها قبل تمام القبض وحيث ثبت أن المستأنف ضدها امرأة مسنة وفقيرة ولا تملك غير العقار موضوع النزاع فإن إبقاء العقار الموهوب في يد الموهوب له وتحت تصرفه فيه خطر لحياة الواهبة خاصة إذا قام بالتصرف في العقار الموهوب وقد تم تسجيله باسمه لهذا صدر قرارها المشار إليه ومن ثم كان هذا الطعن المقدم في 26/8/1991م بتاريخ سداد الرسم وجاء في الطعن أن الطاعن علم بالقرار مؤخراً وخلاصة الطعن أنه يقول بعد أن وهبت لي المطعون ضدها العقار برضاها ولا شرط بينهما وإنه كان ينفق عليها طوال الفترة السابقة ولم تكن فقيرة بل قام أولاد بنتها بتحريضها لتغيير الهبة لتصبح من نصيب والدتهم كما أن المحضر لم يشمل أي شهادة بأنني أريد بيع القطعة وهذا م يرد مطلقاً – ثم استطرد يقول أن الواهبة كانت تقيم معي في المنزل الموهوب على سبيل التسامح إذ لا يعقل أن أطردها من المنزل بعد عمل الهبة وهو لم يقل به شرع ولا قانون أما موضوع القبض فقد تم القبض لسكناي في المنزل قبل الهبة وبعدها وتسجيلها باسمي وختم الطلب بالمطالبة بإلغاء الحكم الصادر من المحكمتين
الأسباب
القرار المطعون فيه صدر في 3/6/1991م وقدم الطعن في 26/8/1991م ولم يوجد في الأوراق ما يفيد إعلان الطاعن به فهو يعتبر مقدماً في الموعد القانوني ومقبول شكلاً وفي الموضوع فإن المحكمة لا ترى أملاً في هذا الطعن لأن الحكم المطعون فيه جاء سليماً ومتمشياً مع القانون والفقه الإسلامي وذلك عندما قرر تأييد الحكم الابتدائي ورفض الاستئناف وذلك لأن الطاعن نفسه يقر بأن المطعون ضدها تقيم في المنزل منذ هبته وحتى الآن وبالتالي لم يتم القبض الفعلي وعليه فإن هذه المحكمة ترى أنه لا يوجد مانع من رجوع الواهبة في هبتها الأمر الذي قرره الحكم المطعون فيه بما لا مزيد عليه ولهذا أرى أن اوافق الزميلان شطب الطعن إيجازياً تحت المادة (186) إجراءات مدنية 1983م
القاضي : عمر أبو القاسم
التاريخ : 13/10/1991م
الحكم حسب الأسباب التي ذكرتها محكمة الموضوع صدر بناء على أن الموهوب له لم يستلم الموهوب ولذلك حكمت بإبطال الهبة فقد جاء في قرار المحكمة الابتدائية بما أن الموهوب له ذو قرابة من الواهبة وهو ابن أخيها ورحم محرماً من الواهبة وهذه صفة تحرم الرجوع في الهبة ولكن الهبة تنعقد بالإيجاب والقبول ولا تملك إلا بالقبض ولأن موانع الرجوع لا تكون ذات أثر إلا بعد تمام القبض واتضح من كل ذلك أن الموهوب له لم يقبض المنزل الموهوب له حقيقة وعليه فقد تخلف ركن من أركان عقد الهبة هذا ما جاء بأسباب محكمة الموضوع ومنه يتضح جليا أن المحكمة حكمت بإبطال الهبة لأن القبض بمعنى التخلية لم يتم وبذلك يصح الرجوع عن الهبة أما محكمة الاستئناف فإنها بعد أن استعرضت – قضاء المحاكم في الموضوع قالت فقد ثبت أن الموهوب مشغول بسكن الواهبة وبالتالي فإن هناك وجود مانع يحول بين الموهوب له والاستيلاء عليه أما بخصوص العلاقة بين الواهبة والموهوب له وهي علاقة محرمية وتمنع بذلك الرجوع فهذا مردود بأن الواهبة لم تمكن الموهوب له من القبض فلا يتأتى القول بأن الرجوع في الهبة تمنع لأن الموهوب له ذا رحم محرم من الواهبة لأن موانع الرجوع من الهبة لا تكون ذات أثر إلا بعد إتمام القبض وحيث ثبت عدم قبض الموهوب له للعين الموهوبة يحق لنا أن نقول بأن الموانع لا أثر لها قبل تمام القبض ثم قال أن المستأنف ضدها امرأة كبيرة وفقيرة ولا تملك غير العقار الموهب وفي وجود العقار تحت تصرف الموهوب له خاصة بعد التسجيل خطر على حياة الواهبة ولذلك أرى فسخ الهبة و إعادة تسجيل العقار باسم الواهبة طبقاً للمادة 241 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م هذا ما جاء بالرأي الأول الذي تأيد من الدائرة وصدر الحكم بتأييد الحكم المطعون فيه
هذا وقد جاءت دعوى طلب الرجوع في الهبة لعدم القبض ولأن الواهبة تحتاج للموهوب في معاشها هذا وقد تمت هذه الهبة بالإشهاد 381/1988م وبما أن هذه الهبة سجلت فإن التسجيل يعتبر قبضاً حسب المنشور الشرعي 66 الذي نص على أن نقل السجل يمكن الموهوب له من التصرف في العقار وهذا عين المقصود من التخلية لذلك فإن التسجيل يعتبر قبضاً تصير الهبة بموجبه لازمة وعلى ضوء هذا المنشور فإن القبض للعقار بالنسبة لهذه القضية قد تم بالتسجيل وأن تسجيل العقار يعتبر قبضاً ولو كان الواهب ساكناً في العقار
أما النقطة الثانية وهي حاجة الواهبة وعجزها عن توفير أسباب المعيشة لنفسها حسب ما جاء بالمادة 241 التي سلفت الإشارة إليها فإن قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م نص في المادة 240 على التالي (أ) للواهب أن يرجع في الهبة قبل القبض دون رضاء الموهوب له
(2) يطلب من القضاء فسخ الهبة والرجوع فيها متى كان يستند إلى سبب مقبول ما لم يوجد مانع من الرجوع وبينت المادة( 4)السبب المقبول لفسخ الهبة والرجوع فيها كما بينت المادة 243 الأسباب المانعة من الرجوع ونصت الفقرة أ من هذه المادة منع الرجوع في الهبة إذا كانت من أحد الزوجين للآخر أو لذي رحم ما يترتب عليه مفاضلة بين هؤلاء بلا مبرر
هذه المواد هي التي تحكم هذه القضية ولا بد من أخذها مع بعضها حتى يمكن الوصول للحكم على ضوء ما جاء بها فحسب ما جاء بالمادة 230 الفقرة (2) أن الرجوع بعد القبض يكون بطلب من الواهب بالرجوع فيها أمام القضاء لعدم قبول الموهوب له بالرجوع و لا بد أن يستند الطالب على سبب مقبول ومع استناده على السبب المقبول لا يقبل هذا الطلب إذا وجد مانع من الرجوع – فالموهوب له هنا لم يقبل الرجوع من الهبة والواهبة تستند إلى سبب هو حاجتها للعقار لمعيشتها إلا أن هذا السبب يكون معقولاً إذا لم يوجد مانع وقد وجد المانع هنا وهو القرابة المحرمية وقد يقال أن الهبة يترتب عليها تفاضل بين الموهوب له وأخته لكن هذه الدعوى ليست من أخت المحكوم له حتى ينظر في موضوع التفاضل وحتى التفاضل أشارت المادة أن يكون بدون مبرر وهناك لا نعلم هل يوجد مبرر لهذا التفاضل أم لا لأن الموضوع لم يناقش ويحقق فيه
هذا وقد ذكر الطاعن في رده على الدعوى أن المطعون ضدها لا تحتاج للمنزل في معيشتها إذ أنه قائم بالإنفاق عليها طلبت المحكمة أولاً إحضار بينه على أن الواهبة غير محتاجة صفحة 6 وطلبت المحكمة من محامي المطعون ضدها أن يحضر البينة على أنها محتاجة وأن الطاعن يسئ إليها ومقصر في الإنفاق عليها ثم طلبت المحكمة مرة أخرى من المطعون ضده إحضار بينه صفحة 18 من المحضر وقد أحضر شاهدين شهدا بأنه ينفق على البيت كله بما فيه ست الجيل الطاعنة وطالما أنه قد ثبت بأن المطعون ضده يقوم بالإنفاق على الطاعنة فهي ليست محتاجة للمنزل لمعيشتها ومن ثم ومع التجلة لرأي الأخوين فإني أرى أن تعلن العريضة حتى نتوصل لإلغاء الحكم المطعون فيه والله الموفق
القاضي : الطيب أحمد محمد
التاريخ : 11/11/ 1991م
أوافق

