قضية إثبات نسب
محكمة استئناف ولاية الخرطوم
قرار الاستئناف 226/1992م
صادر في : 10/5/1992م
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ / أحمد محمـد عبد الله قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ / عمر عبد القادر الأمين قاضي محكمة الاستئناف عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ / الطيب الفكي موسى قاضي محكمة الاستئناف عضواً
قضية إثبات نسب
المبادئ:
لأحوال الشخصية للمسلمين _ إثبات النسب _ عدم اشتراط إثبات زواج المنسوب إليه من أم المنسوب
لا يشترط في إثبات النسب أن يشهد الشاهد أن المنسوب إليه متزوج أم المنسوب زواجاً شرعياً أو أنه حضر عقد زواجها فهذا الشرط يتعذر معرفة الشهود له ويتعارض مع الحكمة التي اقتضت سماع الشهادة السماعية في النسب
ملحوظة المحرر :
تأييد هذا الحكم بقرار النقض 156/ نقض /1992م
المحامون :
الأستاذ / عز الدين الطاهر عن المستأنفة
الأستاذ / يحي فضل المولى عن المطعون ضده
المذكرة
القاضي : الطيب الفكي موسى
التاريخ : 14/4/1992م
قدم هذا الطعن ضد قرار محكمة المديرية الشرعية أمد رمان في التركة رقم 781/1979م والقاضي باستبعاد الطاعنة من الميراث وقررت ان وارث المرحومة زينب سليمان أحمد هو خالها المستأنف ضده
تتلخص وقائع النزاع في أن عدة جهات تدعي الميراث فيها بالرحمية وهم أولاد البشير كنان وأولاد عبد الله سابل ويدعون بأنهم أولاد عم أبيها لأمه ويدعى حسن سمح الجواب انه خالها حيث ان والدتها تدعى قسيمه سمح الجواب وادعت كل من العازة وحليمة بنتي محمد خير الله ان المرحومة زينب سليمان بنت أختهما بنت عمتهما إذ ان والدة المرحومة زينب سليمان هي القسمة بنت بخيتة بنت خير الله احمد حسن ان والدهما هو محمد خير الله احمد حسن
إدعى الأستاذ عز الدين الطاهر نيابة عن موكلته دار الرجا(المستانفة ) أنها أخت المرحومة زينب سليمان أحمد لأبيها وطلبت توريثها فرضاً ورداً وأخيراً إدعى يحي فضل المولى المحامي عن موكلتيه بلتنا العوض سليمان عبد الله السكري صافيات عبد الله العوض السكري أنهما أختان لأم المرحومة زينب سليمان وهي تدعى القسمة يعني ان والدتهن الثلاث بلتنا _ صافيات _ القسمة هي التقيل بنت سويكت كلفت المحكمة المستانفة بإحضار البينة على إثبات دعواها الإرث فأحضرت ثلاث شهود شهدوا بأن أم دار الرجا هي الرب جود وأما الثالث فقد شهد بان أمها سعيدة وطعن مدعوا الإرث بالرحمية في شهادة هؤلاء الشهود اتهموهم بأنهم شهود زور ومأجورون وفتحوا بلاغاً جنائياً ضدهم بعد إذن المحكمة الشرعية بذلك
وقررت محكمة الجنايات شطب البلاغ وتبرئة الشهود وتأيد هذا القرار أمام محكمة الاستئناف والمحكمة العليا وبعد ذلك قررت المحكمة استدعاء الشهود الذين شهدوا لها بالإرث مرة أخرى لمناقشتهم أمام جميع الأطراف وقد ثبت لها ان اثنين منهما قد توفيا وبقي واحد أكد مرة أخرى شهادته السابقة وقال أنه لا يعرف عن المرحومة زينب سليمان شيئاً غير أنها أخت دار الرجا , ودار الرجا كانت جارته وكانت تتردد عليه ثم استدعت المحكمة شاهدين آخرين شهدا بان دار الرجا هي أخت المرحومة وبسؤالها عما إذا كان سليمان احمد قد تزوج والدة دار الرجا زواجاً شرعياً ذكرا انهما لا يجزمان انها كانت زوجه شرعاً أم لا ولكنها كانت تقيم معه في بيت بنته دار الرجا وعلى ضوء ذلك استبعدت المحكمة دار الرجا من الميراث بحجة انه لم يثبت انها بنت سليمان احمد من زوجته الرب جود ولأن البينة لم تكن قاطعة وبها اختلافات جوهرية تستوجب استبعادها وان الشهود جميعاً وحتى الذين عاصروا المرحوم سليمان لم يشهدوا ان سليمان احمد والد المرحومة زينب كان زوجاً شرعياً لوالدة دار الرجا المسماة الرب جود وصدر قرار المحكمة بتاريخ 15/12/1991م وتقدم المستأنف بعريضة استئنافه تاريخ 30/1/1992م وجاء في أسباب استئنافه ان البينات التي قدمت لإثبات إرث دار الرجا بعضها متماسكاً وقوياً فقد اثبت كل من عبد الصمد فضل السيد والخليفة حسب الرسول ورفاق الشيخ الخير ان دار الرجا هي أخت المرحومة زينب سليمان لأبيها وكانت شهادتهم على الجزم وانه قد شاع في البلد بأنهما أختان وان سليمان احمد كان يعيش مع بنته دار الرجا مع أمها الرب جود وان زينب سليمان كانت تقول (جيت لأختي دارالرجا ) ومن المعروف في المرافعات الشرعية ان الشهادة على الزواج من الأمور التي تقبل فيها الشهادة السماعية أعلنت العريضة للمستأنف ضدها فجاء ردها بتاريخ 30/3/1992م أن المستأنف ليس له صفة في الاستئناف لأنه لم يقدم مستنداً يثبت فيه انه وريث دار الرجا وقد توصلت المحكمة للقرار السليم باستبعاد دار الرجا من الميراث واعتبار حسن سمح الجواب الوريث الوحيد للمرحومة زينب سليمان ويرى أنه كان على المحكمة أن تصدر إعلاماً أولياً بوفاتها وانحصار ارثها في خالها المستأنف ضده وعليه يطلب شطب عريضة الاستئناف وتأييد القرار المطعون فيه
الأسباب
الاستئناف قدم في موعده القانوني فهو مقبول شكلاً وفي الموضوع فإن أطراف النزاع في هذه التركة يدعي بعضهم الآرث بالفرض والرد ويدعي بعضه الإرث بالرحمية وبما ان الشريعة الإسلامية قد وضعت نظاماً ومحكماً للمستحقين بالميراث وجعلت نصيباً مفروضاً لبعض أقرباء الميت في تركته ورد ذكر معظمها في القرآن الكريم وبعضها في السنة النبوية سماهم الفقهاء بأصحاب الفروض , وبعد ان يأخذ أصحاب الفروض فروضهم يؤول ما تبقى للعصبات النسبية وهم أقرباء الميت من جهة الأب فإذا لم يوجد للميت عصبات وكان له أصحاب فروض يأخذ كل صاحب فرض فرضه ويرد عليهم الباقي بنسبة فروضهم وإن كان واحد يأخذ الميراث كله فرضاً ورداً فإذا لم يوجد للميت أصحاب فروض ولا عصبات ينتقل الميراث للعصبة السببية وهي ولاء العتاقة بان يكون هناك شخصاً كان عبداً لرجل وأعتقه فإن ورثة المعتق يرثون ورثة المعتَق , وولاء العتاقة غير موجود الآن لعدم وجود رق في هذا الزمان فإذا انعدم العصبات وأصحاب الفروض ينتقل الميراث لذوي الأرحام وهم أقرباء الميت من جهة الأم بحسب درجتهم في القرب من الميت وقد نصت على هذا الترتيب المادة 354من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م وعلى ضوء ذلك فإن على المحكمة ان تتبع هذا الترتيب فإذا وجد أصحاب فروض أو عصبات وجب على المحكمة سماع بيناتهم ولا تلتفت إلى من دونهم في الترتيب إلا إذا فشلوا في إثبات دعواهم وفي هذه التركة تدعي دار الرجا أنها اجث المرحومة لأبيها فهي في هذه الحالة صاحبة فرض ولعدم الفرع الوارث للمتوفاة وكذلك الأصل الوارث فإذا استطاعت إثبات دعواها فإنها تستحق ميراث أختها فرضاً ورداً أي تأخذ النصف فرضاً والباقي رداً فهل استطاعت إثبات دعواها ؟ باطلاعي على محضر التركة إتضح لي أنها قدمت ثلاثة شهود شهدوا بعد الداء اليمين بأنها أخت المرحومة لأبيها وقد طعن مدعو الإرث بالرحمية بأنهم مزورون ومأجورون لأن المشهود لها دفعت لهم مبلغاً من المال في مقابل هذه الشهادة وفتحوا بلاغاً جنائياً ضدهم بعد ان أذنت المحكمة الشرعية بذلك وقد برأتهم المحكمة الجنائية من هذه التهمة وأيد قرارها بواسطة محكمة الاستئناف والمحكمة العليا ثم قررت المحكمة استدعاء الشهود لمناقشتهم في شهادتهم لتصدر قراراًَ سليماً وصائباً وباطلاعي على محضر التركة إتضح لي أن شهادة هؤلاء الشهود سمعت بتاريخ 10/1/1981 وقررت المحكمة استدعاءهم مناقشتهم مرة أخرى بتاريخ 15/9/1991م أي بعد مضي أكثر من عشر سنوات وقد ثبت هنا أن اثنين منهما قد توفيا فأحضرت الثالث وباستجوابه أكد ما شهد به سابقاًَ وقال إنه لا يعرف عن المرحومة زينب سليمان شيئاً غير أنها أخت دار الرجا وتسكن أمد رمان وتأتى لأختها لزيارتها
وسمعت المحكمة لبينة شاهدين آخرين شهدا بأنها أختها لأبيها ولكنهما لا يعلمان إن كان والدها سليمان أحمد قد تزوج والدتها شرعاً أم لا
وعليه أرى أن المحكمة الابتدائية قد أخطأت حينما قررت استدعاء الشهود بعد أكثر من عشر سنوات من أداء شهادتهم وقد سبق للمحكمة أن أتاحت للمستأنف ومدعوا الإرث بالرحمية مناقشتهم وقد طعنوا في شهادتهم بأنهم شهود زور وفتحوا بلاغاً ضدهم وقد برأتهم المحكمة الجنائية من هذه التهمة ولم يطعنوا فيهم بطعن آخر فلا يحق للمحكمة إتاحة فرصة أخرى لاستجوابهم بعد هذا الزمن الطويل ولا توجد أسباب جوهرية لإعادة الاستجواب ثم إن الشاهدين السابقين تعضد شهادتهما الشهادات السابقة ولم يطعن فيهما المستأنف بطعن يبطل شهادتهما والشهادة على النسب تقبل فيها الشهادة السماعية ولا يشترط فيها مشاهدة الشيء المشهود عليه بعينه ولا يشترط فيها أن يشهد الشاهدان أن فلاناً المنسوب أيليه متزوج زواجاً شرعياً أو أنه حضر عقد زواجهما لأنه لو كان هذا الشرط مطلوباً فإنه يتعين على المحكمة الابتدائية التي قررت أن يكون وارث المرحومة زينب هو خالها _ أن تلزم الشهود بأن يثبتوا بأن خالها وأمها كانا أخوين من زواج شرعي تم بين جدها لأمها وجدتها لأمها , وهذا ما لم يحدث ولم تلزم به المحكمة الشهود فلماذا تصر عليه في حالة دعوى الأخت فهذا الشرط يتعذر معرفة الشهود له ويتعارض مع الحكمة التي اقتضت قبول الشهادة السماعية في هذه الأحوال يقول الكاساني ما يلي : _ " الثالث ان يكون التحمل بمعاينة المشهود به بنفسه لا بغيره إلا في أشياء مخصوصة يصح التحمل فيها بالتسامع من الناس لقوله عله الصلاة والسلام إذا علمت ممثل الشمس فاشهد وإلا فدع , ولا يعلم مثل الشمس إلا بالمعاينة بنفسه فلا تطلق الشهادة بالتسامع إلا في أشياء مخصوصة هي النكاح والنسب والموت فله تحمل الشهادة فيها بالتسامع من الناس وان لم يعاين بنفسه على مبنى هذه الأشياء على الاشتهار فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة ولكن ينبغي أن يشهد في ذلك على البتات والقطع دون التفصيل والتقيد " ( بدائع الصنائع للكاساني الجزء السادس ص 226/267
وعلى ضوء ذلك أرى ما قدم من بينات بشأن ميراث دار الرجا من المرحومة زينب سليمان كانت بينات قوية ومطابقة للدعوى ولم يتمكن مدعو الإرث بالرحمية دحضها , وأرى إن وافقني الزميلان المحترمان , أن نقرر ان دار الرجا هي أخت لأب لزينب سليمان وترثها بالفرض والرد أي النصف فرضاً والباقي رداً
الرأي الثاني :_
القاضي : أحمد محمد أحمد عبد الله
التاريخ : 29/4/1992م
بعد إطلاعي على مضر التركة أجد نفسي متفقاً مع الزميل صاحب الرأي الأول حيث ان دار الرجا قد اثبت شهودها انها أخت لأب للمرحومة زينب سليمان كما أن شهود الطرف الآخر شهدوا بثبوت ذوي الأرحام إلا أنهم لم ينفوا أن سليمان أحمد هو ليس والداً لدار الرجا وعليه أتفق مع الزميل على ما جاء بمذكرته الضافية
الرأي الثالث : -
القاضي : عمر عبد القادر الأمين
التاريخ : 7/5/1992م
أوافق
الأمر النهائي :_
تقرر قبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع تقرر الآتي : _
1- إلغاء الحكم المطعون فيه باستبعاد ذوي الأرحام من الإرث
2- الحكم لدار الرجاء سليمان أحمد بأنها أخت لأب للمرحومة زينب سليمان وترثها فرضاً ورداً أي النصف فرضاً والباقي رداً

