قضايا مختارة (3)
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
الدائرة الجنائية
القضاة:
سعادة السيد / د.محمد علي محمد أبوسبيحة
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / عبد الباقـي علـي أحمـد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / عابديـن أحمـد علــي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
محاكمة: عمـر حسـن أحمـد البشير
الرقم م ع/ط ج/283/2020م
الحكــم
القاضي: د. محمد علي محمد أبوسبيحة
التاريخ: 14/9/2020م
بتاريخ 19/8/2019م انعقدت محكمة جنايات الخرطوم شمال برئاسة قاضي محكمة الاستئناف المكلف الصادق عبد الرحمن الفكي لمحاكمة المتهم عمر حسن أحمد البشير في الدعوى الجنائية رقم: غ.ا/521/2019 ، والذي يواجه اتهاما تحت المادة (2) من أمر الطواري رقم (3) لسنة 2019م والمادتين (8/3) من أمر الطواري رقم 6/2019م والمادة (5) من قانون تنظيم التعامل في النقد الأجنبي لسنة 1981م تعديل 2018م والمادة (6) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م.
مثل الاتهام في هذه الدعوى الجنائية هيئة اتهام برئاسة المستشار ياسر بشير البخاري.
ومثل الدفاع هيئة دفاع برئاسة الأستاذ/ أحمد إبراهيم الطاهر.
تتلخص وقائع الدعوى الجنائية في أنه بتاريخ 16/4/2019م صدر أمر تفتيش لمقر الرئيس المعزول والمتهم في هذه الدعوى وأسفرت عملية التفتيش عن العثور على مبالغ مالية بيانها:
- مبلغ (351770) دولار.
- مبلغ (6997500) يورو.
- مبلغ (5000000) جنيه سوداني.
- دفتر شيكات باسم المتهم , صادر من بنك النيلين للتنمية الصناعية فرع الأمم المتحدة بالحساب رقم (11262) .
- دفتر شيكات آخر باسم المتهم صادر من بنك الإمارات.
- حقيبة سفر كبيرة بلون فضي.
تم رصد المبالغ المضبوطة وأرسلت لبنك السودان المركزي لحفظها.
تم استجواب المتهم ودون له اعتراف قضائي بتاريخ 16/5/2019م.
بعد انتهاء إجراءات التحقيق في الدعوى الجنائية تم تحويلها للمحكمة للفصل فيها.
باشرت المحكمة نظـر الدعوى الجنائية على النحو الثابت بمحاضر جلساتها ، حيث توصلت بتاريخ 14/12/2019م لإدانة المتهم تحت المواد (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م مقـروءة مع المادتين (5,9) من قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م والمادتين (6,7) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م.
بأحكام المادة (48) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م حكمت المحكمة على المدان البالغ من العمر ستة وسبعين سنة بالإيداع بإحدى مؤسسات الإصلاح والرعاية الاجتماعية لمدة سنتين على أن تحتسب المدة بعد انتهاء التحريات في البلاغ رقم (5650/2019م) ، وأمرت بتسليم المدان لنيابة الخرطوم شمال لأنه متهم في البلاغ سالف الذكر ، وذلك تنفيذاً لخطاب نيابة الخرطوم شمال المؤرخ في 28/8/2019م ، وبعد الانتهاء من إجراءات البلاغ سالف الذكر يسلم المدان لإحدى دور الإصلاح والرعاية الاجتماعية لتنفيذ التدبير المقضي به.
لم ينل قضاء محكمة الموضوع رضا هيئة الدفاع وطعنت عليه بالاستئناف لدى محكمة استئناف الخرطوم والتي أصدرت حكمها في الاستئناف رقم: م ا/ا س ج/ بتاريخ 24/3/2020م ، والذي قضى بتأييد قضاء محكمة الموضوع.
طعنت هيئـة الدفاع في قضاء محكمة الاستئناف لدى المحكمة القومية العليا ، حيث تقدمت بتاريخ 13/4/2020م بطلب ضد قضاء محكمة الاستئناف، وطلبت إلغاء قضاء محكمة الاستئناف المؤيد لقضاء محكمة الموضوع.
الطلب تم تقديمه بتاريخ 13/4/2020م ، واستلمت هيئة الدفاع صورة من الحكم بتاريخ 31/3/2020م ، ولذلك فإن الطلب مقبول من حيث الشكل لأنه قدم خلال القيد الزمني الذي حدده القانون بأحكام المادة (184) من قانون الإجراءات الجنائية.
أما من حيث الموضوع فإن الطلب اشتمل على أسباب موضوعية وأخرى إجرائية.
الأسباب الموضوعية تمثلت في:
(أ ) أسست محكمة الاستئناف حكمها المؤيد لإدانة المتهم تحت المادة 6(ج) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م على أساس أن المدان موظف عام ، وأنه قبل الهدية وأقر باستلامها ، وجاء تبريرها واهياً ، وتجاهل التحليل القانوني لعناصر المادة 6(ج) من القانون سالف الذكر , حيث إن الشرط الأساسي لإدانة المتهم بموجب هذه المادة أن يكون موظفاً عاماً ، وحيث تجاهلت محكمة الاستئناف ومن قبلها محكمة الموضوع تعريف الموظف العام الوارد في المادة (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م ، والذي نص عليه قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه بأحكام المادة (3) منه.
وحيث لم يسعف تعريف الموظف العام محكمة الموضوع لإدانة المتهم ، لجأت إلى تعريف الموظف العام الوارد في قانون المفوضية القومية للشفافية والاستقامة ومكافحة الفساد لسنة 2016م ، لذلك التمست هيئة الدفاع إلغاء الإدانة تحت المادة 6(ج) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لعدم قانونيتها.
(ب) إدانة المتهم بالتعامل في النقد الأجنبي مخالفة للقانون ، حيث لم يثبت أن المدان كان يبيع أو يشتري أو يمول ، غير وعده للمدعو طارق سر الختم بأنه سوف يلبي طلبه بدعمه بالنقد الأجنبي أسوة بغيره لاستيراد القمح ، بحجة أن إقرار المتهم لم ينصب على واقعة التعامل في النقد كما ذهبت إلى ذلك محكمة الاستئناف ، ومن قبلها محكمة الموضوع ، وإنما إقراره انصب على نيته ليتعامل مع طارق سر الختم ، أي مجرد نية.
(ج) الأمر ببدء سريان العقوبة من تاريخ الانتهاء من إجراءات البلاغ رقم 5650/2019م مخالف لأحكام المادة 190(2) من قانون الإجراءات الجنائية التي نصت على فورية نفاذ الإحكام.
أما الأخطاء الإجرائية تمثلت في:
(أ ) أخطأت محكمة الاستئناف في حكمها بتقرير انعقاد الاختصاص لمحكمة الموضوع في محاكمة المتهم ، بينما ترى هيئة الدفاع بأن ذلك خطأ إجرائي ، لأن خلع المدان من منصبه وحل مؤسسات الدولة لا ينفي مشروعية الأفعال التي باشرها وهو رئيس للجمهورية.
(ب) الإقرار القضائي تم تدوينه للمدان في السجن وهو أمر غير مسبوق في العمل القضائي ، وأن الإقرار القضائي حضره القاضي المشرف على محكمة الخرطوم شمال عاطف محمد عبد الله ، ويعتبر ذلك استقلالاً لسلطته للإضرار بالمدان , لأن القاضي المذكور ناشط سياسي وكان يخرج في المظاهرات ويعتصم أمام قيادة الجيش ضد المدان ، وأن الأخلاق المهنية والممارسة القضائية الرشيدة تمنع ذلك ، وهو الذي دبر مكيدة تدوين الاعتراف القضائي في السجن ، ولم يسمح للمدان بمقابلة محاميه مخالفاً بذلك أحكام المادة (83) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ومخالفاً للحقوق الدستورية والمواثيق الدولية.
(ج) أهدرت محكمة الاستئناف حق المتهم في أن تشتمل ورقة الاتهام على بيان بتفاصيل التهمة بمقتضى أحكام المادة 145(2) من قانون الإجراءات لسنة 1991م.
(د) بطلان إجراءات التفتيش حيث لم تكن في حضور المدان ولا أحد من أقربائه ، وأن التفتيش تم إجراؤه يوم 18/4/2019م ، وتاريخ صدور أمر التفتيش 16/4/2019م ، لقد أخطأت محكمة الاستئناف عندما اعتبرت أن هذه التجاوزات شكلية لم تضر بدفاع المدان.
تلك هي أهم أسباب الطعن ، وحيث إنه عن النعي بأن تعريف الموظف العام لا ينطبق على رئيس الجمهورية لأن قانون الثراء الحرام والمشبوه ، أحال إلى تعريف الموظف العام الذي نص عليه المشرع في المادة (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م ، والتي عرفت الموظف العام بأنه كل شخص تعينه سلطة عامة للقيام بوظيفة عامة سواء أكان التعيين بمقابل أم دون مقابل وبصفة مؤقتة أو دائمة ، ولقد خالفت محكمة الموضوع القانون وتجاوزته لأغراض إدانة المتهم إلى تعريف الموظف العام الوارد في قانون المفوضية القومية للشفافية والاستقامة ومكافحة الفساد لسنة 2016م الذي عرف الموظف العام في المادة (4) يقصد به كل شخص تعينه سلطة عامة أو ينتخب للقيام بوظيفة عامة سواء أكان يشغل منصباً تشريعياً أو تنفيذياً أو إدارياً أو قضائياً ، بصفة دائمة أو مؤقتة مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر بصرف النظر عن أقدمية ذلك الشخص ، مؤداه مخالفة المحكمة للقانون لأنه لم يحل تعريف الموظف العام إلى القانون سالف الذكر ، وإنما أحال إلى تعريف الموظف العام الوارد في القانون الجنائي ، ومن ثم فإن الاتهام تحت المادة 6(ج) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه فقد أهم ركن من أركان التهمة تحت المادة 6(ج) ، وتضحى الإدانة غير سليمة.
نرد على ذلك أن قانون الثراء الحرام والمشبوه ألزم اشخاصاً بعينهم وحسب وظائفهم بأحكام المادة (9) بتقديم إقرار براءة الذمة , وعرف إقرار براءة الذمة ، بأنه يقصد به ذلك الإقرار الذي يبين فيه المقر كل ما يملكه سواء كان نقداً أو منقولاً أو ثابتاً ويشمل ذلك كل دخل دوري أو طارئ ويدخل في ذمته مع بيان سببه ومصدره ، وبأحكام المادة سالفة الذكر من ذات القانون ألزم كل من رئيس الجمهورية ونائبيه ومستشاريه والوزراء ووزراء الدولة وأي شخص يشغل منصباً بدرجة وزير ووزير دولة وولاة الولايات ونوابهم ومعتمدي المحليات وأي شخص آخر يقرر رئيس الجمهورية إضافته ورئيس القضاء ووزير العدل والمراجع العام والقضاة والمستشارين القانونيين بوزارة العدل والمراجعين بديوان المراجعة القومي وشاغلي الوظائف القيادية العليا وفقاً للتفسير الممنوح لهذه الوظائف في قانون الخدمة المدنية لسنة 2007م وضباط قوات الشعب المسلحة والقوات النظامية الأخرى من ذوي الرتب التي يقررها رئيس الجمهورية لهذا الغرض ، وشاغلي أي وظائف أخرى أو يقررها لهذا الغرض الوزير المختص ، أو والي الولاية بحسب الحال بالتشاور مع وزير العدل.
ولم يقتصر الإقرار ببراءة الذمة على هؤلاء بل شمل من لهم بهم صلة وهم المحددون بأحكام المادة 9(2) ، وبالكيفية المنصوص عليها في المادة 9(3) من قانون الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م.
مفاد ذلك أن المشرع لم يفرق بين منصب رئيس الجمهورية وشاغلي الوظائف القيادية في الخدمة المدنية وضباط القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى ، كل هؤلاء المذكورين في المادة (9) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه ، يعتبرون موظفين عموميين بالمعنى الوارد في المادة (3) من القانون الجنائي ، التي أحال إليها قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه بأحكام المادة (3) ، ومن ثم يخضعون لأحكام قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه إذا حصلوا على أموال لم يكشفوا عنها في إقرار براءة الذمة ، لأن الحكمة من الإقرار أن هؤلاء الأشخاص المشار إليهم في المادة (9) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه ، بحكم وظائفهم لهم السلطة في الشؤون الإدارية والمالية وغير ذلك من النفوذ ، ويخشى استغلالهم لهذه السلطة لتحقيق مكاسب شخصية ، ويحصلون علـى أموال أو منافع أو ميزات غير مستحقة لهم ولذويهم ، لذلك حرص المشرع على إلزامهم بتقديم إقرار ببراءة الذمة يحددون فيه ما لديهم من أموال وطرق الحصول عليها ، والمصادر التي حصلوا منها على هذه الأموال ، ومن ثم فإن أي زيادة تطرأ على أموالهم بغير الطرق والمصادر المحددة في الإقرار ولم يبلغوا عنها ، ويبينوا أسبابها ومصادرها ، تدخل في معنى الثراء الحرام والمشبوه ، وحيث أن رئيس الجمهورية من بين هؤلاء فإنه لا تثريب على محكمة الاستئناف باعتباره موظفاً عاماً تسري عليه أحكام قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه.
وحيث أقر المدان بصفحة (69) من محضر الدعوى الجنائية عندما استجوبته المحكمة حيث قال:
(هذا المبلغ ما كان ممكن أن نضعه في بنك السودان أو وزارة المالية لأن الجهة التي قدمت هذا المبلغ ما كانت عاوزه تظهر اسمها ولو وديناه هنالك كان لازم نوضح مصدر هذا المبلغ).
فضلاً عن ذلك أقر المدان بصفحة (78) من ذات محضر المحاكمة أنه عمل إقراري ذمة , الإقرار الأول لا يتذكر تاريخه ولكن يوجد بوزارة العدل وعمل إقرار بعد الانتخابات لرئاسة الجمهورية ,
وحيث إن ما أقر به المدان يثبت استلامه المبلغ موضوع هذه الدعوى الجنائية وكان يعلم بمقتضى إقرار براءة الذمة أن الواجب عليه إبلاغ جهات الاختصاص بذلك ، ولكنه لم يفعل تحاشياً عن كشف المصدر الذي استلم منه المال ، وهذا السلوك لا يقبله العرف ولا يقبله الوجدان السليم ولا يليق برئيس دولة.
أما القول بأن المدان عندما استلم هذا المبلغ ليس بوصفه موظفاً عاماً ، لذلك لا تصح إدانته تحت المادة 6(ج) من قانون الثراء الحرام والمشبوه ، وثمة عنصر جوهري آخر من عناصر المادة 6(ج) ، لم يثبت أن ولي العهد السعودي قصد من هذه الهدية الحصول على فائدة أو مصلحة ، كما لم يثبت أن تقديم الهدية كان وسيلة لتحقيق أي مصلحة شخصية للأمير.
بالمنطق سالف الذكر يقر الدفاع بأن المدان تسلم الهدية من ولي العهد السعودي وهي عبارة عن المبلغ موضوع هذه الدعوى الجنائية باليورو ، ما يعادل خمسة وعشرين مليون دولار حسب إقرار المدان - وليس من وراء استلامها أي مصلحة لمقدم الهدية - ، وفات على الدفاع إن المدان هو القائد الأعلى للقوات المسلحة السودانية ومن باب العلم القضائي هو من أرسل هذه القوات لحرب اليمن وأن هذه الحرب تديرها المملكة العربية السعودية وسواء أكانت هذه القوات أرسلت لحماية الحدود الجنوبية للسعودية كبلد صديق أم لأي أغراض أخرى ، ولم يكن إرسالها تحت مظلـة الأمم المتحدة ولا الجامعة العربية ، وبحكم وجود هذه القوات واشتراكها في الحرب مع القوات السعودية ، فإن مصلحة ولي العهد السعودي في تقديم هذا المبلغ خارج الأطر القانونية مفترضة افتراضاً قابلاً الدحض ( rebuttable presumption,) , ولكن الدفاع لم يقدم من الأدلة ما يدحض به ، أو ينفي مصلحة الأمير في تقديم هذه الهدية بطريقة مخالفة لنظم تداول الأموال بين الدول وبعيداً عن الرقابة المحاسبية ونظام الشفافية . ومؤداه أن المدان مقر بإخفاء هذا المبلغ عن الجهات الرسمية المختصة ، وبذلك يكون قد خالف مضمون إقرار براءة الذمة الذي يلزمه بأحكام المادة (9) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه بكشف أي أموال يحصل عليها بصورة دورية أو طارئة تدخل في ذمته مع بيان سبب هذه الأموال ومصادرها ، ومن ثم فإن القول بأن المدان لم يحول هذا المبلغ لمصلحته قول ليس له سند بأوراق هذه الدعوى لأن المبلغ لم يتم إيداعه في بنك السودان ، أو في أي حساب من حسابات المدان المصرفية ، ببنك الإمارات والسودان حسب خطاب مدير الوحدة القانونية المرسل للسيد/ وكيل أعلى نيابة امن الدولة المؤرخ في 6/5/2019م ، ولم يودع المبلغ بحساب المدان ببنك النيلين حسب خطاب مدير الفرع المؤرخ في 24/4/2019م.
أما صفة المدان أن كان موظفاً من عدمه سبق حسمها ، لذلك فإن الإدانة تحت المادة 6(ج) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه سليمة ومؤسسة على بينات قوية لا يتسرب إليها الشك.
وحيث إنه عن النعي عن مخالفة إدانة المدان بالتعامل بالنقد الأجنبي للقانون ، فان هذا النعي مردود عليه من واقع المستندات العرفية التي قدمها الدفاع والتي تفيد قيام المدان بسداد مبالغ لجامعة إفريقيا حيث تم إيداع مبلغ (400000) يورو، بتاريخ 31/5/2018م بحساب الجامعة ببنك أم درمان الوطني /فرع الخرطوم / اسم المودع دعم رئاسة الجمهورية / صالح علي , ومبلغ (1400000) يورو تم توريده في حساب الجامعة السالف ذكرها بتاريخ 25/11/2018م ، واسم المودع خليل الإمام العوض ، لم ترد إشارة بالمستند لرئاسة الجمهورية ، وتم توريد مبلغ (100000) يورو لذات الجامعة بتاريخ 4/3/2018م والمورد خليل العوض مردس ولم ترد بالمستند إشارة لرئاسة الجمهورية ، ومستند بمبلغ (200000) يورو استلمها المستشار المالي لوزير الدفاع من مدير مكتب القائد للقوات المسلحة (المدان) ، عبارة عن تبرع لمشروع القسطرة ، بتاريخ 4/3/2018م , وتوريد نقد باليورو مبلغ (1200000) يورو ، المورد/ عادل إبراهيم محمد , ومركز تكلفة المبلغ الميزانية , والمبلغ وارد من رئاسة الجمهورية ومختوم بختم هيئة التصنيع الحربي ، الحساب (124020002) صندوق الرئاسة ، مدين بالمبلغ , والحساب رقم (221055001) المشتريات العسكرية ، دائن ، التاريخ 18/12/2018م ، وأرفق إقرار من مورد المبلغ عادل إبراهيم يقر فيه بأنه استلم المبلغ وهو عبارة عن دعم رئاسة الجمهورية لمنحه الرئيس للرئيس الشادي ويظهر على الإقرار توقيع المستلم/ عادل إبراهيم وتوقيع المسلم/ عميد ياسر بشير وذلك بتاريخ 18/12/2018م بكافوري ، شهادة لمن يهمه الأمر صادرة من بنك أم درمان الوطني يشهد باستلام مبلغ (2000200) يورو، بتاريخ 23/5/2019م ومبلغ (189800) يورو بتاريخ 29/5/2019م كإيداعات نقدية بالحساب رقم (51514) باسم شركة مجمع صافات القابضة ، وهي إحدى شركات هيئة التصنيع الحربي ، وتم تحويل مبلغ (216444700) يورو ، من نفس الحساب بتاريخ 27/5/2019م إلى روسيا ، وفي ورقة عادية عليها عبارة مذكرة خاصة المخاطب فيها الأخ ياسر ومضمونها تصديق لقوات الدعم السريع بمبلغ خمسة ملايين يورو لدعم شراء المشتقات البترولية , وعليها توقيع وتاريخ غير مكتمل . وإقرار من اللواء ياسر على ورقة عليها شعار رئاسة الجمهورية يقر فيها باستلامه مبلغ خمسة ملايين جنيه سوداني من شركة س(الأخ طارق سر الختم) وهو عبارة عن (أمانة) وكان ذلك بتاريخ 1/4/2019م ، مستند باستلام مبلغ (250000) يورو ، المستلم المستشار المالي لوزير الدفاع والمستلم منه العميد ياسر بشير مدير مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة (المدان) ، عبارة عن تبرع لجهاز زراعة الكبد والمعدات اللازمة له بتاريخ 12/2/2019م ، إيصال استلام مؤرخ في 24/11/2018م من السيد/ عمر حسن أحمد البشير – رئيس الجمهورية / عن طريق مجلس الإدارة ، المبلغ (100000) يورو عبارة عن تبرع لصالح ميزانية الأقمار الصناعية وعليه توقيع بالاستلام وختم قناة طيبة الفضائية .. فضلاً عن ذلك أقر المدان عندما استجوبته المحكمة حيث قال:
(وقبل هذا الكلام أنا كنت بعطي طارق سر الختم قروش يكون محتاج لعملة أجنبية لكي يحولها للموردين بتاعين القمح ومقابلها بيحضر لي قروش سودانية ص (73) (اليومية).. شركة الغلال شركة س شركة خاصة بعرف طارق سر الختم هو المدير حقها ولا أعرف بقية الشركاء وطارق شريك فيها وطارق سر الختم متزوج واحدة قريبتنا ... أنا في بعض المرات بعطي طارق دولار أو يورو ويحضر لي عملة سودانية وطارق ما كان – بحضر- لي مستند وكان بيحضر لي العملة المحلية ويحول الأجنبية للشركات الموردة ص (75) (اليومية) ... (نحن أصلاً مع طارق ما عارف كان بدفع بالسعر الرسمي أو السعر الموازي لأنه كان يستلم بالعملة الأجنبية ويعطيني بالعملة المحلية لأنو كان عنده العملة المحلية كافية وهو كان بيحضر لي مبالغ وأنا بستلمها ... هناك مبلغ مليون دولار من الشيخ خليفة - بدري جداً وهو عبارة عن شيك وأنا ما استخدمت هذا الشيك وما كتبته لأي جهة والشيك كان مكتوب باسمي أنا ولكن مشى وين وما تابعت أمر صرفه) ص (76) (اليومية) ... ومؤدى هذه الإقرارات ثبوت تعامل المدان بالنقد الأجنبي ، بطريقة مخالفة للقانون ، والقول بأنه أقر بنيته في التعامل مع طارق أي وعد بالتعامل ولكن لم يتعامل معه ، تكذبه أقواله سالفة الذكر , لذلك فإن الإدانة بالتعامل بالنقد الأجنبي لم تخالف القانون ويجب تأييدها.
عن النعي على الأمر ببدء سريان العقوبة ومخالفته لأحكام المادة 190(2) من قانون الإجراءات الجنائية ، حيث قررت المحكمة بدء سريان العقوبة من تاريخ انتهاء التحريات في البلاغ 5650/2019م ، هذا النعي في محله ، حيث استقر العمل القضائي أن تبدأ عقوبات السجن المقضي بها من تاريخ القبض على المتهم , إذا كان بالحبس من تاريخ القبض عليه إلى تاريخ صدور الحكم . أما إذا كان المتهم بالضمان تبدأ عقوبة السجن من تاريخ صدور الحكم.
وحيث إن الثابت بمحضر التحري أن الدعوى الجنائية تم فتحها بتاريخ 16/4/2019م ، وبتاريخ 13/6/2019م طلبت النيابة رفـع الحصانة عن المتهم ، وبذات التاريخ طلبت النيابة تسليمها المتهم ، لأنه متهم لديها في البلاغ رقم /40/2019م ، (هذه الدعوى الجنائية) المتهم كان متحفظاً عليه بتاريخ 18/4/2019م ، وصدر الأمر بالقبض عليه بصفحـة (16) من محضر التحري ، وتم إبلاغ سلطات سجن كوبر بذلك ، ولم يكشف محضر التحري عن أي قيد بالقبض على المتهم ، ولكن المحكمة في حيثيات الحكم اعتبرت تاريخ استجواب المتهم في 5/5/2019م تاريخا للقبض عليه ، وحيث إن المحضر حجة ، يعتبر هذا التاريخ هو تاريخ القبض على المتهم ، ومن ثم يكون النعي في محله لأن الأمر ببدء سريان العقوبة من تاريخ انتهاء التحريات في بلاغ آخر جاء مخالفاً لأحكام المادة (2) من قانون الإجراءات الجنائية ، ومخالفاً على ما استقرت عليه أحكام القضاء في بدء سريان عقوبة السجن ، ومؤداه أن يعدل تاريخ سريان العقوبة ليكون من تاريخ 5/5/2019م.
وعن النعي على الخطأ الإجرائي الأول بعدم اختصاص المحكمة بحجة أن المحكمة الدستورية هي المختصة ، لأن الأفعال التي يحاكم عليها المتهم ارتكبها أثناء ولايته لرئاسة الجمهورية ، هذا النعي في غير محله وأن محكمة الاستئناف ومن قبلها محكمة الموضوع ، أصابتا عندما قررتا أن المدان أصبح مواطناً عادياً ويحاكم أمام المحاكم العادية وأشارتا إلى المادة (60) من الدستور الملغي لسنة 2005م ، هذه المادة حددت ثلاث جرائم لمحاكمة رئيس الجمهورية أمام المحكمة الدستورية وهي:
الخيانة العظمى أو الانتهاك الجسيم لأحكام الدستور أو السلوك المشين المتعلق بشؤون الدولة ، بشرط صدور قرار بذلك من ثلاثة أرباع جميع أعضاء الهيئة التشريعية القومية.
لا خلاف في أن سلوك المدان كان مشيناً ، ولم يصدر قرار من الهيئة التشريعية بمحاكمته أثناء تمتعه بالمنصب الرئاسي ، وأصبح مواطناً عادياً بعد عزله ، فضلاً عن ذلك أن وضعه السابق كرئيس جمهورية لا يخوله مخالفة قانون التعامل بالنقد الأجنبي ، ولا يخوله مخالفة قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه ، ولا أي قانون آخر ، وحيث إن إجراءات المحاكمة تمت أمام محكمة جنائية خاصة منشاة بأحكام قانون الهيئة القضائية لسنة 1986م والمادة (6/1/ح) من قانون الإجراءات الجنائية ، لذلك فإن محكمة الموضوع مختصة بمحاكمة المتهم ، وأي قول غير ذلك ليس له سند في القانون.
عن النعي على الخطأ الإجرائي الثاني بتجاهل محكمة الموضوع بشأن الإقرار القضائي الذي تم تدوينه بداخل السجن ، حيث إن السجون مكان للعقاب وليست مجالس قضاء ، هذا النعي في محله ، حيث استقر العمل القضائي أن يدون الاعتراف القضائي في مجلس القضاء وهي المحاكم ، وفي ذلك ترسيخ لمبدأ الطواعية والاختيار وتحقيقه في ارض الواقع بشان الاعترافات القضائية ، حيث إن من يرغـب في الإقرار بما ارتكبه من أفعال مخالفة للقانون ، يأتي طواعية لمجلس القاضي لتدوين إقراره ، وإذا كان محبوساً يحضر أمام القاضي لتدوين اعترافه تنفيذاً لرغبته ، أما أن يذهب القاضي إلى المتهم في محبسه لتدوين اعترافه القضائي فإن ذلك يلقي بظلاله على عنصري الطواعية والاختيار المفترض بتوفرهما في من يرغب في تسجيل اعتراف قضائي ، فضلاً عن ذلك يؤثر في حياد القضاء ، إلا في حال الضرورة وفي هذه الحال يجب على القاضي الذي دون الاعتراف القضائي أن يوضح الأسباب التي حملته على الذهاب لتدوين اعتراف المتهم القضائي في محبسه درءاً للشبهات ، وحيث لم يذكر القاضي الذي دون الاعتراف القضائي الأسباب التي حملته على الذهاب لسجن كوبر لتدوين اعتراف المتهم ، فإن هذا الاعتراف تكون قد شابته شبهة ويضحى حجة غير قاطعة ، وذلك بأحكام المادة 21(3) من قانون الإثبات لسنة 1994م ، ولكن الثابت بأوراق الدعوى الجنائية أن إدانة المتهم لم تؤسس على الاعتراف القضائي الذي تم تدوينه بسجن كوبر والذي لم ينكره المتهم ولم يدفعه بأي دفع من الدفوع يفقده حجيته ، وإنما بإقراره عند استجوابه في المحكمة وبحضور هيئة الدفاع , فضلاً عن ذلك توجد بينات أخرى مستقلة تعضد إقرار المتهم ، ولكن من حيث السلوك القضائي فإنه غير مقبول وغير لائق ، أن يذهب القاضي للمتهم في محبسه لتسجيل اعترافه القضائي ، لذلك ننوه قضاة الجنايات بتفادي ذلك مستقبلاً ، وإن دعت الضرورة للانتقال لتدوين الاعترافات القضائية ، عليهم تدوين الأسباب التي حملتهم على الانتقال لمحبس المتهم لتدوين اعترافه القضائي.
أما في حال تدوين أقوال المحتضر فإن الأمر يستدعي انتقال القاضي لتدوينها ، ربما يكون في المشفى أو في أي مكان يتواجد فيه المحتضر ، والسبب أن المحتضر لا يقوى على الانتقال لمجلس القضاء وهو الذي يوشك على الموت أو الهلاك ، وحتى لا تضيع الحقيقة بوفاته , فإن انتقال القاضي لتدوين أقواله مسموح به وواجب عليه , على ما استقر عليه العمل القضائي في السودان.
القول بأن ذهاب القاضي لتدوين الاعتراف القضائي من داخل السجن تم بإيعاز من قاضي المحكمة العامة المشرف على المحكمة وأنه اصطحب القاضي الذي دون الاعتراف القضائي إلى سجن كوبر , وأن قاضي المحكمة منتمي سياسياً.
الرد على ذلك: على هيئة الدفاع إن كانت صادقة وجادة فيما تقول عليها تقديم شكوى لقسم الشكاوى والتفتيش وتقديم الأدلة التي تثبت ما أثارته في مذكرتها في حق قاضي المحكمة العامة ويحق للأخير رد اعتباره إن رغب.
عن النعي على الخطأ الإجرائي الثالث الخاص بورقة الاتهام فإن ورقة الاتهام كانت واضحة تضمنت كل عناصر التهم التي أدين بها المتهم , ولم يكشف محضر الدعوى الجنائية عن ما يخالف أحكام المادة 145(2) من قانون الإجراءات الجنائية.
عن النعي على الخطأ الإجرائي الرابع هو بطلان إجراءات التفتيش , لأنها تمت في غياب المتهم , وذويه , وهذا النعي في محله حيث تم إجراء التفتيش في غياب المتهم , وهذا الإجراء مخالف لضوابط إجراءات التفتيش المقررة بأحكام المادة (95) من قانون الإجراءات الجنائية , حيث يتطلب إجراء التفتيش حضور شاهدين وبقدر الإمكان أن يكونا من أقرباء المتهم أو من المقيمين معه , أو الجيران , ويسمح لشاغل المكان المراد تفتيشه أو من ينوب عنه حضور إجراءات التفتيش وتعرض المضبوطات على المتهم لإبداء رأيه ويوقع على محضر التفتيش وغير ذلك من الضوابط , وحيث لم تراع الجهة التي قامت بتفتيش مقر المتهم هذه الضوابط , ومفاده أن إجراءات التفتيش تم تنفيذها بصورة مخالفة للقانون , ولا يترتب عليها أي اثر قانوني , ولكن إقرار المتهم أمام المحكمة عند استجوابه وعدم اعتراضه على نتيجة التفتيش المنفذ بصورة مخالفة للقانون , جعل من بطلان التفتيش دون أثر قانوني ولو أنكر المتهم صلته بالأشياء التي أسفر عنها التفتيش لأضحت هذه الدعوى الجنائية بلا أساس لذلك ننوه على الجهات التي تنفذ أوامر التفتيش بأن عليها الالتزام الصارم بضوابط التفتيش المقررة بأحكام قانون الإجراءات الجنائية مستقبلاً.
محكمة الموضوع لم تدون قرار الإدانة بالصورة المألوفة حيث بدأت بأسباب القرار وانتهت بالإدانة , وكان عليها الالتزام بتعبئة النموذج رقم (3) , حيث تبدأ بذكر اسم المتهم وأنها وجدته مداناً تحت المواد كذا وكذا من القانون ثم تدلف لأسباب القرار.
الأمر الثاني لم تفرد المحكمة العقوبة , حيث لم تحدد عقوبة السجن لإدانة المتهم تحت المادة (9) من قانون التعامل بالنقد الأجنبي , ولم تحدد عقوبة السجن عـن الإدانة تحت المادة 6(ج) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه , ولجأت مباشرة لأحكام المادة (48/ج) من القانون الجنائي , حيث إن أقصى مدة للحبس في دور الرعاية الاجتماعية سنتان , هذا لا يعفي محكمة الموضوع من تفريد العقوبة لأن المادة السالف ذكرها نصت على بدائل أخرى منها الفقرة (ب) من المادة (48) من القانون الجنائي , التي نصت على التغريب لمدة لا تجاوز مدة السجن المقررة عقوبة لجريمته , وللظروف والملابسات والواقع المعاش فإن اختيار المحكمة لأحكام المادة 48(ج) من القانون الجنائي كان موفقاً حيث إن المدان يواجه بلاغات أخرى , ما زالت قيد التحري , وتغريب المدان قد يعيق سير التحري فيها.
أخلص إلى كلمة لا بد من قولها , مهما قيل في إجراءات هذه الدعوى الجنائية وفي القضاء السوداني في الآونة الأخيرة , فإن المطلع على محضر إجراءات هذه المحاكمة وما بذل فيها من جهد من محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف والتزامهما الحياد الصارم الذي لا إفراط فيه ولا تفريط , وبالتزامهما بالصورة النموذجية بشروط وضوابط المحاكمات العادلة , تستحقان على ذلك الثناء , وأن أداء القضاة في هذه الدعوى الجنائية مؤشر قوي على أن القضاء في السودان مازال بخير.
وخلاصة القول إن وافقني الزميلان أن يكون قرارنا تأييد قضاء محكمة الاستئناف المؤيد لقضاء محكمة الموضوع وتأييد التدبير بإيداع المدان بإحدى مؤسسات الإصلاح والرعاية الاجتماعية لمدة سنتين على أن تبدأ من تاريخ القبض عليه في 5/5/2019م , وتأييد أمر المصادرة.
القاضي: عابدين أحمد محمد علـي
التاريخ: 15/9/2020م
أوافق.
القاضي: عبد الباقي علي أحمـد
التاريخ: 17/9/2020م
أوافق.
الأمر النهائي:
1- تأييد قضاء محكمة الاستئناف المؤيد لقضاء محكمة الموضوع.
2- تأييد التدبير القضائي بإيداع المدان بإحدى مؤسسات الإصلاح والرعاية الاجتماعية لمدة سنتين تبدأ من تاريخ القبض عليه في 5/5/2019م.
3- يخطر الأطراف.
د. محمد علي محمد أبوسبيحة
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
20/9/2020م

