فتح الله بطرس ( طاعن) ضد1/ وزارة المالية والاقتصاد الوطني 2/ عثمان صالح وأولاده (مطعون ضدهم)
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ هاشم محمد أبو القاسم قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ يوسف دفع الله قاضي المحكمة العليا عضواً
فتح الله بطرس الطاعن
ضد
1/وزارة المالية والاقتصاد الوطني
2/ عثمان صالح وأولاده مطعون ضدهم
النمرة/م ع/ ط أ س/10/1991م
المبادئ:
إجراءات مدينة – ارفاق القرار الإداري ضروي – إذ تعذر إرفاقه - إثباته بأفضل البينات
لا تستقيم الدعوى الإدارية في غياب القرار الإداري المطعون فيه إذ من الضروري إرفاقه ولكن قد يحدث في بعض الحالات أن لا يكون في وسع المدعي ارفاقه كأن يكون القرار المطعون فيه شفاهياً أو كأن لم يتمكن المدعي من الحصول عليه من الجهة الحكومية المختصة في هذه الحالات يجب الإشارة في عريضة الدعوى إلى ذلك القرار ويثبت بأفضل البينات المتاحة
المحامون:
1/ الأستاذ سيد خضر أبو سيف عن الطاعن
2/ ديوان النائب العام عن المطعون ضدها الثانية
3/ الأستاذ فتحي خليل محمد عن المطعون ضدهم الثوالث
الحكم:
القاضي/ محمد محمود أبو قصيصة
التاريخ/ 18/6/1991م
صدر القرار الجمهوري رقم 509 لسنة 1979 في 15/9/1979م بإلغاء قرار مجلس قيادة الثورة رقم 248 لسنة 1970م الخاص بمصادرة جميع ممتلكات شركات عثمان صالح وأولاده التي شملت العقار رقم 31 مربع 2 شرق بالمنطقة الصناعية بالخرطوم بحري
وكان أن صدر في سنة 1976م القرار الجمهوري رقم 29 لسنة 1976م الصادر بشأن شركة بورتسودان للأقطان (قسم الفولجا والموسكوفيتش) وقضى ذلك القرار بين أمور أخرى أن يترك للسيد فتح الله بطرس الخيار في شراء العقار رقم 31 مربع 2 شرق بالمنطقة الصناعية بالخرطوم بحري بعد تقييمه
وقرر السيد فتح الله بطرس ممارسة ذلك الخيار وتم تقييم العقار بمبلغ 25 ألف جنيه وسجل باسم السيد فتح الله بطرس في يونيو سنة 1976م ولكن المراجع العام اعترض على ذلك التقييم وتم الحجز على العقار وأعيد تقييم العقار بواسطة لجنة شكلت في أبريل سنة 1982م بمبلغ 193,765,10 (مائة وثلاثة وتسعين ألف وسبعمائة وخمسة وستين جنيها وعشرة قروش)
وبعد صدور القرار رقم 509/79 بإلغاء مصادرة ممتلكات عثمان صالح وأولاده صدر خطاب من مدير الشركات المؤممة بالمصادرة إلى رئيس التسجيلات بتوجيه من وزير المالية لتسجيل القطعة المذكورة باسم مالكيها قبل المصادرة وقد تم تغيير السجل بناء على ذلك
تقدم المدعي فتح الله بطرس بالدعوى الإدارية رقم 2/86 وهو يطلب إلغاء قرار وزير المالية الذي قضى بحرمانه من الأرض المسجلة باسمه كما يطلب إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل صدور القرار وذلك بتصحيح السجل إلى اسم المدعي فتح الله بطرس
سمعت المحكمة الدعوى ورجعت إلى الأوامر الجمهورية المذكورة ورأت المحكمة أن ملكية القطعة انتقلت إلى المدعي في 27/6/1976م بموجب شهادة البحث المقدمة ثم انتقلت المحكمة إلى الفقرة (2) من القرار الجمهوري رقم 509/79 الذي ألغى مصادرة ممتلكات شركات عثمان صالح وأولاده
هذه الفقرة تقول:-
يعوض آل عثمان صالح وفق الأسس المتبعة عن أعمالهم وممتلكاتهم التي لا تعاد إليهم وذلك بالطريقة التي يتفق عليها مع وزير المالية والاقتصاد الوطني
ورأت محكمة المديرية أن ملكية القطعة تعلقت بحق الغير بعد انتقالها بالتسجيل إلى المدعي فغدت من ممتلكاتهم التي لا تعاد إليهم "بالنسبة لآل عثمان صالح" وعليه فإن آل عثمان صالح يستحقون التعويض عنها بموجب تلك الفقرة ورأت المحكمة أن وزير المالية قد أخطأ في تفسير القرارين الجمهوريين عند توجيهه بتغير سجل القطعة وأصدر السيد قاضي المديرية أمره بإلغاء قرار السيد وزير المالية الذي وجه بتغيير سجل القطعة من اسم المدعي فتح الله بطرس
تقدم المدعي عليهم الثواني (عثمان صالح وأولاده) باستئناف إلى محكمة الاستئناف ويمكن تلخيص الأسباب في الآتي:-
1- لم يمارس المدعـي الخيار في شراء القطعة طبقاً للفقرة (5) من الأمر الجمهوري رقم 29/76 بعد تقييمها لأن تقييمها لم يكتمل بصورة نهائية حيث تم إلغاء التقييم الأول وشكلت لجنة لإعادة التقييم
2- أن نص الفقرة (5) يقضي أن يتم التقييم أولاً ثم بعد ذلك يعرض الخيار للمدعي للشراء وبما أن التقييم لم يكتمل عند تحويل السجل لاسم المدعي فإن ذلك يخالف القرار الجمهوري
3- أن المدعي لم يثبت موافقته على شراء العقار بعد إعادة تقييمه
4- إن قرار وزير المالية بإعادة العقار لأصحابه قرار صائب وفقاً للتخويل الصادر إليه في القرارين الجمهوريين
5- إن القرار بإلغاء المصادرة يعني بالضرورة إعادة الحق المصادر لمن صودر منه
6- إن تعويض المدعي عليهم الثواني عن ممتلكاتهم التي لا تعاد إليهم يعني التعويض عن ممتلكاتهم التي يتعذر إعادتها إليهم كأن تكون قد فقدت أو هلكت وبما أن العقار محل النزاع موجود فإن الطبيعي أن يعاد العقار إليهم
7- إن قواعد العدالة الطبيعية تقضي بأن يعاد العقار لأصحابه حتى لو سدد السيد فتح الله بطرس المقابل وسجل العقار باسمه ولا يمنعه شيء من المطالبة بحقوقه لدى إدارة الشركات المؤممة والمصادرة
قدم المدعي رده على أسباب الاستئناف ويمكن إيجازها في الآتي:-
1- إن القطعة سجلت بالفعل باسم المدعي
2- أن القطعة أصبحت من الممتلكات التي لا يمكن إعادتها للمدعي عليهم الثاني حسب نص القرار الجمهوري 509/79 الفقرة (2)
3- أن الأمر الجمهوري استقرأ أن هنالك أموال لا يمكن إعادتها ولذلك نص على تعويض آل عثمان صالح عنهاولم يتحدث عن تعويض فتح الله فلا يصح نزع القطعة منه لتعويضه عنها
4- لقد مارس المدعي خيار الشراء لأن له مستحقات وضحت الفقرة 6 من الأمر الجمهوري 29/76 طريقة حسابها وانه كان يقدم خطابات ضمان مصرفية بناء على طلب وزارة المالية
5- أن القرار الجمهوري رقم 509/79 لم يلغ فكرة بيع العقار لفتح الله بطرس ولقد سجلت القطعة باسمه فأصبحت ملكاً له ولا يمكن إعادة هذه العقار لآل عثمان صالح ويجب في هذه الحالة تطبيق الفقرة (2) من القرار 509/79 وتعويضهم وفق الطريقة المنصوص عليها فيه
6- أن القاعدة الطبيعية هي أن الشخص يتصرف فيما يملك ولا تملك وزارة المالية التصرف في هذه القطعة لأنها مسجلة باسم المدعي
عقب المدعي عليهم على هذه الأسباب ولكي نتفادى التكرار نورد من تعقيبهم ما يعتبر إضافة لما قدموه من قبل ويتمثل ذلك في:-
1- أن قرار إعادة تسجيل العقار مطابق لمقاصد القرار الجمهوري ونصوصه بإعادة عقار إلى أصحابه بعد مصادرته تصحيحاً لخطأ سابق
2- لا يوجد مجال للحديث عن حق مكتسب طالما أن الحق الأصلي أولى بملكه
وصدرت أراء مختلفة في محكمة الاستئناف ورأى الدكتور وهبي محمد مختار الذي قدم الرأي الأول بأن المدعي لم يرفق القرار المطعون فيه بل هو تشكك في وجود قرار خاضع للطعن وقد فرق بين القرارات الإدارية والأوامر التنفيذية ورأى سيادته متحاشياً الدخول في الأسباب الموضوعية أن يلغي حكم محكمة المديرية وان يوجه المدعي بتقديم دعوى أفضل تستوفي الشروط الشكلية التي ربما قصد بها إرفاق القرار المطعون فيه
وقدم السيد إبراهيم حسن محمد أحمد الرأي الثاني وقد مس موضوع الدعوى عرضاً وكان رأيه أن الأمر الجمهوري رقم 509/79 انطبق حيث قرر لآل عثمان صالح التعويض عما لا يعاد لهم من عقاراتهم وقد سجلت القطعة باسم فتح الله بطرس فاستحق آل عثمان صالح التعويض عنها
ولكن هذا الرأي اتفق مع الرأي الأول من حيث الشكل فقد أخذ هذا الرأي يقول الوزير أنه ترفع إليه مذكرات وهو يوقع عليها ولما كان الأمر كذلك فإنه كان يتعين إرفاق القرار الذي وقع عليه الوزير ووافق هذه الرأي على إلغاء حكم قاضي المديرية على أن يوجه المدعي برفع دعوى يرفق معها القرار المطعون فيه
أما الرأي الثالث الذي قدمه السيد جون وول ماكيج فقد خالف زميليه شكلا وموضوعاً ورأى أن هنالك قرار صادراً من وزير وقد قامت البينة حول فاستوفت الدعوى شكلها
ومن حيث الموضوع رأى سيادته أن صدور القرار الجمهوري 509/79 بإلغاء المصادرة يلغي ما حدث بعد المصادرة وعندما تقرر الحكومة إعادة العقار وهو موجود إلى أصحابه فليس في وسع فتح الله أن يستمر في حرمان أصحاب العقار من عقارهم وعليه فقد رأى سيادته أن القرار الصادر من المدعى عليه الأول لا يخالف القانون أو تفسير القرار الجمهوري رقم 509/79 فقد رمى القرار الجمهوري إلى إعادة ممتلكات عثمان صالح وأولاده إليهم ورأى سيادته آخر الأمر أن يلغي حكم محكمة المديرية دون الحاجة إلى تقديم عريضة دعوى أفضل
وصدر الحكم بالأغلبية بشطب حكم محكمة المديرية وأن يوجه المدعي بتقديم عريضة دعوى أفضل
تقدم المدعي بالطعن في حكم محكمة الاستئناف وأسبابه باختصار هي:-
1- لقد أرفق القرار المطعون فيه وهو المستند ط(1) الذي أصدره مدير شئون الشركات المؤممة والمصادرة لرئيس التسجيلات لتسجيل القطعة باسم مالكيها قل المصادرة بناء على توجيهات السيد وزير المالية وهذا أفضل البينات المتاحة
2- أن الرأي الثاني في محكمة الاستئناف تفهم لب الدعوى من حيث الموضوع حين أيد حكم محكمة المديرية
3- أنه عند صدور القرار الجمهوري 509/79 كان فتح الله قد اصبح مالكاً مسجلاً للعقار موضوع النزاع وقد آل إليه قبل ثلاث سنوات من صدور ذلك القرار
4- أن القرار بنزع القطعة من فتح الله يخالف نص القرار 76/29
5- أن القرار بتعويض فتح الله يخالف نص القرار 509/79 حيث التعويض يكون لآل عثمان صالح فيما لا يعاد لهم
6- أن قول الرأي الثالث بأنه لا يمكن لتفح الله أن يحرم آل عثمان صالح من العقار لهو مبني على خطأ في متابعة التسلسل التاريخي للأحداث ثم أنه محاولة للنظر بالطعن في القرار الجمهوري رقم 29/76 وهذا لا يجوز قانوناً
أعلن المدعي عليه الأول (وزارة المالية والاقتصاد) وقد تسلم مستشاره القانوني أسباب الطعن في 4/5/1991م ولم يرد عليها
وأعلن المدعي عليه الثاني (عثمان صالح وأولاده) وقد تسلم محاميهم أسباب الطعن في 30/4/1991م ولم يرد عليها
وسوف ننظر في هذا الطعن من خلال أوراق المحضر
والثابت من الأوراق أن القطعة المتنازع عليها كانت مؤجرة إلى شركة الفولجا والموسكتش التي تملكها شركة بورتسودان للأقطان التي يملكها بالمناصفة عثمان صالح وفتح الله وعقب مصادرة أموال عثمان صالح صودرت أموال فتح الله بطرس ثم صدر القرار الجمهوري 29/76 بإلغاء قرار مجلس قيادة الثورة بشأن شركة بورتسودان للأقطان (قسم الفولجا والموسكفتش) وبأن تؤول ملكية شركة الفولجا والموسكفتش للسيد فتح الله بطرس بعد المحاسبة وبموجب الفقرة الخامسة ترك للسيد فتح الله الخيار في شراء العقار محل الدعوى بعد تقييمه
وتم التقييم للعقار وسجل باسم فتح الله في يونيو 1976م ولكن ألغي ذلك التقييم وحجز على العقار بعد اعتراض من المراجع العام
وفي 15/9/1979 صدر القرار الجمهوري 509/79 بإلغاء مصادرة ممتلكات عثمان صالح واولاده
وفي أبريل سنة 1982م كونت لجنـة لتقييم العقار وقــد قيمته بما يفوق سبعة أضعاف التقييم الأول
وفي 19/1/1986م أعيد تسجيل العقار تنفيذاًَ لقرار إلغاء المصادرة بما يخرجه عن ملكية فتح الله بطرس
والنقطة الأولى في الطعن والتي أفرد لها الأستاذ سيد خضر أبو سيف محامي المدعي حيزاً كبيراً من مذكرة طعنه تتعلق بإرفاق القرار المطعون فيه وكان أن آثر الدكتور وهبي محمد مختار في محكمة الاستئناف أن يبتعد عن موضوع الاستئناف وأن يوجه نظرته إلى إرفاق القرار المطعون فيه ولا شك أنه من الضروري إرفاق القرار المطعون فيه فالدعوى الإدارية لا تستقيم في غياب القرار المطعون فيه إذ أن من وجوده يستدل على معرفة المدعي عليه وعلى معرفة إن كان ذا إختصاص باصدار القرار وعلى معرفة إن كانت الدعوى مقدمة خلال الميعاد القانوني وعلى معرفة إن كانت وسائل التظلم قد استوفيت قبل تقديم الدعوى الإدارية
ولكن قد يحدث في بعض الحالات أن لا يكون في وسع المدعي إرفاق القرار المطعون فيه فقد يكون القرار المطعون فيه شفاهياً وقد لا يتمكن المدعي من الحصول عليه من الجهة الحكومية المختصة في هذه الحالات يجب الإشارة في عريضة الدعوى إلى ذلك القرار ويثبت بأفضل البينات المتاحة هذا هو السبيل الوحيد وإلا كان مقدم الدعوى محروماً من إقامتها
ولقد أرفق المستند ط (1) بالدعوى وهو يحوي إشارة لصدور التوجيه من وزير المالية لتسجيل القطعة باسم مالكها قبل المصادرة وقد أثبت القرار ليس بهذه الإشارة وحدها وإنما من أقوال وزير المالية نفسه الذي استدعى كشاهد أمام المحكمة وأيد أنه قال بإعادة العقار إلى أهله الأصليين
ومن ذلك نرى أن حجة محامي المدعي سليمة فقد أرفق المستند ط (1) وفيه أفضل ما يقدم بصدور القرار المطعون فيه وهذا يكفي لتصريح الدعوى الإدارية في هذه الظروف متى لم يكن الحصول على أوراق القرار ذاتها متاحاً ولكن يمكن للمدعي عليه دحضه بالبينة وذلك بتقديم الوثيقة الأفضل وهي القرار ذاته الذي هو في حيازة المدعي عليه الأول في ملفات وزارته ولم يقدم المدعي عليه الأول شيئاً من ذلك بل على العكس أثبت وزير المالية نفسه صدور القرار من جانبه ولكن لم يكن في وسعه تقديم المستند الذي يحوي القرار ذاته لأنه لم يكن وزيراً ساعة أدائه للشهادة ولا تصل يده لملفات الوزارة ولكن الثابت أن القرار قد صدر وقد تم تنفيذه بالفعل بنقل السجل من اسم فتح الله بطرس إلى صالح عثمان صالح
بقية أسباب الطعن تدور حول مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله وقد رأى السيد إبراهيم حسن محمد أحمد في محكمة الاستئناف أن القرار الجمهوري 509/79 يقضي بأن يعوض آل عثمان صالح عما لا يعاد لهم ولما كانت القطعة قد سجلت إلى فتح الله فإن حق آل عثمان صالح هو التعويض فيما يرى
هذا وقد رأى السيد جون وول ماكيج أن القرار 509/79 لم يتعرض للقرار 29/76 الذي ألغى المصادرة يلغي بدوره ما ترتب على المصادرة بما يعيد القطعة إلى صاحبها الأول ومثل هذه النظرة نجدها في مذكرة الأستاذ فتحي خليل محمد (محامي المدعي عليه الثاني) أمام محكمة الاستئناف فهو يرى أن قرار إعادة التسجيل يطابق مقاصد القرار الجمهوري 509/79 ونصوصه وأنه لا محل للحديث عن الحقوق المكتسبة عند إعادة العقار لأصحابه بعد مصادرته تصحيحاً لخطأ سابق
من الناحية الثانية يرى المحامي المدعي أن القرار 509/79 لم يتعرض للقرار 29/76 الذي أعطى الخيار لفتح الله بطرس لشراء العقار وقد مارس فتح الله ذلك الخيار وقد سجل العقار باسمه وبهذه النظرة فإن الوضع هو أمام قرارين جمهوريين والسؤال هو أيهما يسود
وقد دعا محامي المدعي في طعنه إلى مراعاة التسلسل الزمني وبمراعاة التسلسل الزمني نجد أن القطعة قد صودرت في سنة 1970م ثم أعطي الخيار لفتح الله لشرائها بعد تقييمها وقد قيمت وسجلت باسمه في سنة 1976م ثم ألغي التقييم بعد اعتراض المراجع العام في ذات العام وتم الحجز على العقار ثم تقرر تكوين لجنة التقييم وفي سنة 1979م صدر القرار بإلغاء المصادرة وصدر قرار لجنة التقييم في سنة 1984م من اللجنة التي كونت في سنة 1983 م
وإذا نص القرار 29/76 على خيار فتح الله بعد التقييم فإن التقييم النهائي صدر في سنة 1984م بينما سبقه قرار إلغاء المصادرة في عام 1979م إذن فإن التقييم لم يكن قد اكتمل عند صدور قرار إلغاء المصادرة وينتفي الشرط الأساسي لخيار فتح الله الوارد في الفقرة (5) من القرار الجمهوري 29/76 الذي نص على إعطاء فتح الله خيار الشراء بعد التقييم وفي هذه الحالة فإن قرار إلغاء المصادرة هو القابل للتنفيذ عندما تأخذ بالتسلسل الزمني الذي ينادي به المدعي
على أنه بصرف النظر عن ذلك ترجع إلى الخلاف بين الطرفين والذي يبين أيضاً في الرأيين الواردين في محكمة الاستئناف
فقد فسر أحد الرأيين القرار 509/79 بأنه يدعو لتعويض آل عثمان صالح عن الممتلكات التي لا تعاد لهم وقد رأى ذلك الرأي أن القطعة بعد تسجيلها باسم فتح الله غدت من الأموال التي لا تعاد والتي يستحق عنها آل عثمان صالح التعويض بينما يفسر الرأي الآخر نفس القرار بأنه يدعو إلى إلغاء المصادرة فيسقط ما يتبع المصادرة وبذلك لا يكون العقار من الأموال التي لا تعاد فيما يفهم كاستنتاج سائغ
وعند الخلاف حول التفسير يرجع إلى قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م وتقول المادة 6(1) منه:-
تفسر نصوص أي قانون بما يحقق الغرض الذي شرع من أجله ويفضل في جميع الحالات التفسير الذي يحقق هذا الغرض على سواء
والغرض الذي صدر من أجله القرار الجمهوري 509/79 كما جاء في الفقرة (1) منه:
يلغي قرار مجلس قيادة الثورة رقم 248 الصادر بتاريخ 14/5/1970م الخاص بمصادرة جميع ممتلكات شركات عثمان صالح وأولاده
ووفق هذه القاعدة من قانون تفسير القوانين فإن هذا القرار الجمهوري هو الذي يسود وقد أصاب في رأينا رأي الرأي الثالث في محكمة الاستئناف حين أشار إلى الغرض من القرار الجمهوري هو إعادة القطعة إلى أصحابها ضمن أموالهم الأخرى فإلغاء المصادرة يعني إعادة الأموال إلى أهلها
ثم نرجع إلى المادة 6(3) من نفس القانون فهي تقول:-
تسود أحكام القانون اللاحق على القانون السابق بالقدر الذي يزيل التعارض بينهما
وبموجب هذا النص فإن القرار 509/79 هو الذي يسود
هذا إذا نظرنا إلى عبارة "ممتلكاتهم التي لا تعاد إليهم" من حيث القانون أما إذا نظرنا إليها من حيث الوقائع فإن القطعة موجودة كما يقول المدعي عليهم الثواني بحق فهي لم تهلك وليست من الممتلكات القابلة للهلاك أو التلف
وأخيراً فإن القطعة قد أعيدت إلى آل عثمان صالح بقرار وزير المالية ولم تعد من الأموال التي "لا تعاد إليهم" إذا نظرنا إلى العبارة من زاوية ثالثة
وفوق ذلك كله فإن الوجدان السليم يدعو في رأينا إلى إعادة العقار إلى أهله متى زالت الظروف التي أدت إلى خروجه من يدهم في وقت من الأوقات ويكون جزاء الطرف الآخر هو التعويض حيث هو لم يكن صاحب العقار في البدء
نرى لهذه الأسباب تأييد أمر محكمة الاستئناف القاضي بإلغاء قرار محكمة المديرية على أن يلغى قرار محكمة الاستئناف القاضي بتوجيه المدعي برفع دعوى أفضل ويلزم الطاعن بالرسوم فيكون الأمر:-
1- يؤيد أمر محكمة الاستئناف القاضي بإلغاء قرار محكمة المديرية
2- يلغى قرار محكمة الاستئناف القاضي بتوجيه المدعي برفع دعوى أفضل
3- يلزم الطاعن بالرسوم
القاضي: يوسف دفع الله
اتفق تماما مع الزميل محمد محمود أبو قصيصه بأن يفسر القانون طبقاً لتفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م بما يحقق الغرض الذي شرع من أجله وهو إلغاء المصادرة وبمفهوم المخالفة إعادة الأموال المصادرة إلى أصحابها نص القرار الجمهوري بأن يعوض أصحابها إذا لم يكن أمر إعادتها لهم ممكناً ويتبادر إلى الذهن أن التسجيل يمنع إعادة الأمر إلى ما كان عليه ولكن نرى أن إعادتها لأصحابها أمر ميسور لوجودها وللأسباب الأخرى التي سردها الزميل
أخلص إلى موافقة الزميل في الأوامر التي توصل إليها
القاضي: هاشم محمد أبو القاسم
أوافق

