عبد القادر سيد أحمد وآخر ضــد خليل علي محمد نور
محكمة استئناف الخرطوم
القضاة:
سعادة السيد/ محيي الدين سيد طاهر قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سعادة السيد/ تاج السر محمد حامد قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سعادة السيد/ محمد أبو بكر محمود قاضي محكمة الاستئناف عضواً
الأطراف:
عبد القادر سيد أحمد وآخر مستأنفان
ضــد
خليل علي محمد نور مستأنف ضده
النمرة/ م أ/أ س م/420/1988م
المبادئ:
قانون المعاملات المدنية – المادة 615/2 معاملات نطاق تفسيرها
قانون المعاملات المدنية – التصرف الصحيح في العقار المملوك العين للدولة لا يكون باطلاً بسبب عدم تسجيله – المادة 615/2 معاملات
1- ينبغي أن يقتصر حكم المادة (615/2 معاملات) على اعتبار التسجيل ضرورة لازمة لنقل الملكية في العقار
2- إن العقد أو التصرف في العقار المملوك العين للدولة إذا نشأ صحيحاً وفق شروط الصحة الواردة في المادة (86 معاملات) لا يكون باطلاً بسبب عدم التسجيل لأن التسجيل ليس ركنا في التصرف بل هو أثر من آثار التصرف الصحيح من شأنه نقل الملكية في العقار ولا اثر له في ترتيب صحة أو بطلان التصرف
ملحوظة المحرر:
تأيد هذا الحكم بواسطة المحكمة العليا في الطعن نمرة م ع/ ط م/728/91
المحامون:
الأستاذ: كمال إبراهيم خليل عن المستأنف
الأستاذ: عبده علي محمد عن المستأنف ضده
الحكـــم
القاضي: محيي الدين سيد طاهر
التاريخ28/10/1990م
في 17/11/1984م أقام المستأنف ضده (المدعي) الدعوى المدنية 74/1405هـ أمام محكمة مديرية الخرطوم في مواجهة المستأنفين (المدعى عليهما) تأسيسا على أن المستأنف الأول قد تنازل له عن القطعة رقم570/مربع 4 البراري بالخرطوم مقابل مبلغ 37000 من الجنيهات وأنه قد تسلم المبلغ المذكور في الموعد المتفق عليه إلا أنه فشل في نقل ملكية العقار محل التنازل إلى اسم المستأنف ضده بل وفي المقابل حرض زوجته على معارضة التنازل مما دفعها إلى الاتصال بمفتش أراضي الخرطوم الذي خاطب بدوره رئيس التسجيلات بغرض التأشير على السجل بعدم التصرف في القطعة مع إيقاف أي إجراء بخصوصها لحين إشعار آخر لذلك فإن المستأنف ضده يلتمس تنفيذ العقد تنفيذاً عينياً في مواجهة المستأنفين - هذا موجز لما يمكن استخلاصه من عريضة الدعوى ذات الصياغة الواسعة وغير المألوفة
وجاء في رد المستأنفين على الدعوى والذي لا يخلو من تطويل مماثل أن المستأنفين يقران بواقعة توقيع عقد التنازل ولكنهما يضيفان إن ذلك العقد مسبوق بآخر التزم بموجبه المستأنف ضده بتسديد الثمن خلال شهر من تاريخ التوقيع على العقد الذي كان في 8/5/1981م إلا أنه فشل في الوفاء بالتزامه ولم يسدد سوى 33500 على دفعات وتبقى في ذمته مبلغ 3500 حتى تاريخه مما يمتنع معه على المستأنف ضده المطالبة بتنفيذ العقد تنفيذا عينياً كما أن المستأنف ضده قد استغل الظروف المحيطة بالمستأنف الأول الذي كان مصاباً بعلة نفسية وعصبية وأصبح غير آهل للتصرف وأخيراً فإن العقار موضوع الدعوى مملوك العين للدولة مما يجعل التصرف فيه غير صحيح وباطلاً ما لم يتم تسجيله وفقا لحكم المادة 615/2 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وأن زوجة المستأنف الأول والمستأنفة الثانية لم تكن مدفوعة عند معارضتها بيع العقار إلا بدافع حماية مصلحتها بوصفها منفعة بالعقار المذكور والتمس المستأنفان إعلان بطلان العقد ورد الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد – وفي معرض تعقيبه على دفاع المستأنفين ذهب المستأنف ضده إلى الإصرار على ما جاء بعريضة الدعوى مضيفا أن المستأنفة الثانية لا علاقة لها بالعقد موضوع الدعوى ومن واقع النزاع الذي دار بين طرفي الدعوى صاغت المحكمة (القاضي شاكر عزرون) الإقرارات ونقاط النزاع على النحو التالي:-
أولاً – الإقرارات:-
1) بتاريخ 24/5/1981م حرر المدعى عليه (1) عقد بيع المنزل رقم 570 مربع (4) امتداد ناصر الخرطوم بمكتب الأستاذ عبد الباسط سبدرات المحامي وتنازل بموجبه عن المنزل المذكور للمدعي
2) بموجب العقد المذكور التزم المدعى عليه (1) بالتنازل عن العقار وما عليه من مباني وأن يتكفل بتكملة إجراءات التحسين والضرائب والعوائد وأنه عند تقديم هذا العقد للسيد رئيس تسجيلات الأراضي أن تسجل القطعة إلى اسم المدعي
ثانياً: نقاط النزاع:-
(أ) هل استلم المدعى عليه (1) مبلغ 37 ألف جنيها من المدعي مقابل بيع المنزل للمدعي بموجب العقد الموثق من المحامي سبدرات في 24/5/1981م مدعي
(ب) أم أن استلم فقط (30) ألف جنيه بتاريخ 8/5/1981م بموجب عقد بينهما على أن يقوم المدعي بتكملة باقي الثمن خلال شهر واحد وأنه دفع فقط نصف المبلغ المتبقي بواسطة شقيقه ولا زال الباقي في ذمته ولم يدفع حتى الآن؟ مدعى عليه(1)
2/أ) هل قدم المدعى عليه (1) إقرار محامي سبدرات بأنه عازب في نفس تاريخ العقد لتكملة إجراءات التنازل؟ (مدعى)
ب) أم أن طلاق المدعي عليه (1) من زوجته الأولى تم في 1/5/1982م بعد تحرير العقد؟ (مدعى عليه (1)
3/أ) هل كان المدعى عليه مصاباً بعلة نفسية وعصبية أدت إلى عدم توفر أهلية التصرف عنده قبل التصرف في العقار موضوع الدعوى؟ المدعى عليه)
ب) أم أنه كان في حالة عقلية ونفسية جيدة تتيح له أهلية التصرف (مدعى)
4) إذا كانت الإجابة على (1/ب) لصالح المدعى عليه فهل يتيح ذلك للمدعى عليه فسخ العقد؟ (مدعى عليه + قانون)
5) بماذا تحكم المحكمة؟
ويبدو واضحاً أن هذه النقاط لا تعكس الصورة الحقيقية للنزاع ويعزى ذلك في المقام الأول للطريقة الغريبة التي صيغت بها كل من عريضة الدعوى ومذكرة الدفاع فالفقرة (ب) من النقطة الثالثة يغني عنها أن يبرهن المدعى عليه على الفقرة (أ) منها ولم يأت في عريضة الدعوى أن المدعى عليه كان في حالة عقلية جيدة وإن كان قد أغفل تغطية ما جاء بالدفاع في هذا الخصوص كذلك فإن بعض النقاط تشتمل على مسائل لا تعرض إلا في مجال الإثبات كأن يكون الدفع بواسطة شقيق المدعي أو خلافه كما أغفلت تناول دفع المدعي بعدم وجود صلة للمدعى عليها الثانية بالعقد على أن الإغفال غير المنتظر كان لدفاع جوهري أثاره المدعى عليه الأول حول بطلان العقد لمخالفته لحكم المادة 615/2 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وكذلك فإن المحكمة تجاهلت أثر الدفع بانعدام أهلية التصرف واكتفت بأخذ الدفع الخاص بعدم وفاء المدعي بمبلغ البيع كاملاً في الاعتبار وهل من شأن ذلك فسخ العقد وإن كان من الممكن التجاوز عن هذا الإغفال باعتبار أن أثر تقرير عدم الأهلية أو ما يترتب عليه من جراء أمر معروف وهو الحكم بالبطلان وعلى أي فإن السماع قد اكتمل بناء على هذه النقاط الواسعة التي اختزلها القاضي الذي أصدر الحكم وهو القاضي (سمير فضل بخيت) بحيث انحصرت في نقطتين فقط هما:-
1) هل كان المدعى عليه فاقد الأهلية وقت التعاقد؟ (المدعى عليه الأول)
2) إن لم يكن كذلك فهل استلم الثمن كاملاً 37000 جنيه؟ (المدعى) وإذا كانت هذه الصورة الأخيرة لنقاط النزاع مقبولة رغم عدم إشارتها لأثر عدم دفع المبلغ باعتبار أنه أثر قانوني قد تصل إليه المحكمة من استقراء أحكام القانون في هذا الصدد إلا أن تجاهلها للدفع الجوهري المتعلق بالمادة 615/2 لم يكن مناسباً في ظل الفرصة التي أتيحت لتعديل واختصار نقاط النزاع ولقد ترك هذا الإغفال أثره الواضح لدى السلطة الاستئنافية عند تصديها لأسباب الاستئناف فيما بعد حيث عمدت إلى إثارة السبب الذي تجاهلته محكمة الموضوع عند بتها في النزاع كسبب جديد أعمالا لسلطاتها بموجب المادة 193/1 من قانون الإجراءات المدنية مما زاد الإجراءات تعقيداً وكلفت السلطة الاستئنافية وقتاً وجهدا إضافيين
ولقد جاء الحكم الابتدائي الذي صدر بعد ما يقارب الأربع سنوات من التقاضي أي في 26/5/1988م قاضياً بتعديل سجل القطعة من اسم المدعى عليه الأول إلى اسم المدعي على أن يكتب للمحافظ للموافقة على هذا الإجراء
وضد هذا الحكم في 8/6/1988م رفع الأستاذ كمال خليل المحامي الطلب الحالي الذي تتلخص أسبابه في:-
أن محكمة الموضوع قد اختصرت نقاط النزاع التي اتفق عليها الطرفان وصاغت لنفسها نقطتي نزاع تدوران حول فقدان الأهلية والوفاء بالثمن وأنها جنحت جنوحاً لا مبرر له بمناقشة الأمر كأن دفعا بالجنون قد أثير في الوقت الذي دفع فيه المستأنف بعدم إرادية التصرف من جراء ما لحق بالمستأنف من تأثير مادي ومعنوي يتمثل في التشريد والاعتقال مراراً وتكرارا والفصل من الخدمة وأن مجمل تلك الظروف مع الوضع في الاعتبار الحالة الأسرية والالتزامات والمسئوليات العائلية الكثيرة التي يعلم بها المستأنف ضده إنما تمثل تأثيراً على إرادته وحريته في إتمام التصرف خشية الإملاق وهي ظروف قاهرة وغير عادية وتعد إكراها من قبل السلطة المايوية على كل من رفع لها راية المعارضة والعداء والمستأنف ضده وان لم يكن طرفا في ذلك الإكراه فإنه كان يعلمه واستغل ظروف المدعى عليه (المستأنف) وذلك العلم يجعل من تطبيق المادة (69) وما بعدها من قانون المعاملات المدنية وإبطال العقد ضرورة واجبة
3) إن البينات المتوفرة ترجح ادعاء المستأنف بأنه لم يتلق البيع كاملاً حيث تناقضت أقوال وإفادات المستأنف ضده وشهوده ولما كانت مسألة الوفاء بالثمن في وقت محدد من الأهمية بمكان ولم يف المستأنف بالتزامه فإنه يعتبر مخلاً بذلك الالتزام إخلالاً يخول المستأنف الأول حق فسخ العقد تطبيقاً للمادة 214 من قانون المعاملات المدنية لذلك فإن التماس المستأنف هو إلغاء الحكم المطعون فيه وإبداله بحكم يقضي بإبطال العقد ورد الطرفين المتعاقدين إلى الحال التي كانا عليها قبل التعاقد – أم المستأنف ضده وعلى لسان محاميه الأستاذ عبده علي فقد ذهب إلى أن مجمل دفع المستأنف هو دفع بالجنون وإلا فإن الظروف الأسرية والفاقة وحالة الإملاق ليست من أسباب إبطال التصرفات كما أن تصرف المستأنف المتمثل في بيع عقاره لم يكن إلا تصرفا حرا أملته ظروفه الخاصة التي تجري بها سنة الحياة ولا علاقة للمستأنف ضده بهذه الظروف ولم يثبت حدوث أي نوع من أنواع الإكراه كما عرفه الفقه أو نص عليه القانون وأن ما يدعيه المستأنف لا يرقى إلى درجة الإكراه المطلوب أما عن الوفاء بالثمن فهو أمر تم حسمه بمستند رسمي هو مستند الادعاء رقم (2) العقد الموثق من المحامي سبدرات والذي لا يجوز الطعن فيه إلا عن طريق التزوير إضافة إلى أن كل البينات تشير إلى استلام المستأنف كامل الثمن وبافتراض أن هناك مبلغاً قدره 3500 جنيهاً تبقى في ذمة المستأنف ضده حسبما يدعي المستأنف فهو مبلغ ضئيل وقليل الأهمية بالنسبة للالتزام في جملته ولا يوجب فسخ العقد وفقا لحكم المادة 128/2 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م
ولهذه الأسباب يلتمس المستأنف ضده تأييد الحكم المستأنف وشطب الاستئناف برسومه وكانت الدائرة الاستئنافية التي باشرت إجراءات تصريح هذه الاستئناف قد رأت في 22/8/1988 استناداً إلى المادة 193 من قانون الإجراءات المدنية أن يوافيها المستأنف ضده برده على ما أثير في مذكرة دفاع المستأنف حول بطلان العقد لمخالفته حكم المادة 615/2 من قانون المعاملات المدنية الذي يجعل من كل تصرف لم يتم تسجيله باطلاً وقد استجاب محامي المستأنف ضده لهذه الرغبة وأودع رده على هذا السبب الجديد ويمكن تلخيص أهم ما جاء في رده على النحو التالي:-
1) إن المقصود من حكم المادة 615/2هو منع التصرف في العقارات المملوكة العين للدولة عن طريق التوثيقات دون أن يصاحبها التسجيل مما يفوت على الدولة عائداً مالياً كبيراً وأن ذلك لا يعني أن التصرف يقع باطلاً بداءة كما أشار في معرض تأييد رأيه هذا إلى مقال القاضي العالم عثمان الطيب المجلة القضائية 1987م ص 436 الذي جاء فيه (التصرف القانوني يبدأ به إنشاء الحق ويتم به نقل الحق)
2) أن المستأنف ضده لم يكن مسئولا عن التراخي في التسجيل الذي لم يتم لأسباب متعلقة بالطرف الآخر الذي توانى عن التزامه بالتسجيل كما ينص العقد وحرض زوجته على إيقاف إجراءات التسجيل لذلك فإن نص المادة 615/2 لا ينطبق عليه
3) إن أداة نقل الملكية حتى في العقار هي العقد وليس التسجيل
4) يمكن اعتبار الحكم المستأنف تصرفاً بالمعنى المطلوب وفق أحكام قانون التصرف في الأراضي لسنة 1406هـ وليست هناك استحالة في إنفاذ هذا الحكم وتسجيل مضمونه
هذا مجمل ما طرحه الطرفان المتنازعان دحضاً وتأييداً للحكم المستأنف الذي قامت أسبابه على صحة عقد البيع لأن المستأنف الأول كان متمتعاً بكامل أهليته إذ أن حالته لم تتعد الشعور بالتوتر العصبي والحاجة إلى المال وهما لا يرقيان إلى حالة الجنون أو العته وبافتراض العكس فأن عدم الحجز عليه قبل التصرف مع واقعة أن الطرف الآخر لم يكن على علم بحالة الجنون أن العته يجعل من تصرفه تصرفاً صحيحاً طبقاً للمادة 58 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م
ب) وفاء المستأنف ضده بثمن القطعة والذي قام على ترجيح بيناته على البينات التي ساقها المستأنف الأول من جانبه وبصفة خاصة إقراره بتلك الواقعة في مستند الادعاء (2) عقد بيع القطعة الذي صاغه ووثقه المحامي سبدرات وفي رأي المحكمة أنه طالما كان العقد صحيحاً من كافة وجوهه حيث توفرت الأهلية والمقابل الذي تسلمه البائع ولم تكن المستأنفة الثانية طرفاً فيه ولم تكن آنذاك قد تزوجت بالمستأنف الأول فإن هناك التزاما على عاتق الأخير بإنفاذه وتسجيل العقار باسم المستأنف ضده باعتباره الإجراء العادل في ظروف هذه الدعوى
ولأغراض حصر النقاش فيما أثاره الطرفان حول الحكم المستأنف وفي إطاره المنطقي أرى أن يكون تناولنا للجوانب المثارة عبر هذا الاستئناف الذي أحيل إلي في 17/9/90 بسبب غياب كافة أعضاء الدائرة التي قبلته مستهدفاً دراسة الآتي:-
أولاً: مدى صحة الحكم المستأنف من حيث الأسباب التي استند إليها من خلال نقطتي النزاع المختزلتين والمتعلقتين بانعدام الأهلية والوفاء بالثمن
ثانياًُ: بطلان العقد لمخالفته لحكم المادة 615/2 من قانون المعاملات المدنية وإذا كانت البداية بالمسألة الأولى وفي شقها المتعلق بأهلية المستأنف الأول فيبدو جلياً مدى الخطأ في تحديد نقطة النزاع الأولى إذ ليس هناك دفع محدد يمكن أن يسبغ عليه وصف _ (فقدان الأهلية) لأن فقد الأهلية أو انعدامها يندرج تحت باب واسع متشعب الأسباب ولا يمكن أن يستوعبه دفع غير محدد يستند إلى (عدم إرادية التصرف) كما يقول محامي المستأنفين وكان الواجب رفض مثل هذه الدفع غير المحدد لمخالفته لقانون الإجراءات المدنية خاصة وأن هناك فرقا كبيراً بين انعدام الأهلية وعيوب الإرادة ولا أدري لماذا انتقت المحكمة الجنون والعته كسببين لفقدان الأهلية وكوعاء لاستيعاب عبارة (لا تتوفر له أهلية التصرف) الواردة بمذكرة الدفاع في وقت توفرت فيه عبارات أخرى بنفس مذكرة الدفاع أكثر دلالة على أن المقصود هو أن رضاء المستأنف الأول لم يكن سليماً بسبب الاستغلال أو الغبن أو الضرر مثل عبارة (أن المدعي استغل الظروف القاسية التي كانت تحيط بالمدعى عليه الأول من اعتقال وتشريد الخ مما حمله على الرضا بذلك الثمن البخس والذي حدده المدعي) وتتجلى أهمية التمييز بين انعدام الأهلية لأسباب تتعلق بالجنون أو العته أو عدم التمييز لصغر السن وبين عدم سلامة الإرادة أو الرضا في اختلاف آثار ونتائج كل منهما إذ أن فقدان الأهلية يؤدي إلى بطلان أي تصرف باشره المجنون أو المعتوه أو الصبي غير المميز بطلانا مطلقا بينما ينحصر أثر الإرادة المعيبة في اختلال الرضا وبالتالي في جعل التصرف قابلاً للإبطال لمصلحة من شاب أرادته عيب من عيوب الرضا وهي الغلط والتدليس والإكراه والغرور والغبن وبمفهوم القوانين الأخرى المشابهة الاستغلال (المواد 63-72 من قانون المعاملات المدنية ويبدو أن محامي المستأنفين لم يكن إلا مجاريا لما حوته عريضة الدعوى نفسها من غموض وبدرجة لم تمنع محامي المستأنف ضده أن يتوسل إلى المحكمة (إجراء اللازم نحو تنفيذ العقد وإصدار حكم عادل وسديد تجاه الذين لا ينصاعون لطائلة القانون) دون أن يحدد مطلوبه من تنفيذ العقد تحديداً واضحاً ورغم اتفاقي مع المحكمة على أن المستأنف الأول لم يكن مجنوناً أو معتوهاً عند إبرامه العقد المعني إلا أن عزوف محاميه عن التمسك بهذا الدفع بل واستنكاره أن يكون قد أثاره في أية مرحلة من مراحل الدعوى مستجيراً بدفع أخر هو وقوع إكراه على المستأنف الأول دفعه إلى التعاقد يحملني على مناقشة هذا الدفع الأخير لهذا السبب ولإيماني أيضاً بأنه أقرب الدفوع قابلية لاحتضان ادعاءات المستأنف الأول ومحاميه لا سيما ما جاء منها في المرافعة الختامية والذي يحتل أيضاً مساحة واسعة من مذكرة الاستئناف فهل كان رضاء المستأنف الأول مشوباً بعيب الإكراه؟
وباختصارغير مخل فإن الإكراه المفسد للرضا سواء كان منسوباً للمتعاقد الآخر أو للغير بشرط أن يكون معلوماً لدى ذلك المتعاقد علماً يقينا أو علما مفترضا يشترط فيه أن يولد الإكراه رهبة حالة في نفس المكره تدفعه إلى التعاقد وذلك باستعمال وسائل غير مشروعة الغرض منها انتزاع الرضا وأن يستعمل الإكراه لتحقيق غرض غير مشروع بحيث يهدد المكره بخطر حال في نفسه أو ماله أو نفس أو مال لبعض أقربائه وأن يكون ذلك الخطر من الجسامة بحيث يؤثر في إرادة المكره وينتزع منه الرضا فعلا وعليه يجب أن ينجم عن الإكراه رهبة تنزع رضاء المتعاقد بسبب شعوره بأن خطراً جسيماً محدقاً يهدده شخصياً أو يهدد غيره ممن يهمه أمره في النفس أو الجسم أو الشرف أو المال ومعيار تقدير مدى الإكراه وعما إذا كان دافعاً للتعاقد معيار شخصي وليس موضوعياً طبقاً لنص المادة (70) من قانون المعاملات المدنية بحيث يكون الاعتبار لشخص المكره والظروف المحيطة به من حيث الجنس والسن ودرجة التأثير ومستوى الثقافة والحالة الاجتماعية والصحية الخ فيراعى في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه الإكراه إن كان ذكراً أم أنثى وسنه فالشاب قد لا يتأثر بوسائل من شأنها أن ترهب شخصاً هرماً كما تراعي الحالة الصحية فالمريض قد يتأثر بوسائل لا يتأثر بها الشخص السليم كما تراعى الحالة الاجتماعية فالرجل الساذج الذي يعتقد في الشعوذة قد يؤثر فيه التهديد بتسليط الجان عليه إن لم يبرم عقداً معيناً بينما لا تؤثر هذه الوسائل في الشخص المثقف كما يراعى كل ظرف آخر من شأنه التأثير في جسامة الإكراه فالتهديد الذي يؤثر في شخص موجود في مكان منعزل قد لا يؤثر فلي شخص موجود في مكان آخر آهل بالسكان
وباستقراء البينات التي اعتمد عليها المستأنف الأول حينما دفع بالإكراه فإنها تتمثل في تعرضه للاعتقال والتشريد من العمل وما نجم عن ذلك من ضغوط نفسية حادة ناشئة بدورها عن التفكير المستمر في مستقبل أسرته وما ينتظرها من مصير في غيابه وافتراض أن هذه الظروف تشكل عامل تهديد ومن ثم إكراها على نفس المستأنف الأول فإن مثل هذا الإكراه لا يعتد به لأنه لم يكن دافعاً للتعاقد لانعدام الصلة بين منشأ الإكراه وتوقيع العقد إذا المطلوب إن يكون الإكراه دافعاً للتعاقد بحسبان التعاقد أهون الشرين ولما لم يكن من شأن التوقيع على العقد درء الخطر الواقع على المستأنف الأول ولم يكن منتظراً بدوره أن يؤدي إبرام العقد إلى تفادي ما يكرهه من اعتقال وتشريد حتى أصبح في النهاية متعرضا للأمرين معا فإن من العسير الإدعاء بأن ما تعرض له من صنوف التعذيب والاعتقال قد دفعه إلى التعاقد خاصة وأنه لم يبرهن حتى على علم السلطات الأمنية بأن له منزلاً ناهيك عن إكراهه على بيعه للمستأنف ضده ومن جهة أخرى فإن توفر الإكراه بوسائله المادية لا يكفي إذ يجب أن يقترن ذلك بتوفر العنصر المعنوي المتمثل في نية انتزاع الرضاء بقصد إمضاء العقد وفي هذا يقول الدكتور السنهوري في مؤلفه الالتزامات ص 115 (يجب أن يكون الغرض من استعمال وسائل الإكراه هو اقتناص رضاء المتعاقد فتهيأ الوسائل لذلك أما إذا وجدت مصادقة ظروف ضاغطة على إرادة المتعاقد دون أن تكون مهيأة لهذا الأمر واقتصر الشخص على الاستفادة منها واستغلالها لحمل من وقع تحت تأثير هذه الظروف على التعاقد فلا يكون هذا إكراها مبطلا للعقد لأن الرضاء لم ينزع بالإكراه وهناك فرق بين الإكراه الصادر من الغير وهذا الغرض الذي نحن بصدده فإن الإكراه الصادر من الغير يجب أن يكون الغرض منه الضغط على المتعاقد حتى ينتزع منه الرضاء أما الغرض الذي نحن بصدده فالظروف الضاغطة على الإرادة قد تهيأت مصادفة ولم يكن الغرض منها الضغط على إرادة المتعاقد فإذا تقدم شخص لإنقاذ آخر من خطر الغرق أو الحريق أو القتل أو نحو ذلك وحصل منه على تعهد قبل إنقاذه بإعطائه قدراً جسيما من المال ثمناً لهذا الإنقاذ فلا يكون هذا التعهد باطلاً للإكراه حتى ولو ثبت أن إرادة المتعاقد كانت متأثرة بالخطر الذي وقع فيه لأن هذا الخطر لم يهيأ لاقتناص إرادته كذلك لو اتفق جراح شهير مع مريض على إجراء عملية جراحية خطرة نظير أجر كبير فليس للمريض بعد ذلك أن يطعن في هذا العقد بالإكراه بدعوى أنه كان متأثراً بالمرض فإن هذا الظرف لم يهيئه الطبيب لانتزاع رضائه) وعلى أسوأ الفروض فإن موقف المستأنف الاول لا يعدو أن يكون موقف شخص واجه ظروفاً ضاغطة ولد في نفسه نوعاً من صراع الأضداد فاختار أن يبيع منزله لبقاء دفع غائلة الجوع والحاجة عن أسرته ولم يكن المستأنف ضده وبنفس المستوى إلا مستغلا لظرف لم يعمد إلى تهيئته بقصد انتزاع رضاء المستأنف الأول مما لا يدع مجالاً للإدعاء بوقوع إكراه دافع إلى التعاقد لا سيما وأنه قد انتفع بالمقابل في أوجه عديدة نافعة سعى إلى تحقيقها وبعكس ما يدعي المستأنف الأول فإن قيام مثل هذه الظروف التي يشتكي منها توحي بأن إرادته كانت سليمة بحسبانها باعثة وداعية إلى التفكير والموازنة وفي النهاية الاختيار وقد اختار بيع العقار بغرض حماية أسرته من الضياع وكان في إمكانه أن يفعل العكس لأن بيع العقار لم يؤد إلى درء خطر الاعتقال والتعذيب عنه ولم يكن متوقعاً من أمثاله من ذوي الثقافة والفكر المضحي من أجل مبادئه ومعتقداته أن يعتقد في ارتفاع الإكراه الواقع عليه إذا باع منزله لا سيما وهو على علم بكيفية دفع هذا الخطر ولم يكن راغباً في دفعه تمسكاً بمبادئه فكان الأجدر به أن يتمادى في هذا الطريق فلا يعمد إلى نقض ما أبرمه تأسيساً على ادعاءات واهية لا تقوم على أي أساس ولم يؤثر في سلامة إرادته بأية طريقة من الطرق لذلك فإن دعوى إبطال العقد للإكراه لا سند لها من الواقع أو القانون
أما عن الشق الآخر من الحكم المتعلق بوفاء المستأنف ضده بثمن البيع فقد توصلت محكمة الموضوع بعد تمحيص البينات المطروحة أمامها إلى أن المستأنف ضده قد أوفى بالتزامه بدفع الثمن وليس هناك ما يدعو إلى نقض هذه القناعة القائمة على تقدير الأدلة طالما أنها قد استخلصت استخلاصاً سائغاً ومقبولاً لا سيما وأن الإدعاء المثار من قبل المستأنفين هو الفشل في الوفاء بجزء يسير من ذلك المبلغ لا أرى أن عدم الوفاء به يشكل سبباً مقبولاً لفسخ العقد كما ذهب المستأنفان ومحاميهما خاصة وأن المستأنف ضده قد عرض فيما بعد وفي غياب شقيقه الذي اتضح أنه كان قد سلم باقي المبلغ كاملاً للمستأنف الأول – أن يقوم بتسديد الباقي المدعى به إلا أن عرضه جوبه بالمماطلة والممانعة وفي هذا السياق إنه من الضرورة الإشارة إلى أن استنجاد المستأنفين بحكم المادة 214 من قانون المعاملات لفسخ البيع لا تسعفهما كثيراً لأن ذلك يقتضي الاشتراط المسبق على اعتبار البيع مفسوخاً حكما إذ لم يؤد المشتري الثمن في الموعد المتفق عليه ولا اثر لمثل هذه الشرط في العقد موضوع الدعوى لأن اشتراط أداء الثمن في ميعاد محدد لا يعني وحده سبباً لاعتبار العقد مفسوخاً ما لم يشترط الطرفان ذلك في صلب اتفاقهما وعلى أحسن الفروض فإن الطرفين قد اشترطا أداء الثمن في موعد محدد ولكنهما لم يرتبا حكماً بالفسخ على عدم الوفاء بالشرط ومن العسير من حيث المبدأ في ظل ضآلة المبلغ الذي يدعيه المستأنفان – الحكم بفسخ العقد نزولاً على حكم المادة 128/2 من قانون المعاملات المدنية لذلك فإن حكم محكمة الموضوع قد جاء في حدود هاتين المسألتين صحيحاًٍ وموافقاً للقانون استناداً إلى صحة العقد من حيث توافر كافة شروط الانعقاد وتسليم البائع لمقابل البيع وما ترتب على ذلك من التزام على عاتق المستأنف الأول بنقل ملكية العقار للمستأنف ضده
ثانياً: بطلان العقد لمخالفته حكم المادة 615/2 – ولقد حاول محامي المستأنف ضده العالم سبرغور المادة 615/2 ومرامي المشرع من سنها إلا أن هذه المحاولة رغم ما بذل فيها من جهد لا تكشف عن تأصيل قانوني مقبول كما يقصده المشرع من هذه المادة الغريبة وذلك لما يلي من أسباب:-
1) لا مجال للتفريق بين ملكية العقار وملكية المنفعة في الحالة المعنية لأن النص واضح الدلالة على أن الملكية المقصودة هي ملكية المنفعة وهي بالطبع قابلة للتسجيل والمسألة المعروضة تتعلق ببطلان التصرف غير المسجل ولا علاقة لها بموضوع طبيعة الملكية كما يصدق نفس المعنى على الاستشهاد بعنوان المادة الذي يتضمن علاوة على التصرف في العقار مملوك العين للدولة العقار المملوك العين للمتصرف والعنوان الموضوع لا يكشف عن تفاصيل كيفية كسب الملكية بالتصرف وهي الجزئية التي تعنينا
2) أما تفسير المادة 615/2 على أساس أن المقصود منها الحد من سبل التوثيقات غير المسجلة واعتبارها باطلة فهو قد يعبر تعبيراً صحيحاً عن الباعث أو الهدف من وراء النص ولكنه لا يقدم تحليلاً مقبولاًِ لحكم المادة المذكورة وكيفية استخدامه حتى للوصول إلى الغاية التي ينشدها فبطلان التصرفات الموثقة لا يعود إلا إلى امتناع التسجيل نفسه فكيف ينفذ طرفا العقد إلى تحقيق غرضهما وهو نقل ملكية الأرض إلى اسم المتصرف له وقد حال القانون بينهما بإسباغ البطلان على تصرفهما فإذا كانت التصرفات الموثقة المعقودة باطلة فما هو سبب بطلان أول تصرف موثق وغير مسجل يرغب صاحباه في تسجيله إن تبني مثل هذا التفسير قد يخدم الضرورة العملية ولكنه يهزم الفكرة الأساسية منها وهي الحث على التسجيل ولكن كيف؟ ومن وجهة أخرى إذا كان الهدف هو الحد من التصرفات عن طريق توثيقات المحامين المتعددة التي ترد على عقار واحد فإنه هدف يمكن الوصول إليه دون الاستعانة بمثل هذا النص الذي لا يخدم أي غرض وذلك إعمالا للقواعد العامة للقانون إذ من المعلوم أن الملكية لا تنتقل إلا بالتسجيل الأمر الذي يعني أن المتصرف له غير المسجل لا يستطيع نقل الملكية إلى المشتري الثاني لأنه لا يملك محل التصرف وعقده ليس باطلاًَ لعدم التسجيل إنما يكون باطلاً لعدم وجود محل الالتزام ولعدم تملكه للعقار وهو بهذه المثابة غير قابل للتسجيل أيضاً مما يكشف معه بوضوح أننا في غنى عن حكم المادة 615/2 لمجاريه مثل هذه التصرفات وذلك على الرغم مما يبدو من إمكانية التجاوز عن هذه النتيجة أيضاً تعويلاً على أحكام بيع ملك الغير وصحته موقوفاً على إجازة المالك متى كانت النية متجهة إلى التعاقد نيابة عن هذا المالك أما إذا كانت النية متجهة إلى التصرف في العقار باعتباره مملوكاً للمتصرف غير المسجل فإن الافتراض هو أن مثل هذا العقد لا ينعقد مطلقاً (انظر في ذلك المادتين 87/227/4 من قانون المعاملات المدنية
3) أما الاستشهاد بما جاء بمقال القاضي العالم عثمان الطيب عن الحقوق المتفرعة عن حق الملكية المجلة القضائية 1987 ص 436 فلم يكن سديداً فالتصرف في الملك ليس ممنوعا ولكن ترد عليه قيود عديدة كما أن عبارة (التصرف القانوني يبدأ به إنشاء الحق وتتم به نقل الحق) لا يعني أن العقد أو التصرف بذاته ينقل ملكية العقار فهذا ادعاء لا مجال له ويبدو أن المقصود من تلك العبارة هو أن التصرف أداة لنقل الحق وليس ناقلاً له بمفرده والحق يقال فإن تلك العبارة لا تفيدنا كثيراً لأن المقال أصلا يتحدث عن الحقوق المتفرعة عن حق الملكية وعلى الرغم من أنه قد أشار إلى التصرف كحق متفرع عن حق الملكية إلا أن ذلك للأسف ليس صحيحاً فالتصرف في الملك حق طبيعي وأصيل لصيق بالملكية ولا تقوم الملكية بدونه والتصرف في حدود هذا الإطار يختلف اختلافا جوهرياً عن التصرف المقصود في المادة 615/2 وغيرها من مواد القانون إذ أن التصرف في الشيء المملوك والوارد بالمادة (516) هو جوهر الملكية ومظهرها لذلك عرفت الملكية بأنها سلطة المالك في أن يتصرف في ملكه تصرفاً مطلقاً أما التصرف بالمعنى الضيق فإنه يمثل الأداة الفنية لممارسة الحق كالبيع والهبة والتبرع ويبدو أن مصدر الخلط هو القانون نفسه الذي دمج أو ساوى بين الملكية والتصرف في المادة 31/1 من قانون المعاملات المدنية وعلى أي فإن التصرف كمظهر من مظاهر الملكية لا يكون إلا في الملك الحر وليس ملك المنفعة التي تكبله اشتراطات عديدة ناشئة عن عقد الحكر والتي لا تجيز لمالك المنفعة أن يتصرف فيها كيفما شاء
وإذا تركنا جانبا محاولات محامي المستأنف ضده المقدرة الرامية إلى كشف المقصود من المادة 615/2 خلافا لما أبداه سلفه من عدم التوفيق حتى في صياغة عريضة الدعوى فإن تناول هذا الجانب الهام يقتضي دراسة موضوع العقد من حيث الصحة والبطلان ولقد تبنى قانون المعاملات المدنية أسلوبا محمودا بوضعه تعريفاً لكل من العقد الصحيح والعقد الباطل بما يضمن وجود قاعدة عامة تحكم صحة العقد وبطلانه مع الاعتراف بالتقسيم المعمول به في التقنينات المشابهة من حيث درجة البطلان وإن كان يكتفي في بعض الحالات بالإشارة إلى العقد القابل للإبطال بأنه عقد موقوف وتنص المادة (86) من القانون على (يكون العقد صحيحاً إذا توافرت أركانه أصلا ووصفاً وهي الرضا ممن هو أهل له والمحل والسبب بشروطهما الجوهرية والشكلية التي يفرضها القانون للانعقاد بينما تنص المادة (91) على (يكون العقد باطلا إذا اختل ركن بأصله أو بوصفه وذلك إذا صدر من شخص فاقد الأهلية أو إذا انعدم فيه الرضا أو المحل أو السبب أو إذا لم يتوافر في المحل أو السبب شروطه الجوهرية وإذا لم يتوافر فيه شكل يفرضه القانون لانعقاده أو إذا ورد في القانون نص خاص بذلك)
ولما كان مذهب قانون المعاملات في تقرير البطلان هو اسباغ وصف البطلان على حالات البطلان المطلق مكتفياً باصطلاح الوقف وعدم النفاذ على حالات الإبطال طبقا للمادة (78) من القانون فإن مما لاشك فيه أن المقصود على الأقل من ناحية الاصطلاح بالبطلان الوارد بالمدة 615/2 هو البطلان المطلق الذي يؤدي إلى عدم ترتب أي أثر على العقد الباطل باعتباره منعدماً وغير منعقد ولا ترد عليه الاجازة
وحكم هذه المادة الغريبة لا يتسع له سوى مضمون عبارات (والشكلية التي يفرضها القانون للانعقاد) (وإذا لم يتوافر فيه شكل يفرضه القانون لانعقاده أو إذا ورد في القانون نص خاص على ذلك) التي تضمنها نصا المادتين (86) (91) على التوالي فهل يفرض القانون شكلاً معينا لانعقاد مثل هذا التصرف مدار البحث وفقاَ لنص المادة (86) والشق الأول من المادة (91) أو هل ورد نص خاص في أي قانون يقضي ببطلان التصرف غير المسجل طبقاً للشق الأخير من المادة (91)
وفي نطاق التصرف الناقل لحق عيني على عقار كعقد البيع موضوع النزاع فإننا لسنا في حاجة إلى مناقشة مدى توفر أركان العقد من رضا ومحل وسبب أو تناول مسألة توافر الشكل الذي يتطلبه القانون لأن عقد البيع بطبيعته عقد رضائي لا يتطلب إفراغه في شكل معين إلا على سبيل الاستثناء كما هو الحال في بيع العقار المملوك العين للمتصرف حسبما تقول الفقرة (1) من المادة (615) التي اشترطت فيه الكتابة والتي ترتب على مخالفتها عدم الصحة الذي لا يعني سوى البطلان فما هو مصدر البطلان أو سببه في ظل استبعاد مخالفة الشكل وهل يمكن رد البطلان إلى مخالفة أي حكم ورد بقانون خاص؟
1) ومن الناحية النظرية البحتة فإن من السهل الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب تعويلاً على ما أورده حكم المادة 615/2 من قانون المعاملات الذي ذهب إلى عدم صحة التصرف في العقار المملوك العين للدولة إلا إذا تم تسجيله ووقوع كل تصرف غير مسجل باطلاً ولن تتطلب مثل هذه المحاولة سوى مقابلة نص يرتب البطلان إذا ورد به نص خاص هو ما جاء بعجز المادة (91) بما أوردته المادة 615/2 فهل تغني هذه المحاولة عن كشف ما يدخره هذا النص الأخير من مفارقة وعدم توفيق ففي الوقت الذي يسعى فيه المشرع تحت ستار هذا النص إلى الاعتداد بالتسجيل كأداة لصحة التصرف فإنه يعتبر التصرف باطلاً ما لم يسجل الأمر الذي ينطوي على تعسف وعنت فوق أنه غير متصور للوقوع فالمعلوم أن التصرف عمل سابق على التسجيل الذي هو إجراء منفصل تمام الانفصال عن التصرف المراد تسجيله فإذا كان باطلاً لعدم تسجيله فإن الطريق إلى التسجيل لم يعد ممكناً لذلك فإن حكم المادة 615/2 غير قابل للتطبيق عمليا إلا إذا حدد المشرع وقتاً معيناً لإجراء التسجيل يترتب على تجاوزه بطلان التصرف أما فتح الباب على مصراعيه دون تحديد ليتسرب حكم البطلان على كل تصرف غير مسجل فهو أمر مخالف للمنطق ولا سبيل إلى تنفيذه عمليا إلا إذا تأبط كل من يرغب في التصرف رئيس تسجيلات ليجعل من تصرفه معاصرا للتسجيل
2) ومن أوجه التناقض التي يكشف عنها النص المعني هو أن التصرف الباطل لا يقبل الإجازة ولا يرتب أثراًُ فكيف يصبح التسجيل اللاحق تصرفاً باطلاً إذ ليس من شأن التسجيل أن يجعل تصرفا باطلا إلى تصرف صحيح ولا تصرفا صحيحاً إلى باطل وإن كان من المتصور إجراء التسجيل بناء على تصرف باطل لا يحول التسجيل دون التمسك ببطلانه بحيث تجوز المطالبة بإلغاء التسجيل استنادا إلى بطلان التصرف وفقا لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م وما يثير الدهشة أن المشرع وقد قضى ببطلان كل تصرف غير مسجل على الرغم من أن التصرف ضروري ولازم لتمهيد الطريق إلى التسجيل لم يشر إلى كيفية إجراء التسجيل ولا إلى وسيلة ومعايير التفضيل إذ تعددت التصرفات
3) كما أن النص أغفل حقائق قانونية ناصعة من حيث أن التسجيل يعتبر أثراًً من آثار العقد مترتباً على الالتزام بالتسليم أو بنقل الملكية في عقد البيع لذلك فإنه لا صلةله بشروط انشاء العقد والمعلوم أن البطلان لا يلحق العقد إلا عند انشائه أي أنه يمنعه من الانعقاد ولا مجال للبطلان بعد أن ينعقد العقد صحيحاً بسبب أن هناك شرطاً آخر يتوقف عليه أن ينتج العقد آثاره ومنها انتقال الملكية في عقد البيع والواجب يقتضي التفريق بين أحكام انعقاد العقد والأحكام التى تنظم آثار العقد وإذا كان المبدأ في القانون إلا بطلان إلا بنص القانون وكجزاء على مخالفة محددة فإن تصور هذه المخالفة على أساس أنها متمثلة في عدم التسجيل لا يستقيم مع حقيقة أن البطلان لا يعتري التصرف إلا عند انشائه بينما التسجيل لا حق على التصرف وليس ركنا أو شرطاً فيه
4) إن الادعاء ببطلان التصرف غير المسجل يؤدي إلى هزيمة الفكرة التي أراد المشرع ترسيخها وهي حث المتعاملين في العقارات على تسجيل تصرفاتهم وذلك بحرمانهم من حقهم في الاستناد إلى عقودهم غير المسجلة ومطالبة البائع بتنفيذ العقد ونقل الملكية فإذا كان المشرع راغباً في الحد من التعامل في الأراضي عن طريق التوثيقات غير المسجلة فإن الابقاء على الأصل وهو الاعتداد بالتسجيل كوسيلة وحيدة لنقل الملكية يخدم هذا الغرض أكثر مما يخدمه الاستعانة بحكم المادة 615/2 (بافتراض أنه يشتمل على حكم قابل للتطبيق) لأن مبدأ انتقال الملكية في العقار بالتسجيل يعني بالضرورة أن المتصرفين اللاحقين الذين قعدوا عن التسجيل إنما يتصرفون في ما لا يملكون وليسوا قادرين على نقل الحق المراد التصرف فيه إلى غيرهم لأن الملكية لم تنتقل إليهم لعدم التسجيل ومع ذلك فإن من قبيل الاشتطاط أيضا القول ببطلان مثل تلك العقود أو التصرفات لامكانية حملها على أحكام بيع ملك الغير التي تجيز مثل هذه التصرفات موقوفة على اجازة المالك أو القول بالبطلان على اطلاقه يهدد ما يرتبه مثل تلك العقود من التزاما شخصية بين اطرافها يمكن البت فيها اعتماداً على مدى الاستحالة في نقل الملكية لا سيما وأنه من المتصور أن يتصرف الشخص في ما قد يدخل في ملكه مستقبلاً وقد كان هذا سائدا حتى في بيع الأراضي سابقاً باعتباره بيعا مشروعاً بغض النظر عن قدرة البائع في نقل الملكية للمشتري أو حق المشتري في المطالبة بنقلها إليه لأن هذه المسألة لا علاقة لها ببطلان العقد أوصحته؟ أنظر في ذلك حكم القاضي العالم عثمان الطيب في:
· محمد الخير سعد ضد العوض سليمان
· صديق بابكر الكابس ضد حمد محمد حسن
المجلة 1962م ص 62-17
وكما تقدم فإنه لا توجد صلة بين تمام صحة العقد أو بطلانه وإجراء التسجيل إذ قد يكون العقد صحيحاً ولكن طرفيه غير قادرين على نقل الملكية لأسباب كثيرة كسقوط الحق في تنفيذ العقد تنفيذا عينيا بالتقادم أو انتقال العقار لمشترى آخر بادر بالتسجيل وقد يكون العقد باطلاً ومع ذلك يتمكن المشتري من نقل الملكية إلى اسمه بالتسجيل وطالما أن التصرف قابل للتسجيل كما يفهم من سياق نص المادة 615/2 فهذا يعني من جهة أخرى حكماً جديداً وغير مألوف هو أن التسجيل يصحح التصرف الباطل بينما الواقع أن التسجيل لا يمنع من الطعن في التصرف بالبطلان أو بغيره وهذا خلط ناشئ عن عدم التمييز بين أحكام إنشاء العقد وشروط صحته وبين آثار ذلك العقد وما يترتب عليها من التزام بنقل الملكية خاصة في العقار ولما كان هذا الالتزام يقع على عاتق البائع الذي يحتفظ عادة ببعض المستندات مما يقتضي الاستعانة به في إجراءات التسجيل فإن الحكم الذي تنطوي عليه المادة 615/2 يساعد في خلق النزاعات وتفاقمها في غير طائل وهي نتيجة عكسية للهدف الذي يبدو أن حكم تلك المادة قد جاء لخدمته إلا أن الأداة لم تكن صالحة لبلوغ الغاية المرجوة لكل ذلك فقد أصبح من الضروري البحث عن مخرج من هذا المأزق بمحاولة صرف حكم المادة 615/2 على أي وجه من وجوه التفسير يمكن حمله عليه وبكيفية يحتملها طبيعة الموضوع الذي تحاول المادة المذكورة معالجته أو أن تحوم حوله وذلك على النحو التالي:-
أولاًَ: هل تكمن وراء المادة 615/2 رغبة من المشرع في إفراغ التصرف غير المسجل من كل أثر بين طرفيه أو غيرهما بحيث لا يجوز الاستناد إليه بالادعاء بأي حق رتبه ذلك التصرف على عاتق أي من طرفيه لا أرى لهذا التفسير وجها في ظل التصرف غير المسجل يرتب التزامات شخصية بين طرفيه أهمها حق المشتري في المطالبة بنقل الملكية إليه وحق البائع في المطالبة بالثمن ولا يستقيم هذا مع دعوى البطلان كما أن التصرف غير المسجل وإن كان يحرم المشتري من حقه في الملكية قبل البائع والغير إلا أنه لا يمنعه من المطالبة بالحقوق الشخصية قبل الغير كالمستأجر الذي لا يستطيع الاحتجاج في مواجهته بعدم انتقال الملكية لأن الغير الذي يملك مثل هذا الحق هو الأجنبي الذي يسعى إلى تأكيد حق عيني معادل كما يسعى إليه المشتري الذي لم يسجل عقده بحيث يعود عليه مثل هذا الاحتجاج لمصلحته أما المستأجر فلا تربطه بالمشتري غير المسجل سوى رابطة شخصية مصدرها عقد الإيجار فإذا كان هذا شأن عدم التسجيل فليس هناك مجال لأن يترتب عليه إفراغ العقد غير المسجل من كل أثر بما يرتقي به إلى مرتبة البطلان
ثانياً: هل يرمي المشرع إلى القول بأن كل تصرف غير مسجل قائم على تصرف سابق عليه لم يسجل أيضاً يعتبر باطلا سعياً لمحاربة ظاهرة ما يسمى بالتوثيق على التوثيق بحيث يتنازل المتصرف له غير المسجل لآخر عن طريق تصرف موثق مما يفوت على الدولة ريعاً ضخماً كما يقول محامي المستأنف ضده وهذا الوجه غير مقبول أيضاً إذ لا يوجد أساس للتمييز بين كل التصرفات من حيث بطلانها فيكفي أن يكون التصرف الأول غير المسجل باطلا لاثارة سؤال مشروع عن سبب بطلانه الأمر الذي يعود بنا القهقرى للتساؤل عن سبب بطلان التصرف غير المسجل وكما قلت فإن معالجة مثل هذه الظاهرة لا تحتاج إلى حكم ببطلانها لا يعرف سببه ولا يمكن حمله على عدم التسجيل لاحتمال وقوع التسجيل لاحقاً إذ يكفي إعمال القواعد العامة للعقد للوصول إلى حكم ببطلان مثل ذلك التصرف تعويلاً على عدم وجود محل له أو لأن المتصرف غير مالك في معنى المادة 613 من قانون المعاملات التي تشترط أن يكون المتصرف صاحب الحق المتصرف فيه وبما أن الحق المعني هنا هو الحق العيني العقاري وليس الحق الشخصي الناشئ عن التصرف فإن مثل هذا المتصرف لا يستطيع نقل حق الملكية إلا بموافقة المالك المسجل مما قد يجعل تصرفه قابلاً للإبطال أو موقوفاً على الإجازة لهذا السبب وليس لعدم التسجيل
ثالثاً: هل المقصود من حكم المادة 615/2 هو أن العقار المملوك العين للدولة لا يصح أن يكون محل تصرف من المستأجر الطرف الآخر في عقد الحكر قبل أن يسجله في اسمه ذلك التسجيل الذي يتطلب اشتراطات عديدة من دفع قيمة الأقساط واكمال المباني سعياً من المشرع إلى الحد من التصرف في الأراضي الممنوحة من الدولة وفق سياسات معينة أيضاً لا أرى أيضاً وجهاً لهذا التفسير في ظل أن عبارة (العقار المملوك العين للدولة) تقطع بأن الحكر مسجل إذ ليس هناك من سبب يدعو إلى التصرف في مثل هذا العقار سوى أن يكون هناك مستأجر يسعى إلى التصرف في العقار كما أن الضوابط المستمدة من عقد الحكر من شأنها أن تحيط التصرف من وراء المؤجر المالك العقار بضمانات كافية لضرورة حصول موافقته على التصرف مما يغنيه عن الالتجاء إلى نظرية بطلان التصرف وهي في ذاتها غير مجدية لأن التسجيل مرحلة لاحقة على نشوء التصرف
رابعاً: هل قصد المشرع من اسباغ البطلان على التصرف غير المسجل إلى أن التصرف موقوف إلى أن يقع التسجيل بما يعني أن المراد بالبطلان هو البطلان النسبي الذي يقابله العقد الموقوف بمفهوم قانون المعاملات؟ هذا الوجه أيضا لا سند له لأسباب عديدة أهمها:-
1/ أن الأسباب التي تجعل العقد موقوفاً واردة على سبيل الحصر بالمادة (87) من القانون ولا تحتمل أي من تلك الأسباب حالة عدم تسجيل العقد
2/ أن الوقف المشار إليه قائم لمصلحة طرف محدد وينتهي بإجازة العقد من جانبه وليس هناك من طرف يمكن أن تنسب إليه الإجازة في حالة العقد غير المسجل إضافة إلى أن طرفي العقد ليس من صلاحيتهما ممارسة سلطة التسجيل وكما أن أسباب وقف العقد على الإجازة راجعة فعلاً إلى عيوب في تكوين العقد بينما العقد غير المسجل عقد صحيح من حيث التكوين يعوزه التسجيل فقط كما يفهم من نص المادة2/615
خامساً: هل يمكن رد البطلان إلى مبادئ وأحكام تعليق الالتزام على شرط واقف أو فاسخ بحيث يفترض أن المادة 615/2 ترمي إلى القول بأن التسجيل شرط لصحة التصرف وحصوله يعد شرطا واقفا يتوقف عليه وجود الالتزام واستمراره وعدم حصوله يعد شرطا فاسخاً يؤدي إلى زوال الالتزام
وهذا التكييف بدوره يصطدم بعدة عقبات أهمها أن الشرط وصف يلحق الالتزام بارادة الطرفين وهو من صنعهما وليس التسجيل إلا إجراء قانونياً يفرضه القانون لاعتبارات خاصة كما أن التسجيل اجراء لاحق على انعقاد التصرف بينما الشرط بشقيه جزء من التصرف يلحق به عند الانعقاد ولا يتصور ربط التسجيل بالالتزام عند نشوئه إلا إذا علق الطرفان زوال الالتزام بعدم وقوع التسجيل كشرط فاسخ اذا تعذر لاسباب لايد لهما فى ترتيبها وعندئذ يمكن الاستناد الي عدم وقوع التسجيل كشرط في صلب التصرف وليس كإجراء لاحق ولازم يفرضه قانون آخر هذا إذا تجاوزنا عن حقيقة أن مثل هذا الشرط الذي يعلق قيام أو زوال التصرف على التسجيل أو عدمه لا يعتبر شرطاً صحيحاً لأن من شأنه أن يجعل وجود الالتزام وزواله متوقفاً على محض إرادة الملتزم مما يجعله متحكما على مصير التصرف وجوداً وزوالاً مدفوعاً بمصلحته الخاصة علاوة على أن افتراض مثل هذا الشرط يحول تصرفاً قانونياً بسيطاً هو عقد بيع خالي من أي شرط إلى تصرف موصوف أو مركب لم يقصد إليه المتعاقدان وأخيراً فإن الواقعة أو الشرط الذي يجب أن يعلق عليه وجود الالتزام أو عدمه يجب أن يكون حادثاًُ عارضاً خارج نطاق علم الطرفين والصفة العارضة لا تتوفر في التسجيل فهو إجراء ضروري في جميع الأحوال
وهكذا يتضح بجلاء عدم إمكانية حمل حكم المادة 615/2 على أي وجه من وجوه التفسير يتمشى مع الإطار الذي ورد فيه وهو صحة أو بطلان التصرف وهما أمران يلحقان التصرف وقت نشوئه ولا يمكن أن يكون التسجيل وهو اجراء لاحق يطرأ بعد نشوء التصرف سبباً في وصمه بالبطلان لذلك فإن العقد أوالتصرف في العقار المملوك العين للدولة إذا نشأ صحيحاً وفق شروط الصحة الواردة بالمادة (86) من قانون المعاملات المدنية لا يكون باطلاً بسبب عدم التسجيل لأن التسجيل ليس ركنا في التصرف بل هو اثر من آثار التصرف الصحيح من شأنه نقل الملكية في العقار كما أنه لا اثر له في ترتيب صحة أو بطلان التصرف
فقد يكون التصرف ممكناً ومتاحاً تسجيله مع بطلانه وممتنعاً على التسجيل رغم صحته لذلك وفي حيز التفسير المنطقي المستمد من طبيعة الحالة التي تحاول المادة 615/2 تأصيل حكم بشأنها أو الموضوع الذي تسعى لوضع قواعد خاصة به فإن الرغبة أكيدة في ألا يكون نص المادة 615/2 عاطلا عن العمل وأنه لا بد من افتراض أنه وضع لمقابلة حالات معينة أو لتحقيق غاية محددة وأن الإخفاق في بلوغ تلك الغاية لم يكن إلا لخلل في الصياغة وعدم توفيق في التعبير رغم حضور الفكرة واختمارها في ذهن المشرع فما هي هذه الفكرة والتي يجب حصرها في إطار الهدف من التسجيل وما هو الدور الذي يؤدي كأداة خطيرة وفعالة لضمان استقرار المعاملات العقارية إن حق الملكية وسائر الحقوق العينية التي ترد على العقار من الحقوق التي يحتج بها في مواجهة الكافة لذلك فانة تكون لهؤلاء الكافة مصلحة في ان يعلموا ماهية هذه الحقوق و الأشياء التي ترد عليها و الاشخاص الذين تثبت لهم ولا شك ان تقرير نقل هذه الحقوق بمجرد التعاقد لا تحقق شيئا من هذا العلم وقد يترتب عليه أضرار جسيمة تصيب من يريد التعامل تعاملاً عقارياً إذ قد يتعامل مع شخص على أنه مالك في حين أنه نقل هذه الملكية إلى غيره مما يعرض حقوقه إلى الضياع ومن شأن ذلك عرقلة تداول الأموال والحد من الائتمان العقاري رغم أهمية هذا التداول وذلك الائتمان للاقتصاد القومي وقد حدد المشرع من مساوئ انتقال الحقوق المنقولة بمجرد العقد بنصه على قاعدة الحيازة في المنقول سند الحائز (المادة 653/ من القانون) فمن شأن هذه القاعدة ان تحمي الأشخاص الذي يتعاملون مع غير مالك المنقول وأن تمكنهم من دفع مطالبة المالك الحقيقي أما في العقارات فإن وسيلة حماية الغير هي اشتراط التسجيل لانتقال الملكية والحقوق العينية الأخرى وبهذه الوسيلة يستطيع من يريد التعامل بشأن العقار أن يتأكد من شخصية صاحب الحق على هذا العقار وما على العقار من أعباء عينية بحيث يطمئن إلى التعامل الذي يرغب يه ومن شأن ذلك أن يسهل تداول الأموال العقارية وأن يشجع على الائتمان العقاري والاقتراض بضمان الحقوق العقارية لذلك ولما كان قد تقدم أن التسجيل بطبيعة وظيفته يمتنع على أن يكون ركنا في التصرف إنما هو في الحقيقة اثر من اثار التصرف الغرض منه نقل الملكية الي المشترى او المتصرف له لذلك فانه حكم المادة 615/2 ينبغي أن يقتصر على اعتبار التسجيل ضرورة لازمة لنقل الملكية في العقار, وهذا الفهم أي أن المادة 615/2 تقرر قاعدة أن التصرف في العقار لا ينقل الملكية وأن الملكية تنتقل بالتسجيل مستمد من عدة إشارات قوية أهمها أن المادة 615/2 واردة في باب (كسب الملكية بالتصرف القانوني) ومعلوم أن كسب الملكية يقصد به في الاصطلاح القانوني الخاص بالعقار انتقال الملكية التي لا تنتقل بدورها إلا بالتسجيل وليس بالتصرف القانوني وحده ومنها أن المادة (614) تتحدث عن كسب ملكية المنقول المعين بنوعه وأنه لا يتم إلا بالإفراز الأمر الذي يحصر الباب بأكمله في كيفية كسب الملكية سواء في المنقول أو في العقار وهذه الأحكام بعيدة الصلة عن الصحة والبطلان حيث أن كسب الملكية أو انتقال الملكية سواء بالعقد أو بالإفراز في حالة المنقول أو بالتسجيل في العقار لا يترتب إلا بناء على عقود صحيحة ولا يجب أن يصرفنا عن هذا الرأي ذلك الخطأ الفادح الآخر الذي تضمنته الفقرة (1) من المادة (615) التي ذهبت إلى أن التصرف في العقار المملوك العين للمتصرف لا يصح إلا إذا كان مكتوباً دون أن يرتب أي جزاء على مخالفة مثل هذا الشرط الشكلي الذي يعتبر في هذه الحالة ركنا في العقد إلا أن الخطأ الأكثر وضوحاً هو أنه قد أورد هذا الحكم ضمن باب كسب الملكية بالتصرف القانوني
مع أن الحقيقة الناصعة هي أن التصرف في هذا العقار أو غيرها حتى ولو استوفى شرط الكتابة لا ينقل الملكية بذاته وأن الملكية إنما تنتقل أيضاً بالتسجيل الأمر الذي يعني أن هذا الحكم لا محل له في باب كسب الملكية وبنفس القدر فإن حكم الفقرة 3 من المادة (615) يتمشى تماماً مع فهمنا لحكم هذه الفقرة فإذا كانت الملكية لا تنتقل إلا بالتسجيل فلا يجوز أن تنتقل المنفعة وهي لب الحق إلى الغير دون إجراء التسجيل اللازم بنقل تلك الملكية مما يحد من التصرفات الضارة التي تعمد إلى نقل المنفعة مادياً دون إجراء التسجيل الضروري وهذا إجراء يقتضيه ما يشترطه عقد الحكر أو اللوائح الإدارية للمالك من ضرورة الحصول على موافقته عند نقل الايجارة طبقاً للمادة (51) من قانون تسوية الأراضي وتسجيلها والتي تسبق التسجيل ويسند هذا الاتجاه في فهم المادة 615/2 مذهب قانون المعاملات نفسه في الفصل بين انعقاد التصرف وترتيبه لآثاره المرغوب فيها ومنها نقل الملكية وفقا لطبيعة الحق المراد نقله فالقاعدة العامة أن الملكية تنتقل بمجرد تمام العقد طبقاً للمادة (189) وتنتقل بالإفراز إذا كان معيناً بنوعه كما تقول المادة (614) وبالتسجيل كما نرى أن يكون تفسير المادة 615/2 بل أن حكم المادة (227) الذي يوقف نفاذ عقد الهبة وبالتالي انتقال ملكية العقار الموهوب على التسجيل باعتباره الإجراء الذي يعلق القانون (قانون تسوية الأراضي وتسجيلها) نقل الملكية عليه الأمر الذي يعني أن التسجيل مطلوب لنقل الملكية وليس شرطاً لصحة التصرف خاصة وأن المادة نفسها تخول طرفي التصرف حق استكمال إجراءات التسجيل وإلا لما استطاع طرفا عقد الهبة والذي يتصور وقوعه على عقار مملوك العين للدولة أن يستكملا إجراءات التسجيل لو كان عقدهما باطلا لتخلف شرط التسجيل
وكما سبق أن نوهت فإن هذا التفسير تقتضيه ضرورة أن يكو لنص المادة 615 بفقراتها الثلاث معنى مستساغ وحكم قابل للتطبيق يتسغ مع أحكام القوانين الخاصة صاحبة الولاية الأصلية في هذا المجال كقانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م إذ على الرغم من انعقاد الاختصاص لقانون المعاملات المدنية في ارساء القواعد الكلية فيما بتعلق بانعقاد العقد وشروط صحتهالخ إلا أن كيفية انتقال الملكية العقارية مما يتكفل ببيانه قانون تسوية الأراضي وتسجيلها وقد أحسن قانون المعاملات صنعاً حينما أحال على القانون المذكور في كثير من الحالات لذلك فإننا لم نكن في حاجة لحكم يقرر كيفية انتقال الملكية ومتى تكتسب في ظل سريان قانون تسوية الأراضي وتسجيلها القاطع الدلالة في أن الملكية العقارية تنتقل بالتسجيل طبقاً للمادة (54) من القانون حيث جاء ذلك في عبارة واضحة (ويكتمل نقل الملكية عندما يقيد المسجل في السجل اسم الشخص الذي نقلت إليه ملكية الأرض كمالك لها)
ولا يجوز لنا أن نقبل حكم المادة 615/2 من قانون المعاملات إلا في معرض تأكيد هذا المعنى رغم أننا لم نكن في حاجة إليه وإذا كان هناك من يرى خلاف ذلك فيسبغ على المادة 615/2 حكماً متعارضا لما تقول به المادة (54) أو أنه يعني بطلان التصرف بعدم التسجيل كما يفهم من ظاهر عباراته فإن الرد هو ألا سبيل لإعمال ذلك الحكم لعد قابليته للتطبيق ولتعارضه من جهة أخرى مع حكم المادة (54) من قانون تسوية الأراضي وتسجيلها الذي يجب أن يسود باعتباره حكماً في قانون خاص يقيد أحكام قانون المعاملات الذي يعد قانوناً عاما في هذا الخصوص – هذا ومن جانب آخر ذهبت المادة (48) من قانون تسوية الأراضي وتسجيلها إلى عدم صحة الإجارة الخاصة بالأرض الحكر إلى أن تسجل فهل يعتبر ما جاء بالمادة 615/2 ترديدا لهذا الحكم وتعزيزاً له مما يفترض معه أن القانون الخاص نفسه يتبنى نفس الحكم ويقضي ببطلان الايجارة غير المسجلة – ليس هناك سند لهذا الحكم الذي لا يعدو أن يكون تطبيقاً حرفياً لمبدأ انتقال الحق العيني العقاري بالتسجيل والمقصود أن المستأجر لا يكتسب الحق الناشئ عن الايجارة إلا إذا تسجلت هذه الايجارة وشتان ما بين تعليق بداية الايجارة أو الملكية المستندة إلى تاريخ التسجيل المستمد من عبارة (إلى أن تسجل) الأمر الذي يعني إمكانية التسجيل وعبارة (لا يصح إلا إذا تم تسجيله) مع الوضع في الاعتبار المعنى القانوني لعدم الصحة طبقاً لقانون المعاملات خلافاً لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها وهو قانون خاص مهمته تسوية الحقوق في الأراضي وتسجيلها وليس من مهمته الخوض في المبادئ التي تحكم مدى صحة التصرفات أو بطلانها والقانون الأول هو المرجع الوحيد في هذا المجال ومع ذلك فإن لمادة (48) تمنح المستأجر فرصة التسجيل وتعلق عليه انتقال الملكية بينما تدمغ المادة 615/2 التصرف غير المسجل بالبطلان كما ولو كان التسجيل ركنا في التصرف الأمر الذي لا يتيح أي مجال لإجراء التسجيل والرجوع إلى المادة (49) التالية تكشف بوضوح مدى الأثر الممنوح للتسجيل كسبب لحيازة الأرض بعد تسجيل الايجارة وكلما يمكن أن يرتبه حكم المادة (48) هو أن الايجارة غير صالحة لنقل الملكية حتى تسجل فإذا سجلت انتقلت الملكية إلى المستأجر وهذا شئ مختلف عما جاء بالمادة 615/2 التي تدعي أن التصرف غير المسجل باطل الأمر الذي يسوغ صرف ظاهر هذا الحكم ليصب في مجراه الطبيعي وهو أن التصرف الصحيح الذي لا يعد – التسجيل بأي حال من الأحوال ركنا فيه لا ينقل الملكية وأن الذي ينقل الملكية في العقار هو التسجيل وأنها أي الملكية تظل معلقة حتى يتم التسجيل والقول بغير هذا يقلب كافة المفاهيم القانونية ولا يؤدي إلى أي نتيجة منطقية فالتصرف رضائياً أو كان شكلياً لا ينقل الملكية إلا إذا سجل ولو كان التسجيل ركنا من أركان التصرف لما انعقد قبل التسجيل وبالتالي لما أنتج أي أثر فى حين أن التصرف غير المسجل ينتج جميع آثاره فيما عدا نقل الملكية ويؤيد هذا النظر بشدة ما جاء بالمادة الأولى من قانون تنظيم الشهر العقاري المصري التي تقرأ:-
1/ جميع التصرفات التي من شأنها إنشاء حق من الحقوق العينية الأصلية أو نقله أو زواله أو تغييره وكذلك الأحكام النهائية المثبتة لشيء من ذلك يجب شهرها بطريق التسجيل ويدخل في هذه التصرفات الوقف والوصية
2/ ويترتب على عدم التسجيل أن الحقوق المشار إليها لا تنشأ ولا تنتقل ولا تتغير ولا تزول لا من ذوي الشأن ولا بالنسبة لغيرهم
3/ ولا يكون للتصرفات غير المسجلة من الأثر سوى الالتزامات الشخصية بين ذوي الشأن
وهذا يوضح بجلاء أن الحق العيني هو الذي لا ينشأ ولا ينتقل ولا يزول بعدم التسجيل أما التصرف أداة التسجيل فلا شان للقانون الخاص بالتسجيل به إلا فيما – يتعلق بشكل الوثائق ومدى استيفائها لمتطلبات التسجيل لأن الواجب يقتضي التفريق بين إنشاء التصرف المراد نقل الحق العيني بمقتضاه وإنشاء الحق العيني الذي يتوقف على التسجيل وبه تتحقق للمتصرف الذي سجل عقده حقوق الملكية كاملة وشرحا لهذا المبدأ يقول حكم لمحكمة النقض المصرية (أن عقد البيع هو من عقود التراضي التي تتم وتنتج آثارها بمجرد توافق الطرفين) وكلما استحدثه قانون التسجيل من أثر في أحكام البيع هو أن نقل الملكية بعد أن كان بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 266 من القانون المدني (القديم) نتيجة لازمة للبيع الصحيح بمجرد عقده أصبح متراخياً إلى ما بعد حصول التسجيل أما أحكام البيع الأخرى فلا تزال قائمة لم ينسخها ذلك القانون فالبائع يبقى ملزماً بموجب العقد بتسليم المبيع وبنقل الملكية للمشتري كما يبقى المشتري ملزماً بأداء الثمن إلى غير ذلك من الالتزامات التي تترتب بينهما على التقابل بمجرد انعقاد العقد
وعلى ذلك فعقد البيع العقاري غير المسجل عقد موجود وصحيح وترتب عليه جميع آثاره وينشئ التزاما في ذمة البائع بنقل الملكية (عقد البيع في القانون المدني للدكتور خميس خضر 1969م ص 133) ولقد ردد نفس الفكرة الأستاذ الدكتور محمد كامل مرسي في مؤلفه شهر التصرفات العقارية ص 122 قائلاً (وقد جرى البحث عما إذا كان الشارع أراد أن يجعل التسجيل ركنا من أركان العقود الناقلة للملكية والحقوق العينية كعقد البيع فلا تنعقد بتوافره ورأى كثير من المحاكم أن الشارع لم يرد ذلك وأن عقد البيع لا زال كما كان من عقود التراضي موجبا للتعهدات التي كان ينتهجها من قبل ما عدا نقل الملكية وهو اثر من آثار البيع فإنه أصبح خاضعا لإجراءات شكلية اشترطها القانون الجديد فإن لم تعمل هذه الإجراءات أي إذا لم يسجل العقد فإن الملكية أو الحقوق العينية فقط هي التي لا تنتقل وقد طرح الموضوع أمام محكمة الاستئناف الأهلية مجتمعة فقررت (أن عقد البيع إنما هو من عقود التراضي التي تتم وينتج أثرها بمجرد توافق الطرفين وأن نقل الملكية لم يكن ركنا أساسيا فيه وإنما هو نتيجة من ضمن النتائج القانونية المترتبة على العقد حتى أن قانون التسجيل نفسه لم ينص على بطلان العقد غير المسجل واعتباره كأن لم يوجد وإلا تسمع أي دعوى بشأنه بل قضى فقط بتعليق نقل الملكية فيه على شرط التسجيل هو من ضمن العقود المعلق نقل الملكية فيها على شرط والجائزة قانوناً وقد استقرت الأحكام بعد حكم الدوائر المجتمعة على هذا الرأي)
وأخيراً إذا علمنا أن الحكم القضائي لصحة التعاقد وانفاذه في حق البائع الصادر لمصلحة المشتري يعتبر من السندات القابلة للتسجيل بقصد نقل حق عيني على العقار طبقاً للمادة (71) من القانون ومما لا شك فيه أنه يستند بطبيعة الحال إلى عقد غير مسجل فكيف يمضي المشرع رأيه ببطلان التصرف غير المسجل على مثل هذا الحكم خاصة وأن البائع لا يستطيع أن يدفع الدعوى بعدم تسجيل العقد لأن هذا هو مطلب المشتري الذي رفع الدعوى من أجله ولأنه دفاع أساسا مردود لما يشكله من نقض لما أبرمه على يديه ولتصادمه مع المبادئ العامة في القانون إذ ليس للبائع مصلحة في الدفع بعدم تسجيل العقد لأنه غالباً ما يكون من صنعه والتوجيه الصحيح لكل من البائع والمشتري في ظل صدور عقد بيع لم يسجل أنه ليس لأي منهما التمسك بالملكية ولكن لكل منهما أن يدفع ويدافع في شأن صحة صدور عقد البيع فإذا قضى بصحة البيع كان للمشتري أن يسعى إلى أن يرتب هذا الحكم أثره بنقل الملكية إليه
وكل هذه الظروف والأسباب توضح بجلاء مدى الأساس الواه الذي قام عليه حكم المادة 615/2 والذي يتعارض مع المبادئ العامة في صحة التصرفات ومع أحكام القانون الخاصة بالتسجيل ولا مجال مطلقا لإعماله إلا على حمله على أن المقصود منه أن الملكية لا تنتقل إلا بالتسجيل وهذا حكم مقرر منذ أمد بعيد ولم تكن الحاجة إليه ماسة ليكون سبباً في مزيد من الارتباك والإبهام في الوسط القانوني ولما كان حكم المادة 615/2 المشار إليها وبالفهم المتقدم لا ينطوي على تعديل لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها فيما يتعلق بضرورة الاعتداد بالتسجيل كأداة لانتقال الحق العيني في العقار فإنني لا أرى سبباً لمناقشة مدى انطباق حكم المادة المذكورة على العقد موضوع النزاع وقد انعقد عام 1981م في ظل قانون آخر طالما كانت النتيجة واحدة فيما يتعلق بعدم بطلان التصرف غير المسجل حسب الفهم الذي رأيناه أما المسألة الأخرى فمتعلقة بسبب الدعوى في مواجهة المستأنفة الثانية التي اكتفت بدورها بتسجيل تحذير على هامش السجل دون أن تتخذ أي إجراء آخر بخصوص إثبات ما قد يكون لها من حق وقد التفتت المحكمة عن الخوض كثيراً في موقفها من الدعوى بنفس القدر الذي تجاهلت به الدفع ببطلان العقد لعدم التسجيل هذا الموضوع الضخم الذي استغرق وقتاً وجهداً كبيرين من هذه المحكمة
وبناء على كلما تقدم ولما كان العقد موضوع النزاع صحيحاً ولم يكن باطلاً بسبب جنون أو عته المستأنف الأول أو لعدم تسجيل العقد ولم يكن قابلاً للإبطال بسبب ما اعترى رضاءه من إكراه ولما كان المستأنف ضده قد أوفى بالتزامه بدفع الثمن فإنه لا مناص من تأييد الحكم المستأنف الصادر بصحة التعاقد وانفاذه في حق المستأنف الأول بعد الحصول على موافقة المحافظ المختص على تعديل السجل لاسم المستأنف ضده والرأي من بعدي لزميلي العالمين
القاضي: تاج السر محمد حامد
التاريخ: 7/1/1991م
أوافق زميلي العالم فيما توصل إليه من نتيجة بعد أن تناول المسألة من كل الجوانب وباقتدار تام مع اعتقادي بأن تسجيل التصرف حسبما يترآي لي من استقراء المادة 615/2 من قانون المعاملات المدنية ركنا من أركان التصرفات في العقارات مملوكة الرقبة للدولة لتعتبر التصرفات السابقة على هذا التسجيل وعدا بذلك أي وعدا بالتعاقد في معنى المادة 46 من قانون المعاملات المدنية
وعلى ضوء هذا التكييف يكون للحكم الصادر في هذه الدعوى بتعديل سجل القطعة باسم المستأنف ضده تنفيذا للاتفاق متفقاً مع صحيح القانون بعد أن توافر كل أركان الوعد بالتعاقد بما في ذلك الأركان الخاصة من تحديد للعقار والثمن والتزام شكل الكتابة وفقاً لمقتضيات المواد 46/2 مقروءة مع المادة 615/1من قانون المعاملات
القاضي: محمد أبوبكر محمود
التاريخ: 9/1/1991م
أوافق الزميلان المحترمان فيما توصلا إليه

