عبد الرحمن بشارة دوسة وحسين أبكر صالح ضد حكومة جمهورية السودان
المحكمة العليا
الدائرة الدستورية
القضاة :
السيد/محمد ميرغني مبروك رئيس القضاء رئيساً
السيد/مهدي محمد أحمد نائب رئيس القضاء عضواً
السيد/عبد المنعم الزين النحاس قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/عبد الرحمن عبده قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ محمد عبد الرحيم علي قاضي المحكمة العليا عضواً
عبد الرحمن بشارة دوسة وحسين أبكر صالح
ضد
حكومة جمهورية السودان
م ع / ق ن / 4 /1988م
المبادئ:
قانون دستوري – دعوى حماية الحقوق الدستورية – شروط قبولها –
قانون دستوري- تحديد طبيعة القرار رقم (1) لسنة 1406هـ - تشريعي أم إداري – التفرقة بين القرار التشريعي والإداري وفق المعيارين الشكلي والموضوعي
- إن دعوى حماية الحقوق الدستورية لا تقوم على من يتوفر له طريق آخر للطعن كما يشترط فيها أن يكون هنالك إهدار لحق دستوري وهو ما لا تستوفيه الحقوق والامتيازات التي تقررها القرارات التنفيذية بل وحتى التشريعية إلا ما كان منها كاشفاً لحق ينص عليه الدستور صراحة أو ضمناً
1- أخذاً بالمعيارين الشكلي والموضوعي فإن القرار رقم (1) لسنة 1406هـ الصادر في الاجتماع المشترك بين المجلس العسكري ومجلس الوزراء الانتقاليين لا يشكل تشريعاً يخضع للطعن بعدم الدستورية إنما يعتبر قراراً إدارياً
المحامون : عبد الله الإمام النائب العام
التاريخ: 5/12/1988م
الحكم
هذه دعوى حماية حقوق دستورية أقامها الأستاذ عبد الله الإمام المحامي نيابة عن موكلي عبد الرحمن بشارة دوسه وحسين أبكر صالح يطعن بموجبها في القرار رقم (1) لسنة 1406هـ الصادر بتاريخ 10/2/1986م من الاجتماع المشترك للمجلس العسكري ومجلس الوزراء الانتقاليين بحجة أن ذلك القرار قد أهدر حقوق موكليه المكفولة لهما بموجب المادتين 17 و 27 من الدستور الانتقالي
ويبين من جماع المذكرات المقدمة في هذه الدعوى أن القرار المطعون فيه بعدم الدستورية ورغم صدوره في 10/2/1986م قد نص على سريانه اعتباراً من 6/4/1985م كما نص على إلغاء القرارات الجمهورية بالأرقام 132 135 136 137 138 139 لسنة 1984م التي كان قد أصدرها رئيس الجمهورية السابق في شأن تنظيم مخصصات الوزراء الإقليميين والمحافظين في ذلك الوقت
ويبين أيضاً أنه وطبقاً لنصوص القرارات الجمهورية المشار إليها كان الوزير الإقليمي أو محافظ المديرية-بحسب الحال- مستحقاً عند إعفائه من منصبه لبعض الامتيازات منها المكافأة المالية ومنها الإعفاء من الرسوم الجمركية وفقاً للشروط المضمنة في تلك القرارات وترتب على صدور القرار المطعون فيه بعدم الدستورية بأثر رجعي إن حرم الطاعنان من الامتيازات hلتي كانا يستحقانها لو لم يصدر ذلك القرار
وفي هذه الدعوى ينعى الطاعنان على القرار المطعون فيه مخالفته للدستور في مادتيه المشار إليهما فيما تقدم لما يلي من أسباب :_
(أ) أن سريان القرار بأثر رجعي " يخالف المبادئ الدستورية المعمول بها في كل العالم
(ب) أن القرار ينتهك الحق المقرر للكافة في المساواة طبقاً لنص المادة 17 من الدستور الانتقالي
(ج) أن القرار يهدر الحقوق المكفولة لهما بموجب المادة 27 من الدستور ذاته في شأن حظر تجريم أي فعل أو فرض أية عقوبة إلا بمقتضى قانون معمول به وقت ارتكاب ذلك الفعل
وفي بيان استيفاء الدعوى لشروطها الشكلية المقررة بموجب المادة 325 مقروءة مع المادة 327 من قانون الإجراءات المدنية يقول محامي الطاعنين أن في هذا إهدار حقوق موكليه ما يضفي عليهما مصلحة مباشرة في إقامة الدعوى وأنهما استنفذا كافة طرق التظلم المتاحة لهما أعلن النائب العام بعريضة الدعوى فتقدم بالدفوع التالية:
(أ) أن (الحقوق) التي يدعى الطاعنان إهدارها لا تعدو أن تكون امتيازات لا ترقى إلى الحقوق المشمولة بالحماية الدستورية إذ أن باب الحقوق والحريات في الدستور الانتقالي يخلو من أي نص يمكن تفسيره على وجه يضفي الحق في التمسك بالمخصصات المقررة في حالة الإعفاء من أي منصب تتعلق به تلك المخصصات
(ب) أن الطاعنين تنكبا الطريق السليم للطعن في قرار الاجتماع المشترك للمجلس العسكري ومجلس الوزراء الانتقاليين وذلك نظراً إلى أن طريق الطعن في ذلك القرار هو طريق الطعن الإداري وبناءً على ذلك فإن الطاعنين لا يكونان قد استنفدا طرق التظلم المتاحة قبل اللجوء إلى دعوى حماية الحق الدستوري
(ج) أن القرار المطعون فيه بعدم الدستورية جاء إعمالاً لنص الماد 16أ (3) من الدستور الانتقالي في شأن تصفية آثار مايو وبناءً على ذلك لا يكون في أي قانون يسعى إلى تحقيق ذلك الهدف ما يجوز وصفه بعدم الدستورية
(ى) أنه وأياً كان وجه الرأي فيما تقدم وطالما كان الطاعنان لم يكملا فترة سنتين في منصبيهما فإنهما وطبقاً لنصوص القرارات الجمهورية ذاتها التي يثيرانها لا يستحقان امتياز الإعفاء من الرسوم الجمركية
وفي رده على دفوع النائب العام فإن محامي الطاعنين وأن كان يقر بأن باب الحقوق والحريات في الدستور الانتقالي يخلو من أي نص صريح في المكافأة الذي يدعيه لموكليه إلا أنه وفي ذات الوقت يتمسك بأسباب دعواه كاملة حيث يرى أن حرمات موكليه من فوائد ما بعد الخدمة هو جزائي في طبيعته مما يجعله مهدراً لمقتضيات المادة 27 من الدستور الإنتقالي وأنه لا محل للإحتجاج بنص المادة 16 (أ) (3) من ذلك الدستور نظراً إلى أن هذه الدعوى دعوى حماية حق وليست طعناً في أي تشريع بعدم الدستورية وأنه وخلافاً لما دفع به النائب العام قضى المدعيان في منصبيهما من الزمن ما يؤهلهما لامتياز الإعفاء من الرسوم الجمركية
يبين مما تقدم أن جوهر الخلاف بين محامي المدعين والنائب العام يتعلق بالتكييف السليم لطبيعة القرار رقم (1) لسنة 1406هـ الذي أصدره الاجتماع المشترك للمجلس العسكري ومجلس الوزراء الانتقاليان ويبين أيضاً أن القرار في هذا الخلاف من شأنه أن يحسم النزاع في هذه الدعوى إذ أنه إذا كان القرار المشار إليه قراراً إدارياً في طبيعته فإن طريق الطعن فيه لا يكون أمام هذه الدائرة الدستورية وإنما يكون طبقا للإجراءات والأوضاع المقررة للطعن في القرارات الإدارية
ونظراً إلى ذلك فإن ما ينبغي أن نتجه إليه هو تكييف ذلك القرار وفي هذا الشأن فإن أول ما تجب مراعاته هو أنه وعلى الرغم من أن القرار المطعون فيه بعدم الدستورية قد صدر في صيغة (قرار) مما قد يقوم دليلاً على (أن له صفة إدارية) كأمر يختلف في طبيعته عن التشريع إلا أن ذلك لا يكفي وحده لاعتباره قراراً في معنى القرارات الإدارية التي ينبغي الطعن فيها بهذه الصفة فالمقرر فقهاً وقضاءً هو أن اللفظ لا يصلح وحده أساساً لإضفاء صفة معينة للقرار إلا إذا تطابق ذلك اللفظ مع الصفة القانونية للقرار كما تقرها القواعد القانونية التي تحكم تصنيف ذلك القرار على أنه وفيما يتعلق بتعريف ما يشكل القرار الإداري فإن فقه القانون لم يهتد إلى قاعدة قطعية حيث يتردد التعريف في الأنظمة القانونية التي تسود دول العالم بين من يأخذ بالمعيار الشكلي أو العضوي وما يأخذ بالمعيار الموضوعي أو المادي لتكييف القرار وطبقاً للمعيار الأول يكون القرار إدارياً إذا صدر من جهة إدارية ويكون تشريعياً إذا صدر من جهة تشريعية أما طبقاًَ للمعيار الموضوعي فإن ما يحكم تطبيق القرار هو طابعه العمومي أو الخصوصي في تناوله المراكز القانونية المختلفة فإن اتجه إلى وضع قاعدة عامة كان تشريعاً وإلا كان قراراً إدارياً
أما في نظامنا القانوني الذي خلا هو الآخر من تحديد قاطع لمعايير التفريق بين القرار الإداري والتدبير التشريعي فإننا لا نرى حاجة إلى الالتزام بصفة نهائية بأي واحد من المعيارين الشلكي أو الموضوعي إذ أنهما لا يخلوان من تداخل دقيق يجعل تطبيق أي واحد منهما على استقلال أمراً غير سليم ونرى بدلاً من ذلك أن يكون النظر إلى القرار في ضوء الاعتبارات التي تصاحب صدوره واعتبار الشكل والموضوع معاً
وعلى هدى من هذا النظر فإنه يبين أن القرار رقم (1) لسنة 1406هـ موضوع هذه الدعوى قد صدر من الاجتماع المشترك للمجلس العسكري ومجلس الوزراء الانتقاليين وهما مما يشكلان معاً السلطة التشريعية في الفترة الانتقالية طبقاًً لما كانت تنص عليه المادة 34 من الدستور الانتقالي ( وقد تم إلغاؤها بعد تلك الفترة ) بيد أن واقع صدور قرار من السلطة التشريعية لا تعني بالضرورة أن القرار تشريعي في طبيعته كما يقضي بذلك المعيار الشكلي إذ ليس من غير المألوف أن تمارس السلطة التشريعية صلاحيات تنفيذية كما أن للتشريع ضوابط إجرائية وموضوعية لا بد من استيفائها قبل أن يصح تكييف أي تدبير على أنه تشريعي والدليل على ذلك هو ما يقرره الدستور الانتقالي نفسه في شأن إجراءات التشريع في الفترة الانتقالية حيث نص في مادته الثانية والخمسين على أن إجراءات التشريع تبدأ بمشروع قانون يقدمه المجلس العسكري أو رئيس الوزراء أو أي من الوزراء لمجلس الوزراء الذي يجيز ذلك المشروع ثم يحيله للمجلس العسكري للتوقيع عليه وعلى ذلك فإن ما تنص عليه المادة 34 من نفس الدستور من اعتبار للاجتماع المشترك للمجلسين سلطة تشريعية ينبغي أن يفسر على أنه لإقرار للمبدأ العام في التشريع دون أن يتعدى ذلك إلى هدف في تحديد الشكل الذي يتم به ذلك ولما كان الأمر كذلك وكان صدور القرار رقم (1) لسنة 1406هـ المشار إليه غير ملتزم بالضوابط المقررة إصدار التشريعات فإن القرينة التي تنشأ من أسلوب صدوره تكون هي أن القرار لا يشكل تشريعاً
وبالنظر إلى القرار في موضوعه يبين أنه يتعلق بمراكز خاصة لعدد محدود من المواطنين هو أولئك الذين ظلوا يشغلون مناصب أو درجات وزارية في الدولة حتى السادس من أبريل من عام 1985م وبالاعتبار للمعيار المألوف والعادي في مبدأ التشريع يبين أن التشريع يتصف في تناوله لمراكز القانونية في الغالب بالعمومية وليس الخصوصية التي تشكل الصفة الغالبة للقرار محل النظر وبذلك فإن طبيعة القرار رقم (1) لسنة 1406هـ من شأنها أضفاء مزيد من القوة للقرينة التي تنفي عن القرار أية صفة تشريعية وبالإضافة إلى ذلك وبالإمعان في القرار المشار إليه في موضوعه يبدو واضحاً أنه تناول بالإلغاء قرارات صدرت من رئيس الجمهورية السابق بموجب صلاحياته التي كانت تقررها المواد 80/97 و 182ج (3) من دستور 1973 الملغي وبالنظر إلى تلك المواد يبين أنها جميعها تتعلق بالسلطات التنفيذية للرئيس السابق للجمهورية فالمادة 80 كانت تقرأ :
"رئيس الجمهورية هو رأس الدولة ويتولى السلطة التنفيذية ويشارك في السلطة التشريعية الخ " و المادة97 نصت على أنه " يحدد رئيس الجمهورية بقرار جمهوري مخصصات وامتيازات رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم " أما المادة 182ج(3) فقد كانت تنص على أنه " يحدد رئيس الجمهورية مخصصات وامتيازات الحاكم ونائبه والوزراء الإقليميين " ورغم أن المادة الأخيرة لم تكن في صراحة المادة 97 من حيث أن قرار تحديد المخصصات قرار وليس تشريعاً إلا أن استناد القرار الصادر مخصصات وامتيازات الوزراء الإقليميين إلى السلطة التنفيذية للرئيس السابق للجمهورية ثم كون القرار من جنس القرارات التي تصدر بموجب المادة 97كلها تجعل القرار تنفيذياً في طبيعته ولا يتبدل وجه الرأي لمجرد أن المادة 80 من الدستور الملغي كانت تشير أيضاً إلى مشاركة الرئيس السابق في السلطة التشريعية ذلك لأن المشاركة في السلطة التشريعية إلى جانب أنه كان يمثل السلطة التنفيذية وذلك لأن المشاركة في السلطة التشريعية لم تكن متروكة دون ضوابط بل كانت تتم طبقاً لنصوص الدستور الملغي نفسها على وجوه محددة هي إما التوقيع على مشروع قانون أجازه مجلس الشعب طبقاً لنص المادة 157 من ذلك الدستور أو إصدار أمر مؤقت في الحالات وطبقاً للشروط التي كانت تقررها المادة 106 منه أو إصدار تشريع إذا فوضه في ذلك مجلس الشعب طبقاً لنص المادة 108 من الدستور ذاته أما في غير تلك الحالات فإن الرئيس السابق للجمهورية لم يكن يتمتع بأية سلطة تشريعية مما يعني بالضرورة أنه وما لم تكن قراراته صادرة بموجب المواد المشار إليها فإنها كانت طبيعتها الحقيقية لا تكون تشريعية على أي حال
وحيث أن القرارات التي اتجه القرار رقم (1) لسنة 1406هـ محل النظر إلى إلغائها لم تكون تشريعية على الوجه الذي سلف بيانه فإن ذلك يقوم دليلاً جديداً على أن القرار المشار إليه لا يمكن وصفه بأنه تشريعي هو الآخر وإنما ما يكون مستساغاً هو أنه قرار من نفس درجة القرارات التي تم إلغاؤها إذ أن المعلوم والمألوف في التدابير المتعلقة بنشاطات أجهزة الدولة أن التدبير – أياً كان- يلغى بتدبير من نفس درجته مما يترتب عليه أن يكون إلغاء القرار التنفيذي بقرار تنفيذي مماثل تماماً كما لا يلغى التشريع إلا بتشريع صادر من جهة تملك سلطة في التشريع من نفس الدرجة
وحيث أن الأمر كذلك فإن طريق الطعن في القرار المطعون فيه – وأياً كان سنده – لا يكون بطريق دعوى حماية الحقوق الدستورية وذلك لأن مثل هذه الدعوى لا تقوم على ما يتوفر له طريق آخر للطعن كما يشترط فيه أن يكون هناك إهدار بحق دستوري وهو ما تستوفيه الحقوق والامتيازات التي تقررها القرارات التنفيذية بل وحتى التشريعية إلا ما كان منها كاشفاً لحق ينص عليه الدستور صراحة أو ضمناً
وحيث أن الدعوى محل النظر خالية من أي سبب يقوم سنداً لدعوى حماية حقوق دستورية على ما سلف بيانه من تفصيل فإننا نقرر شطبها برسومها
صدر في اليوم الخامس والعشرين من ربيع الثاني 1409هـ الموافق الخامس من ديسمبر 1988م

