عبد الحميد محمد أحمد هلال /ضد/ قاسم عبد الرحمن وآخرين
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / جون أنقي كاسيبا قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / أحمد البشير الهادي قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
عبد الحميد محمد أحمد هلال طاعن
ضد
قاسم عبد الرحمن وآخرين المطعون ضده
النمرة : م ع / ط م/1041 /1994م
المبادئ:
إجراءات مدنية - الحكم الرضائي - متي يخضع للطعن
إجراءات مدنية - الحكم الرضائي - كيف يخضع للطعن - المحكمة المختصة بالطعن - المادتان 217 و 303 من قانون الإجراءات المدنية 1983م
1- استقر قضاءً أن الأحكام التي تسمي رضائية تخضع لإعادة النظر بمجرد قيام إدعاء بأنها لم تكن رضائية في الواقع وعلي ذلك فإن كافة عيوب الرضا كالغش والتدليس والتواطؤ والغلط تصلح كأسباب للطعن في تلك الأحكام
2 - يجوز الطعن في الأحكام التي تسمي رضائية دون أن تكون كذلك بالفعل عن طريق المراجعة أو استعمال المحكمة لسلطاتها الطبيعية بموجب المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية أو الطريقتين معاً وإن الدرجة التي صدر فيها الحكم موضوع الطعن هي أنسب المحاكم لهذا الغرض لتعلق الطعن بمسائل تتعلق بالوقائع التي تكون وثيقة الصلة بإجراءات تلك المحكمة
رأي عابر :
لا يعرف القانون السوداني المدني الإجرائي أو الموضوعي ما يسمي بدعوى البطلان إلا فيما تراه محكمة استئنافية إنها كذلك بسبب إجرائي أما البطلان الموضوعي فإنما تتميز به المعاملات بمقتضي نصوص صريحة في ذلك وأن الدعوى لا تشكل معاملة لهذا الغرض
ملحوظة المحرر :
1 - أيد هذا الحكم قضاء المحكمة العليا في قضيه حسين خليل //ضد// رمسيس عياد المنشورة بمجلة الأحكام القضائية 1964م ص 88 والذي قرر جواز الطعن في الحكم الرضائي
2 - وكذلك أيد قضاء المحكمة العليا في الطعن رقم 215 / 78 بين حسين عبد الله //ضد// يونس علي محمد المنشورة بمجلة الأحكام القضائية السودانية 1978م ص 107 وقضية حسن الطاهر الحاج //ضد// ورثة مدثر سليمان ط م 55 / 1405هـ مجلة الأحكام القضائية السودانية 1985م ص 208
3 - خالف هذا الحكم قضاء المحكمة العليا في قضية حسين عبد الله //ضد// يونس المذكورة أعلاه فيما قررته في كيفية الطعن في الحكم الرضائي حيث قررت بأنه لا يجوز الطعن في الأحكام الرضائية إلا عن طريق إقامة دعوى جديدة تؤسس على بطلان الحكم
الحكـــم
القاضي : زكي عبدالرحمن محمد :
التاريخ : 4/4/1996م
يطعن الأستاذ / عبد العزيز محمد علي حاكم المحامي نيابة عن موكله المدعي في الدعوى المدنية رقم 467 / 92 الخرطوم الجزئية في الحكم الصادر بتاريخ 11/8/ 1994م من محكمة استئناف ولاية الخرطوم في أس م/1946/93م بشطب الطعن وتأييد القرار الصادر من المحكمة الجزئية في الدعوى المقدم ذكرها والقاضي بشطب الدعوى بحجة سبق الفصل فيها
وتتحصل الوقائع في أن الأستاذ عمر علي عبد السلام المحامي أقام الدعوى المشار إليها آنفاً ( باعتباره محامياً للطاعن ) تأسيساً على أن الطاعن اشتري القطعة رقم 41 مربع 5 / هـ غرب الديوم والسجانة ) من المطعون عليه الثالث الذي كان مفوضاً من المطعون عليهما حسب ما جاء في عريضة الدعوى
وفي الرد على الدعوى دفع المطعون عليهم أولاً: بأن موضوع الدعوى كان محل نزاع مباشر في دعوى سابقة بالرقم 637 /90 شطبته بطلب من الطاعن بناء على تسوية تمت في شأنها وثانياً : وأنه لم يكن هناك عقد بيع مكتوب مما يجعل البيع باطلاً
وبناء على ذلك الدفع أمرت المحكمة الجزئية بضم محضر الدعوى رقم 637/90 وبالإطلاع عليه استيقنت عن صدور قرار بشطب تلك الدعوى بطلب من محامي الطاعن في ذلك الوقت وأن الدعوى كانت بين نفس الأطراف وحول نفس الموضوع وعليه قررت سماع بينات حول ما أثاره الطاعن رداً على ما دفع به المطعون عليهم والذي كان مؤداه أن التسوية التي أجراها محاميه كانت من وراء ظهره ودون تفويض منه وأنه ( أي الطاعن ) تقدم بشكوى ضد محاميه في هذا الشأن
وبعد أن استمعت المحكمة إلي شهادات عدد من الشهود من الجانبين أصدرت قرارها المشار إليه آنفاً إلا أن الطاعن لم يقبل به فطعن فيه أمام محكمة الاستئناف التي أيدته فيما سبق أن نوهنا عنه أيضاً
وقد أجمعت دائرة محكمة الاستئناف التي نظرت الطعن على أن موضوع النزاع سبق ألفصل فيه وقد أضاف صاحب الرأي الأول إلي ذلك أن البيع ذاته باطل لعدم كتابة العقد المتعلق به أما صاحبة الرأي الثالث فقد استطردت بالقول بأن الطاعن كلف نفس المحامي الذي قال أنه أجري تسويه دون تفويض منه برفع الدعوى الثانية وأنه كان يمتنع على المحكمة سماع أية بينة طالما ثبت لها أنه كانت هناك دعوى سابقة في نفس الموضوع
أما في شأن الوسيلة التي كان يلزم إتباعها لإلغاء الحكم الصادر في الدعوى الأولي فإن صاحب الرأي الثاني في حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه أشار إلي أنها عن طريق إقامة دعوى بطلانبينما ذكرت صاحبة الرأي الثالث أن الطريق السليم لذلك كان تقديم طلب مراجعة للمحكمة التي أصدرت ذلك الحكم
وبطبيعة الحال لم يرض الطاعن بحكم محكمة الاستئناف وهو يطعن فيه أمامنا بأسباب مؤداها أنه لم يكتشف تواطؤ محاميه السابق إلا بعد أن قام برفع الدعوى الثانية وكان قبل ذلك يوهمه بأن حكماً قد صدر لمصلحته وأن إجراءات الدعوى سائرة على خير ما يرام وأنه أثبت ذلك التواطؤ وكانت المحكمة الجزئية مختصة بالتحقيق في ذلك ويتجاوز ما صدر من قرار سابق للسير في الدعوى الثانية وأنه وإذا كانت تلك المحكمة غير مختصة جاز لمحكمة الاستئناف التي وضعت أمامها الحقائق أن تفصل في الأمر برمته وعلي أي حال لم يستوف القرار الصادر في الدعوى رقم 637/90 شروط الحجية نظراً إلي أنها لم تسمع
أعلن الطعن للمطعون عليهم فقام بالرد عليه نيابة عنهم الأستاذ محمد الكامل أحمد الحسن المحامي بأسبابه والطعن إيراد التي سردناها تثير عدة أسئلة تجدر الإجابة عليها للفصل في الطعن وهي :
(أ ) هل يجوز الطعن في الأحكام الرضائية
(ب) إذا كانت الإجابة هي الإيجاب فما هي الأسباب التي يجوز بها ذلك
(ج) وما هو الطريق الذي يجوز به الطعن
(د) في ضوء الإجابة على الأسئلة السابقة هل كان ما قامت به المحكمة الجزئية في هذا النزاع من تحقيق في موضوع سبق الفصل صحيحاً ؟
(هـ) وإذا لم يكن كذلك فهل كان لمحكمة الاستئناف التي وضعت أمامها نتائج التحقيق أن تصحح الوضع في الأمر برمته ؟
وفي تقديري أن الإجابة على السؤالين الأول والثاني لا ينبغي أن تكون محل وقفة طويلة فقد حسمت السوابق القضائية أمرهما فالأحكام التي تسمي رضائية تخضع لإعادة النظر بمجرد قيام الادعاء بأنها لم تكن رضائية في الواقع وعلي ذلك فإن كافة عيوب الرضا كالغش والتدليس والتواطؤ والغلط تصلح كأسباب للطعن في تلك الأحكام وهذا ما قررته محاكمنا قبل ما يربو على الثلاثين سنة في قضية حسين خليل //ضد// رمسيس عياد المنشورة بمجلة الأحكام القضائية لسنة 1964م على صحيفة 88 وأخذت به المحكمة العليا الحالية في قضية حسين عبد الله ضد يونس علي محمد ( ط م/215/78) المنشورة بمجلة 1978م على صحيفة 107 ثم في قضية حسن الطاهر الحاج //ضد// ورثة مدثر سليمان ( ط م / 55 / 1405هـ ) مجلة الأحكام القضائية لسنة 1985م ص 208 وقد كانت السابقة الأخيرة شبيهة بالحالة المعروضة أمامنا الآن إذ أن السبب الذي قام عليه طلب إبطال الحكم الرضائي كان متعلقاً بالمحامين ومدي سلامة تصرفاتهم إذا كانت دون تفويض
أما الطريق الذي يتم به الطعن في الأحكام الرضائية فقد اختلفت حوله الآراء ففي قضية حسين عبد الله قضت المحكمة العليا أنه لا سبيل إلي الطعن في مثل هذه الأحكام إلا بإقامة دعوى بطلان أما في قضية حسن الطاهر فإن المحكمة العليا ( ودونما إشارة لحكمها السابق ) قضت بأن الطعن إنما يكون لذات المحكمة التي أصدرت الحكم الرضائي ويكون ذلك أما بطريق المراجعة بموجب المادة 217 من قانون الإجراءات المدنية ( وبأي من ألفقرتين ( أ) أو (د) أو بمقتضي سلطاتها الطبيعية المنصوص عليها في المادة 303 من ذات القانون
وعلى الرغم من أن الحكم في قضية حسين عبد الله صدر من دائرة مكونه من ثلاثة قضاة من أكبر قضاة المحكمة العليا بينما صدر الحكم في القضية الأخرى في ظل نظام القاضي ألفرد الذي ساد في المحكمة لبعض الوقت فإنني أري ومع احترامي التام للقضاة الأجلاء الذين أصدروا الحكم في قضية حسين عبد الله أن دعوى البطلان التي دعوا إليها فكرة أجنبية لا محل لها في القانون السوداني بشقيه الإجرائي والموضوعي فلا قانون الإجراءات المدنية ينص عليها ولا قانون المعاملات المدنية ( أو القانون العام الذي كان يشكل مصدراً رئيسياً للقانون المدني السوداني في ذلك الوقت ) يعرف الدعوى الباطلة إلا فيما تراه محكمة استئنافية أنها كذلك بسبب إجرائي أما البطلان الموضوعي فإنما تتميز به المعاملات بمقتضي نصوص صريحة في ذلك وغني عن البيان أن الدعوى لا تشكل معاملة لهذا الغرض
ولعله من الواضح والأمر كذلك أن أنسب الطرق للطعن في أي حكم رضائي هو تقديم طلب لذات المحكمة التي أصدرته طبقاً لما انتهت إليه المحكمة العليا في قضية حسن الطاهر الحاج ضد ورثة مدثر سليمان التي سبقت الإشارة إليها غير أن الصعوبة في اللجوء إلي هذا الطريق تنشأ من أن الغش أو التدليس أو الغلط الذي من شأنه أن يشكل سبباً للطعن لا يكون في معظم الحالات صادراً من المحكوم له ومؤدي ذلك أنه وفيما عدا حالات التواطؤ التي يكون المحكوم له قد أسهم به في صدور الحكم لا يكون قد تحقق سبب من أسباب المراجعة المنصوص عليها في ألفقره (أ) من المادة 217 من قانون الإجراءات المدنية
غير أن المحكمة العليا أشارت في قضية حسن الطاهر أن المراجعة تجوز بموجب ألفقرة (د) من المادة 217 المشار إليها نظراً إلي أن صدور الحكم الرضائي بطلب من محام دون إتاحة ألفرصة لموكله يشكل سبباً كافياً في معني تلك ألفقرة إلا أنه من غير اليسير التسليم بهذا المذهب ذلك لأن مثل هذا التأويل يسير بالأمر في طريق دائري ويترك السؤال الحائر دون إجابة إذ أن المحامي حين يطلب حكماً ( أو يوافق عليه ) نيابة عن أحد الخصوم إنما يؤخذ - ولو بظاهر الحال - على أنه يمثل ذلك الخصم ومن ثم فإن ما يقوله ذلك المحامي يضاف قانوناً للموكل المزعوم ومؤدي ذلك أنه لا يمكن الحديث عن حرمان الموكل من السماع إلا بالطعن في وكالة المحامي وليس العكس وهكذا فإن الحلقة المفرغة التي تنشأ من حكم المحكمة العليا هي أنه لا يمكن الطعن في الحكم الرضائي إلا بحجة عدم سماع المحكوم ضده وأنه لا يمكن الطعن لعدم السماع إلا بالطعن في الوكالة ولما كان الطعن في الوكالة إجراء لا يصلح بذاته للطعن في الحكم الرضائي فإن النتيجة الحتمية هي أن عدم سماع الخصم المضرور لا يصلح سبباً للطعن في الحكم الرضائي
ولقد فطنت المحكمة العليا - فيما يبدو للصعوبات القانونية التي تترتب على سلوك طريق المراجعة لاستبعاد الأحكام التي تسمي رضائية دون أن تكون كذلك بالفعل فاحتاطت لذلك بقرارها بأن المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية تمنح المحكمة سلطة تقديرية لمنع سوء استخدام الإجراءات ( وهو الاستخدام الخطأ وبسوء النية للإجراءات ) إذا ترتب عليه ضرر لا حاجة الخصوم
على أنه وأياً كان الطريق السليم إلي الطعن في الأحكام الرضائية فإنه مما لا ينبغي أن يكون محل خلاف أن الطعن فيها جائز وأنه وسواء أكان ذلك بطريق المراجعة أو باستخدام السلطات الطبيعية للمحاكم فإن الدرجة التي صدر فيها الحكم الرضائي هي انسب المحاكم لهذا الغرض خاصة وأن الطعن يقوم بطبيعة الحال على مسائل تتعلق بالوقائع التي تكون وثيقة الصلة بإجراءات تلك المحكمة ولعله يجمل بعد هذا أن نقرر أنه من الملائم - ولأسباب عملية تتعلق بالقواعد المرعية في تقديم الطلبات التي يقتضي ألفصل فيها قيام خصومة يسمع فيها طرف آخر - أن يتخذ الطعن شكل طلب المراجعة ( وهو ما ذكرنا أنه متاح أصلاً على الأقل في بعض حالات الأحكام الرضائية غير الصحيحة ) بمخالفة إذا كانت المحكمة ستضطر في النهابة إلي استخدام سلطتها بموجب المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية
ويبين مما تقدم أنه ليس صحيحاً ما قالته محكمة الاستئناف عن أن المحكمة الجزئية لم تكن مختصة فيما أجرته من تحقيق بشأن الدفع الذي تقدم به المطعون عليه بسبق ألفصل في النزاع
على أنه والإجارة إذا تم ذلك التحقيق دون اختصاص فإنه ما كان يصح أن تغفله محكمة الاستئناف إذ أنها - وهي تنظر في طعن حول مسألة اكتملت عناصره واتضحت أن تتغاضي عن أية نهاية شكلية وأن تصدر ما تراه من أوامر لاستكمال أي نقص حتى إذا تعلق ذلك النقص بعدم تحصيل رسوم كان من الواجب تحصيلها خاصة وهي تتمتع بسلطات واسعة كدرجة ثانية من درجات التقاضي فإن هي التزمت بما أرسته سابقة حسن الطاهر أو على الأقل أعملت سلطاتها في معالجة الأمر باعتباره أمراً واقعاً لكان أمامنا الآن نزاع محدد حول ما إذا كان في القرار الصادر في ق م/637/90 ما يمنع رفع الدعوى رقم 463/92
أما وأنها لم تفعل شيئاً من ذلك فإنه لا مفر في تقديري من نقض حكمها وإعادة الأوراق لها للفصل في هذه المسألة بمخالفة لا تفوت على طرفي النزاع درجة من درجات التقاضي
عليه فإنني أرى أن تعاد الأوراق لمحكمة الاستئناف للنظر في الطعن موضوعياً
القاضي : جون أونقي كاسيبا :
التاريـخ : 8 / 4 / 1996م
أوافـــق
القاضي : أحمد البشير محمد الهادي
التاريخ : 8 /4/1996م
أوافـــق

