شركة معادن باشكين ضد الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية لجنة المناجم والمحاجر
شركة معادن باشكين ضد الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية لجنة المناجم والمحاجر
نمرة القضية: م ع/ط أ س/93/1999م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 2000
المبادئ:
· قانون المحاجر والمناجم لسنة 1972م – قرار الوزير بموجب المادة (9) من القانون نهائي ولا يخضع للطعن أمام المحاكم
وصف القرار الإداري بأنه نهائي في أي تشريع لا يحجب سلطة المحاكم في بسط رقابتها عليه عن طريق الطعن الإداري أما إذا نص المشرع صراحة بأن القرار الإداري نهائي ولا يجوز الطعن فيه أمام المحاكم فإن هذا نص مانع للمحاكم من التعرض لمثل هذا القرار
رأي مخالف:
لا يوجد أساس قوي للتفريق من حيث المعنى والمغزى بين عبارتي (نهائي) و (نهائي لا يجوز الطعن فيه أمام المحاكم) إلا أن المقصود من نهائية القرار هو تحصينه من الطعن فيه قضائياً والجهد القضائي في هذا المجال تتنازعه فكرتان تنادي أولاهما بالالتزام الحرفي بالنص المانع بينما تؤكد ثانيتهما حق المواطن في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي باعتباره حقاً مقدساً يهون معه إهدار النص فإن الجدير بالقضاء هو تدعيم الاتجاه الأخير لاتساقه مع مبادئه في الاستقلال والحيدة بصفة عامة ولترسيخ مبدأ ضرورة إخضاع أعمال الإدارة للرقابة القضائية بصفة خاصة
الحكم:
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ تاج السر محمد حامـد قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيدة/ سنيـة الرشيـد ميرغني قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيدة/ فريـدة إبراهيم أحمـد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محمـد صـالح علـي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محي الدين سيد طاهـر قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف:
شركة معادن باشكين الطاعنة
// ضد //
الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية
لجنة المناجم والمحاجر المطعون ضدها
النمرة م ع/ط أ س/93/1999م
مراجعة/11/2000م
الحكـــم
القاضي: سنية الرشيد ميرغني
التاريخ : 10/5/2000م
هذا طلب لمراجعة الحكم الصادر من المحكمة العليا الدائرة الإدارية الاستئنافية بالرقم 93/2000م والقاضي بإلغاء حكم محكمة أول درجة في الدعوى الإدارية رقم 79/1996م وإعادة الأوراق إليها للسير في الدعوى
تتلخص الوقائع في أن شركة معادن باشكين المقدم ضدها طلب المراجعة كانت قد رفعت الدعوى المشار إليها أعلاه لدي محكمة الاستئناف الخرطوم – الدائرة الإدارية بدعوى أنها مرخص لها بالتنقيب عن الذهب بموجب عقد أبرمته مع المدير العام للمطعون ضدها الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية بصفته رئيس لجنة المحاجر والمناجم وبعد انتهاء فترة العقد الذي امتد لسبع سنوات طالبت الشركة بتمديد سريانه إلا أن المطعون ضدها رفضت ذلك بحجة عدم وجود مبرر لذلك
تظلمت الطاعنة مـن هـذا القرار للوزير المختص وزير الطاقة والتعدين ثم إلى رئيس الجمهورية وطالبت في دعواها بإلغاء هذا القرار بدعوى عدم اختصاص الجهة التي أصدرته ولمخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وللعيب في الشكل ولإساءة استعمال السلطة
تقدمت المطعون ضدها بدفع مبدئي لشطب الدعوى لعدم اختصاص المحكمة بنظرها استناداً للمادة (9) من قانون المحاجر والمناجم لعام 1972م والتي تنص على أن قرار الوزير نهائي ولا يجوز الطعن فيه أمام المحاكم قبلت محكمة الموضوع هذا الدفع وشطبت الدعوى استأنفت الطاعنة لدى المحكمة العليا التي أصدرت حكمها المشار إليه في صدر هذه المذكرة
ومن ثم كان هذا الطلب لمراجعة قرارها وقد أسس على مخالفة القرار لمبادئ الشريعة الإسلامية لمخالفته للنص الأصولي من قانون أصول الأحكام القاضي " بالا اجتهاد مع النص " وأيضاً لمخالفة الحكم لنص صريح من قانون المحاجر والمناجم 1972م – المادة (9) – التي أشرنا إليها آنفاً وأن الحكم موضوع المراجعة استند على سوابق قضائية وأن النص التشريعي يسود على ما تقرره السوابق طالما كان صريحاً ولا يحتاج إلى اجتهاد وتقول طالبة المراجعة أيضاً بأن القرار الإداري المطعون فيه القاضي بعدم تجديد ترخيص الطاعنة لفشلها في القيام بتعدين الذهب في منطقة الامتياز في خلال فترة العقد هو رأى فني يختص به الوزير المختص ولا يجوز للمحاكم التدخل فيه وفقتاً للمادة (9) المشار إليها
قبلنا الطلب مبدئيـاً وأعلنـا المقـدم ضدها الطلب للـرد عليـه إلا أنها لم تـرد
وبالاطلاع على أسباب الحكم موضوع المراجعة نجده يقرر أنه لا يجوز تحصين القرارات الإدارية من المراجعة أو الرقابة القضائية وأن النصوص التشريعية التي تسلب المحاكم هذه السلطة بنصها على أن القرار الإداري نهائي يجب أن تفسر بأنه نهائي إدارياً ولا يجوز الطعن فيه من حيث القانون وإنما يخضع للرقابة القضائية وفقاً لقانون القضاء الإداري فيما يتعلق بالاختصاص والشكل أو إسـاءة استعمال السلطة وقـد استشهد الحكم بعـدة سوابق أجنبية ( إنجليزية ) وسودانية ليدعم وجهة النظر هذه
لا خلاف على المبدأ الذي قرره حكم المحكمة العليا موضوع المراجعة استناداً على السوابق المشار إليها ولكنا ومع الاحترام الجم للدائرة التي أصدرته نختلف معها في تطبيق هذا المبدأ على وقائع هذا النزاع لاختلاف الوقائع ذلك أن كل التشريعات التي فسرتها السوابق المشار إليها تتحدث عن أن القرار الإداري نهائي ولم تنص صراحة على عدم جواز الطعن فيه أمام المحاكم والتي تشمل محاكم الطعون الإدارية وسنستعرض ما قررته هذه السوابق للتدليل على ذلك
والسابقة الأولى قضية إنجليزية: Smith v East Elloe Rose
حيث قررت:
A private clause of this kind ( ie ) Finality of the decisions of a minister could not oust the jurisdiction of the Court to declare a determination to be a nullity where it was void ab-intio… if a statute declares that a decision of the minister or other administrative agency is to be final This does not have the effect of excluding Judicial Review by means of certiorari
وهذه السابقة كما هو واضح تتحدث عن التشريعات التي تنص على أن يكون قرار الوزير أو أي سلطة إدارية أخرى نهائياً وقررت أن مثل هذه العبارة لا تحجب القرارات الإدارية من الرقابة القضائية
ثانياً: أورد الحكم مقتطف من حكم للعلامة الإنجليزي اللورد ديننج في قضية: Re Gimor’s Application
حيث قال:
It is well settled that the remedy of certiorari is never to be taken away by any statute except by most clear and explicite words The word finality is not enough That only means without appeal It does not mean without recourse to certiorari
وهنا نلاحظ أيضاً أن اللورد ديننج ركز على أن الرقابة القضائية على القرارات الإدارية لا تحجب إلا بنص واضح وصريح وهذه العبارات لا تدعم وجهة النظر في الحكم موضوع المراجعة بقدر ما تؤيد ما قررته محكمة أول درجة من عدم اختصاصها بنظر الدعوى الإدارية لوجود نص واضح وصريح يمنع اللجوء للمحاكم للطعن في القرار موضوع النزاع وانتقد الحكم القرار في السابقتين السودانيتين قضية معهد الكليات التكنولوجية ضد الهيئة النقابية لموظفي وعمال معهد الكليات التكنولوجية م ع/ط م/13/1405هـ المنشورة بكتاب أشهر القضايا الدستورية والإدارية لمولانا هنري رياض وقضية محمد جمال صدار ضد حكومة السودان المنشورة بمجلة الأحكام القضائية 1979م حيث التزمت المحكمة بالنص الذي يشير إلى أن القرار الإداري موضوع الدعوى نهائي ورفضت مراجعته
واستشهد الحكم موضوع المراجعة أيضاً بقضية الاتحاد العام لكرة القدم وآخر ضد نادي الزهرة الرياضي ط م/79/1980م والمنشورة بكتاب مولانا هنري المشار إليه أعلاه للتدليل بأن الرقابة القضائية على القرارات الإدارية لا تحجب بعبارة " نهائي" Finality Clause
وصحيح أن المحكمة العليا ناقشت سلطات المحكمة الإدارية في الرقابة القضائية إلا أن قضاءها في هذا الطعن كان بعدم اختصاص محكمة الموضوع بنظر النزاع المطروح أمامها لسببين أحدهما أن القواعد نصت على ألا ينقل النزاع للمحاكم وهذا القرار يؤكد التزام المحكمة بالنص المانع من نظر النزاع إذا كان النص صريحاً وواضحاً ويبين أيضاً أن هذه السابقة تؤيد قرار محكمة الموضوع الملغي بواسطة الحكم موضوع المراجعة
وأشار الحكم إلى وجود أحكام أخرى صادرة من دوائر المحكمة العليا غير منشورة قررت أن عبارة (نهائي) لا تحجب الرقابة القضائية وعلى هذا الأساس ألغت المحكمة العليا حكم محكمة الموضوع وأمرت بإعادة الأوراق لها للسير في الدعوى
ومع الاحترام اللازم للدائرة التي أصدرت الحكم موضوع المراجعة وللعرض القيم للسوابق الصادرة في هذا الصدد إلا أنه يبين أن كل هذه السوابق تفسر عبارة "نهائي" التي ترد في التشريعات المختلفة على أن القرار نهائي في القضايا الإدارية ولا يحجب سلطة المحاكم في الرقابة القضائية ولا خلاف على صحة ما توصلت إليه السوابق المشار إليها إلا أن قضيتنا هذه تختلف من حيث الوقائع إذ لم يكتف المشرع بالنص على أن قرار الوزير في الأمور المشار إليها في المادة (9) من قانون المحاجر والمناجم قرار نهائي بل نص صراحة على أنه لا يجوز الطعن فيه أمام المحاكم وكما تقول طالبة المراجعة بحق فإنه لا اجتهاد مع النص وأن القضاء بغير ذلك يكون مخالفاً للقانون واستقر قضاؤنا على أن مخالفة القانون الواضحة تندرج تحت مخالفة الشريعة الموجبة لمراجعة أحكام المحكمة العليا وفقاً للمادة 215 من قانون الإجراءات المدنية
نوافق طالبة المراجعة في أن السوابق القضائية لا تسود على النصوص الصريحة وأن المحاكم لا تنظر للحكمة التي أملت النص إذا كان واضحاً وصريحاً ولكن كما أوضحنا سابقاً فإن السوابق المشار لها لم تقل باختصاص المحاكم بالرقابة القضائية على القرارات الإدارية حتى مع وجود نص واضح وصريح
لما تقدم يتعين إلغاء حكم المحكمة العليا وتأييد حكم محكمة أول درجة القاضي بشطب الدعوى لعدم الاختصاص
القاضي: فريـدة إبراهيم أحمد
التاريخ : 21/6/2000م
أوافق
القاضي: محمد صالح علي
التاريخ : 19/8/2000م
لا أملك في ظروف هذا النزاع إلاّ أن أوافق على ما ذهبت إليه الزميلة المحترمة على أن هذا لا يمنعني من أن أبدي أسفي الشديد للجوء جهة الإدارة إلى تحصين قراراتها الإدارية من رقابة المحاكم عليها وهو أمر قد يؤدي إلى هروب رأس المال الأجنبي والمحلي من الاستثمار في مجال المحاجر والمناجم وفي كل مجال تسعى جهة الإدارة فيه إلى مثل هذا النوع من التحصين كما قد يؤدي إلى الحيف والظلم
القاضي: محي الدين سيد طاهر
التاريخ : 10/5/2001م
مع احترامي الشديد لرأي زملائي فإن اختلافي معهم أسباباً ونتيجة مبعثه الأتي:
أولاً: لم أجد أساسـاً قوياً للتفريق من حيث المعنى والمغـزى بين وَصْفَيْ ( نهائي ) ( ونهائي لا يجوز الطعن فيه أمام المحاكم ) لأن المقصود من نهائية القرار هو تحصينه من الطعن فيه قضائياً
ثانياً: أن المسألة ليست بهذه البساطة التي تصورها مقدمة طلب المراجعة بالتشبث بمقولة لا اجتهاد مع صراحة النص فمع هذه الصراحة المتناهية وجلاء المقصد أفرغت المحاكم وسعها وبذلت ما بذلت من جهد لسبر غور مثل هذه العبارة وأثرها القانوني في حجب ولاية القضاء عن التعقيب على القرار الإداري الموصوم بأنه نهائي ولا يجوز أن تمتد إليه يد الرقابة القضائية
وإذا كان هذا الجهد الذي تولد عنه تراث قانوني ضخم – لم تخل دونه صراحة النص – تتنازعه فكرتان تنادي أولاهما بالالتزام الحرفي بالنص المانع بينما تؤكد ثانيتهما حق المواطن في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي باعتباره حقاً مقدساً يهون معه إهدار النص فإن الجدير بالقضاء هو تدعيم الاتجاه الأخير لاتساقه مع مبادئه في الاستقلال والحيدة بصفة عامة ولترسيخ مبدأ ضرورة إخضاع أعمال الإدارة للرقابة القضائية بصفة خاصة
ثالثاً: إذا كانت أغلب السوابق القضائية التي استعرضها الحكم محل المراجعة وأمن على مضمونها زملائي عبر هذا الطلب ولو اتسم ذلك بشيء من النقد والتأويل لا ننكره عليهم – قد رجحت جانب تأكيد حق القضاء في الرقابة على القرار الإداري في وقت كانت فيه كل القرارات صادرة عن جهات شبه قضائية فإن القرار الإداري ذا الصبغة الإدارية المحضه يجب أن يكون الأكثر خضوعاً لمثل هذه الرقابة من باب أولى لانتفاء شبهة الصفة القضائية عنه مما كان يجوز معه اكتساب سمة النهائية لأن درجات التقاضي وصلاحيات المحاكم من صميم صنع المشرع
رابعاً: ان من قبيل العنت تصور وجود تناقض بين السوابق القضائية التي لم تعتد بالنص المانع من التقاضي وبين ذات النص لأن مناط التنازع في هذه الحالة ليس إنكار وجود النص إنما الخروج عليه وإهداره لاعتبارات عديدة ذات صلة بحق المواطن في اللجوء إلى قاضيه والحرص على ضرورة ترسيخ وتوسيع مبدأ الرقابة القضائية على أعمال الإدارة كضمانة طبيعية لصيانة ذلك الحق بل وكمظهر ومخبر وشاهد على مدى نهوض القضاء نفسه بوظيفته المعهودة إليه ومناهضة أي مسعى لتعطيلها بأية صورة من الصور
لذلك فإن المقابلة الحقيقية ليست بين نص تشريعي وسابقة قضائية بحيث يسهل القول بتفضيل النص على السابقة (وأياً كانت وجاهة أسانيد هذا التفضيل والتي لم تتعد في الحالة الماثلة سوى اللياذ بمبدأ ألا اجتهاد مع صراحة النص ) إنما تكون المقابلة بين هذا النص التشريعي وحيثيات الخروج عليه ومدى وجاهتها ومنطقيتها وانسجامها مع المبادئ التي تحكم الرقابة القضائية على أعمال الإدارة لأن هذا هو الإطار الصحيح لمعالجة ودراسة النص المانع الرامي إلى تحصين القرار الإداري المعني من الخضوع للرقابة القضائية فهل يعمل بالنص الخالي من أي تسبيب ويهدر المبدأ والنظام بأكمله هذه هي المقابلة الحقيقية التي رغبت عنها مقدمة طلب المراجعة بمحاولة فرض حصار فولاذي على مبدأ الرقابة ومحاصرته داخل نفق ضيق قوامه الا اجتهاد مع صراحة النص مع الإخفاق التام والقعود عن إيراد أية مسوغات قانونية أو أخلاقية تبرر تحصين القرار الوزاري المذكور من الرقابة القضائية في وقت تخضع فيه كافة القرارات الأخرى لنفس الوزير وقرارات الوزراء الآخرين ومن علاهم من مجلس الوزراء ورئيس للجمهورية لمثل هذه الرقابة
إن السوابق القضائية المتوهم تناقضها مع النص التشريعي لم تستمد وجودها من فراغ وهي تتعمد الخروج على النص إنما كانت ذات جذور عميقة في الفكر والعقل القانونيين الأمر الذي يعني أن التناقض إن وجد إنما يكمن في نظام قانوني راسخ المبادئ هو نظام الرقابة القضائية على أعمال الإدارة ونص تشريعي شاذ يسعى إلى إلغاء هذا النظام وهدم أساسه في جزئية معينة دون أن يسوق أية مبررات مقنعة لقبول هذا الخروج لذلك فإن الإذعان بمضمون النص التشريعي لا يعدو أن يكون استغراقاً في الحرفية وبالتالي تفويتاً للأهداف السامية الكامنة وراء ابتداع نظرية الرقابة القضائية على أعمال الإدارة التي أكدت عليها السوابق القضائية منذ أمد بعيد لا أجد مبرراً واحداً يدعو إلى المحيد أو النكوص عنها لأنها ببساطة صادرة في ظل سيادة مبدأ عدم جواز الاجتهاد مع صراحة النص القديم بدوره ولأن الخروج على السوابق القضائية من جهة أخرى يعد خروجاً على السنن
خامساً: إن قانون القضاء الدستوري والإداري لسنة 1997م وقد نظم كيفية الطعن في القرار الإداري بطريقة لا يستشف منها وجود أي استثناء يجب أن يسود على أحكام قانون المناجم والمحاجر لسنة 1972م باعتباره القانون اللاحق وبنفس القدر لا يبدو مثيراً أو مستهجناً الزعم بضرورة تطبيقه نبذاً للقانون الأخير بحسبانه القانون الخاص الذي ينظم الطعون الإدارية حيث تنتفي العلاقة التي تربط قانون المناجم والمحاجر بهذا المجال أي ميدان الطعون الإدارية
سادساً: أن تخويل الجهة الإدارية صلاحية أن تكون لها صفة الخصم والحكم في آن واحد وأن يشكل في داخلها محكمة خاصة بها يتعارض مع مبدأ المشروعية والفصل بين السلطات داخل الدولة الأمر الذي تكفل به الدستور نفسه لذلك لا يجوز لسلطة موازية للسلطة القضائية وهى في هذه الحالة المشرع العادي أن يفرض عليها قيوداً تحد من حريتها في أداء وظيفتها وإلا أصبح القضاء طوع بنان المشرع العادي وتحت رحمته يطيعه في كل ما يقول به رغم أنه يستمد سلطاته من الدستور ولا يقيده إلا ما يصيغه المشرع الدستوري وحده
وترتيباً على ذلك ليس للمشرع العادي استناداً إلى سلطاته في تنظيم وترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصها أن يقتطع جزءً من الوظيفة القضائية ويعهد بها إلى جهة غير قضائية تستقل بنظره لأن من شاهد ذلك الانتقاص من ولاية القضاء التي أوجب الدستور أن تكون كاملة وعلى ذلك فإذا صدر قانون ينص على أن تستقل جهة غير قضائية بنظر بعض المسائل التي تدخل أصلاً بحسب طبيعتها في ولاية القضاء دون أن تستند في ذلك إلى نص دستوري وجب على القضاء أن يطرح مثل هذا التشريع جانباً وأن يقض باختصاصه بنظر هـذه المسائل وإلا اعتبر متخلياً عن وظيفته الأساسية المستمدة من الدستور كما وأنه من الناحية العملية البحته يثور التساؤل عن كيف يتسنى لرئيس إداري مهما كان مركزه في السلم الإداري أن يقوم على تطبيق القانون وتفسيره على الحالات التي تعرض أمامه في الوقت الذي يشغل فيه وظيفة إدارية وليست قضائية دون أن يقترن ذلك بفكرة (الوزير القاضي) أو (الإدارة القاضية) وهى الفكرة التي حكمت بفسادها أغلبية الفقه والقضاء؟
حقاً أن حق الطعن في القرار الإداري من صنع المشرع العادي ولكن من زاوية تنظيمه ضمن ترتيب المحاكم وليس من زاوية إنشائه ابتداءً منع المحاكم من النظر في مشروعية بعض القرارات الإدارية بتعمد تحصنها ضد التظلم القضائي ومع ذلك فإن مثل هذا المنع لا يمس الوظيفة القضائية فحسب كما تقدم بل أن من شأنه الإخلال بمبدأ المساواة بين المواطنين جميعاً لأنه لا يجوز للمشرع أن يبيح التظلم القضائي في بعض الحالات ويمنعه في حالات أخرى دون المساس بمبدأ المساواة إلا في ظل الاعتراف بحقه في حرمان المواطنين كافة من حق الطعن في القرارات الإدارية بصورة مطلقة وهو أمر لم يقل به أحد لذلك فإذا كان من قبيل الخطأ غير المحتمل حرمان الناس كافة من حق الطعن في القرار الإداري وإن ذلك ليس في مكنة المشرع العادي فإن حرمان البعض أو استبعاد بعض المسائل من دائرة الطعن يشكل خطأ مزدوجاً يقود إلى الإخلال بمبدأ المساواة بين المواطنين
سابعاً: إن من حق المواطن أن يتصاعد بتظلمه حتى نهاية الهرم القضائي طبقاً للاختصاصات التي يحددها المشرع لكل محكمة ويجوز للمشرع العادي في هذا الخصوص أن يعين حداً معيناً لهذا التدرج ولكنه لا يجوز له أن ينكر أو يصادر حق اللجوء إلى القضاء على إطلاقه كما هو الحال مع المادة (9) من قانون المناجم والمحاجر لسنة 1972م لأن في ذلك كبتاً لحق المواطن في مهده واغتيالاً له قبل أن يقول القضاء كلمته في تظلمه علاوة على ما ينطوي عليه من تعطيل للوظيفة القضائية
أما عن فنية القرار فلا شأن للطعن الإداري بها لأن القضاء لا ينصب في مدى ملاءمة القرار أو مناسبته إنما ينصب همه كله في مدى خلوه من العيوب التي تؤثر في مشروعيته كأن يكون موصوماً بعيب عدم الاختصاص أو إساءة استخدام السلطة أو الانحراف بها لذلك يبدو بلا سند أن يحصن القرار الإداري من مجرد الطعن فيه لاحتمال أن تكون النتيجة النهائية هي تأييده من قبيل القضاء فخلوه من أي عيب إضافة إلى انتفاء عنصر الضرر في جانب الإدارة متى ما سمح للمتضرر من القرار بالطعن فيه أمام القضاء – لذلك كان من غير المنطقي الإدعاء بأن الحكم المراد مراجعته وقد أباح حق الطعن في القرار الإداري المعني غير مبال بما جاء بالمادة (9) من قانون المناجم والمحاجر قد خالف أحكام الشريعة الإسلامية بينما الواقع هو أن حرمان المواطن من اللجوء إلى القضاء هو المخالف لتلك الأحكام
ثامناً: ولم يكن الاتجاه الذي تبناه الحكم محل المراجعة – مقتفياً آثار الأحكام القضائية السابقة – اتجاهاً معزولاً بقدر ما كان منسجماً مع المذهب السائد في كل العالم المتحضر ففي معرض تناوله لنصوص مماثلة للمادة (9) من قانون المناجم والمحاجر لسنة 1972م يقول الدكتور فؤاد العطار في مؤلفه ( رقابة القضاء لأعمال الإدارة ) : أن الأساس الأول لقيام السلطة القضائية بولاية القضاء كاملة دون أن تتحيف عليها السلطة التشريعية هو الأخذ بمبدأ دستورية القوانين غير أن هذا الشرط وإن كان لازماً لضمان استقلال السلطة القضائية في أداء وظيفتها في النطاق الذي حدده الدستور إلا أنه ليس بكاف وحده لضمان هذا الاستقلال فيجب أن يكمله ويتممه شرط آخر هو كفالة حق إلتجاء الأفراد إلى القضاء فيما يدعونه من حقوق ففي ذلك ضمان لحماية ولاية القضاء الكاملة من جانب وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم من جانب آخر
ولئن قيل بأن تغيير حق الانتماء إلى القضاء إنما ينصب على حق التقاضي ذاته وبالتالي لا يتصل باستقلال القضاء فإنه يرد على ذلك بأن السلطة القضائية لا تمـلك التصدي للخصومات من تلقاء نفسها بل يتعين عليهـا أن تظل في مكانها الذي حـدده لها القانـون إلى أن تعرض عليها هذه الخصومة في صـورة دعـوى قضائية ولا يمكن أن يتم ذلك إلا عن طريق مباشرة الأفراد لحقهم في الانتماء إلى القضاء فإذا صدر تشريع ومنع سماع الدعوى بالنسبة إلى مسائل معينة كان هذا مقيداً لحق التقاضي الذي كفله الدستور ولزم القضاء أن يمتنع عن تطبيقه ومرد ذلك أن كل تقييد لحق التقاضي هو في حقيقة الأمر تقييد لوظيفة السلطة القضائية في مباشرة ولايتها القضائية كاملة (ص108-111)
أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد استقر القضاء بالنسبة للتشريعات التي تمنع قبول الطعن في أنواع معينة من القـرارات الإدارية على أن يفرق بين حالتين:-
الحالة الأولى: تتحصل فيما إذا كان القرار المطعـون فيه يتصل بمسألة من المسائل التي تترخص الإدارة في إصدارها كتلك التي تقوم على أساس الترخيص للأجنبي بالدخول إلى الأراضي الأمريكية وهذه تستقل بها فلا تخضع لرقابة القضاء ويطلق على مثل هذه المسائل:
The cases involving so-called grants benefits, or " privileges “ where the state accords to the individual something to which he has no pre-existing legal right
الحالة الثانية: تتمثل في القرارات التي تصدرها الإدارة وتمس حقاً للأفراد وهذه خاضعة لرقابة القضاء رغم أن النص المانع واحد في الحالتين وتطبيقاً لهذا المبدأ فرق القضاء في حالة إبعاد الأجنبي – رغم أن القانون ينص على أن تترخص الإدارة في إبعاده – بين الأجنبي الذي يصدر قرار بشأنه مثل دخول الأراضي الأمريكية وذلك الذي يصدر قرار بإبعاده بعد أن يكون قد دخل الأراضي الأمريكية فعلاً فاعتبر الحالة الأولى من المسائل التي تستقل بها الإدارة وأخضع الثانية لرقابته تأسيساً على أنها تمس حقاً تعلق بأجنبي لوجوده فعلاً في الأراضي الأمريكية وقد أبرزت هذا المعنى بجلاء محكمة مقاطعة ماريلاند حينما قضت بأنه إذا صدر قانون يسند إلى الإدارة نشاطاً معيناً ويمنع المحاكم من نظر المنازعات التي تنشأ عند تطبيقه عُد ذلك القانون مخالفاً للدستور واستند القضاء في ذلك إلى أنه لا يجوز للسلطة التشريعية أن تمنع المحاكم من مباشرة وظيفتها الأساسية التي تقوم على رقابة نشاط الجهات الإدارية وتهدف إلى إبطال كل قرار غير مشروع متى مس حقاً من حقوق الأفراد أو حرياتهم
( a statutory provision for administrative conclusiveness can not override the basic principle that the legislature can not divest the Courts of their inherent power to review the actions of administrative agencies which are illegal, arbitrary, or unreasonable and which impairs personal or property right)
Jhon stonrn Coal and Coke v Dishong )
Bernard Schawartz, An Introduction to American Administrative Law P166
( المرجع السابق ص 118 وما بعدها ) وإمعان النظر في الحالة الأولى يكشف بوضوح أن امتناع القضاء عن التدخل فيها لا يستند إلى النص المانع إنما يستند إلى رفض موضوعي ذي حيثيات محددة يرى معها القضاء صحة القرار لأنه من اطلاقات السلطة التقديرية بالإدارة وهذا ينطوي على حكم موضوعي يقتضي الرفض القائم على النص التشريعي المانع من التقاضي ويؤيد هذا النظر ما يبديه نفس القضاء من إصرار على التدخل والرقابة في الحالة الثانية رغم أن النص المانع واحد في الحالتين الأمر الذي يعني أن معيار التدخل والرقابة معيار موضوعي يُعمِل فيه القضاء فكره بعيداً عن دائرة الإذعان للنص المانع من التقاضي لأن الإدارة في الحالتين مترخصة ومتحصنة بالنص المانع ولكن مناط التفريق هو مدى مساس القرار بحق الأفراد وحرياتهم
أما في فرنسا فإن القضاء الإداري قد قرر في صدد نص يمنع المحاكم على اختلاف أنواعها من نظر المنازعات التي تنشأ عن تطبيقه اختصاصه بنظر هذه المنازعات وكانت أسبابه هي أن الشارع وإن نص على منع المحاكم من نظر هذا النوع من المنازعات إلا أنه لا يتصور أن تكون نيته قد انصرفت إلى منع دعوى الإلغاء وإلا لنص على ذلك صراحة ومما لا شك فيه أن القضاء الفرنسي قد حمل الألفاظ أكثر مما تحتمل ولكن يبرر هذا المسلك المحمود من جانبه انه وازن بين وظيفته الأساسية وهى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم وما يستتبعه ذلك من كفالة حقهم في التقاضي باعتباره الوسيلة الوحيدة لحماية هذه الحقوق والحريات وبين تطبيق النص ففضل الأولى ما دام لا يترتب عليها أي مساس بالصالح العام ( المرجع السابق ص 120)
أما في مصر فإن القضاء وإن اعترف بحق المحاكم في التصدي لبحث دستورية القوانين من حيث الشكل ومن حيث الموضوع على السواء وإن حق التقاضي حق أصيل مستمد من نصوص الدستور ومن الأصول الدستورية التي تحكم الجماعة إلا أنه فرق بين النص المانع من سماع دعوى الإلغاء والتعويض معاً وذلك الذي يقتصر على سماع دعوى التعويض أي أنه فرق بين المصادرة المطلقة لهذا الحق والمصادرة الجزئية له فاعتبر الأولى غير مشروعة لمخالفتها لأحكام الدستور والأصول الدستورية ولقد جرت على ذلك أحكام محكمة القضاء الإداري حيث جــاء في حكم لها بتاريخ 20/5/1956م ( إن منع سماع الدعوى في أي تصرف أو أمر أو قرار صدر عن السلطة القائمة على أجراء الأحكام العرفية كما تقضي بذلك المادة الثانية من القانون رقم 50 لسنة 1950م هو إعفاء هذه السلطة من أية مسئولية ترتبت على تصرفاتها المخالفة لقانون الأحكام العرفية ذاته وإعفاء سلطة عامة إعفاء مطلقاً من كل مسئولية تخفض في جانبها من شأنه أن يخل إخلالاً تاماً بحقوق الأفراد في الحرية وفي المساواة في التكاليف والواجبات )
أما الحالات الأخرى التي خرج منها القضاء الإداري على المبدأ فاباح مذهب المشرع في منع القضاء من سماع الدعوى فقد كان محل نقد شديد من قبل الفقه : حيث جاء في المؤلف السابق (ص13)
( إن القضاء وإن اعترف بأن حق التقاضي حق أصيل يستمد وجوده من المبادئ العليا للجماعات منذ وجدت ولم يخل دستور من دساتير العالم من النص عليه وتوكيده إلا أنه استند في تبرير مسلك الشارع في هذا الصدد إلى أسباب عدة نجمل أهمها فيما يلي:
1- يفرق القضاء بين المصادرة المطلقة لحق التقاضي والمصادرة الجزئية فبينما يقرر أن المصادرة المطلقة تقع باطلة لمخالفتها لمبدأ المشروعية وللمبادئ العليا المتعارف عليها وذلك لما تنطوي عليه من تعطيل لوظيفة السلطة القضائية نراه يقرر أن هذه المصادرة إذا كانت جزئية وقعت مشروعة كما إذا لو قصد الشارع حق التقاضي على دعوى التعويض دون دعوى الإلغاء
وهذا الرأي لا يخلو من نظر فمجال دعوى الإلغاء مستقل عن دعوى التعويض كما أن طبيعة كل من الدعويين تختلف عن الأخرى فدعوى الإلغاء دعوى عينية تهدف إلى إلغاء القرارات الإدارية المخالفة وإزالتها فتعيد الحال إلى ما كانت عليه عن طريق رد الأوضاع لأصولها بينما دعوى التعويض دعوى شخصية لا يترتب عليها إلا الحكم بمبلغ من المال وهذا لا يعني دائماً بالحلول محل الحق المعتدى عليه وينبني على ذلك أن إباحة دعوى التعويض لا يغني عن دعوى الإلغاء لتعارض ذلك مع ضمان حقوق الأفراد وحرياتهم ما دام أن لكل من الدعويين طبيعتها التي تتميز بها ومجال عملها التي تستغل به عن الأخرى
2- ذكر القضاء أن النصوص الدستورية تقضي بأن القانون هو الذي يرتب جهات القضاء ويحدد اختصاصها ومؤدى ذلك في نظره أن كل ما يخرجه القانون من ولاية القضاء يصبح معزولاً من نظره ما دام القانون هو الأداة التي تملك بحكم الدستور ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصاتها إلا أننا لا نؤيد اتجاه القضاء في هذا الصدد لأن مؤدى عبارة ( ترتيب جهات القضاء) ينصرف إلى تخويل الشارع اختصاصاً في إنشاء هذه الجهات وتنظيمها وفقاً لما يقضي به صالح العمل فما لم يرد نص في الدستور يبين هذا الترتيب فالشارع هو الذي يتولى بيان أنواع جهات القضاء ودرجاتها
أما عبارة ( تحديد اختصاصاتها) فتنسحب إلى توزيع العمل بين مختلف هذه الجهات القضائية التي رتبها القانون على أساس تقسيم العمل فيسند إلى كل نوع من أنواع الجهات القضائية المنازعات التي تتفق وطبيعة عمله أو تلك التي ينص على اختصاصه بها ولكن لا يجوز للسلطة التشريعية بأية حال أن تخرج عن نطاق الدستور وتتناول اختصاص السلطة القضائية بالتعديل فليس لها أن تُوكل أمر الفصل في خصومة قضائية إلى جهة غير قضائية وإلا كان ذلك بمثابة تعطيل لوظيفة السلطة القضائية وهى سلطة أنشأها الدستور وأسند إليها وحدها أمر أداء العدالة مستقلة عن السلطات الأخرى فمثل هذا الخروج يعتبر اعتداء من جانب السلطة التشريعية على السلطة القضائية وهو ما لا يتفق ومبدأ الفصل بين السلطات
3- أما ما ساقه القضاء لتبرير مسلك الشارع في هذا الشأن حين قضى بوجوب التفرقة بين الهدف وهو الحق ذاته وبين المطالبة به وهو الوسيلة فقرر أن القانون هو الذي يحدد وسيلة المطالبة بالحق ويعين الجهة التي يلجأ إليها صاحب الحق لاقتضائه قضائية كانت هذه الجهة أو غير قضائية
وهذا الرأي كسابقه لا يخلو من نظر حقيقة أن الحق شيء والمطالبة به شيء آخر فكل وسيلة تهدف إلى ضمان اقتضاء صاحب الحق لحقه تعتبر كافية ولكن إذا حدد الدستور وسيلة معينة ومحددة وهى المطالبة القضائية للوصول إلى الحق تعين التزام هذه الوسيلة فلا يجوز للسلطة التشريعية أن تتجاوزها فالدستور خول السلطة القضائية وحدها حق الفصل في الخصومات القضائية دون السلطتين التشريعية والتنفيذية ولا يتأتى للسلطة القضائية أن تباشر هذه الوظيفة التي أسندها إليها الدستور إلا إذا مكن الأفراد من وسيلة المطالبة القضائية ما دام أن السلطة القضائية لا تختص بإنزال كلمة القانون إلا في المنازعات التي تقدم إليها من أصحاب الشأن
وينبني علي ذلك أن كل تقييد لوسيلة المطالبة القضائية هو في حقيقته تقييد لوظيفة السلطة القضائية في مزاولة اختصاصها لما ينطوي عليه من تعارض مع مبـدأ الفصل بين السلطات وإهدار للحقوق التي كفلها الدستور ولئن جاز للشارع من باب التخفيف على السلطة القضائية أن ينص على أن تتولى جهات غير قضائية فحص موضوع المنازعة إبتداءً فترد هذه الجهة إلى صاحب الشأن حقه ولكن إذا لم تنصفه هذه الجهة وجب أن يمكن من الالتجاء إلى وسيلة المطالبة القضائية باعتبارها الأصل ولقد جاء في أسباب الحكم الذي أصدرته المحكمة الإدارية العليا في 8/يونيو/1957م " أن الحق قد يعتدى عليه فينشط في الصورة المتحركة ومع ذلك لا يلزم أن يلجأ صاحب الحق إلى المحاكم لاقتضائه فقد يلجأ للجهات الإدارية أو إلى النيابة العامة بطريق الشكوى فيرد الحق إلى نصابه دون أن يضطر إلى اللجوء إلى القضاء حتى ولو كانت وسيلة الالتجاء إليـه متاحة له من الأصل بما يؤكد أن إلغاء الوسيلة القضائية ليس معناه إلغاء أصل الحق في ذاته " إلا أنه يلاحظ أن مقدمات الأسباب التي جاء بها الحكم المذكور لا تتفق مع النتائج التي توصل إليها ذلك أنه إذا جاز كما ذهب القضاء – أن يرد الحق إلى صاحبه عن طريق الجهات الإدارية أو النيابة العامة مما لا يضطر معه صاحبه إلى اللجوء إلى القضاء فليس ثمة ما يمنع صاحب الحق من اقتضاء حقه عن طريق القضاء إذا لم ترده إليه الجهات الإدارية خاصة إذا لوحظ في الاعتبار أن المطالبة هي الأصل فالنتيجة التي وصل إليها القضاء في هذا الصدد تعتبر فذة وشاذة فما فائدة تقرير الحق إذا لم يكفل لصاحبه وسيلة اقتضائه أمام الجهة التي عينها الدستور أن الحق في هذه الحالة يعتبر عملاً في حكم العدم مع ملاحظة أن القضاء هو الذي يتطوع من تلقاء نفسه برفض المطالبة إذا لم يستنفد صاحب الحق طرق التظلم الإداري التي رسمها القانون باعتباره شرطاً لقبول الدعوى الإدارية مما يؤكد أن كفالة اللجوء إلى الجهات الإدارية لا تبرر مطلقاً مصادرة حق اللجوء إلى القضاء اكتفاء بالتظلم الإداري أو ما شابه ذلك من نظم أخرى
4- وأخيراً استند القضاء في تبرير مسلك الشارع في هذا المجال إلى نظرية الظروف الاستثنائية أو الصالح العام وهذا الرأي لا نؤيده على إطلاقه إذ أنه ليس من حق الشارع فقط بل من حق السلطة التنفيذية أيضاً أن توقف تنفيذ قانون إذا ما تعارض مع الصالح العام أو استمرار سير المرافق العامة بانتظام وإطراد لأن وظيفة السلطة التنفيذية لا تقتصر على السهر على تنفيذ القانون مادة مادة وفقرة فقرة – وإنما تشمل كذلك وقاية النظام الاجتماعي والمحافظة على النظام العام واستمرار سير المرافق العامة بانتظام وإطراد إلا أننا قد اشترطنا أن يتم ذلك تحت رقابة القضاء فمناط النظر في هذه الحالة يكون عن طريق تحقق القضاء من توافر شرط الضرورة أو الصالح العام وقد تأيد هذا الرأي من جانب المحكمة الإدارية العليا حيث قضت " حينما تختلط مناسبة العمل الإداري بمشروعيته ومتى كانت هذه المشروعية تتوقف على حسن تقدير الامـور خصوصاً فيما يتعلق بالحريات العامة وجب أن يكون تدخل الإدارة لأسباب جدية تبرره فالمناط والحالة هذه في مشروعية القرار الذي تتخذه الإدارة هو أن يكون التصرف لازماً لمواجهة حالات معينة من دفع خطر جسيم يهدد الأمن والنظام باعتبار هذا الإجراء الوسيلة الوحيدة لمنع هذا الضرر وللقضاء الإداري حق الرقابة على قيام هذا المسوغ أو عدم قيامه فإذا ثبتت جدية الأسباب التي تبرر هذا التدخل كان القرار بمنجاة من أي طعن أما إذا اتضح أن الأسباب لم تكن فيها من الأهمية الحقيقية ما يسوغ التدخل لتقييد الحريات كان القرار باطلاً ويلاحظ أن هذا الحكم قد أخذ بوجهة نظرنا في هذا الصدد على الرغم من أن القانون الذي كان محل نزاع أمام المحكمة في هذه الدعوى قد تضمن نصاً يقتضي بالا تسمع أمام أية جهة قضائية أية دعوى أو طلب أو دفع يكون الغرض منه الطعن في أي تصرف للسلطة القائمة على الأحكام العرفية
ولقد ساق القضاء في أحكام أخرى للدلالة على وجهة نظره في اختصاص القانون في تضييق ولاية القضاء أمثلة عدة منها النصوص التي تمنع سماع الدعوى في شأن تصرفات السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية والقانون الخاص بالإصلاح الزراعي والمرسوم بقانون بفصل الموظفين بغير الطريق التأديبي الخ أنه يتضح من استعراض هذه القوانين جميعاً أنها وضعت في ظروف استثنائية ولأسباب تقتضيها مصلحة عليا من شأنها أن تجيز للمشرع بل وتجيز للسلطة التنفيذية أيضا للخروج على مبدأ المشروعية ولكنها تخضع لرقابة القضاء من حيث التحقق من مدى توفر شرط الضرورة أو الصالح العام وهذه التشريعات تصدر لوقت معين ولفترة محدودة تنتهي بانتهاء الظروف التي وجدت من أجلها فلا يصح القياس عليها والقول " بأن من الأصول المسلمة أن للقانون عند ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصها أن يوسع ويضيق من هذه الاختصاصات كيفما شاء " وخارج نطاق هذا الاستثناء لا يجوز للشارع أن يمنع القضاء من نظر منازعة تعلقت بحق أعتدي عليه فإذا صدر تشريع من هذا القبيل وجب علـى القضاء وهو الممثل للسلطة القضائية أن يمتنع عن تطبيقه " ( ص 129-137 ) المرجع السابق
أما في إنجلترا فعلى الرغم من أن الاكتفاء بما جاء في الحكم المراد مراجعته من مراجع لا يبدو مخلاً بواجب الكشف عن موقف القضاء والفقه حيال هذه المسألة إلا أن الجدير بالتنويه في هذا الصدد هو التفريق بين حق استئناف القــرار المعنـي والطعـن فيه إدارياً عن طريق دعـوى الإلغاء ( certiorari ) فالأول قابل بطبعه للحظر والمنع لأن المشرع هو الذي يحدد درجات التقاضي ويرتب اختصاصات المحاكم لذلك كان طبيعياً أن ترفض محكمة الاستئناف الطلب المرفوع أمامها لأن المشرع لم يدخل ذلك من ضمن صلاحياتها وبالضرورة فإن ذلك لابد أن يجد تأييده لدى المحكمة العليا استناداً إلى مقولة قديمة مؤداها أن القضاء يتخصص بالزمان والمكان والخصومة أما الثاني فإنه يستمد وجوده من مبادئ عليا دستورية ترقى إلى إخضاع التصرفات الإدارية لرقابة القضاء فلا يجوز للإدارة أن تحصن نفسها بنصوص مانعة من المساءلة منقولة على صلاحية سلطة أخرى هي السلطة القضائية وفي هذا السياق فإن الأجدر هو أن يقال أن المشرع لم يرسم طريقاً محدداً للاستئناف بدلاً عن القول بأنه قد حظر أو منع ذوي الشأن من حق الاستئناف تماماً كما هو الحال مع نهائية الحكم الاستئنافي غير الخاضع للطعن فيه أمام المحكمة العليا أو أية أحكام قضائية أخرى لا تؤهلها طبيعتها الخاصة من أن تكون محل طعن أمام أية محكمة أعلى وعلى أي فإن القضاء والفقه في إنجلترا لا يتنازلان مطلقاً عن حق الرقابة القضائية إذا تعلق الأمر بإلغاء القرار الإداري المخالف بغض النظر عن تحصينه بنصوص تشريعية ترقى إلى ابتعاد اختصاص المحاكم بالنظر فيه
وفي إنجلترا فإنه على الرغم من أن الاكتفاء بما أورده الحكم محل المراجعة من مراجع لا يبدو مخلاً بواجب الكشف عن موقف القضاء والفقه حيال هذه المسألة إلا أن إعادة ترديده قد لا يكون مخلاً بنفس القدر وخلاصة القول أن القضاء والفقه لا يتنازلان مطلقاً عن حق الرقابة القضائية على القرار الإداري المخالف للقانون بغض النظر عن تحصينه بنصوص تشريعية ترمي إلى استبعاد اختصاص المحاكم بالنظر فيه
وإذا كان الاستئناس بآراء اللورد ديننج فإن حديثه عن اختصاص المحاكم (Tribunals) من عدمه ومن ثم ترتيب حق الرقابة على أحكامها تبعاً لذلك – وإن كان جاء في صورة تهكم نم عن عدم انصياع القضاء للنص المانع من التقاضي لما ينطوي عليه ذلك التمييز بين حالتي الاختصاص وعدمه من فصل موضوعي لا علاقة له بالنص التشريعي لأن الانصياع إليه يعني بالضرورة عدم التوغل والتنقيب في اختصاص تلكم المحاكم خاصة وأن عدم الاختصاص نفسه عيب من العيوب التي تلحق القرار الإداري ولأن مقتضى النص التشريعي هو حرمان القضاء من أن يبت في الأمر بأنه صورة سواء بالقول بالاختصاص أو عدمه
حقاً أن اللورد ديننج قد أشار في قضية R V Gilmore (1957) إلى أن عبارة نهائي (Final) لا تكفي وحدها لحجب ولاية الرقابة القضائية على القرار الإداري وأن ذلك يتطلب عبارات واضحة وقاطعة في الدلالة على منع القضاء من التعقيب على القرار ولكن اللورد ديننج عندما سنحت فرصة الوقوف على مثل هذه الكلمات والعبارات الواضحة خلال نص تشريعي محدد لم ينكر حق القضاء في عدم الرضوخ لمثل هذا النص:
(There was an ouster clause in the statute which was quite as wide as the ouster clause in the Anismenic case It was section 107 of the County Courts Act 1959 It said:
“No Judgment or order of any judge of County Courts, nor any proceedings brought before him or pending in his court shall be removed by appeal, motion, certiorari, or otherwise into any other Court whatever)
ولقد اتخذت معالجة هذه النصوص التشريعية المانعة من التقاضي صورة صراع بين السلطتين القضائية والتشريعية انتهى بامتناع الأخيرة عن سن مثل هذه النصوص باعتبارها انتقاصاً للوظيفة لا يمكن النيل منها من قِبَل سلطة موازية وبموجب تشريع عادي وفي وقت تستمد فيه السلطة القضائية صلاحياتها من الدستور
( أنظر ص 605 وما بعدها من مؤلف الأستاذ wade الطبعة الخامسة ) Administrative Law
لذلك ولكل ما تقدم ومع احترامي الزائد لزملائي الموقرين فإنني أرى أن الحكم المراد مراجعته وقد ذهب إلى نبذ النص التشريعي المانع من التقاضي وإبطال مفعوله قد وقع صحيحاً غير منطو لأية مخالفة لأحكام الشريعة أو القانون مما يتعين معه تأييده ومن ثم رفض طلب المراجعة
القاضي: تاج السر محمد حامد
التاريخ : 4/10/2001م
أتفق مع زملائي على قبول طلب المراجعة وإلغاء حكم المحكمة العليا لذات الأسباب التي أشير إليها ذلك لأن المحكمة المختصة بالنظر في مشروعية القوانين أو الانحراف التشريعي هي المحكمة الدستورية في حين أن اختصاص المحاكم الإدارية لا يتجاوز حدود البحث في مشروعية القرار الإداري من عدمه

