حكومة السودان - ضد- 1/ عبد الله محمد بهاء الدين 2/ الفادني محمد أحمد
المحكمة العليا
القضاة :
السيد / محمد ميرغنى مبروك رئيس القضاء رئيساً
السيد/ زكى عبد الرحمن قاضى المحكمة العليا عضواً
السيد/ صلاح محمد الأمين قاضى المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان// ضد //
1/ عبد الله محمد بهاء الدين 2/ الفادني محمد أحمد
م ع / م ك/ 6/ 1988م
المبادئ:
لائحة الطوارئ لسنة 1987م – التعامل بالنقد الأجنبي غير مشروع إلا عن طريق الوسائل التي حددتها اللائحة – المادة 13(ب) من لائحة الطوارئ لسنة 1987م
لائحة الطوارئ لسنة 1987 – جواز التفتيش لضبط المخالفة دون أمر من قاضى مختص – عدم بطلان الإجراءات – المادة 6 لائحة الطوارئ لسنة 1987م
2- إذا ثبت أن النقد الأجنبي الذي تم ضبطه قد تم الحصول عليه بغير القنوات المسموح بها فإن التعامل الذي وقع يصبح مخالفاً للمادة 13 (ب) من لائحة الطوارئ لسنة 1987 ومن ثم تكون إدانة المحكوم عليه سليمة بمقتضى تلك المادة
1- لا يعتبر الدخول في المبني الذي وجد فيه المحكوم عليه الأول غير مشروع طالما كان ذلك الدخول لأغراض ضبط مخالفة من المخالفات المنصوص في اللائحة وإجراءات التفتيش تمت في ظل لائحة الطوارئ التي كانت سارية منذ 26/7/1987م
المحامون : الأستاذ خلف الله الرشيد
الأستاذ علاء الدين أحمد حسين
الحكـم
القاضي : زكى عبد الرحمن
التاريخ : 25/2/1989م
هذا طلب من الأستاذ علاء الدين أحمد حسين نيابة عن الأستاذ خلف الله الرشيد المحامي يطعن به في حكم محكمة الاستئناف الخاصة المؤيد جزئياً لحكم المحكمة الكبرى الخاصة التي انعقدت بالخرطوم لمحاكمة المحكوم عليها أعلاه بموجب المادة 13 (ب) من لائحة الطوارئ لسنة 1987م وقد أدانتها المحكمة وقضت علي كل منهما بالسجن خمس سنوات والغرامة أربعة عشر ألف جنيه وفي حالة عدم الدفع السجن لمدة عام آخر مع مصادرة العملة الأجنبية محل الإجراءات وقد أيدت محكمة الاستئناف حكم الإدانة والغرامة والمصادرة ولكنها عدلت عقوبة السجن لتكون سنتين بدلاً عن خمس سنوات
وتتحصل الوقائع الثابتة من خلال إقرار المحكوم عليهما وشهادة رجال المباحث الذين قاموا بتفتيش المكان الذي ضبط فيه المحكوم عليه الأول أن المحكوم عليهما اتفقا في وقت سابق على تأسيس شراكة بينهما لمزاولة تجارة الاستيراد وعلى أمل أن ذلك يمكن أن يتم عن طريق سياسة "الموارد الذاتية" سلم المحكوم عليه الأول مبلغ أربعمائة ألف جنيه سوداني للمحكوم عليه الثاني لجمع العملات الأجنبية اللازمة ويبدو أن المحكوم عليه الثاني نشط في أداء المهمة حيث بلغ المال الذي ضبط لدى المحكوم عليه الأول والذي أكد أنه تسلمه من الثاني حوالي 58 ألف دولار أمريكي وما يعادله تقريباً من الريالات السعودية و500 فرنك فرنسي و 2600 درهم إماراتي وحوالي 52 ألف دولار أمريكي في شكل شيكات سياحية
وفي الجانب الآخر كانت سلطات المباحث قد تلقت معلومات بأن محلاً للموبيليات يواجه فندق الاكروبول يستخدم لتجارة العملة فأخذت تراقب المكان حتى كان يوم 15/10/1987م حين شاهد المراقبون المحكوم عليه الأول وهو يدخل المحل المعنى وفي يده حقيبة فداهموا المحل وقاموا بتفتيشه ووجدت الحقيبة – والتي أكد الشهود من رجال المباحث أنها هي ذاتها التي كان يحملها المحكوم عليه الأول – وهي ملقاة بين أكوام الحديد الخردة في حجرة مهجورة في المبنى على أن المحكوم عليه أقر بملكيته للحقيبة بما فيها وأدلى بالتفسير الذي أشرنا إليه فيما تقدم عن سبب حيازته لكل هذا النقد الأجنبي وقد أقر المحكوم عليه الثاني بما ذكره الأول
وكان الاتهام قد شمل صاحب المحل وآخرين إلا أن التهمة شطبت في مواجهتهم لعدم وجود علاقة بينهم وبين المحكوم عليها كما يجدر أن نثبت هنا أن البلاغ كان يتضمن من بين مواد الاتهام تهمة بموجب المادة 98 "(ب) من قانون العقوبات إلا أنه اتضح أن المدعى العام يحصل على إذن من رأس الدولة بتقديم المتهمين للمحكمة بموجبها وعليه وبناء على طلب من الدفاع شطبت المحكمة الكبرى الخاصة التهمة بموجب هذه المادة واستمرت الإجراءات بموجب لائحة الطوارئ
ويبين من الأوراق أن الدفاع في هذه القضية قام على حجج مختلفة منها أن وسائل الإثبات كانت غير مشروعة وما ثبت على المحكوم عليه الأول لا يتعدى مجرد حيازة نقد أجنبي لم تجرمها لائحة التعامل في النقد الأجنبي ولا تستوفي عناصر التعامل المنصوص عليه في المادة 13 (ب) من لائحة الطوارئ وأنها بهذا الشكل لا تشكل أية مخالفة للقانون وأنه ومهما كان الأمر فإن منشورات محافظ بنك السودان التي تنظم حيازة العملة الأجنبية لا ترقى إلى قانون يعلو على اللائحة ولم يتم نشرها وعليه فإنها ليست ملزمة
وهذه الحجج هي ما يسوقها الأستاذ مقدم الطلب في طلبه مضافاً إليها طلبات بشأن العقوبة ولا شك في أنه يتعين تناول هذه النقاط كلها في هذه المرحلة نظراً إلى أنها تشكل جوهر الدفوع التي أثارتها الدفاع والتي قام عليها حكم المحكمة الخاصة على أننا حين نفعل ذلك فإنه ليس بسبب إننا ننظر في طعن كما يطلب الأستاذ مقدم الطلب "حيث أن الاستئناف يكون لمحكمة الاستئناف وحدها طبقاً لنص المادة 8 (3) من أمر تشكيل المحكمة الكبرى الخاصة" وإنما لأن سلطة الفحص المتاحة لهذه المحكمة تلزمها بفحص شامل للإجراءات لاشك يشمل بالضرورة كل ما أثير بشأنها من دفوع وما صدر فيها من قرارات
وأنه خلاف على الوقائع فهي ثابتة بإقرار المحكوم عليهما ولم يكن أمام المحكمة الكبرى الخاصة ولا أمامنا الآن غير التسليم بما قدماه من تفسير لظروف حصولها على العملة الأجنبية فلم يثبت بأية أدلة أخرى أن حيازة تلك العملة كانت بأي طريق آخر يمكن تحديد وجه مخالفته للقانون
وإذا كانت الوقائع مما هو ليس بمحل خلاف فإنه يلزم أولاً وقبل تقرير لما تشكله من مخالفة أن ننظر فيما إذا كانت وسيلة الحصول عليها مما تثير غباراً على قبولها إذ أنها كانت غير مقبولة فإنها لا تكون صالحة لترتيب أي قرار بأية مخالفة عليها وبين من الدفوع التي قدمت في القضية أن وجه الاعتراض على اعتبار أن تلك الوقائع ثابتة ومقبولة أنها تم الحصول عليها عن طريق إجراءات تفتيش معيبة نظراً إلى أن من أجروا ذلك التفتيش لم يكونوا يحملون أمر تفتيش من أي قاضى "وهذا أمر لم ينكره رجال المباحث" والسؤال هو ما إذا كان في ذلك ما يجعل الأدلة المقدمة في الدعوى غير مشروعة ومن ثم غير مقبولة؟
إن المحكمة الكبرى الخاصة قد استندت في قبولها لتلك الأدلة على المادة 11 من قانون الإثبات ولا نرى في ذلك عيباً طالما كانت تلك المادة سارية وقت المحاكمة "وهي على أي حال كذلك حتى الآن بعد أن ظلت ملغاة بأمر مؤقت لبعض الوقت" أما عدالتها فأمر لا مجال للقضاء في الخوض فيها إذ أن صراحة النص توصد الباب أمام أي مجال للاجتهاد في شأنها بأي مبررات أياً كانت على إنه ومن باب الاستطراد وحده تثبت هنا أنه وعلى الرغم من أن ما استقر قضاء من قبل ذلك النص كان أن الأدلة التي يتم الحصول عليها بطريق غير مشروع غير مقبولة إلا أن المادة 261 من قانون الإجراءات الجنائية "والتي تقابلها المادة 243 من القانون الحالي" كانت تمنع السلطة الاستئنافية من التدخل لمجرد أن البينة قبلت خطأ في ذات الوقت فإن إجراءات التفتيش في القضية المطروحة أمامنا نصت في ظل لائحة الطوارئ التي كانت سارية منذ 26/7/1987م وبالنظر إلى نص المادة 6 من تلك اللائحة يبين أنه من الصعب القول بأن الدخول في المبنى الذي وجد فيه المحكوم عليه الأول لم يكن مشروعاً طالما كان ذلك الدخول في المبنى الذي وجد فيه المحكوم عليه الأول لم يكن مشروعاً طالما كان ذلك الدخول لأغراض ضبط مخالفة من المخالفات المنصوص عليها في اللائحة
يتبين مما تقدم أنه وحتى بفرض عدم مشروعية إجراءات التفتيش فإن ما تمخض عنها من أدلة لا تعتبر باطلة خاصة والمحكوم عليهما قد أقرا بها طواعية وبالتالي لم تتعد تلك الوقائع الحقيقية المجردة بصرف النظر عما يمكن أن تشكله من مخالفة للقانون
يأتي بنا هذا إلى جوهر هذه الإجراءات وهو ما إذا كان ما فعله المحكوم عليهما "تعاملاً في النقد الأجنبي بغير القنوات المشروعة في معنى المادة 13 (ب) من لائحة الطوارئ لسنة 1987م
واضح أن أركان هذه المخالفة هي أولاً "التعامل" وثانياً كون ذلك التعامل بغير القنوات المشروعة
ويجدر أن تقرر في البداية أنه وإن صحيحاً أن لائحة الطوارئ قد استحدثت هذه الجريمة وبهذا القدر من الجسامة إلا أن ما إذا كان التعامل – أياً كان معناه – مشروعاً أو بغير القنوات المشروعة أمر يقرره قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي وأية لوائح وأوامر صادرة بموجبه وعلى ذلك فليس صحيحاً ما قررته المحكمة الكبرى أن المنشورات الصادرة من محافظ بنك السودان غير ذات صلة بالموضوع ولما كان الأمر كذلك فإن سلامة أية منشورات أو أوامر تسعى إلى تنظيم التعامل في النقد لابد أن تكون بالضرورة محل نظر قبل أن يتقرر ما إذا كانت هناك مخالفة للمادة 13 (ب) من لائحة الطوارئ أو لم تكن
وعلى هدى من هذا النظر ينبغي أن نقرر في مدى صحة الإدانة بموجب المادة 13 (ب) المشار إليها بتناول ركنيها بالقدر اللازم من التحقيق ولابد لنا من أن نبدأ بالركن الأول وهو التعامل وأول ما يجب تقريره بشأنه هو أن المشرع لم يعرف هذه العبارة وهناك جدل حول معناها أشارت إليه هذه المحكمة في محاكمة طارق عبد الكريم وآخرين م ك ط/11/1987م وانتهت عقيدتها إلى أن الأمر يقتضي وجود طرفين أو أكثر وعلى ذلك فإن الحيازة فيما تم الحصول عليه بطريقة مشروعة لا تستوفى عناصر التعامل فالذي يدخل للسودان عملة أجنبية بعد الإعلان عنها ويحتفظ بها لا يمكن أن يعتبر من الذين "يتعاملون" في العملة الأجنبية على أنه وبنفس القدر فإن من يبيع العملة الأجنبية أو يشتريها لاشك يصبح طرفاً في التعامل بتلك العملة والسؤال هو ما إذا كان المحكوم عليهما "تعاملا" في العملة الأجنبية تأسيسا على الثابت من حصول المحكوم عليه الثاني لها لحسابهما المشترك؟
وهنا فإن مسئولية المحكوم عليه الثاني واضحة إذ أقر بشراء العملات التي تم ضبطها لدى المحكوم عليه الأول من المغتربين وغيرهم ومع أن أشار أيضاً إلى أن ذلك ربما كان في وقت أجازت فيه الدولة الاستيراد بالموارد الذاتية إلا أنه لم يقدم دليلاً على أن العملة التي ضبطت لديه تم شراؤها في الوقت الذي كانت فيه تلك السياسات سارية كما أنه أقر بأنه كان ينوى بيع تلك العملة أما المحكوم عليه الأول فإنه لا يبدو من المتاح من الأدلة أنه كان طرفاً مباشراً في عملية الشراء فهل تنتفي مسئوليته؟
أنه في تقديرنا لا يقل مسئولية عن شريكه فمن الثابت أنه كان على علم بنشاط المحكوم عليه الثاني بل كان ذلك النشاط باتفاق سابق بينهما ولتحقيق مصلحة مشتركة قام هو بتمويلها عندما سلم شريكه مبلغ 400 ألف جنيه سوداني (حسب إقرارهما) لهذا الغرض وعلى ذلك فإن دوره (أي المحكوم عليه الأول) هو على أحسن الفروض دور المحرض لما قام المحكوم عليه الثاني بتنفيذه أو هو ثمرة اتفاق جنائي بينهما
والمسألة الأخرى التي ينبغي التصدي لها بعد هذا هي الركن الثاني في الجريمة المنصوص عليها في المادة 13 (ب) من لائحة الطوارئ لسنة 1987م وهو ما إذا كان ما تم من تعامل "بغير القنوات المشروعة" فمن الواضح أن التعامل ليس هو وحده أساس المسئولية الجنائية وإنما ينبغى لقيام تلك المسئولية أن يكون ذلك التعامل في حد ذاته غير مشروع بمقتضى قانون آخر ومع أن النص بهذه الصيغة يبدو وكأنه يقوم على افتراض بأنه هناك تعامل مشروع وآخر غير مشروع إلا أنه ينبغى البحث فيما أثاره الأستاذ مقدم هذا الطلب عما إذا كان في القوانين المنظمة للنقد الأجنبي ما يسند هذا الافتراض وما إذا كانت أوامر محافظ بنك السودان التي تبدو أساساً للقيود المفروضة في هذا الشأن سليمة شكلاً وموضوعاً بما يجعلها ملزمة ثم ما إذا كان التعامل الذي مارسه المحكوم عليهما قد تم دون التزام بأي من تلك القيود
وللإجابة على هذه الأسئلة يلزم التسليم بأن القانون الذي ينبغى الرجوع إليه هو قانون تنظيم التعامل بالنقد لسنة 1979م واللوائح والأوامر الصادرة بطريقة سليمة بموجبه ولعله تنشأ الحاجة إلى الرجوع إلى غيرها لأغراض تطبيق المبادئ العامة في القانون وفي تفسير الألفاظ
وفي هذا الشأن فإن ما تقرره المادة 5 من قانون 1979م هو ما يلى:-
يكون التعامل بالنقد الأجنبي واستيراده وتصديره ويكون استيراد وتصدير الضمانات المالية والكوبونات حسب ما تقرره اللوائح
وتنص المادة 8 (1) من نفس القانون على ما يلى :-
8- (1) " يجوز لرئيس الجمهورية" أن يصدر اللوائح اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون"
وإعمالاً للسلطة المخولة بموجب المادة 8 (1) المشار إليها أصدر رئيس الجمهورية في ذلك الوقت لائحة تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1979م – وبمقتضاها أصبح "الاحتفاظ" بالنقد الأجنبي مما ينظمه محافظ بنك السودان بأوامر يصدرها "المادة 8 (1) من اللائحة" وحظر التعامل في النقد الأجنبي حيث نصت المادة 10 من اللائحة على ما يلى:
10 (أ) لا يجوز التعامل داخلياً في النقد الأجنبي المحتفظ به إلا عن طريق البنوك المعتمدة والجهات المرخص لها
(ب) ينصرف الحكم المذكور في الفقرة (أ) من هذه المادة إلى جميع صور التعامل داخلياً بما في ذلك نقل الحيازة الشخصية للنقد الأجنبي فيما بين الأشخاص واستخدامه في تسوية قيمة معاملات ما لم تكن الجهة أو الشخص المسدد له من الجهات المرخص لها
كما نصت المادة 14 على السماح للمسافرين والقادمين حمل أوراق نقد أجنبي الخ
وفقاً للأوامر التي يصدرها المحافظ في هذا الشأن
ثم جاءت المادة 27 من اللائحة لتنص على ما يلى:
"يجوز للمحافظ أن يصدر الأوامر وأن يضع الشروط التي يراها مناسبة أو ضرورية لتنفيذ أحكام هذه اللائحة
ونصت المادة 28 على ما يلى :
"يجوز للمحافظ أن يتخذ الإجراء الذي يراه مناسباً أو ضرورياً في أي أمر متعلق بالتعامل في النقد الأجنبي ولم يرد بشأنه نص في هذه اللائحة وتجدر الإشارة إلى أنه قد جرت عدة تعديلات للائحة والمواد المشار إليها هي المواد السارية بعد تلك "التعديلات" وليست بوضعها عند صدور اللائحة في عام 1979م
ويبين من كل ذلك أن اللائحة تمنع التعامل في النقد الأجنبي داخل السودان وذلك خلافاً لما يراه الأستاذ مقدم الطلب غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد فيما يبدو إذ أن محافظ بنك السودان – وإعمالاً لسلطاته بموجب اللائحة قد أصدر أوامر في شأن تنظيم حيازة النقد الأجنبي حيث أصبح بموجبها من المسوح به أن يحوز أي شخص النقد الأجنبي في حدود مبالغ معينة فلا يسأل عن مصدرها وما إذا كان قد تم الحصول عليها "بتعامل" داخلي أو بإدخال مباشر من خارج السودان" وهذا ما يشير إليه الأستاذ مقدم الطلب" فالأمر رقم 3 لسنة 1986م الصادر بتاريخ 11/2/1986م ينص في المادة 5 منه على إجارة حيازة النقد الأجنبي في حدود 2000 دولار وتقضى بحظر حيازة ما زاد عن هذا المبلغ حيث يلزم بيعه لبنك محلى أو إيداعه في حساب حر
ولا أخال الأستاذ مقدم الطلب (حين يحتج بواقعة عدم نشر مثل هذه الأوامر) يطعن في إلزاميتها إذ مثل هذه الأوامر لا تتعارض مع مصالح الناس إنما وعلى النقيض من ذلك تحقق مصلحة لهم نظراً إلى أنها تجيز ما هو في الواقع تعامل محظور إذا كان ذلك في حدود معينة طالما كان ما انكشف هو مجرد الحيازة أياً كان مصدرها ولم يتم ضبط الحائز وهو "يتعامل " فعلاً بالشراء مثلاً في سبيل الحصول على ذلك المبلغ
وعليه ومع أنه ليس من المتصور الاعتراض على أوامر كهذه بأي سبب طالما كانت تحقق مصلحة إلا أنه ليس ثمة ما يمنع الطعن فيها من الناحية المبدئية سواء لعدم نشرها – أن كان ذلك يصلح أساساً للطعن – أو بأى سبب آخر
وعلى ذلك يلزم أن نقرر فيما إذا كانت الأوامر الصادرة بموجب اللائحة واجبة للنشر وما إذا كان النشر شرطه صحة أصلاً لمثل هذه الأوامر وغيرها
وفي تقديرنا أن النشر ليس شرط صحة لنفاذ القوانين حتى ما كان منها قوانين رئيسية تدخل في معنى عبارة "قانون" المعرفة بموجب المادة 4 من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة فالمادة 9 من ذلك القانون حين تستوجب نشر القوانين وتقضى بسريانها بعد مضى شهر من تاريخ ذلك النشر لا تنص في ذات الوقت على ما يترتب علي عدم الإلتزام بهذا الواجب بل وأكثر من ذلك تنتهى المادة بعبارات ما لم ينص فيه "أي القانون" على تاريخ آخر ومؤدى ذلك أنه لا علاقة عضوية بين نفاذ القانون ونشره وإنما النشر من مقتضيات العدالة فلا تصبح مساءلة أحد على تصرف لم يخطر "اخطاراً حكيماً بالطبع وليس بالضرورة فعلياً" بوجه المخالفة فيه ومع أن المبدأ العام هو أن الجهل بالقانون لا يعذر ثم مع أن النشرة في الجريدة الرسمية لا تحقق إلا علماً حكيماً وحسب إلا أن مخاطر تعليق نفاذ القانون على العلم الفعلى قد اقتضى ضرورة نشر القانون وفي الجريدة الرسمية بالذات يفترض بعدها أن الكافة على علم به وعلى ذلك فإن الإعلان عن صدور القانون بأية وسيلة للإعلام من شأنه أن يكفى لوضع الكافة في طريق البحث عنه والالتزام به فلا يقبل من أي شخص بعد ذلك أن يدفع بالجهل بالقانون
وحيث أن حقيقة الأمر هى ذلك فإنه وفي ضوء ما يجده صدور أي قانون من إعلان فلما يصبح من المتصور أن يشكل عدم النشر دفعاً مقبولاً في أية إجراءات يتم تحريكها بموجب أي قانون
وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة لأي تشريع يدخل في معنى عبارة "قانون" وفق تعريفها في قانون تفسير القوانين والنصوص العامة فإنه من باب أولى أن يكون النشر بالنسبة للأوامر الفرعية "كالأمر الصادر بموجب تشريع فرعي كما هو الحال بالنسبة لأوامر بنك السودان محل النظر" أدنى حالاً وأقل ضرورة وفي تقديرنا أن مثل هذه الأوامر لا تدخل أصلاً في إطار المادة 9 من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة ذلك لأن تعريف عبارة "قانون" في المادة 4 من نفس القانون وعلى ما يرد به من وجه لا يشمل سوى القوانين الرئيسية والتشريعات الفرعية (تحت أي اسم وردت – كعبارات لوائح أوامر وقواعد" الخ الصادرة بموجب تلك القوانين "أي الرئيسية) وعلى ذلك فإنها لا تشتمل في تقديرنا الأوامر الصادرة بتفويض من الدرجة الثانية كما هو الحال بالنسبة لأوامر محافظ بنك السودان في القضية محل النظر
أما مثل هذه الأوامر فالقاعدة المعمول بها حول مدى ضرورة نشرها والوجه – أن وجد – المقبول قانوناً لذلك النشر هي ما استقر فقهاء وقضاء على أنه يكفى بشأنه أن تتخذ السلطة المختصة الإجراءات المعقولة لإعلانها دون أن يكون من اللازم إثبات نشرها سواء في الجريدة الرسمية أو بأية وسيلة أخرى معينة أو اثبات العلم الفعلى بها ويترتب على هذه القاعدة أن الدفع بعدم إعلان الأمر ينبغى أن يثار ممن له مصلحة في ذلك ولما كان مثل هذا الدفع يتعلق بالوقائع فإن المرحلة المناسبة لإثارته تكون بالضرورة مرحلة القضية الابتدائية وقبل انتهاء سماع الدعوى حيث يتوفر وسائل التحقيق في مثل هذه المسائل أما بعد انتهاء تلك المرحلة فإنه لا مجال لإثارة الأمر ولا حيف في الالتفات في عما يثار في هذا الشأن
على أنه وأياً كانت القاعدة القانونية السليمة حول مدى ضرورة نشر مثل هذه الأوامر فإن واقع الحال هو أن أمر محافظ بنك السودان في شأن القيود على حيازة العملة الأجنبية قد تم نشره أو يعتبر كما لو كان قد نشر فقد تم نشر الأمر رقم (1) لسنة 1986م في الجريدة الرسمية ومع أن ذلك الأمر قد ألغى واستعيض عنه بأمر جديد لم يتم نشره إلا أن القيود المفروضة على حيازة العملة الأجنبية هي ذاتها التي جاء بها الأمر الأول وعلى ذلك فإن عدم النشر وقاعة لا تصح إلا على أساس نظري وليس فيها شئ من مجافاة تلك العدالة التي تقتضى نشر مثل هذه الأوامر ثم إن أوامر المحافظ لم تأت أصلاً بجديد يختلف عما نصت عليه لائحة التعامل في النقد الأجنبي فقد نصت تلك اللائحة صراحة على حظر التعامل في النقد الأجنبي إلا عن طريق القنوات التي حددتها المادتان 4 و5 من اللائحة ذاتها ولما كانت اللائحة قد نشرت فإن المخالفة التي تجرمها لائحة الطوارئ يمكن أن تقوم على لائحة التعامل بالنقد الأجنبي دونما حاجة إلى الرجوع إلى أوامر المحافظ ودون أن تكون مسألة النشر محلاً للنظر
وتأسيساً على ما تقد ولما كان من الثابت في هذه القضية أن النقد الأجنبي الذي تم ضبطه قد تم الحصول عليه بغير القنوات المسموم بها فإن "التعامل" الذى وقع يصبح مخالفاً للمادة 13 (ب) من لائحة الطوارئ لسنة 1987م ومن ثم تكون إدانة المحكوم عليهما بمقتضى تلك المادة سليمة وبذلك يكون قرار محكمة الاستئناف الخاصة بتأييد ذلك الحكم سليماً هو الآخر
أما بالنسبة للعقوبة فإن ما تنص عليه المادة 33 (2) (1) من لائحة الطوارئ هو أن الحد الأدني للعقوبة في حالة الإدانة بموجب المادة 13 والمادة 30 (2) هو السجن لمدة لا تقل عن السنتين أو السجن المؤبد والغرامة التي لا تقل عن قيمة المنفعة أو أربعة عشر ألف جنيه أيهما أكبر ويبين من ذلك أن العقوبة كما خفضتها محكمة الاستئناف الخاصة تشكل الحد الأدنى للمخالفة التي ارتكبها المحكوم عليها طبقاً للائحة التي وقعت المخالفة في ظلها
أما قرار مصادرة العملات الأجنبية التي تم ضبطها فإنها من السلطات المقررة للمحكمة بموجب المادة 287 (1) من قانون الإجراءات الجنائية (هو القانون الذي يحكم إجراءات المحكمة الكبري الخاصة التي أصدرت قرار المصادرة طبقاً لنص المادة 5 من أمر تشكيلها) والقاعدة الأصولية هي أن كل محكمة تستقل بسلطاتها التقديرية حيث تكون بمنأى في ذلك عن تدخل أي جهة قضائية أخرى إلا إذا ضلت المحكمة الطريق إلى التقدير القضائي السليم وهو ما يندرج تحته كل ما يعيب القرار القضائي من خطأ في تطبيق القانون أو تأويله أو اساءة في استعمال السلطة على أي وجه كان ذلك أو خروج على مبادئ العدالة
فهل في قرار المصادرة الصادرة من المحكمة الكبرى الخاصة أي من هذه العيوب؟
في تقديرنا أنه لا وجه للقول بذلك حيث أنه من الطبيعي أن العملة الأجنبية التي تم جمعها بهذا المقدار عن طريق غير مشروع ينبغى أن لا ترد لمن جمعها فما من عدالة تجيز ذلك بل أن ردها يهدم الغرض من تجريم الفعل ويمكن المجرم من الاستمتاع بثمرة جرمه وفي هذا تناقض نربأ بالقضاء أن يقع فيه
والسؤال الآخر هم ما إذا كان المحكوم عليه الأول يستحق الاحتفاظ بمبلغ ألفي دولار من المبالغ التي ضبطت لديه على اعتبار أن أمر محافظ بنك السودان يجيز حيازة العملة الأجنبية في هذه الحدود؟
ولعل الإجابة على هذا السؤال ربما كانت بالإيجاب فيما لو كانت المخالفة التي نسبت للمحكوم عليهما هي الحيازة غير المشروعة للنقد الأجنبي إلا أنه وطالما كانت المخالفة تتعلق بالتعامل وليس بمجرد الحيازة فإنه لا ينشأ للمحكوم عليه أي حق في استيفاء أي جزء من ذلك النقد ذلك لأن التعامل في النقد الأجنبي يشكل مخالفة قائمة بذاتها تنشأ بمجرد التعامل دون أدنى اعتبار لمقدار المبلغ الذي تم به ذلك ولو أن المحكوم عليهما لم يقرا بعملية شراء العملة ونيتهم في بيعها (وبذلك أوقعا نفسيهما في دائرة التعامل) لاقتصرت مخالفتهما على الحيازة غير المشروعة وعندئذ كان لهما حق إثارة ما هو مسموح به
أما وأن الأمر خلاف ذلك فإنه لم يعد مجال لإثارة ما يحكم مخالفة مختلفة تماماًَ
على أنه ورغم أن العقوبة عدلتها محكمة الاستئناف تشكل الحد الأدني التي تقررها لائحة الطوارئ لسنة 1987م ورغم أننا ننظر في هذا الحكم في مرحلة الفحص بعد أن استنفذ طرق الطعن المقررة كحق المحكوم عليهما فإننا نجد أنه من العسير علينا أن نغفل أن لائحة جديدة للطوارئ قد صدرت وسرت منذ 7/8/1988م وبالنظر إلى العقوبة التي جاءت بها اللائحة الجديدة لمخالفة حظر الاتجار في العملة "وهو ما يشابه التعامل في النقد الأجنبي في ظل لائحة 1987م يبين أن تلك العقوبة هي السجن لمدة عام واحد والغرامة عشرين ألف جنيه كحدى أدنى "المادة 33 (2) (أ) من لائحة 1988م المشار إليها ومؤدى ذلك أن المشرع قد رأي تخفيض عقوبة السجن كما كانت اللائحة السابقة لاقتناعه بأن تلك العقوبة ربما كانت أكثر تشدداً مما كان ينبغى خاصة وهي تتعلق بجريمة اقتصادنا تقوم الغرامة والمصادرة التي يجوز للمحكمة أن تأمر بها مقام العقوبة الأساسية المناسبة لها ويبين هذا جلياً من اتجاه المشرع إلى تحديد المخالفة على وجه أكثر دقة هو الاتجار في العملة بدلاً من مجرد التعامل فيها ومع ذلك أثر أن تكون عقوبة السجن أقل وقاسياً على ذلك ولما كانت العقوبة بموجب اللائحة الجديدة هي الأصلح للمحكوم عليهما وعملاً ببعض الآراء الفقهية التي يجوز تطبيق القانون الاصلح حتى بعد صدور الحكم طالما لم يصبح بائناً فإننا نقرر استبدال العقوبة على كل من المحكوم عليهما لتكون السجن لمدة عام ابتداء من تاريخ صدور الحكم الابتدائي والغرامة عشرين ألف جنيه وبالعدم السجن لمدة سنة أخرى مع الإبقاء على قرار مصادرة العملة موضوع المخالفة
القاضي: صلاح محمد الأمين
التاريخ: 26/9/1988م
أوافـــق
القاضى : محمد ميرغنى مبروك
التاريخ : 15/2/1989
أوافـــق

