حكومة السودان //ضد// م. م. إ م ع/ ط ج/97/2014م
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا
ببورتسودان
القضاة:
سعادة السيد / إبراهيـم محمـد المكـي
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / عبداللطيف محمـد الأمين
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / إبراهيـم محمـدحمـدان
قاضي المحكمة العليا
عضواً
حكومة السودان //ضد// م. م. إ
م ع/ ط ج/97/2014م
قانون الطفل لسنة 2010م – المادة 86(ز) منه – مقروءة مع المادة (48) من القانون الجنائي لسنة 1991م – تدبير التغريب – وضع المدان تحت يد الشرطة العامة وليس إدارة السجون.
قانون الإجراءات الجنائية لسنة1991م – المادة 122(أ) منه – مراقبـة الشرطة – تنفيذ المراقبة – مراعاة رغبة المدان.
المبادئ:
1- إخضاع المدان لتدبير التغريب يفترض بالضرورة وضعه تحت يد وقبضة الشرطة العامة وليس إدارة السجون.
2- إن فلسفة التغريب تقوم على أن تكون إقامة المدان في حدود دائرة معينة يختارها وترى المحكمة أن تنفيذ التدبير فيها ميسور بحيث يتمكن المدان من العيش والتكسب حسب المادة 122(أ) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م.
المحامون:
الأستاذة/ انتصار سليمان عبد الوهاب عن الاتهام
الحكــم
القاضي: عبد اللطيف محمد الأمين
التاريخ: 17/6/2014م
أدين المذكور أمام محكمة الطفل ببورتسودان تحت المادة 45(ج) مقروءة مع المادة 86(ز) من قانون الطفل لعام 2010م مقروءة مع المادة (48) من القانون الجنائي ، ووقعت عليه عقوبة التغريب لمدينة ود مدني لعامين اعتباراً من 26/2/2014م مع الغرامة تحصل بموجب المادة (198) من قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991م كما صادرت المحكمة المبلغ المعروضات وأبادت قطعة الحلوى المعروضات.
باستئناف الحكم من قبل المدان لمحكمة استئناف البحر الأحمر أيدت الإدانة وحكم المصادرة بأغلبية الآراء واستبدلت عقوبة التغريب بتسليم المدان لوليه أو أي شخص مؤتمن بعد التعهد بحسن رعايته حسب المذكرة : أ س ج/80/2014م.
ضد هذا القضاء كان هذا الطلب من قبل الاتهام عبر محاميه الأستاذة/ انتصار سليمان عبد الوهاب طالبة إعمال سلطاتنا بنص المادة (188) من قانون الإجراءات ، بالتدخل لأن أحكام المحاكم الأدنى جانبت الصواب عندما أدانت المدان تحت المادة 45(ج) من قانون الطفل مع ثبوت واقعة الاغتصاب بأقوال المجني عليها المعضدة بالكشف الطبي واستندت لبعض السوابق . كما أن محكمة الاستئناف جانبت صحيح القانون بتوقيع تدبير بتسليم المدان لوليه بموجب المادة (48) من القانون مع أن القانون الواجب التطبيق هو قانون الطفل.
نقبل الطلب إعمالاً لسلطة هذه المحكمة بالمادة (188) من قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991م وذلك بغية التأكد من صحة وسلامة الإجراءات ومدى مطابقتها لصحيح القانون وتحقيق العدالة.
موضوعاً وباطلاعي على سائر الأوراق فالمادة محل التجريم المسمى بجريمة التحرش والإساءة للأطفال من قانـون الطفل والواردة بالمادة 45(ج) منه ، لم يرد أي تفسير للمدلول اللفظي لكلمتي التحرش أو الإساءة ويبدو أن المشرع ترك ذلك للفقه والتطبيق العملي إلا أنه من الملاحظ أنه ميـز بين عقوبة الاغتصاب المجرمة بالمادة 45(ب) بإيراد العقاب عليها في المادة 86(ز) ، بينما جاء العقاب على التحرش بالمادة 86(و) ومصطلح التحرش أو الإساءة للطفل من المستحدثات في اللغة العربية فلقد جاء في معجم اللغة العربية المعاصرة للدكتور أحمد مختار عبد المجيد الصادر من عالم الكتب الطبعة الأولى ص 474 تعريف لمفهوم التحرش والذي يعني تقديم مفاتحات جنسية مهينة وغير مرغوبة ومنحطة وملاحظات تمييزية.
وبالتالي فإن التحرش قد يكون بالقول أو الفعل ذو المغزى الجنسي وينهك جسد الضحية أو خصوصيته أو مشاعره ، فيجعله يشعر بعدم الارتياح أو عدم الأمن والأمان والخوف والترويع أو الإذلال والمهانة أو الإساءة وعـدم الاحترام بما يشعره بأنه جسد يرغب فيه جنسياً ، بمسلك قد يتخذ كشفاً للأعضاء التناسلية أو ملامستها أو جعل الطفل يتعرى أو ترغيبه على ملامسة الجاني لإشباع شهوته الحيوانية أو ملاطفته جسدياً أو تعليمه عادات سيئة كالاستمناء ، أو عرض الصور والأفلام الفاضحة والخليعة عليه أو إبداء ألفاظ فاضحة وقد يتخذ مسلك الجاني صورة أكثر جسامة للاعتداء على الضحية (الطفل) برغبته أو بدونه اعتداءً لا يصل درجة الاغتصاب لذلك فهو تحرش أو إساءة جنسية للطفل وفق المفهوم الخاص الوارد بهذا القانون كتجريم عن الأفعال التي تقع على الأطفال دون الكبار.
وهـذه المفاهيم والصـور والمـدلولات لا تخرج عن مفهـوم المراودة أو الإغـراء أو الترغيب الواردة في سورة يوسف الآيات (23) و (26) (32) و (51) وهـذا كله يدخل فـي مفهـوم الأفعال الفاحشـة المنصوص عليها بالمادة (151) من القانـون الجنائي لعام 1991م عندما تقـع الجريمة على بالـغ.
وبإخضاع تلك المفاهيم على الوقائع الثابتة في هذه المحاكمة أرى صحة الإدانة تحت الجريمة المنصوص عليها بالمادة 45(ج) والمعاقب عليها بالمادة 86(ز) من قانون الطفل لعام 2010م كما قررتها المحاكم الأدنى ، لأن إفادات المجني عليها لم تجد التعضيد الكافي الذي يذهب بنا لأبعد من مفهوم التحرش وفق ما سقناه لأن الكشف الطبي الذي قدمه الاتهام لا يربط المدان ربطاً مباشراً لا فكاك منه بجريمة الاغتصاب المنصوص عليها بالفقرة (ب) من المادة (45) من قانون الطفل.
أما بشأن العقوبة الموقعة على المدان فإنني أتفق مع محامي الاتهام وصاحب الرأي الثالث (مولانا أحمد علي) في دائـرة الاستئناف بوجوب إخضاع المـدان لتدبير التغريب (مراقبة الشرطة) كعقوبة بديلة عندما حالت سن المدان عن خضوعه لعقوبة السجن لتجاوزه سن السبعين حسب المادة 33(4) من القانون الجنائي لعام 1991م مما يقتضي بالضرورة وضعه تحت يد وقبضة الشرطة العامة – وليست إدارة السجون المختصة بتنفيذ عقوبة النفي – لكي يخضع لمراقبة الشرطة بتقييد حريته في حـدود ضوابط وقيـود المراقبة التي حددتها محكمـة الموضوع والـذي يثبت في الأورنيك المرفق بالمنشـور الجنائي رقم 1/2005م ويرسل لشـرطة الجهـة المغرّب إليها حسب المادتين 196(3) و (122) من قانون الإجراءات الجنائية والمنشـور الجنائي 1/2005م الصادر بتاريخ 8/يناير/2005م ويؤيـد هـذا النظر ما جاء بقضاء المحكمة العليا م ع/ ف ج/244/2005م المنشورة بمجلة الأحكام القضائية 2005م ص 121.
بقي أمر مدة التغريب فالجريمة المرتكبة عقوبتها المقررة السجن لمدة لا تتجاوز خمس عشرة سنة والمدان شيخ تجاوز السبعين والمجني عليها طفلة وسن المدان ونوع الجريمة المرتكبة يعتبر ظرفاً مشدداً لجريمة تحت السياسة العقابية التي انتهجها المشرع بقانون الطفل نحو التشديد في هذه الجرائم وقد ضج المجتمع من تفشي هذه الظاهرة وأصبحت السياسة العقابية العالمية تنادي نحو هذا الاتجاه وقد أصدر السيد/ رئيس القضاء منشوراً في هذا الصدد وأرى في العقوبة التي حددتها محكمة الموضوع أنها مالت للين في تدبير يتخذ كقيد في حركة التنقل وليس سجناً وذلك بالمخالفة لأسس تفريد العقاب المنصوص عليها بالمادة (79) من القانون العام 1991م وهذا كله يقتضي معه أن نعيد الأوراق لمحكمة الموضوع بغرض التشديد .
كما لاحظت أن محكمة الموضوع في تطبيقها لعقوبة التغريب غربت المدان لمدينة ود مدني دون الوقوف على رأيه مع أن فلسفة التغريب تقوم على أن تكون إقامة المدان في حدود دائرة معينة يختارها وترى المحكمة أن تنفيذ التدبير فيها ميسور بحيث يتمكن المدان من العيش والتكسب حسب المادة 122(أ) من قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991م.
وبما أن رأى الأغلبية في محكمة الاستئناف ذهب لخلاف ذلك فإن الأمر يقتضي لو وافقني السادة أعضاء الدائرة أن نذهب للاتي:
1-
2-
3-
4-
5- تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع للنظر في أمر تغريب المدان وفق موجهات المذكرة.
القاضي: إبراهيم محمد المكي
التاريخ: 19/6/2014م
أوافق.
القاضي: إبراهيم محمد حمدان
التاريخ: 22/6/2014م
أوافق.
الأمر النهائي:
1- نؤيد الإدانة.
2- نؤيد عقوبة الغرامة وطريقة تحصيلها.
3- إلغاء التدبير الخاص بتسليم المدان لوليه ويعاد القبض عليه.
4- تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع للنظر في تغريب المدان وفق
موجهات الحكم.
إبراهيم محمـد المكـي
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
23/6/2014م

