حكومة السودان //ضد// م أ ا0 م0 وآخرين
نمرة القضية: م ع/ ف ج/356/2007م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 2007
المبادئ:
· قانون الطفـل لسنة 2004م – المسئولية الجنائية - متى تنعقد كاملة - عقوبة الإعدام - عدم تعارضها مع قانون الطفـل - المـادة (4) منه -
· سـن الرشد - المقصود بها
- إن سن الرشد الواردة في المادة (4) من قانون الطفل لا يقصد بها سن الرشد وفقاً لأحكام قانوني المعاملات المدنية أو الأحوال الشخصية وإنما يقصد بها سن المسئولية الجنائية
- إن المسئولية الجنائية تنعقد كاملة إذا بلغ المدان الحلم وأكمل الخامسة عشرة من عمره ويجوز تطبيق عقوبة الإعدام حداً أو قصاصاً ولا يتعارض هذا مع قانون الطفل
الحكم:
القضاة:
سعادة السيد / محجـوب الأمين الفكـي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / محمـد علـي خليفــة قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / الرشيد التوم محمـد خير قاضي المحكمة العليا عضواً
المحامون:
الأستاذ/ صلاح الدين عمر إدريس عن طالب الفحص
الحكــم
القاضي: محجوب الأمين الفكي
التاريخ: 12/8/2007م
قدم المتهمون س0 هـ0 م0 و إ0 ا0إ0 و م0 أ0 ا0 للمحاكمة أمام محكمة جنايات النصر التي قضت بإدانة كل من الأول والثاني تحت المادة (142) من القانون الجنائي وعاقبتهما كل بالسجن لمدة ثلاثة أشهر اعتباراً من 18/3/2007م وأدانت الثالث م0 أ0 ا0 تحت المادة (131) من القانون الجنائي وأمرت بإيداعه في دار تربية لمدة سنتين وبإلزامه وعاقلته بسداد دية قدرها 3 ملايين دينار لأولياء دم المجني عليه تحصل وفقاً لنص المادة 45(5) من القانون الجنائي
محصلة الوقائع الثابتة كما أوجزتها محكمة الجنايات تتلخص في:
أقيم حفل زواج بحي مايو أثناء الحفل داس المرحوم م0 ا0 آ0 هـ0 قدم المتهم الأول (بقصد أو خلافه) دار نقاش على أثره بينهما خرجا معاً بعيداً عن مكان الحفل واشتبكا معاً وتبادلا الضرب حضر المتهمان الثاني والثالث أوسعا المجني عليه ضربا حيث قام المتهم الثالث بضربه بعكاز على رأسه أسقطته الضربة أرضاً نقل إلى مستشفى بشائر ثم إلى مستشفى الخرطوم حيث توفى متأثراً بارتجاج في الدماغ ونزيف تحت سحايا المخ
كان هذا الحكم موضوع استئناف أمام محكمة استئناف الخرطوم التي أيدت إدانة المتهمين الأول والثاني وألغت الحكم في مواجهة المتهم الثالث تأسيساً على أنه عند ارتكابه الفعل بلغ من العمر 16 عاماً وينطبق عليه قانون الطفل وفقاً للمادة (4) منه ولم تتبع بشأن المحاكمة ما نص عليه قانون الطفل من إجراءات وبالتالي قررت إلغاء الحكم وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لإعادة المحاكمة على هدى ما جاء في مذكرتها
لم يجـد هـذا الحكـم القبـول من أولياء الـدم تقدموا بوساطة الأستاذ/ صلاح الدين عمر إدريس بطلب فحص التمسوا فيه إدانة المتهمين جميعاً تحت المادة (130) من القانون الجنائي تأسيساً على أن الأول والثاني اشتركا مع الثالث في قتل المرحوم فضلاً عن أن المتهم الثالث تنعقد مسئوليته الجنائية كاملة تطبيقا لنص المادة 1(2) إذ ارتكب فعلاً موجباً للقصاص وبالتالي لا ينطبق عليه قانون الطفل
موضوعاً:
بالنسبة للمتهمين الأول والثاني أرى أنه ليس هناك ما يستوجب التدخل بشأن الإدانة والعقوبة تحت المادة (142) من القانون الجنائي إذ لم يثبت أن هناك اتفاقاً سابقاً بينهما وبين المتهم الثالث على تسبيب موت المرحوم إذ تسلسلت الوقائع بعد أن داس المرحوم (سواء كان ذلك عن قصد أو دونه) رجل المتهم الأول وتناقشا ثم خرجا من مكان الحادث ثم تبادلا الضرب إلى أن لحق بهما المتهمان وتبادلوا الضرب لا تقطع البينة الطبية بأي أذى لحق بالمرحوم خلاف الإصابة في رأسه بعصا المتهم الثالث سوى جرح قطعي أسفل الشفة وسَجْحَة بمقدمة الرأس وذلك بعد تشريح جثة المرحوم وهذا على الأقل يثير شكاً معقولاً في استخدام المتهم الثالث والأول لعصا أو أية أداة أخرى وبالتالي تسبيب الأذى للمرحوم وعليه أرى تأييد الإدانة والعقوبة في حقهما تحت المادة (142) من القانون الجنائي
أما بالنسبة للمتهم الثالث:
بالرغم من اتفاقي مع الأستاذ/ المحترم مقدم الطلب أن المسئولية الجنائية تنعقد كاملة في الجرائم الموجبة للقصاص أو الحد إذا بلغ المدان الحلم وأكمل الخامسة عشرة من عمره وبالتالي يجوز توقيع عقوبة الإعدام حدا أو قصاصاً إعمالاً للقانون الجنائي ولا يتعارض هذا البتة مع أحكام قانون الطفل ويبدو أن هناك تفسيراً خاطئاً لأحكام قانون الطفل قاد إلى تطبيق خاطئ لأحكام هذا القانون إذ يجب ألا تقرأ بعض نصوصه بمعزل عن النصوص الأخرى ولا تفسر أيضاً بمعزل عن عداها من نصوص ودون الرجـوع لقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لقضاء الأحداث بحسبانها المرجع في تطبيق وتفسير قانون الطفل عند غياب الفعل الإجرائي فيه تطبيقاً لنص المادة (57) من قانون الطفل
ولما كانت قواعد بكين قد استمدت من المادة 40(3) من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل نص البند 2-2 من الجزء الأول لأغراض هذه القواعد تطبق كل دولة من الدول الأعضاء التعاريف التالية على نحو يتمشى معها ومفاهيمها القانونية :
1- الحدث هو طفل أو شخص صغير السن ويجوز بموجب النظم القانونية ذوات العلاقة مساءلته عن جرم ارتكبه بطريقة تختلف عن طريقة مساءلة الطفل البالغ ويعني أيضاً أن الحدود العمرية تتوقف على النظام القانوني في البعد أو الدولة حيث نصت على ذلك بصراحة ووضوح القواعد المذكورة وذهبت إلى مدى أبعد حين وسعت نطاق تطبيقها حيث نصت في البند 2-3 على أن تبذل الجهـود لتوسيع نطاق المبادئ الواردة في القواعد فقط قيدت القواعـد الاتفاقية في البند 4 – 1 منها النظم القانونية التي تحـدد سن المسئولية الجنائية للأحداث (والسودان بين هذه النظم) بعدم تحديد سن المسئولية الجنائية على نحو مفرط في الانخفاض أخذاً في الاعتبار خصائص النضوج العاطفي والعقلي بحيث لا تقل عن السابعة "
وقد قنن قانون الطفل هذا المبدأ ونص عليه صراحة في المادة 5(ز) حيث أورد الآتي :
" الطفل المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته وتهدف محاكمته إلى إعادة تكييفه اجتماعياً ولا يسأل جنائيا ما لم يبلغ سن السابعة من عمره "
ما كان المشرع في حاجة لهذا إلا لتأكيد هذا المبدأ أن المسئولية الجنائية وفقاً للتشريع الوطني ( القانون الجنائي راعت ذلك حيث تنعقد المسئولية الجنائية عند بلوغ الحلم وإكمال الخامسة عشرة من العمر
على ضوء هذا وبالرغم من العديد من الأحكام الصادرة من المحكمة العليا لم تزل محاكم الجنايات على التفسير الخاطئ لنص المادة (4) من قانون الطفل ولذا قادها إلى القول بأن كلاً من لم يبلغ سن الثامنة عشرة من العمر هو طفل " إذ سبق أن قررنا أن سن الرشد الوارد في المادة (4) لا يقصد بها سن الرشد وفقاً لأحكام قانوني المعاملات المدنية أو الأحول الشخصية وإنما سن المسئولية الجنائية وفقاً لما تقدم وبالتالي تنعقد المسئولية الجنائية كاملة إدانة وعقوبة في الجرائم الموجبة للحدود والقصاص من جهة ومن جهة أخرى ينعقد الاختصاص لمحاكم الجنايات وليس لمحكمة الطفل يؤكد هذا نص المادة (55) من القانون الجنائي
ويبدو أن هذا الفهم سارت عليه محكمة الجنايات ومحكمة الاستئناف من بعد عندما قررت أن المتهم الثالث لم يبلغ سن المسئولية الجنائية بالرغم من أن عمره وقت ارتكاب الحادث كان 16 سنة وذلك وفقاً للقانون الجنائي وبالتالي قفزتا قفزاً على هذه النتيجة ورتبا على ذلك أثاره وكان ينبغي بعد أن ثبت إكمال المتهم السادسة عشرة من عمره أن يكون بلوغه الحلم من عدمه محل بحث وهذا مناط تقرير مسئوليته الجنائية من عدمه وليس وفقاً لأحكام قانون الطفل ابتداء
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لم تزل الكثير من نصوص قانون الطفل بعيدة عن التطبيق إذ لم تنشأ حتى الآن وبصورة فاعلة شرطة أحداث ونيابة أحداث وغير ذلك مما نص عليه القانون غير أن هذا لا يبطل الإجراءات كما ذهبت إلى ذلك محكمة الاستئناف بشأن المتهم الأول لأن محكمة الجنايات ذات اختصاص أيضاً وفقاً لنص المادة 57(3) إذ كان بين المتهمين البلغ طفل بالمعنى الذي أوردناه
سلف القول بأن المتهم الثالث – يبلغ من العمر 16 سنه وقت ارتكاب فعله وحتى تنعقد مسئوليته الجنائية يتعين إثبات أنه بلغ الحلم أيضاً وقت ارتكابه الفعل غير أن هذا أمر أغفله التحري ابتداءً وأغفلته محاكم الجنايات عند المحاكمة وعند الاستئناف استكمال هذا كان يقتضي إعادة الأوراق لمحكمة الجنايات للتحقق من بلوغ المتهم الثالث الحلم وقت ارتكابه الفعل (12/8/2006م) غير أنه يستحيل عملاً وواقعاً أن يحدد طبيب بعد مرور هذا الوقت هل بلغ المتهم الحلم فعلاً وقت ارتكابه الجريمة " وبالتالي تصبح مسئوليته الجنائية محل شك يقتضي إعمال الشك لصالحه وتقرير عدم مسئوليته الجنائية وبالتالي استعادة ما قضت به محكمة الجنايات
خلاصة ما تقدم نؤيد إدانة المتهمين الأول والثاني وكذلك العقوبة في مواجهتهما نلغي حكم محكمة الاستئناف بشأن المتهم الثالث ونستعيد قضاء محكمة الجنايات في شأنه
القاضي: الرشيد التوم محمد خير
التاريخ: 14/8/2007م
أوافق ولا أخالني في حاجة لإضافة لما توصل إليه الأخ العالم مولانا محجوب فقد أفاض وأجاد
القاضي: محمد علي خليفة
التاريخ: 15/8/2007م
أوافق تماماً أخي محجوب في مذكرته الضافية ولا مزيد عليها
الأمر النهائي:
1- نؤيد إدانة وعقوبة المتهمين الأول والثاني
2- يلغى حكم محكمة الاستئناف بشأن المتهم الثالث ونستعيد حكم محكمة الجنايات في شأنه
محجوب الأمين الفكي
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
16/8/2007م

