تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
  • دخول/تسجيل
07-04-2026
  • العربية
  • English

استمارة البحث

  • الرئيسية
  • من نحن
    • السلطة القضائية
    • الأجهزة القضائية
    • الرؤية و الرسالة
    • الخطط و الاستراتيجية
  • رؤساء القضاء
    • رئيس القضاء الحالي
    • رؤساء القضاء السابقين
  • القرارات
  • الادارات
    • إدارة التدريب
    • إدارة التفتيش القضائي
    • إدارة التوثيقات
    • إدارة تسجيلات الاراضي
    • ادارة خدمات القضاة
    • الأمانة العامة لشؤون القضاة
    • المكتب الفني
    • رئاسة ادارة المحاكم
    • شرطة المحاكم
  • الخدمات الإلكترونية
    • البريد الالكتروني
    • الدليل
    • المكتبة
    • خدمات التقاضي
    • خدمات التوثيقات
    • خدمات عامة
  • المكتبة التفاعلية
    • معرض الصور
    • معرض الفيديو
  • خدمات القضاة
  • اتصل بنا
    • اتصل بنا
    • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

07-04-2026
  • العربية
  • English
    • الرئيسية
    • من نحن
      • السلطة القضائية
      • الأجهزة القضائية
      • الرؤية و الرسالة
      • الخطط و الاستراتيجية
    • رؤساء القضاء
      • رئيس القضاء الحالي
      • رؤساء القضاء السابقين
    • القرارات
    • الادارات
      • إدارة التدريب
      • إدارة التفتيش القضائي
      • إدارة التوثيقات
      • إدارة تسجيلات الاراضي
      • ادارة خدمات القضاة
      • الأمانة العامة لشؤون القضاة
      • المكتب الفني
      • رئاسة ادارة المحاكم
      • شرطة المحاكم
    • الخدمات الإلكترونية
      • البريد الالكتروني
      • الدليل
      • المكتبة
      • خدمات التقاضي
      • خدمات التوثيقات
      • خدمات عامة
    • المكتبة التفاعلية
      • معرض الصور
      • معرض الفيديو
    • خدمات القضاة
    • اتصل بنا
      • اتصل بنا
      • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

07-04-2026
  • العربية
  • English
      • الرئيسية
      • من نحن
        • السلطة القضائية
        • الأجهزة القضائية
        • الرؤية و الرسالة
        • الخطط و الاستراتيجية
      • رؤساء القضاء
        • رئيس القضاء الحالي
        • رؤساء القضاء السابقين
      • القرارات
      • الادارات
        • إدارة التدريب
        • إدارة التفتيش القضائي
        • إدارة التوثيقات
        • إدارة تسجيلات الاراضي
        • ادارة خدمات القضاة
        • الأمانة العامة لشؤون القضاة
        • المكتب الفني
        • رئاسة ادارة المحاكم
        • شرطة المحاكم
      • الخدمات الإلكترونية
        • البريد الالكتروني
        • الدليل
        • المكتبة
        • خدمات التقاضي
        • خدمات التوثيقات
        • خدمات عامة
      • المكتبة التفاعلية
        • معرض الصور
        • معرض الفيديو
      • خدمات القضاة
      • اتصل بنا
        • اتصل بنا
        • تقديم طلب/شكوى

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1981
  4. حكومة السودان ضد ميرغني جعفر حضره وآخرين

حكومة السودان ضد ميرغني جعفر حضره وآخرين

المحكمة العليا

القضاة :

صاحب السعادة السيد / خلف الله الرشيد              رئيس القضاء         رئيساً

سعادة السيد / محمد الفضل شوقي                  قاضي المحكمة العليا    عضواً

سعادة السيد / أحمد التجانى عبد الهادي             قاضي المحكمة العليا    عضواَ

 

حكومة السودان ضد ميرغني جعفر  حضره وآخرين

م ع/طلب فحص 1/1981م

المبادئ:

-       إجراءات جنائية – سلطة القضاء على أوامر النيابة – جواز رفض الإذن بحبس المتهم – الجريمة الأخف عدم جواز تعديل مادة الاتهام للإضرار بالمتهم

-       إجراءات جنائية – التحري – سلطة النائب العام في التحري – جواز تعديل المواد قبل سماع الدعوى الجنائية

-       قانون النائب العام لسنة 1981م – سلطة النائب العام في التحري وتعديل مواد الاتهام دون تدخل من ا لقضاء – المادة 6 من قانون النائب العام 1981م

1-     إن الغرض الرئيسي من المادة 6 من قانون النائب العام سنة 1981م هو إزالة الوضع غير الطبيعي السابق الذي كان القاضي يشرف بموجبه على التحريات وعلى بناء صرح قضية الاتهام ثم يعود للفصل في القضية وذلك لكي ينأى عن إجراءات التحري من ثم ينحسر دور القاضي بشأنها لذلك جعلت المادة آخذ العلم بالجريمة والتحري فيها وتولي الاتهام من اختصاص النائب العام كما أعطته السلطات المنصوص عليها في أي قانون ينظم التحري وخاصة في قانون الإجراءات الجنائية كما أنها وإن أبقت للمحكمة أو للأشخاص المسندة إليهم سلطات التحري ممارسة التحري إلا أن ذلك يكون وقفاً على أي قرار لاحق من النائب العام بتوليها أو بتنظيم ممارستها مما يبرر للنائب العام توجيه التهم التي يراها مناسبة في أي مرحلة من مراحل التحري وسواء أخذ بالجريمة علماً منذ البداية أو بعد موالاة إجراءات التحري بواسطة غيره

2-     إن قاضي الجنايات عندما يأخذ علماً بالبلاغ يستطيع أن يرفض الإذن بحبس  المتهم إذا كان في رأيه أن الجريمة المنسوبة إليه  أخف مما حددته النيابة وأن الكفالة فيها جائزة ولكن العكس غير صحيح  إذ أنه لا يجوز له أن يأمر بتعديل مادة الاتهام على مادة أكثر جسامة أو خطورة كما لا يجوز له رفض إطلاق سراح المتهم إذا ما رأت النيابة أنه ليس لديها ما تستطيع أن تطلب من أجله وضعه في الحراسة

3-     أخطأت المحاكم الأدنى درجة لما ذهبت إلى أن التحريات مع المتهمين قد انتهت لمجرد رفع الأوراق للقاضي لتحديد موعد لبدء التحقيق القضائي إذ تظل التحريات مجرد استدلالات خاضعة لوكيل النيابة ومن ثم لا تخضع لسلطة القاضي إلا بعد  شروعه في المحاكمة أو التحقيق وذلك بالاستماع إلى البينات وفقاً للطرق المقررة المعتادة

 

رأي معارض :

       إن تدخل وكيل النائب العام بعد انتهاء التحري مخالف لأحكام المادة (6) من قانون النائب العام الجديد لأن أخذ العلم بالجريمة يعني أن يتم ذلك عند استلام تقرير البلاغ بموجب المادتين 11/ 12ج من البداية فإن لم يأخذ النائب العام علماً بذلك ولم يبادر بتولي التحري فإنه يمتنع عليه بعد انتهاء التحري يعتبر مجرد توصية أو رأي للقاضي أن يعمل بها أو لا

الحكــــم

14/10/1981م

القاضي / أحمد التجانى عبد الهادي

      هذه القضية طلبت للفحص إعمالاً للسلطات المخولة لنا بموجب المادة 157 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م وذلك للتأكد من صحة وقانونية قرار محكمة الاستئناف الصادر بتاريخ 13/9/1981م في الاستئناف الجنائي رقم 274/1981 أرى أن نسرد الوقائع حتى تكتمل الصورة ويسهل فهم الموضوع

      في يوم 8/8/1981م في حوالي الساعة السادسة والنصف صباحاً وصل بلاغ إلى نقطة بوليس الخرطوم بحري مفاده أن هناك شخصان وجدا بمنطقة الصبابي بالخرطوم بحري وبهما إصابات على منطقة الرأس وأجزاء متفرقة من الجسم وعندما نقلا إلى المستشفى فارقا الحياة

      أخذت الشرطة الإجراءات السريعة التي يتطلبها الموقف وبعد مجهود مقدر ومكثف تم القبض  على عدد كبير من المشتبه في اشتراكهم في الحادث وبعد التمحيص اللازم انحصرت التهمة في ثمانية أشخاص تم القبض عليهم جميعاً ووجهت لهم تهمة القتل العمد تحت المواد 251 عقوبات وهؤلاء الأشخاص هم :

1- ميرغني جعفر حضرة

2- السر الصافي محمد حسين

3- عبد المجيد حاج الأمين

4- مجدي محمد كومي

5- محمد فضل المولى

6- مبارك محمد

7- إبراهيم الأمين الزبير

8- الياس الشيخ

      قام المتحري بتلخيص القضية وأحالها للسيد مدير شرطة النيل والذي أحالها بدوره للسيد وكيل نيابة مديرية الخرطوم لتقييم البينات وإصدار التوجيهات اللازمة

      بتاريخ 2/9/1981م وبصفحة 69 من يومية التحري أصدر السيد وكيل ديون النائب العام قراراً بموجب المادة 6(أ) من قانون النائب العام لسنة 1981م بأن تعدل المادة ضد المتهمين الثمانية من المادة 251 ع  إلى المادة 254 عقوبات مع الاحتفاظ للمحكمة بحقها في تعديل التهمة لأي مادة تسفر عنها البينات وإصدار الأمر بإطلاق سراح المتهمين بالكفالة وأن تقدم القضية للمحاكمة

      وأحيلت الأوراق لقاضي جنايات الخرطوم بحري في نفس اليوم وبصفحة (69) و (70) من يومية التحري كتب قراراه الذي يتلخص بأنه ليس من سلطات النيابة أن تصدر أمراً في يومية التحري وأن مهمة النيابة هي توجيه التحري ورفض القاضي توجيه وكيل النيابة بتعديل التهمة ضد المتهمين بالمادة 254ع  وقرر توجيه تهمة القتل العمد للمتهمين تحت المادة 251 عقوبات وأمر بإبقائهم بالحراسة

      كان يمكن حسم الموضوع في هذه المرحلة إذا كان هدف الجميع هو المصلحة العامة لكن بكل أسف تطور الموضوع إلى درجة مؤسفة من المواجهة بين القاضي من جهة ووكيل النيابة  الذي يناصره ويسانده مدير شرطة مديرية الخرطوم من الجهة الأخرى كما سنفصل فيما بعد بناء على قرار وتعليمات قاضي جنايات بحري وجه السيد مدير شرطة شرق النيل بتنفيذ تعليمات القاضي وقد كان صائباً فيما ارتأى وأمر بإحالة الأوراق للمحاكمة وإخطار النيابة بذلك

      أعيدت الأوراق للقاضي لتحديد ميعاد للتحقيق القضائي بتاريخ 6/9/1981م وبصفحة (71) من يومية التحري كتب السيد وكيل ديوان النائب العام إلى مدير شرطة شرق النيل يطلب فيه تنفيذ الأوامر السابقة بصفحة (69) من يومية التحري والخاصة بتعديل التهمة ضد المتهمين وإطلاق سراحهم بالكفالة وبنفس الصفحة كتب السيد مدير شرطة شرق النيل للمتحري – على ما يبدو – بأنه بناء على تعليمات اللواء إسماعيل عطية مدير شرطة مديرية الخرطوم يجب تنفيذ الأمر الذي أصدره وكيل ديوان النائب العام كما  أمر بإطلاق سراح المتهمين بكفالة مالية قدرها 10 ألف جنيه لكل منهم وإرسال القضية للمحكمة للعلم بتاريخ 7/9/1981م أفرج عن المتهمين الثمانية بالكفالة المالية وأرسلت الأوراق مرة أخرى للقاضي المقيم لتحديد ميعاد للتحقيق القضائي

      دخلت القضية درجة مؤسفة في المواجهة اطلع قاضي الجنايات على الأوامر التي صدرت أخيراً وبصفحة 72 و 73 من يومية التحري أوضح أن النيابة غير مختصة بتعديل مواد الاتهام في هذه المرحلة وأن قرراه السابق بتاريخ 3/9/1981م برفض توجيهات وكيل النائب العام كان قرراً قضائياً وأيده قاضي المديرية بالخرطوم بحري وأن قرار وكيل ديوان النائب العام الأخير فيه تجاهل لتلك القرارات  وأمر القاضي بالقبض على  المتهمين وإعادتهم للحراسة وتوجيه تهمة القتل العمد  لهم تحت المواد 251ع

      عرض السيد مدير شرطة شرق النيل القضية على السيد مدير شرطة مديرية الخرطوم بعد أن أوضح رأيه في صفحة (74) من يومية التحري حيث أشار إلى أن قرار وكيل النائب العام وصلاحياته انتهت بنهاية التحري وطلب تنفيذ أمر قاضي الجنايات اطلع السيد مدير شرطة مديرية الخرطوم على قرار قاضي  الجنايات وقرر رفع الأمر برمته للسيد رئيس القضاء

      أحال السيد رئيس القضاء الموضوع لمحكمة الاستئناف بموجب المادة 257 إجراءات لفحص قرار محكمتي المديرية والجنايات

      بتاريخ 13/9/1981م أيدت محكمة الاستئناف قرار محكمتي المديرية والجنايات بتوجيه تهمة المتهمين تحت المواد 88/251 عقوبات وإعادة القبض عليهم استناداً للسلطة المخولة تحت المادة 257 إجراءات أمر السيد رئيس القضاء بفحص قرار محكمة الاستئناف وأحيل الطعن لهذه المحكمة للفصل فيه

      قبل أن نتطرق لطعن لا بد من الإشارة إلى ما جاء في ملاحظات محكمتي المديرية والاستئناف بأن قانون النائب العام لسنة 1981م كان مجهولاً بالنسبة للجهات القضائية وهذا أمر مؤسف نسجله ونعتبره تقصيراً مشيناً في مكتب النائب العام وكان الأجدر به أن يخطر السلطات القضائية وهي التي ستتأثر بهذا القانون منذ صدروه وحتى النسخة التي أمامنا – والتي نهتدي بها في هذا الطعن – لا توضح تاريخ صدور القانون ولا تاريخ التوقيع عليه من رئيس الجمهورية

      قانون النائب العام لسنة 1981م في المادة 6(2) (أ) (ب) أعطى النائب العام السلطات التالية :

( أ )   المادة 6(2) على الرغم من أحكام أي قانون آخر يختص النائب العام بأخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها وتولي الاتهام وتكون له في سبيل ذلك جميع السلطات المنصوص عليها في أي قانون ينظم التحري وخاصة في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م فيما عدا السلطات المنصوص عليها في المادتين 119 و 120 منه

(ب)    يتولى النائب العام على وجه الخصوص كل السلطات المنصوص عليها في الفصلين السادس والثاني عشر من قانون الإجراءات الجنائية قبل صدور قانون النائب العام لسنة 1981م المشار إليه إلا أن قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م أعطى النائب العام سلطات واسعة في التحري  في الجرائم وتمثيل الاتهام وتوجيه التحري فالمادة 122(هـ) الفصل الثاني عشر (أ) من قانون الإجراءات  الجنائية أعطت النائب العام سلطات واسعة في التحري وكفلت له جميع سلطات التحري وحظر القضاة والشرطة التدخل في التحري في تلك الجريمة إلا بموافقة النائب العام كما أن المادة 211 من قانون الإجراءات الجنائية أعطت النائب العام الحق في تمثيل الاتهام والمادة 231(أ) من القانون أعطت الحق في وقف إجراءات أي متهم بشروط خاصة  ولكن الجديد في قانون النائب العام سنة 1981م أنه أعطى سلطات واسعة في التحري والبلاغات والتوجيهات للشرطة فيما يتعلق بالتحري وبمعنى آخر أنه حل محل القضاة في التحري وأعطى النائب العام أخذ علم بالجريمة كما نصت عليه المادة 135 إجراءات

      المادة 6 من قانون النائب العام لسنة 1981م كما ذكرنا أعطت النائب العام أخذ العلم بالجريمة والتحري فيها وتمثيل الاتهام ومنحته جميع السلطات المخولة في قانون الإجراءات الجنائية

      وأرجو أن نقرر هنا أن قانون النائب العام لسنة 1981م واجب التطبيق والنفاذ

      والآن نستعرض الأحداث لنقرر عما إذا كان النائب العام تصرف وفقاً للمادة 6 من قانون النائب العام حيال هذه القضية وأن تصرفه كان قانونياً في هذه الظروف

      فتح البلاغ الأول بتاريخ 8/8/1981م بموجب المادة 122(د)  من قانون الإجراءات الجنائية وذلك لعدم معرفة المتهمين في تلك المرحلة وبتاريخ 9/8/1981م قد تقرير البلاغ الأول للسيد قاضي جنايات بحري بموجب المادة 122 د (أ) (ب) من قانون الإجراءات الجنائية وقد أمر القاضي بالتحري في البلاغ كما أن المادة 112من قانون الإجراءات تنطبق على تقديم البلاغ الأول للقاضي في هذه الحالة ولقد وجه  القاضي عندما أمر بالتحري بموجب المادة 114(أ) من قانون الإجراءات

      تنص الفقرة الأخيرة من المادة 114 إجراءات على أن تصرف الشرطة حينئذٍ حسب توجيهات القاضي وهذا ما اتبعته الشرطة في جميع الأحوال وفي جميع مراحل التحري في هذا البلاغ

      كان قاضي جنايات بحري هو المشرف على التحري وكانت الشرطة تعمل وتتصرف وفق توجيهاته كما ينص قانون الإجراءات الجنائية

      اكتملت التحريات بعد التعرف على المتهمين الذين وجهت لهم تهمة القتل العمد وفقاً للمادة 251 عقوبات وأرسل المتحري يومية التحري لرئيسه المباشر الذي حولها بنفسه لوكيل نيابة الخرطوم لتقييم البينات والإفادة بشأن التهم عرضت الأوراق على وكيل ديوان النائب العام بتاريخ 2/9/1981م وأصد فيها قراره المشار إليه سابقاً بتعديل التهمة وإخلاء سبيلهم بالكفالة

      لقد اعتمد وكيل ديوان النائب العام في قراره على المادة 6(2) من قانون النائب العام

     ونحن مع احترامنا لوكيل ديوان النائب العام نرى أن القرار الذي اتخذه بتاريخ 2/9/1981م والذي يقضي بتعديل الاتهام وإخلاء سبيل المتهمين بالكفالة جاء مخالفاً للقانون في تأويله وتفسيره

      المادة 6(2)(أ) من قانون النائب العام أعطت النائب العام أخذ العلم بالجريمة والتحري فيها وتولي الاتهام ومنحته كل سلطات التحري المنصوص عنها في قانون الإجراءات الجنائية

      وأخذ العلم بالجريمة يعني أن يتم ذلك عند استلام تقرير البلاغ الأول بموجب المادتين 112 أو 122جabinitio ويعني هذا أن يأخذ النائب العام العلم بالجريمة في هذه القضية بعد فتح البلاغ من البداية abinitio وتقديمها له بموجب المادة 112 من قانون الإجراءات ولكن التقرير عن البلاغ الأول لم يقدم للسيد النائب العام ولكنه قدم لقاضي الجنايات كما أوضحنا كما أن النائب العام لم يتحر في القضية أو يفوض أحد معاونيه وفقاً للمادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981 والتفسير المنطقي لسلطات النائب العام بموجب المادة 6 من قانون النائب العام أن يباشر النائب العام ابتداءً سلطاته في أخذ العلم بالجريمة بموجب المادتين 112 و 135 من قانون الإجراءات وأن يباشر كل السلطات المنصوص عليها في الفصل الثاني عشر والمتعلقة بإجراءات التحري والتصرفات المختلفة بخصوص المتهمين

      إن ممارسة سلطات النائب العام بموجب المادة 6(2) من  القانون يجب أن تبدأ منذ لحظة فتح البلاغ حتى اكتمال التحري على أن تتلقى الشرطة والمتحري التعليمات من النائب العام أو ممن ينوب عنه

      لقد انتظر وكيل النائب العام حتى فرغت الشرطة من  التحريات التي كانت مباشرة من القاضي ثم أصدر قراره بموجب المادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981م لقد أخطأ وكيل النائب العام في التوقيت وتدخل بعد أن اكتملت الإجراءات وقدمت القضية لتحديد ميعاد المحاكمة

      لا شك أن قانون النائب العام يعطيه حق التدخل ولكن هذا التدخل له توقيت محدد ووفقاً لضوابط قانونية تحددها المادة 6(2) من القانون   إن تدخل وكيل ديوان النائب العام بعد انتهاء التحري لا تسنده المادة 6 من القانون لأنه جاء بعد فوات الأوان ويجدر بنا أن نشير إلى ملاحظة قانونية رائعة أشار إليها السيد مدير شرطة شرق النيل بتاريخ 7/9/1981 في تعليقه للسيد مدير شرطة مديرية الخرطوم بالصفحة 74 من يومية التحري حيث قال بالحرف الواحد لرئيسه الذي لم يدرك قيمة الملاحظة القانونية :

      ( وبما أن القضية حالياً تحت المحاكمة وليست تحت التحري فلا مناص من تنفيذ الأمر الصادر حيث أنه وفي تقديري أن صلاحيات النائب العام التي دارت حولها المكاتبات تكون قد انتهت بانتهاء التحريات )

هذه ملاحظة قانونية جديرة بالإشادة وصدرت من ضابط متحر أصاب في ملاحظته كبد الحقيقة إن صلاحيات واختصاصات النائب العام بموجب المادة 6(2) من القانون إنما تمارس في أثناء التحري وعند بدايته ولا يمكن أن تمارس بعد اكتمال التحري وتجهيز القضية للمحاكمة

      إن الممارسات التي قام بها قاضي الجنايات ببحري في هذه القضية جاءت مطابقة ووفقاً للقانون ويسندها قانون النائب العام وفي مادته السادسة التي استعملها وكيل ديوان النائب العام مبرراً تدخله  في القضية نصت الفقرة (ج) من المادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981م على الآتي :

      ( يستمر جميع الأشخاص المسندة إليهم حين صدور هذا القانون سلطات مباشرة في مباشرة إجراءات التحري وفق قانون الإجراءات الجنائية أو أي قانون آخر في ممارسة تلك السلطات وفقاً على أي قرار لاحق من النائب العام بتوليها أو بتنظيم ممارستها )

      ومعنى هذا النص أن يستمر القضاة في ممارسة سلطاتهم بموجب قانون الإجراءات الجنائية في التحري الخ حتى يصدر قرار من النائب  العام لتولي تلك السلطات أو تنظيم ممارستها

      ولا يخفى علينا الغرض من هذا النص الذي أصبح ضرورياً في هذه المرحلة وخاصة أن ديوان النائب العام ليس لديه الإمكانيات البشرية والمادية للقيام بأعمال النيابة العامة كاملة كما يحدث في البلاد الأخرى وبما أن العمل النيابي يقوم به القضاة بمختلف درجاتهم ويشرفون على كل إجراءات التحري فقد رأي المشرع أن تنتقل سلطة النيابة إلى النائب العام ومعاونوه بالتدرج وبعد توفر كل الإمكانيات التي تحقق الغرض من هذا القانون هذه بلا شك طريقة سليمة تبعد عن التطرف والمغالاة والتسرع فاعتماداً على الفقرة (ج) من المادة 6(أ) من قانون النائب العام فإن النائب العام بالخرطوم لم يخطر قاضي جنايات بحري بأن سلطاته في الإشراف على التحري قد سحبت وأن النائب العام بموجب المادة 6(2) من القانون يود ممارسة سلطاته في جميع الجرائم

      ولو كان النائب العام يرغب في استعمال سلطاته التي منحها له قانون 1981م كان عليه أن يخطر قاضي الجنايات بحري بأن يتوقف عن الإشراف على التحريات ولكن بدلاً من ذلك سكت عن اتخاذ أي خطوات حتى اكتملت تحريات القضية ولسبب غير معروف حال أن يستغل المادة 6(2) من القانون ليعدل التهمة الموجهة ويخلي سبيل المتهمين بالضمانة أو الكفالة

      وعليه نقرر أن تدخل وكيل النائب العام في هذه المرحلة وبعد انتهاء التحري لا يسنده قانون النائب العام في مادته السادسة الفقرة الثانية وقد يدور سؤال يتطلب الإجابة وهو ما قيمة رأي السيد وكيل ديوان النائب العام في هذه المرحلة وإلى أي مدى تتقيد به المحكمة أو القاضي بصفته الجهة التي تمثل الاتهام؟

      الرد هنا لا يحتاج إلى كبير عناء هذا الرأي الذي أبداه السيد وكيل ديوان النائب العام في يومية التحري يعتبر مجرد توصية أو رأي وللقاضي أن يعمل بها أولا وهي بهذه الصفة غير ملزمة للمحكمة أو القاضي لقد قررت المحكمة العليا وهذه  الدائرة هذا المبدأ في قضية حكومة السودان ضد كرار محمد سليمان وآخرين (م ع/ط ح/213/1980 )

      في هذه القضية دفع محامي المتهمين بأن النائب العام أرسل خطاباً للقاضي المقيم بحلفا يطلب منه شطب البلاغ ضد المتهمين الذين قبضوا في حدود السودان مع مصر وهم يحاولون تهريب جمال

لقد رفضت المحكمة هذا الدفع وقالت ما يلي :

      ( وفي رأينا أن محكمة الموضوع ليست مقيدة برأي الاتهام الذي يمثله النائب العام بشطب الدعوى الجنائية لأن هذه التوصية مجرد رأي قابل للنقاش ومن حق المحكمة رفض التوصية التي تقدم بها الاتهام بشطب البلاغ أو الدعوى الجنائية لأن هذا الرأي ليس ملزماً وإذا كان النائب العام لا يرغب في محاكمة المتهمين كان يمكنه استعمال سلطاته المنصوص عليها في المادة 231(أ) من قانون الإجراءات الجنائية )

      كان الطريق مفتوحاً أمام السيد وكيل ديوان النائب العام ليستعمل سلطاته الممنوحة له في قانون الإجراءات الجنائية بموجب المادة 231(أ) ويطلب وقف الإجراءات ضد المتهمين

      أود أن أشير هنا إلى نقطة جديرة بالرد عليها ذكرها السيد قاضي المديرية في الاستئناف الجنائي 217/81 المتعلق بهذا الطعن حيث ذكر أن الحق الذي أعطي للنائب العام بموجب المادة 231(أ) إجراءات لوقف الإجراءات ضد أي متهم يخضع لشروط منها ألا يباشر النائب العام هذه السلطات إلا لأسباب ترتبط بالصالح العام ولظروف خارجة عن نطاق القضية المحددة وأقتطف هذه العبارات الأخيرة من قضية : بالمحكمة العليا استئناف  م ع/ط ج/1977

      السابقة التي أشار إليها السيد قاضي المديرية ربما تكون قد اعتمدت على قضية حكومة السودان ضد زهراء آدم وآخرين ( المجلة القضائية سنة 1965 صفحة 31 ) حيث قررت المحكمة العليا أن السلطات الممنوحة للنائب العام بموجب المادة 231(أ) من قانون الإجراءات التي تمنحه الحق في طلب وقف الإجراءات الجنائية ضد أي متهم ممارسة قضائية ويجب أن تخضع للرقابة القضائية وعليه يجب أن يكون طلب النائب العام مسبباً وللمحكمة أن تقبله أو ترفضه

     نستميح السيد قاضي المديرية عذراً لأنه لم تتح له الفرصة للإطلاع على سابقة حديثه انتقدت فيها المحكمة العليا قضية زهراء المشار إليها وقررت أن السلطة التي يمارسها النائب العام بموجب المادة 231(أ) إجراءات ليست سلطة قضائية بل هي سلطة إدارية لا تخضع للرقابة القضائية وقررنا في السابقة وهي : حكومة السودان ضد أحمد يوسف إسماعيل  وآخرين ( م ع/ط ج/137/1980 ) صدر القرار في 28/3/1981م

      إن المادة 231(أ) إجراءات واضحة ولم يذكر المشرع إطلاقاً موافقة المحكمة لوقف إجراءات كما أن المشرع لم يطلب من النائب العام ذكر الأسباب التي يعتمد عليها وحسب المادة يجب على المحكمة أو القاضي المختص وقف الإجراءات ضد المتهم متى ما طلب النائب العام وقف الإجراءات بموجب المادة المشار إليها

      وحتى لو سلمنا جدلاً بأن النائب العام من حقه ممارسة سلطاته في هذه القضية وفقاً للمادة 6(2) من قانون النائب العام فإننا بمجرد إطلاع الشخص على يومية التحري والبينات الطبية عن القتيلين يتضح لنا أن قرار السيد وكيل ديوان النائب العام بتعديل التهمة ضد المتهمين من جريمة القتل إلى جريمة تحت المادة 254 عقوبات يكشف عن تسرع مجهض للعدالة وإجراء يتسم بالسطحية والبعد عن أبجديات قانون العقوبات وكنا نربأ بالسيد وكيل ديوان النائب العام وهو القانوني الضليع الذي يمثل قمة جهاز الاتهام في هذا البلد ألا يتسرع في اتخاذ مثل هذا القرار الذي اتخذ دون دراسة  متأنية للقضية والتقارير الطبية وتقييم البينات وتطبيق المواد القانونية ولو اطلع سيادته على يومية التحري والمادتين (251) و (254) عقوبات وتعريف جريمة القتل لما اتخذ هذا القرار المتسرع

      ربما يكون قد اتخذ هذا القرار رضوخاً لعوامل خارجة عن إرادته إذا نظرنا إلى أن القتيلين ربما يكونا لصين اقتحما منزل المتهمين ويكون من حق المتهمين إزهاق روحهما

      لقد قدم الاتهام في هذه القضية المستندات الطبية عن القتيلين والتي تبين الإصابات التي تعرض لها كل منهما

      التقرير الطبي الأول وأشرت له بالحرف (A) عن القتيل الأول مجهول الهوية جاء فيه أن هناك كسورا متعددة وغير منتظمة من الرأس ونزيف وتهتك بالمخ وأن سبب الوفاة الكسور وتهتك المخ و النزيف

       التقرير الطبي الثاني عن القتيل الثاني – مجهول – أشرت له بالحرف ( B ) جاء فيه وجود كسور متعددة بالرأس ونزيف وكسور بالرجل والذراع الأيمن وهذه أسباب الوفاة

      منذ الوهلة الأولى وبدون حاجة إلى بحث عميق أن القتيلين أصيبا بإصابات بليغة لا يمكن أن ينطبق عليها المادة 254 من قانون العقوبات والتي تتعلق بإحداث الموت بارتكاب فعل لا يصل إلى درجة القتل ولكنه قصد منه تسبيب الأذى أو الأذى الجسيم

      إن المادة 254 تنطبق في الحالات التي لا يقصد فيها المتهم إحداث الموت وإنما إحداث الأذى  ولكن لظروف خارجة عن إرادته حدث موت المرحوم

      المادة 254 عقوبات أدخلت في قانون العقوبات سنة 1925 وليست لها مثيل في القانون الهندي كما جاء في قضية : حكومة السودان ضد بشرى حمدين ( المجلة القضائية سنة 1962 صفحة 118 )

حيث ذكر القاضي حسيب ما يلي :

The act punishable under penal code, 254 is not the guilty mind penal code, section 254 is our own and has no equinalent in the Indian penal code the section charged against accused does not punish the intended act but the consequence thereof

      المادة 254 عقوبات تعاقب الجرائم التي ينتفي فيها القصد الجنائي بارتكاب جريمة القتل وتنطوي تحت الأفعال البسيطة التي عادة لا تؤدي إلى الوفاة وأن الآلة المستعملة صغيرة وليست خطيرة بطبعها وأشار إلى ذلك السيد أبو رنات رئيس القضاء في قضية : حكومة السودان ضد كمال الجاك أحمد ( المجلة القضائية سنة 1962 صفحة 65 )

حيث قال :

Cases falling under penal code;sec 254 are those cases where the deceased was beaten by the hand or a light stick ; and that in nearly all such cases the instrument used is not a lethal or dangerous one and the death of the person beaten or injured in these cases would cause to ordinary people

     وعليه فإن المادة 254 عقوبات لا يمكن ن تنطبق على فعل المتهمين كما أوردها السيد وكيل النائب العام إن الإصابات خطيرة والكسور متعددة والتقرير الطبي يثبت إحداثها بآلة صلبة فكيف يستقيم عقلاً أن يقصد الجناة في هذه الحالة إحداث الأذى أو الأذى الجسيم؟ وكيف يطلب منا وكيل ديوان النائب العام أن نغلق عقولنا عن الأشياء الواضحة لكل ذي عينين والتي تكشف أن الجناة أحدثوا موت القتيلين بالضرب الشديد وبالات صلبة مما تنتفي معه إحداث الأذى فقط

      يظهر أن السيد وكيل ديوان النائب العام تجاهل كل العناصر القانونية المكونة للجريمة وقصد فقط إيجاد حل لإطلاق سراح المتهمين بالضمانة لأن المادة الموجهة لهم من الاتهام وهي 251 عقوبات لا تبيح إطلاق سراحهم بالضمانة وفقاً للمادة 228 (1) من قانون الإجراءات الجنائية

      وعليه نخلص إلى أن قانون النائب العام لسنة 1981م قانون شرعي وملزم وواجب التنفيذ وقد منح السيد النائب العام في مادته (6) سلطات واسعة لمباشرة التحري والتحقيق ولكن قرار السيد وكيل ديوان النائب العام موضوع هذا الطعن جاء مجافياً للقانون في تفسيره وتأويله مما يبر رفضه

      لو اتخذ السيد وكيل ديوان النائب العام الإجراءات حسب المادة 6(2) من قانون النائب العام منذ البداية لما كان لنا اعتراض عليه ولاعتبرناه قانوناً صحيحاً ولكن تدخله وبعد نهاية التحري يجعل هذا القرار مجرد توصية كما سبق أن قررنا

      في نهاية هذا القرار لا بد لنا أن نشير إلى الروح الطيبة والتعاون المثمر الذي يجب أن يسود العلاقات بين الأجهزة الثلاثة المناط بها تحقيق العدالة وهي القضاء والنائب العام والشرطة

      إن الذي حدث بين القضاء من جهة والنيابة والشرطة من جهة أخرى ( حدث عابر )  وكان يمكن أن يحسم في أطواره الأولى قبل أن يصل درجة الأزمة ونقرر بكل أسف أن مدير شرطة مديرية الخرطوم كان بوسعه تطويق الخلاف وحصره في أضيق الحدود دون أن يصل إلى درجة المواجهة وذلك بدليل أنه اتصل بمدير شرطة شرق النيل وأمره بتنفيذ أمر وكيل ديوان النائب العام رغم علمه أن هناك أمر قضائي صدر من القاضي المسئول بتاريخ 2/9/1981م بإلغاء قرار وكيل ديون النائب العام

      لقد أعطى السيد مدير شرطة ولاية الخرطوم لنفسه سلطات لا يملكها وقرر بجرة قلم أن قرار وكيل النائب العام يجب تنفيذه وتجاهل قرار قاضي الجنايات كان يمكن للسيد مدير شرطة الخرطوم أن يتصرف بحكمة وتعقل ما دام هذه مصلحة العدالة كان يمكنه ن يرفع الأمر للسيد رئيس القضاء مثلاً للبت في الموضوع ولكنه آثر أن ينحاز لجانب النائب العام ليحدث ما حدث من مواجهة مؤسفة وعندما تأزم الموقف وجد نفسه مضطراً للجوء للسيد رئيس القضاء ولكن بعد فوات الفرصة المواتية لحسم الموضوع

      إننا ندين هذا التصرف وإن كنا نفترض فيه حسن النية إن العلاقة بين الأجهزة يجب أن تكون علاقة طيبة يسودها التعاون المثمر والتفاهم والانسجام في سبيل تحقيق الهدف الأسمى وهو مصلحة المواطنين والأمة وإن أية فئة تحاول إثارة البلبلة وخلق المشاكل بينها يجب ألا تعطى الفرصة لتنفيذ أغراضها

      وفي ختام هذا النقاش بعد أن قررنا صحة قرار قاضي جنايات بحري نرى الإسراع في نظر هذه القضية وإعطائها الأولوية في النظر على أن يوظف لها قاضي للقيام بنظرها على وجه السرعة وموضوع التهم بالإدانة متروك للمحاكم المختصة

ولذا قررنا الآتي :

1- رفض طلب الفحص وتأييد الحكم المطعون فيه

2- ينفذ قرار قاضي جنايات بحري ضد المتهمين

 

28/10/1981م

القاضي محمد الفضل شوقي :

      لقد قام زميلي العلامة أحمد التجانى بدراسة وافية لجميع جوانب هذا الموضوع المعروض علينا وأوفاه حقه من العناية والتمحيص ولكني مع عظيم تقديري واحترامي اختلف معه فيما توصل إليه من نتائج

     لقد أفاض وأسهب ولكنني لن أفيض ولن أسهب حيث أن الموضوع في رأيي مختصر ومحصور وهو لا يتعدى نطاق شرح الفكرة المستحدثة التي جاء بها أخيراً قانون النائب العام لسنة 1981م والتطبيق الصحيح له وإزالة اللبس الذي حدث نتيجة لعدم علم قاضي الجنايات المختص بهذا القانون وما صحبه من تغيير في الإجراءات الجنائية بالإطلاع على هذا القانون يتضح بجلاء أن المشرع أراد به في ناحية الاختصاص الجنائي أن يزيل عن كاهل قضاة الجنايات عبء الإشراف على التحريات وان يوكل هذه المهمة لوكيل النيابة وحده حتى يعود القاضي إلى وضعه الأصيل ويتفرغ كلياً لمهمته الكبرى الأساسية وهي الحكم بين وجهتي النظر المعروضتين عليه عندما يجلس في منصته ويستمع للبينات ثم يصدر قراره على ضوء ما يثبت أمامه من وقائع وحقائق وفقاً لقواعد الإثبات بدون تحيز لأي من طرفي الدعوى

      أراد المشرع بهذا القانون أن يضع الأمور في نصابها مقتدياً بالوضع في القانون المصري حيث تتولى النيابة كافة جوانب التحري وتحضير قضية الاتهام في استقلال تام من غير إشراف عليها من أي جهة ويجدر بنا  هنا – وقبل أن أتقدم في شرح وجهة نظري أن اقتبس من الجزء الأول من كتاب الدكتور محي الدين عوض عن إجراءات القانون الجنائي في التشريعين المصري والسوداني (1969 ) الفقرات التالية الواردة في الصفحة (42) وما بعدها والتي تقول : أعضاء النيابة مستقلون عن القضاء بينما تختص النيابة بتحريك الدعوى واستعمالها يختص القضاء بنظرها ولو أن هناك بعض حالات استثنائية خول القانون فيها المحاكم تحريك الدعوى العمومية ومع ذلك فإنه حتى في هذه الحالات تتولى النيابة مباشرة تلك الدعوى واستعمالها بعد تحريك وقد أقرت محكمة النقض مبدأ الاستقلال عن القضاء في حكم لها في 31 مارس 1932 قالت فيه أن النيابة العامة هي من النظم المهمة في الدولة أشار إليها الدستور في كلامه عن السلطة القضائية وهي بحسب القوانين التفصيلية المعمول بها شعبة أصيلة من شعب السلطة التنفيذية خصت بمباشرة الدعوى العمومية نيابة عن تلك السلطة جعل لها وحدها حق التصرف فيها تحت إشراف وزير العدل ومراقبته الإدارية – فهي بحكم وظيفتها مستقلة استقلالاً تاماً عن السلطة القضائية ويترتب عن استقلال النيابة عن القضاء وما خولها القانون من الاختصاص ما يلي :

أولاً :   أن يكون لها الحرية التامة في بسط آرائها لدى المحاكم في الدعوى العمومية بدون أن يكون للمحاكم أي حق في الحد من تلك الحرية إلا ما يقضي به النظام وحقوق الدفاع ولا ينبو عن المنطق الدقيق

ثانياً :   أن ليس للقضاء على النيابة أي سلطة تبيح له لومها أو تعيبها مباشرة بسبب طريقة سيرها في أداء وظيفتها بل أن يرى عليها شبهة في هذا السبيل فليس له إلا أن يتجه في ذلك إلى النائب العمومي المشرف مباشرة على رجال النيابة أو إلى وزير العدل على أن يكون ذلك بصفة سرية رعاية للحرمة الواجبة للنيابة العامة

     نكتفي بهذا القدر من كتاب الدكتور محي الدين عوض وأعود لأقول إن الفكرة من وراء قانون النائب العام لسنة 1981م هي إزالة الوضع غير الطبيعي السابق الذي كان القاضي يشرف فيه على التحريات وعلى بناء صرح قضية الاتهام ثم يعود ويجلس في المنصة ليفصل بين قضية الاتهام وقضية الدفاع لقد أراد المشرع أن ينأى به عن ذلك ووضع كل سلطات التحري والتوجيهات الخاصة به في يد وكيل النيابة وترك فقط للقاضي سلطة التدخل في الجوانب التي تفيد المتهم مثل رفض امتداد حبسه والإفراج عنه وذلك تطبيقاً للقاعدة الأصولية في القانون الجنائي التي تدعو القضاء لأن ينحاز للمتهم كلما كانت هناك شبهة أو مجالاً قانونياً يسمح بهذا التحيز ومعنى هذا أن قاضي الجنايات عندما يأخذ علماً بالبلاغ يستطيع أن يرفض الإذن بحبس المتهم إذا كان في رأيه أن الجريمة المنسوبة إليه أخف مما حددته النيابة وأن الكفالة فيها جائزة ولكن العكس غير صحيح حيث أنه لا يجوز له أن يأمر بتعديل مادة الجريمة المقترحة إلى مادة أكثر خطورة ولا يستطيع أن يرفض إطلاق سراح المتهم إذا ما رأت النيابة أنه ليس لديها ما تستطيع أن تطلب من أجله وضعه في الحراسة وهذا الأمر يمكن فهمه ومدى سلامته إذا ما تذكرنا أن النيابة هي التي ستقدم قضية الاتهام والتي ستعمل جاهدة لإنجاحها وليس من المعقول أن يفرض عليها القاضي مسبقاً التشديد والصرامة في اتجاه هي غير راغبة في السير فيه وهي الجهة المسئولة أصلاً وفصلاً عن الدعوى العمومية ورعايتها كل هذا مفهوم ويبدو أنه أساساً لا خلاف حوله ولكن الخلاف هو متى تعتبر التحريات منتهية وتصبح القضية تحت النظر أمام المحكمة؟ إن كل المحاكم الأدنى درجة أخطأت عندما ظنت أن التحريات برفعها للقاضي لتحديد موعد لبداية التحقيق القضائي تعتبر وكأنها انتهت كلياُ وخرجت عن يد النيابة في نظري أن القضية لا تكون تحت النظر إلا بعد أن يشرع القاضي في الاستماع للبينات على اليمين وتتجمع لديه الحقائق الموثوق بها حسب قواعد الإثبات ويكون في موقف يستطيع معه أن يصدر الأوامر القضائية عن بينة وإدراك تام أما ما هو موضوع أمامه الآن من أقوال في يومية التحري فهذه ليست إلا مجرد استدلالات يعرف كنهها وخباياها المتحري ووكيل النيابة  ولا يجوز للمحكمة قانوناً التعويل عليها

      أعود وأقول أن إشراف قاضي الجنايات على التحري كانت تستلزمه الأوضاع الماضية حينما كان الذين يقومون بالتحري غير مؤهلين قانونياً

      أما الآن وتحت ظل نظام النيابة العمومية فينبغي قانوناً وممارسة أن يتنحى القاضي ويطلق يد وكلاء النيابة لممارسة اختصاصاتهم بدون تدخل من جانبه إلا فيما يرى أنه لازم لتوفير الحقوق الأساسية للمتهم ومباشرة سلطاته في عدم السماح بامتداد الحبس لأكثر مما تستدعيه الضرورة

      نحن لن نتدخل في تفاصيل التهمة التي اقترحتها النيابة الآن وإن الخوض فيها في السوابق القضائية التي تشرح الجريمة تحت المادة 254 من قانون العقوبات كله سابق لأوانه لأن تلك السوابق هي أحكام قضائية في قضايا تم النظر فيها والفصل فيها بعد الاستماع للبينات المقدمة أمام المحكمة أما هنا فليس لدينا سوى تحريات تضم فقط ما تم جمعه من استدلالات مبدئية قد تتحول وتتبدل كلها عندما يشرع القاضي في نظر القضية والاستماع للشهود والنظر في البينات الحسية وعند ذلك فقط يستطيع هو ( ولا أحد غيره ) أن يحدد التهمة التي يوجهها للمتهم

      إن الأمر الذي يتعين علينا إصداره الآن هو أن تعاد القضية لوكيل النيابة وأن يتم تنفيذ توجيهاته ثم ترفع الأوراق للقاضي للشروع في التحقيق القضائي وعند ذلك وبعد السير قدماً به تكون أوامره هي النافذة

8/11/1981م

سعادة رئيس القضاء خلف الله الرشيد :

      هذه إجراءات فحص بمقتضى سلطات المحكمة العليا بموجب المادة 257(1) من قانون الإجراءات الجنائية ( يشار إليه فيما بعد بالحرفين أ- ج ) تتعلق إجراءات الفحص بمدى صحة القرار الذي أصدره وكيل ديوان النائب العام ( يشار إليه فيما بعد بالنيابة لغرض الإيجاز ) بتاريخ 2/9/1981 تطبيقاً لنص المادة 6(1) من قانون النائب العام لسنة 1981م

      لقد حصلت الوقائع تحصيلاً وافياً في حكم محكمة الاستئناف وفي المذكرة التي أعدها أخي أحمد التجانى قاضي المحكمة العليا وعضو هذه الدائرة وليس ثمة ما يدعو إلا تكرارها في هذه المذكرة

      مما يؤسف له أن كثيراً من اللبس قد لازم هذه الإجراءات في جميع مراحلها ولعل مرد ذلك الاختلاف مناحي الدخول في الموضوع بسبب تمايز الرؤى في تصنيف وتحديد طبيعة النزاع ولذلك تنكبت الجادة ورب ساع مصر في سعيه أخطأ التوفيق فيما طلب فقد نظر قاضي الجنايات إلى الموضوع من زاوية تنازع السلطة بينه وبين النيابة ثم إن قاضي المديرية أخذ في معالجة الأمر من ناحية بطلان قرار النيابة لانعدام أو بطلان التسبيب وقد نظرت إليه محكمة الاستئناف من حيث العيب الموضوعي وجرت مذكرة أخي أحمد على ذلك الموضوع أيضاً

      الأمر في تصوري لا يحتاج إلى كل هذا العناء وتفرق السبل إذ ليس المطلب أن نبحث في صحة أو بطلان قرار النيابة من الناحية الموضوعية on the merits لأن ذلك يفترض أن قرار النيابة خاضع للاستئناف لدى قاضي الجنايات وهذا ليس موضوع النزاع وسأتعرض له فيما بعد وليس الأمر صراعاً بين سلطة المحاكم وسلطة النيابة وليس فيه تحريض للسلطة على عصيان أو الازدراء بأوامر المحاكم

      فالنزاع كما قدمت في صورته الحقيقة يتعلق بمدى وصحة قرار النيابة في ضوء التشريع الجديد والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل خول النائب العام أو النيابة سلطة بموجب المادة 6(2) من قانون النائب العام الجديد تختلف في مداها وطبيعتها عن السلطة المخولة به بموجب المادة 122 هـ أ- ج ؟

      الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى مقدمة تمهد الطريق لمناقشة ما سأورد من حجج لعله من المعطيات أن استقلال القضاء يستوجب أيضاً عدم تدخل السلطة القضائية في النواحي التنفيذية وإن حياد القضاء حياد قضاء يقتضي ألا يقضي القاضي بعلمه فإذا علم شيئاًُ أو اتصل علمه بما لا يصلح أن يكون بينة وجب عليه أن يكون شاهداً لا حكماً  حتى لا يكون رأياً شخصياً مسبقاُ فيما يطرح عليه من أقضية ورغماً عن ذلك اقتضت الضرورة أن يتولى القضاة التحري في القضايا الجنائية وأن يشرفوا على سير التحريات لأسباب معقولة إذ لم يكن مستوى التحري بالقدر الذي يطمئن على سلامة الإجراءات من حيث المحافظة على حقوق المتهمين وحصانة ممتلكاتهم وقد تميز قانون تحقيق الجنايات الأول – كما ورد في مقدمة قانون الإجراءات الجنائية ( بشدة الحرص على توفير فرص الدفاع أمام المتهمين وتحقيق العدالة دون النيل من الحقوق والكرامة الإنسانية وحفظ بذلك للخاضعين لإجراءاته حسن المعاملة طول مراحل المحاكمة الجنائية )

      وظلت هذه هي سياسة قانون التحقيق الجنائي لسنة 1925 ثم حرص على هذه الروح في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 جاء في المقدمة ما يلي ( خضعت مراجعتنا لقانون الإجراءات الجنائية كذلك لروح المبادئ التي تحترم كيان الفرد وتحفظ كرامته وتمنع كل تغول على حقوقه أو انتهاك لحرمة ماله أو بيته بما يتناسب والوضوح والإصرار الذين ينص بهما على هذه المبادئ في الدستور الدائم )

      من أجل ذلك اقتضت الموازنة أن يكون للمحاكم الإشراف الفاعل على سير التحريات لأن الحرية الفردية والعدالة أحرى أن تلتمس لدى القضاء حتى لو قضوا بعلمهم هذا الوضع أملته ظروف الحياة العملية وكان ذلك يتناسب مع النظام القانوني الذي سنه المشرع البريطاني ليطبق في السودان وهو مستمد كما هو معلوم من القانون الإنجليزي العام

      والقوانين الإجرائية ليست غاية في حد ذاتها ولكنه وسيلة لتحقيق العدالة لأن المبادئ الإجرائية المعينة تبنى بطبيعة الحال على أسس تختلف باختلاف النظرات الفقهية للنظم القانونية

      وقد أقرت النظم القانونية مبادئ متباينة في علاج كثير من المسائل الموضوعية والإجرائية ولعله من الملائم استعراض ملامح الأنظمة المختلفة في إيجاز شديد حتى تختلف الرؤيا

      ترد الأنظمة المختلفة للإجراءات الجنائية إلى ثلاث :

أولاً : ما يسمى بالنظام الاتهامي أو نظام المواجهة Accusational system وهذا النظام يأخذ مصلحة الفرد في الحسبان ولذلك يتيح له تحريك الدعوى العام لاستخلاص حقوقه ويظهر دور  القاضي بارزاً في هذا النظام

ثانياُ :  نظام التحري والبحث Inquizitional system ويتولى التحري في هذا النظام موظف أو جهاز خاص يوجد لهذا الغرض ويتميز هذا النظام بسرية التحري ولا يترك الساحة القضائية

ثالثاُ : النظام المختلط Mixed system وفي هذا النظام مجال للفرد ومجالي للتحري والتنقيب بواسطة أجهزة الدولة ولعل هذا ما يسود كثير من الأنظمة في العصر الحديث

      ونحن في السودان نسير على منهاج النظام المختلط أو لعلنا أقرب إليه فلا يزال للفرد الحق في تحريك الدعوى العامة مهما كان خطرها ولكن أعطى النائب العام الحق في تولي الاتهام ( المادة 111–أ- ج ) وقيد حق الاتهام في بعض القضايا وجعلها وقفاً على إذن معين ( أنظر الفصول الثاني عشر الثالث عشر الرابع عشر- أ - ج )

      والناظر في قانون العقوبات يجد أن لهذه الفلسفة أسساُ في نظرية الجريمة فليست الجرائم كلها من حق الدولة فهناك جرائم يجوز فيها الصلح ( أنظر الفصل التاسع والعشرون – أ – ج ) ومنها جرائم خطيرة وفي الفقه الإسلامي يجوز لولي الدم التنازل عن الجريمة و العفو وأن يقبلوا الدية

      كل ذلك يقودنا إلى أن مهمة المحكمة الأساسية هي أن تحكم فيما يشتجر فيه الناس سواء كانوا أفراد أم حكومة عليه لا بد من المحافظة على تأكيد مبدأ حياد القضاء بما تقتضيه الحال

      في ظل هذه المبادئ صدر قانون النائب العام الجديد ورغم أن القانون المشار إليه لم يعالج كل المثالب و الاستثناءات التي جرى عليها العمل إلا أنه خطوة ثورية في الطريق الصحيح وهو يميل إلى نظام التحري حيث ينحسر دور القاضي

ورأس هذه الثورة التشريعية المادة 6(2) من القانون المشار إليه ويجدر بنا إيراد  النص كاملاً:

      2- (أ) على الرغم من أحكام أي قانون آخر يختص النائب العام بأخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها وتولي الاتهام وتكون في سبيل ذلك جميع السلطات المنصوص عليها في أي قانون ينظم التحري وخاصة في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م فيما عدا السلطات المنصوص عليها في المادتين 119 و 120 (2) منه

  (ب) يتولى النائب العام على وجه الخصوص كل السلطات المنصوص عنها في الفصلين السادس والثاني عشر من قانون الإجراءات الجنائية

      لا شك أن هذا النص قد أتى بجديد وهو يختلف في مداه وطبيعته عن نص المادة 122هـ( أ - ج) خلافاً لما ذهبت إليه محكمة الاستئناف فقد جاء في حكم تلك المحكمة ما يأتي : ( وباستثناء التحفظ على السلطة المتعلقة بإجراء التفتيش يبدو واضحاً لنا أن نص المادة 6(2) المستحدثة لم يضف جديداً للسلطات المتضمنة في المادة 122 ( هـ ج- أ )

     الله ! الله ! الفرق كبير وأساسي ولعله قد فات على المحكمة المحترمة أن النص الجديد يخول للنيابة أخذ العلم والتحري  والنص الآخر يخول للنيابة التحري فقط جاء في ذيل المادة 122هـ (أ ج ) ( فيجوز للنائب العام أو من يفوضه أن يتحرى في الأمر أو يأمر شخص آخر غيره بإجراء التحري ) إذن فالأمر قاصر على التحري ولا مزيد

      يجري النص الجديد على ما يأتي ( على الرغم من أحكام أي قانون آخر يختص النائب العام بأخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها وتولي الاتهام الخ ) المادة 6  (2) (أ) من قانون النائب العام

      والعبارة الفاعلة هنا هي ( أخذ العلم بأية جريمة )  وهذا هو أساس الفرق  بين النصين القديم والحديث أو المستحدث على حد تعبير محكمة الاستئناف وعبارة أخذ العلم لها مدلول اصطلاحي معروف فقد نصت المادة (1) (2) ( أ – ج ) على أن عبارة أخذ علماً تعني ( اتصل بصفة رسمية ) ورغم قصور هذا التعريف نجد أن عبارة ( أخذ العلم ) تعني اصطلاحاً الإحاطة بوقوع الجرم والإذن بالتحري ومتابعة ذلك وليس الأمر كما رأت محكمة الاستئناف فقد جاءت بفهم مستحدث لاصطلاح أخذ العلم  حيث قالت بالحرف الواحد ( ابتداءً نقرر بأنه إذا كان القانون آنف الذكر ( قانون النائب العام ) قد خول للنيابة العامة سلطة أخذ المعلومية ابتداءً فإن ذلك القانون قد أوجب إلزاماً وضع تلك المعلومية أمام القاضي المختص والعلة من وراء ذلك هو معلومية النيابة تنطلق من زاوية التحقيق واتهام أما معلومية المحكمة المختصة فمنطلقها هو كفالة الحقوق الدستورية والقانونية للشخص المتهم نفسه ( ص 6 من المذكرة ) ومع احترامي لا أجد سنداً قانونياً لهذا الفهم ولا يشتمل عليه النص الجديد أو القديم والمصطلح ( أخذ العلم ) له مدلول معلوم وهو كما قيل غير متناه ولنستعرض أقوال الشراح في هذا الصدد حتى تنير لنا الطريق

      جاء في شرح الدكتور ناندلال أن عبارة ( أخذ العلم ) تعني أن القاضي قد وجه عقله إلى أن جريمة قد وقعت وأنه حدد الطريقة التي سوف يسير فيها التحري لاحقاً

      ( أخذ العلم ) يختلف عن بدء الإجراءات ( أخذ العلم ) شرط سابق للإجراءات ( أخذ العلم ) يتعلق بالقضايا لا بالأشخاص بمعنى أن التحري قد يكون في جريمة مجهول مرتكبها ( أنظر صفحة 1146 من كتاب لال وما بعدها – قانون الإجراءات الجنائية – الطبعة الثانية – الجزء الثاني )

      إذن النص جديد بإضافة جوهرية لم يكن للنائب العام شأن بها من قبل وكان ذلك من اختصاص القاضي بموجب المادة 112( أ – ج ) وقد فسر ذلك في المادة 114 ( أ – ج )

      اشتملت المادة 6(2) من قانون النائب العام على الآتي :

1- أخذ العلم بالجريمة

2- التحري فيها

3- تولي الاتهام

4- ممارسة جميع السلطات المنصوص عنها في أي قانون ينظم التحري وفي قانون الإجراءات الجنائية وعلى وجه الخصوص ما عدا تدوين الاعتراف والحبس

5- كل السلطات المنصوص عليها في الفصلين السادس والثاني عشر ( أ – ج )

      ولا شك أن هذه السلطات واسعة جداً وذات مدى بعيد وقصد منها إحداث تغيير أساسي فيما عليه العمل

      لقد أنفقت محكمة الاستئناف المحترمة وكذلك أخي أحمد جهداً كبيراً في مناقشة قرار النيابة العامة من حيث الصحة والبطلان وأرى مع احترامي الأكيد أن هذا ليس موضوع نزاع إذ لم يطرح على المحكمة أو يثر سؤال يتعلق بقرار وعيبه من  حيث الموضوع بل ينحصر الموضوع في صحة قرار النيابة أو بطلانه من حيث الشكل ولعل الطعن في قرار النيابة من حيث الموضوع لا يكون في هذه المرحلة ولا بد من إتباع إجراءات أخرى في هذا الشأن وأعتقد أن الإجراء الصحيح للطعن في قرار النيابة من حيث الموضوعية يكون عن طريق سلطة الفحص المعروفة بـcertiorair أمام المحكمة العليا والشواهد كثيرة في السوابق الدستورية وهي بعد موضع خلاف ونظر ولا داعي للتوسع في هذه النقطة فقد أوردتها على سبيل النقاش

      ثم إن الطعن في السياسة التشريعية ليس وارداً وليس للمحاكم الحق في الطعن في السياسة التشريعية بيد أن لها الحق في نقض النص من حث الوضوح أو من حيث تحقيقه للعدالة وذلك مع الالتزام بتطبيقه ولا أجد حرجاً في القول أن التعديل أو النص الجديد قد يحدث كثير من المتاعب في التطبيق العملي والأجدر تعديل شامل حتى لا يضار حسن التطبيق وحتى تتضح الرؤيا

      خلصت محكمة الاستئناف إلى نتائج أربع أرى أنها لا تستقيم منطقياً مع ما نشرته المحكمة الموقرة من حجج وذلك للأسباب التالية :

أولاً : تقرر المحكمة أن قرار النيابة كان سليماً فإذا كان قرار النيابة سليماً امتنع على قاضي الجنايات التدخل فيه لأنه ليس سلطة استئنافية من قرار وكيل النيابة العام ولعله في موضع مواز للقاضي على أقل تقدير

ثانياً : ترى المحكمة الموقرة أن قرار قاضي الجنايات المؤيد من قاضي المديرية سابق لأوانه فإذا كان والأمر كذلك فكيف جاز للمحكمة الموقرة أن تنتهي إلى أن قرار النيابة اللاحق كان إجراءً باطلاً لأنه خالف أوامر محكمة الجنايات ؟

      لا شك أن هذه النتيجة لا تترتب على الفرضية التي انطلقت منها المحكمة المحترمة فالأمر لا يعدو أن يكون واحداً من اثنين : إما أن يكون قرار النيابة خاطئاً ولذلك يحق لقاضي الجنايات اتخاذ ما يرى من قرارات أو أوامر أو يكون قرار النيابة سليماً وبذلك يحق لقاضي جنايات اتخاذ قرار لاحق في ذات النقطة بسبب أن ذلك خارج عن نطاق سلطاته وقد جاء في حكم المحكمة المحترمة أن قرار النيابة كان سليماً إذاً يقضي المنطق بطلان قرار قاضي الجنايات ولا يصلحه تأييد قاضي المديرية لأن ما يترتب على باطل يقع باطلاً

      لقد جاء في مذكرة أخي أحمد التجانى أن تدخل النيابة جاء بعد انتهاء التحري وباستقرائه للمادة 6(2) من قانون النائب العام يرى أن ذلك ليس صحيحاً فهو يميز بين حالتين : حالة تولي النيابة التحري وأخذ العلم ابتداءً ولها في ذلك اتخاذ ما تراه من قرارات أما إذا أخذ القاضي علماً قضائياً ابتداءً فلا يحق للنيابة أن تتدخل بعد ذلك وعليه انتهى إلى أن أمر النيابة لم يكن صحيحاً لأنها لم تباشر اختصاصها بادئ ذي بدء

      بيد أن هذا الرأي لم يأخذ في الحسبان نص المادة 6(2)(ج) القاضي باستمرار الأشخاص المسندة إليهم سلطات التحري في ممارسة تلك الاختصاصات ( وقفاً على قرار لاحق من النائب العام بتوليها أو بتنظيم ممارسته )

      قطعت جهيزة قول كل خطيب فعبارة ( وقفاً على أي قرار لاحق ) الخ توضح أن الأمر كله موقوف على قرار من النائب العام فقد يبدأ التحري ويقطع ما يشاء له الله أن يقطع من مراحل ويتدخل النائب العام وقد يبدأ النائب العام التحري وليس في التشريع ما يمنع النيابة من إصدار قرار حتى بعد نهاية التحري إلا أن الوضع الحالي قد يثير مشاكل كثيرة في التطبيق ولا بد من علاج ذلك فقد ينتهي التحري كيفما تكون الحال ولكن عندما توضع الأوراق أمام القاضي ليس هناك ما يمنعه من إصدار ما يراه من قرارات وقد تكون مناقضة لكل قرارات النيابة السابقة

      نقطة أخيرة لا بد من التعرض لها فقد ورد في حكم الاستئناف أن قانون النائب العام الجديد لم يوضح تاريخ سريانه ولم ينشر في الجريدة الرسمية حتى يعرف تاريخ نفاذه هذه ملاحظة جديرة بالتعليق ولعل للمحكمة الموقرة الحق فيما ذهبت إليه فالنشرة التي طبعت بالرونيو قاصرة ولا توضح تاريخ التوقيع على القانون

      القاعدة العامة لنفاذ القوانين كما تنص على ذلك المادة 9 من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة هي أن ينشر القانون في الجريدة الرسمية ويعمل به بعد مضي شهر من تاريخ نشره ما لم ينص فيه على تاريخ آخر

      فسريان القانون ليس وقفاً على النشر إذا ما نص في صلب القانون على تاريخ سريانه وقد نصت المادة الأولى على أن يسري القانون من تاريخ التوقيع عليه

      بالرجوع إلى شهادة مجلس الشعب المرفقة بالنسخة الأصلية أجد أن الرئيس قد وقع على القانون في يوم 18 شعبان 1401هـ الموافق 20/6/1981م وعليه يكون القانون ساري المفعول من ذلك التاريخ

      أوردت ذلك حتى يمكن تفادي مثل هذه الأخطاء مستقبلاً وذلك يتضمن النسخ التي تطبع بالرونيو شهادة المجلس أو ما يوضح تاريخ التوقيع أو تاريخ السريان إذا كان لاحقاً

وخلاصة القول :

أولاً : أقرر أن ما أصدره وكيل النائب العام قد وقع صحيحاً بمقتضى المادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981م

ثانياً : قرار قاضي الجنايات اللاحق وقع باطلاً لتجاوزه حدود سلطاته لأنه ليس سلطة استئنافية من قرار وكيل النائب العام

ثالثاً : ما ترتب على ذك في المراحل اللاحقة لم يكن سليماُ إذ أن كل ما ترتب علي باطل وقع باطلاً

      عليه أرى أن تعاد الأوراق إلى محكمة الجنايات إذ أن التحري قد انتهى للبدء في الإجراءات القضائية وللمحكمة مطلق الحرية في اتخاذ ما تراه من إجراءات

▸ حكومة السودان ضد محمد خليل إبراهيم فوق حكومة السودان ضد ياك فادي تركة ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1981
  4. حكومة السودان ضد ميرغني جعفر حضره وآخرين

حكومة السودان ضد ميرغني جعفر حضره وآخرين

المحكمة العليا

القضاة :

صاحب السعادة السيد / خلف الله الرشيد              رئيس القضاء         رئيساً

سعادة السيد / محمد الفضل شوقي                  قاضي المحكمة العليا    عضواً

سعادة السيد / أحمد التجانى عبد الهادي             قاضي المحكمة العليا    عضواَ

 

حكومة السودان ضد ميرغني جعفر  حضره وآخرين

م ع/طلب فحص 1/1981م

المبادئ:

-       إجراءات جنائية – سلطة القضاء على أوامر النيابة – جواز رفض الإذن بحبس المتهم – الجريمة الأخف عدم جواز تعديل مادة الاتهام للإضرار بالمتهم

-       إجراءات جنائية – التحري – سلطة النائب العام في التحري – جواز تعديل المواد قبل سماع الدعوى الجنائية

-       قانون النائب العام لسنة 1981م – سلطة النائب العام في التحري وتعديل مواد الاتهام دون تدخل من ا لقضاء – المادة 6 من قانون النائب العام 1981م

1-     إن الغرض الرئيسي من المادة 6 من قانون النائب العام سنة 1981م هو إزالة الوضع غير الطبيعي السابق الذي كان القاضي يشرف بموجبه على التحريات وعلى بناء صرح قضية الاتهام ثم يعود للفصل في القضية وذلك لكي ينأى عن إجراءات التحري من ثم ينحسر دور القاضي بشأنها لذلك جعلت المادة آخذ العلم بالجريمة والتحري فيها وتولي الاتهام من اختصاص النائب العام كما أعطته السلطات المنصوص عليها في أي قانون ينظم التحري وخاصة في قانون الإجراءات الجنائية كما أنها وإن أبقت للمحكمة أو للأشخاص المسندة إليهم سلطات التحري ممارسة التحري إلا أن ذلك يكون وقفاً على أي قرار لاحق من النائب العام بتوليها أو بتنظيم ممارستها مما يبرر للنائب العام توجيه التهم التي يراها مناسبة في أي مرحلة من مراحل التحري وسواء أخذ بالجريمة علماً منذ البداية أو بعد موالاة إجراءات التحري بواسطة غيره

2-     إن قاضي الجنايات عندما يأخذ علماً بالبلاغ يستطيع أن يرفض الإذن بحبس  المتهم إذا كان في رأيه أن الجريمة المنسوبة إليه  أخف مما حددته النيابة وأن الكفالة فيها جائزة ولكن العكس غير صحيح  إذ أنه لا يجوز له أن يأمر بتعديل مادة الاتهام على مادة أكثر جسامة أو خطورة كما لا يجوز له رفض إطلاق سراح المتهم إذا ما رأت النيابة أنه ليس لديها ما تستطيع أن تطلب من أجله وضعه في الحراسة

3-     أخطأت المحاكم الأدنى درجة لما ذهبت إلى أن التحريات مع المتهمين قد انتهت لمجرد رفع الأوراق للقاضي لتحديد موعد لبدء التحقيق القضائي إذ تظل التحريات مجرد استدلالات خاضعة لوكيل النيابة ومن ثم لا تخضع لسلطة القاضي إلا بعد  شروعه في المحاكمة أو التحقيق وذلك بالاستماع إلى البينات وفقاً للطرق المقررة المعتادة

 

رأي معارض :

       إن تدخل وكيل النائب العام بعد انتهاء التحري مخالف لأحكام المادة (6) من قانون النائب العام الجديد لأن أخذ العلم بالجريمة يعني أن يتم ذلك عند استلام تقرير البلاغ بموجب المادتين 11/ 12ج من البداية فإن لم يأخذ النائب العام علماً بذلك ولم يبادر بتولي التحري فإنه يمتنع عليه بعد انتهاء التحري يعتبر مجرد توصية أو رأي للقاضي أن يعمل بها أو لا

الحكــــم

14/10/1981م

القاضي / أحمد التجانى عبد الهادي

      هذه القضية طلبت للفحص إعمالاً للسلطات المخولة لنا بموجب المادة 157 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م وذلك للتأكد من صحة وقانونية قرار محكمة الاستئناف الصادر بتاريخ 13/9/1981م في الاستئناف الجنائي رقم 274/1981 أرى أن نسرد الوقائع حتى تكتمل الصورة ويسهل فهم الموضوع

      في يوم 8/8/1981م في حوالي الساعة السادسة والنصف صباحاً وصل بلاغ إلى نقطة بوليس الخرطوم بحري مفاده أن هناك شخصان وجدا بمنطقة الصبابي بالخرطوم بحري وبهما إصابات على منطقة الرأس وأجزاء متفرقة من الجسم وعندما نقلا إلى المستشفى فارقا الحياة

      أخذت الشرطة الإجراءات السريعة التي يتطلبها الموقف وبعد مجهود مقدر ومكثف تم القبض  على عدد كبير من المشتبه في اشتراكهم في الحادث وبعد التمحيص اللازم انحصرت التهمة في ثمانية أشخاص تم القبض عليهم جميعاً ووجهت لهم تهمة القتل العمد تحت المواد 251 عقوبات وهؤلاء الأشخاص هم :

1- ميرغني جعفر حضرة

2- السر الصافي محمد حسين

3- عبد المجيد حاج الأمين

4- مجدي محمد كومي

5- محمد فضل المولى

6- مبارك محمد

7- إبراهيم الأمين الزبير

8- الياس الشيخ

      قام المتحري بتلخيص القضية وأحالها للسيد مدير شرطة النيل والذي أحالها بدوره للسيد وكيل نيابة مديرية الخرطوم لتقييم البينات وإصدار التوجيهات اللازمة

      بتاريخ 2/9/1981م وبصفحة 69 من يومية التحري أصدر السيد وكيل ديون النائب العام قراراً بموجب المادة 6(أ) من قانون النائب العام لسنة 1981م بأن تعدل المادة ضد المتهمين الثمانية من المادة 251 ع  إلى المادة 254 عقوبات مع الاحتفاظ للمحكمة بحقها في تعديل التهمة لأي مادة تسفر عنها البينات وإصدار الأمر بإطلاق سراح المتهمين بالكفالة وأن تقدم القضية للمحاكمة

      وأحيلت الأوراق لقاضي جنايات الخرطوم بحري في نفس اليوم وبصفحة (69) و (70) من يومية التحري كتب قراراه الذي يتلخص بأنه ليس من سلطات النيابة أن تصدر أمراً في يومية التحري وأن مهمة النيابة هي توجيه التحري ورفض القاضي توجيه وكيل النيابة بتعديل التهمة ضد المتهمين بالمادة 254ع  وقرر توجيه تهمة القتل العمد للمتهمين تحت المادة 251 عقوبات وأمر بإبقائهم بالحراسة

      كان يمكن حسم الموضوع في هذه المرحلة إذا كان هدف الجميع هو المصلحة العامة لكن بكل أسف تطور الموضوع إلى درجة مؤسفة من المواجهة بين القاضي من جهة ووكيل النيابة  الذي يناصره ويسانده مدير شرطة مديرية الخرطوم من الجهة الأخرى كما سنفصل فيما بعد بناء على قرار وتعليمات قاضي جنايات بحري وجه السيد مدير شرطة شرق النيل بتنفيذ تعليمات القاضي وقد كان صائباً فيما ارتأى وأمر بإحالة الأوراق للمحاكمة وإخطار النيابة بذلك

      أعيدت الأوراق للقاضي لتحديد ميعاد للتحقيق القضائي بتاريخ 6/9/1981م وبصفحة (71) من يومية التحري كتب السيد وكيل ديوان النائب العام إلى مدير شرطة شرق النيل يطلب فيه تنفيذ الأوامر السابقة بصفحة (69) من يومية التحري والخاصة بتعديل التهمة ضد المتهمين وإطلاق سراحهم بالكفالة وبنفس الصفحة كتب السيد مدير شرطة شرق النيل للمتحري – على ما يبدو – بأنه بناء على تعليمات اللواء إسماعيل عطية مدير شرطة مديرية الخرطوم يجب تنفيذ الأمر الذي أصدره وكيل ديوان النائب العام كما  أمر بإطلاق سراح المتهمين بكفالة مالية قدرها 10 ألف جنيه لكل منهم وإرسال القضية للمحكمة للعلم بتاريخ 7/9/1981م أفرج عن المتهمين الثمانية بالكفالة المالية وأرسلت الأوراق مرة أخرى للقاضي المقيم لتحديد ميعاد للتحقيق القضائي

      دخلت القضية درجة مؤسفة في المواجهة اطلع قاضي الجنايات على الأوامر التي صدرت أخيراً وبصفحة 72 و 73 من يومية التحري أوضح أن النيابة غير مختصة بتعديل مواد الاتهام في هذه المرحلة وأن قرراه السابق بتاريخ 3/9/1981م برفض توجيهات وكيل النائب العام كان قرراً قضائياً وأيده قاضي المديرية بالخرطوم بحري وأن قرار وكيل ديوان النائب العام الأخير فيه تجاهل لتلك القرارات  وأمر القاضي بالقبض على  المتهمين وإعادتهم للحراسة وتوجيه تهمة القتل العمد  لهم تحت المواد 251ع

      عرض السيد مدير شرطة شرق النيل القضية على السيد مدير شرطة مديرية الخرطوم بعد أن أوضح رأيه في صفحة (74) من يومية التحري حيث أشار إلى أن قرار وكيل النائب العام وصلاحياته انتهت بنهاية التحري وطلب تنفيذ أمر قاضي الجنايات اطلع السيد مدير شرطة مديرية الخرطوم على قرار قاضي  الجنايات وقرر رفع الأمر برمته للسيد رئيس القضاء

      أحال السيد رئيس القضاء الموضوع لمحكمة الاستئناف بموجب المادة 257 إجراءات لفحص قرار محكمتي المديرية والجنايات

      بتاريخ 13/9/1981م أيدت محكمة الاستئناف قرار محكمتي المديرية والجنايات بتوجيه تهمة المتهمين تحت المواد 88/251 عقوبات وإعادة القبض عليهم استناداً للسلطة المخولة تحت المادة 257 إجراءات أمر السيد رئيس القضاء بفحص قرار محكمة الاستئناف وأحيل الطعن لهذه المحكمة للفصل فيه

      قبل أن نتطرق لطعن لا بد من الإشارة إلى ما جاء في ملاحظات محكمتي المديرية والاستئناف بأن قانون النائب العام لسنة 1981م كان مجهولاً بالنسبة للجهات القضائية وهذا أمر مؤسف نسجله ونعتبره تقصيراً مشيناً في مكتب النائب العام وكان الأجدر به أن يخطر السلطات القضائية وهي التي ستتأثر بهذا القانون منذ صدروه وحتى النسخة التي أمامنا – والتي نهتدي بها في هذا الطعن – لا توضح تاريخ صدور القانون ولا تاريخ التوقيع عليه من رئيس الجمهورية

      قانون النائب العام لسنة 1981م في المادة 6(2) (أ) (ب) أعطى النائب العام السلطات التالية :

( أ )   المادة 6(2) على الرغم من أحكام أي قانون آخر يختص النائب العام بأخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها وتولي الاتهام وتكون له في سبيل ذلك جميع السلطات المنصوص عليها في أي قانون ينظم التحري وخاصة في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م فيما عدا السلطات المنصوص عليها في المادتين 119 و 120 منه

(ب)    يتولى النائب العام على وجه الخصوص كل السلطات المنصوص عليها في الفصلين السادس والثاني عشر من قانون الإجراءات الجنائية قبل صدور قانون النائب العام لسنة 1981م المشار إليه إلا أن قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م أعطى النائب العام سلطات واسعة في التحري  في الجرائم وتمثيل الاتهام وتوجيه التحري فالمادة 122(هـ) الفصل الثاني عشر (أ) من قانون الإجراءات  الجنائية أعطت النائب العام سلطات واسعة في التحري وكفلت له جميع سلطات التحري وحظر القضاة والشرطة التدخل في التحري في تلك الجريمة إلا بموافقة النائب العام كما أن المادة 211 من قانون الإجراءات الجنائية أعطت النائب العام الحق في تمثيل الاتهام والمادة 231(أ) من القانون أعطت الحق في وقف إجراءات أي متهم بشروط خاصة  ولكن الجديد في قانون النائب العام سنة 1981م أنه أعطى سلطات واسعة في التحري والبلاغات والتوجيهات للشرطة فيما يتعلق بالتحري وبمعنى آخر أنه حل محل القضاة في التحري وأعطى النائب العام أخذ علم بالجريمة كما نصت عليه المادة 135 إجراءات

      المادة 6 من قانون النائب العام لسنة 1981م كما ذكرنا أعطت النائب العام أخذ العلم بالجريمة والتحري فيها وتمثيل الاتهام ومنحته جميع السلطات المخولة في قانون الإجراءات الجنائية

      وأرجو أن نقرر هنا أن قانون النائب العام لسنة 1981م واجب التطبيق والنفاذ

      والآن نستعرض الأحداث لنقرر عما إذا كان النائب العام تصرف وفقاً للمادة 6 من قانون النائب العام حيال هذه القضية وأن تصرفه كان قانونياً في هذه الظروف

      فتح البلاغ الأول بتاريخ 8/8/1981م بموجب المادة 122(د)  من قانون الإجراءات الجنائية وذلك لعدم معرفة المتهمين في تلك المرحلة وبتاريخ 9/8/1981م قد تقرير البلاغ الأول للسيد قاضي جنايات بحري بموجب المادة 122 د (أ) (ب) من قانون الإجراءات الجنائية وقد أمر القاضي بالتحري في البلاغ كما أن المادة 112من قانون الإجراءات تنطبق على تقديم البلاغ الأول للقاضي في هذه الحالة ولقد وجه  القاضي عندما أمر بالتحري بموجب المادة 114(أ) من قانون الإجراءات

      تنص الفقرة الأخيرة من المادة 114 إجراءات على أن تصرف الشرطة حينئذٍ حسب توجيهات القاضي وهذا ما اتبعته الشرطة في جميع الأحوال وفي جميع مراحل التحري في هذا البلاغ

      كان قاضي جنايات بحري هو المشرف على التحري وكانت الشرطة تعمل وتتصرف وفق توجيهاته كما ينص قانون الإجراءات الجنائية

      اكتملت التحريات بعد التعرف على المتهمين الذين وجهت لهم تهمة القتل العمد وفقاً للمادة 251 عقوبات وأرسل المتحري يومية التحري لرئيسه المباشر الذي حولها بنفسه لوكيل نيابة الخرطوم لتقييم البينات والإفادة بشأن التهم عرضت الأوراق على وكيل ديوان النائب العام بتاريخ 2/9/1981م وأصد فيها قراره المشار إليه سابقاً بتعديل التهمة وإخلاء سبيلهم بالكفالة

      لقد اعتمد وكيل ديوان النائب العام في قراره على المادة 6(2) من قانون النائب العام

     ونحن مع احترامنا لوكيل ديوان النائب العام نرى أن القرار الذي اتخذه بتاريخ 2/9/1981م والذي يقضي بتعديل الاتهام وإخلاء سبيل المتهمين بالكفالة جاء مخالفاً للقانون في تأويله وتفسيره

      المادة 6(2)(أ) من قانون النائب العام أعطت النائب العام أخذ العلم بالجريمة والتحري فيها وتولي الاتهام ومنحته كل سلطات التحري المنصوص عنها في قانون الإجراءات الجنائية

      وأخذ العلم بالجريمة يعني أن يتم ذلك عند استلام تقرير البلاغ الأول بموجب المادتين 112 أو 122جabinitio ويعني هذا أن يأخذ النائب العام العلم بالجريمة في هذه القضية بعد فتح البلاغ من البداية abinitio وتقديمها له بموجب المادة 112 من قانون الإجراءات ولكن التقرير عن البلاغ الأول لم يقدم للسيد النائب العام ولكنه قدم لقاضي الجنايات كما أوضحنا كما أن النائب العام لم يتحر في القضية أو يفوض أحد معاونيه وفقاً للمادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981 والتفسير المنطقي لسلطات النائب العام بموجب المادة 6 من قانون النائب العام أن يباشر النائب العام ابتداءً سلطاته في أخذ العلم بالجريمة بموجب المادتين 112 و 135 من قانون الإجراءات وأن يباشر كل السلطات المنصوص عليها في الفصل الثاني عشر والمتعلقة بإجراءات التحري والتصرفات المختلفة بخصوص المتهمين

      إن ممارسة سلطات النائب العام بموجب المادة 6(2) من  القانون يجب أن تبدأ منذ لحظة فتح البلاغ حتى اكتمال التحري على أن تتلقى الشرطة والمتحري التعليمات من النائب العام أو ممن ينوب عنه

      لقد انتظر وكيل النائب العام حتى فرغت الشرطة من  التحريات التي كانت مباشرة من القاضي ثم أصدر قراره بموجب المادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981م لقد أخطأ وكيل النائب العام في التوقيت وتدخل بعد أن اكتملت الإجراءات وقدمت القضية لتحديد ميعاد المحاكمة

      لا شك أن قانون النائب العام يعطيه حق التدخل ولكن هذا التدخل له توقيت محدد ووفقاً لضوابط قانونية تحددها المادة 6(2) من القانون   إن تدخل وكيل ديوان النائب العام بعد انتهاء التحري لا تسنده المادة 6 من القانون لأنه جاء بعد فوات الأوان ويجدر بنا أن نشير إلى ملاحظة قانونية رائعة أشار إليها السيد مدير شرطة شرق النيل بتاريخ 7/9/1981 في تعليقه للسيد مدير شرطة مديرية الخرطوم بالصفحة 74 من يومية التحري حيث قال بالحرف الواحد لرئيسه الذي لم يدرك قيمة الملاحظة القانونية :

      ( وبما أن القضية حالياً تحت المحاكمة وليست تحت التحري فلا مناص من تنفيذ الأمر الصادر حيث أنه وفي تقديري أن صلاحيات النائب العام التي دارت حولها المكاتبات تكون قد انتهت بانتهاء التحريات )

هذه ملاحظة قانونية جديرة بالإشادة وصدرت من ضابط متحر أصاب في ملاحظته كبد الحقيقة إن صلاحيات واختصاصات النائب العام بموجب المادة 6(2) من القانون إنما تمارس في أثناء التحري وعند بدايته ولا يمكن أن تمارس بعد اكتمال التحري وتجهيز القضية للمحاكمة

      إن الممارسات التي قام بها قاضي الجنايات ببحري في هذه القضية جاءت مطابقة ووفقاً للقانون ويسندها قانون النائب العام وفي مادته السادسة التي استعملها وكيل ديوان النائب العام مبرراً تدخله  في القضية نصت الفقرة (ج) من المادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981م على الآتي :

      ( يستمر جميع الأشخاص المسندة إليهم حين صدور هذا القانون سلطات مباشرة في مباشرة إجراءات التحري وفق قانون الإجراءات الجنائية أو أي قانون آخر في ممارسة تلك السلطات وفقاً على أي قرار لاحق من النائب العام بتوليها أو بتنظيم ممارستها )

      ومعنى هذا النص أن يستمر القضاة في ممارسة سلطاتهم بموجب قانون الإجراءات الجنائية في التحري الخ حتى يصدر قرار من النائب  العام لتولي تلك السلطات أو تنظيم ممارستها

      ولا يخفى علينا الغرض من هذا النص الذي أصبح ضرورياً في هذه المرحلة وخاصة أن ديوان النائب العام ليس لديه الإمكانيات البشرية والمادية للقيام بأعمال النيابة العامة كاملة كما يحدث في البلاد الأخرى وبما أن العمل النيابي يقوم به القضاة بمختلف درجاتهم ويشرفون على كل إجراءات التحري فقد رأي المشرع أن تنتقل سلطة النيابة إلى النائب العام ومعاونوه بالتدرج وبعد توفر كل الإمكانيات التي تحقق الغرض من هذا القانون هذه بلا شك طريقة سليمة تبعد عن التطرف والمغالاة والتسرع فاعتماداً على الفقرة (ج) من المادة 6(أ) من قانون النائب العام فإن النائب العام بالخرطوم لم يخطر قاضي جنايات بحري بأن سلطاته في الإشراف على التحري قد سحبت وأن النائب العام بموجب المادة 6(2) من القانون يود ممارسة سلطاته في جميع الجرائم

      ولو كان النائب العام يرغب في استعمال سلطاته التي منحها له قانون 1981م كان عليه أن يخطر قاضي الجنايات بحري بأن يتوقف عن الإشراف على التحريات ولكن بدلاً من ذلك سكت عن اتخاذ أي خطوات حتى اكتملت تحريات القضية ولسبب غير معروف حال أن يستغل المادة 6(2) من القانون ليعدل التهمة الموجهة ويخلي سبيل المتهمين بالضمانة أو الكفالة

      وعليه نقرر أن تدخل وكيل النائب العام في هذه المرحلة وبعد انتهاء التحري لا يسنده قانون النائب العام في مادته السادسة الفقرة الثانية وقد يدور سؤال يتطلب الإجابة وهو ما قيمة رأي السيد وكيل ديوان النائب العام في هذه المرحلة وإلى أي مدى تتقيد به المحكمة أو القاضي بصفته الجهة التي تمثل الاتهام؟

      الرد هنا لا يحتاج إلى كبير عناء هذا الرأي الذي أبداه السيد وكيل ديوان النائب العام في يومية التحري يعتبر مجرد توصية أو رأي وللقاضي أن يعمل بها أولا وهي بهذه الصفة غير ملزمة للمحكمة أو القاضي لقد قررت المحكمة العليا وهذه  الدائرة هذا المبدأ في قضية حكومة السودان ضد كرار محمد سليمان وآخرين (م ع/ط ح/213/1980 )

      في هذه القضية دفع محامي المتهمين بأن النائب العام أرسل خطاباً للقاضي المقيم بحلفا يطلب منه شطب البلاغ ضد المتهمين الذين قبضوا في حدود السودان مع مصر وهم يحاولون تهريب جمال

لقد رفضت المحكمة هذا الدفع وقالت ما يلي :

      ( وفي رأينا أن محكمة الموضوع ليست مقيدة برأي الاتهام الذي يمثله النائب العام بشطب الدعوى الجنائية لأن هذه التوصية مجرد رأي قابل للنقاش ومن حق المحكمة رفض التوصية التي تقدم بها الاتهام بشطب البلاغ أو الدعوى الجنائية لأن هذا الرأي ليس ملزماً وإذا كان النائب العام لا يرغب في محاكمة المتهمين كان يمكنه استعمال سلطاته المنصوص عليها في المادة 231(أ) من قانون الإجراءات الجنائية )

      كان الطريق مفتوحاً أمام السيد وكيل ديوان النائب العام ليستعمل سلطاته الممنوحة له في قانون الإجراءات الجنائية بموجب المادة 231(أ) ويطلب وقف الإجراءات ضد المتهمين

      أود أن أشير هنا إلى نقطة جديرة بالرد عليها ذكرها السيد قاضي المديرية في الاستئناف الجنائي 217/81 المتعلق بهذا الطعن حيث ذكر أن الحق الذي أعطي للنائب العام بموجب المادة 231(أ) إجراءات لوقف الإجراءات ضد أي متهم يخضع لشروط منها ألا يباشر النائب العام هذه السلطات إلا لأسباب ترتبط بالصالح العام ولظروف خارجة عن نطاق القضية المحددة وأقتطف هذه العبارات الأخيرة من قضية : بالمحكمة العليا استئناف  م ع/ط ج/1977

      السابقة التي أشار إليها السيد قاضي المديرية ربما تكون قد اعتمدت على قضية حكومة السودان ضد زهراء آدم وآخرين ( المجلة القضائية سنة 1965 صفحة 31 ) حيث قررت المحكمة العليا أن السلطات الممنوحة للنائب العام بموجب المادة 231(أ) من قانون الإجراءات التي تمنحه الحق في طلب وقف الإجراءات الجنائية ضد أي متهم ممارسة قضائية ويجب أن تخضع للرقابة القضائية وعليه يجب أن يكون طلب النائب العام مسبباً وللمحكمة أن تقبله أو ترفضه

     نستميح السيد قاضي المديرية عذراً لأنه لم تتح له الفرصة للإطلاع على سابقة حديثه انتقدت فيها المحكمة العليا قضية زهراء المشار إليها وقررت أن السلطة التي يمارسها النائب العام بموجب المادة 231(أ) إجراءات ليست سلطة قضائية بل هي سلطة إدارية لا تخضع للرقابة القضائية وقررنا في السابقة وهي : حكومة السودان ضد أحمد يوسف إسماعيل  وآخرين ( م ع/ط ج/137/1980 ) صدر القرار في 28/3/1981م

      إن المادة 231(أ) إجراءات واضحة ولم يذكر المشرع إطلاقاً موافقة المحكمة لوقف إجراءات كما أن المشرع لم يطلب من النائب العام ذكر الأسباب التي يعتمد عليها وحسب المادة يجب على المحكمة أو القاضي المختص وقف الإجراءات ضد المتهم متى ما طلب النائب العام وقف الإجراءات بموجب المادة المشار إليها

      وحتى لو سلمنا جدلاً بأن النائب العام من حقه ممارسة سلطاته في هذه القضية وفقاً للمادة 6(2) من قانون النائب العام فإننا بمجرد إطلاع الشخص على يومية التحري والبينات الطبية عن القتيلين يتضح لنا أن قرار السيد وكيل ديوان النائب العام بتعديل التهمة ضد المتهمين من جريمة القتل إلى جريمة تحت المادة 254 عقوبات يكشف عن تسرع مجهض للعدالة وإجراء يتسم بالسطحية والبعد عن أبجديات قانون العقوبات وكنا نربأ بالسيد وكيل ديوان النائب العام وهو القانوني الضليع الذي يمثل قمة جهاز الاتهام في هذا البلد ألا يتسرع في اتخاذ مثل هذا القرار الذي اتخذ دون دراسة  متأنية للقضية والتقارير الطبية وتقييم البينات وتطبيق المواد القانونية ولو اطلع سيادته على يومية التحري والمادتين (251) و (254) عقوبات وتعريف جريمة القتل لما اتخذ هذا القرار المتسرع

      ربما يكون قد اتخذ هذا القرار رضوخاً لعوامل خارجة عن إرادته إذا نظرنا إلى أن القتيلين ربما يكونا لصين اقتحما منزل المتهمين ويكون من حق المتهمين إزهاق روحهما

      لقد قدم الاتهام في هذه القضية المستندات الطبية عن القتيلين والتي تبين الإصابات التي تعرض لها كل منهما

      التقرير الطبي الأول وأشرت له بالحرف (A) عن القتيل الأول مجهول الهوية جاء فيه أن هناك كسورا متعددة وغير منتظمة من الرأس ونزيف وتهتك بالمخ وأن سبب الوفاة الكسور وتهتك المخ و النزيف

       التقرير الطبي الثاني عن القتيل الثاني – مجهول – أشرت له بالحرف ( B ) جاء فيه وجود كسور متعددة بالرأس ونزيف وكسور بالرجل والذراع الأيمن وهذه أسباب الوفاة

      منذ الوهلة الأولى وبدون حاجة إلى بحث عميق أن القتيلين أصيبا بإصابات بليغة لا يمكن أن ينطبق عليها المادة 254 من قانون العقوبات والتي تتعلق بإحداث الموت بارتكاب فعل لا يصل إلى درجة القتل ولكنه قصد منه تسبيب الأذى أو الأذى الجسيم

      إن المادة 254 تنطبق في الحالات التي لا يقصد فيها المتهم إحداث الموت وإنما إحداث الأذى  ولكن لظروف خارجة عن إرادته حدث موت المرحوم

      المادة 254 عقوبات أدخلت في قانون العقوبات سنة 1925 وليست لها مثيل في القانون الهندي كما جاء في قضية : حكومة السودان ضد بشرى حمدين ( المجلة القضائية سنة 1962 صفحة 118 )

حيث ذكر القاضي حسيب ما يلي :

The act punishable under penal code, 254 is not the guilty mind penal code, section 254 is our own and has no equinalent in the Indian penal code the section charged against accused does not punish the intended act but the consequence thereof

      المادة 254 عقوبات تعاقب الجرائم التي ينتفي فيها القصد الجنائي بارتكاب جريمة القتل وتنطوي تحت الأفعال البسيطة التي عادة لا تؤدي إلى الوفاة وأن الآلة المستعملة صغيرة وليست خطيرة بطبعها وأشار إلى ذلك السيد أبو رنات رئيس القضاء في قضية : حكومة السودان ضد كمال الجاك أحمد ( المجلة القضائية سنة 1962 صفحة 65 )

حيث قال :

Cases falling under penal code;sec 254 are those cases where the deceased was beaten by the hand or a light stick ; and that in nearly all such cases the instrument used is not a lethal or dangerous one and the death of the person beaten or injured in these cases would cause to ordinary people

     وعليه فإن المادة 254 عقوبات لا يمكن ن تنطبق على فعل المتهمين كما أوردها السيد وكيل النائب العام إن الإصابات خطيرة والكسور متعددة والتقرير الطبي يثبت إحداثها بآلة صلبة فكيف يستقيم عقلاً أن يقصد الجناة في هذه الحالة إحداث الأذى أو الأذى الجسيم؟ وكيف يطلب منا وكيل ديوان النائب العام أن نغلق عقولنا عن الأشياء الواضحة لكل ذي عينين والتي تكشف أن الجناة أحدثوا موت القتيلين بالضرب الشديد وبالات صلبة مما تنتفي معه إحداث الأذى فقط

      يظهر أن السيد وكيل ديوان النائب العام تجاهل كل العناصر القانونية المكونة للجريمة وقصد فقط إيجاد حل لإطلاق سراح المتهمين بالضمانة لأن المادة الموجهة لهم من الاتهام وهي 251 عقوبات لا تبيح إطلاق سراحهم بالضمانة وفقاً للمادة 228 (1) من قانون الإجراءات الجنائية

      وعليه نخلص إلى أن قانون النائب العام لسنة 1981م قانون شرعي وملزم وواجب التنفيذ وقد منح السيد النائب العام في مادته (6) سلطات واسعة لمباشرة التحري والتحقيق ولكن قرار السيد وكيل ديوان النائب العام موضوع هذا الطعن جاء مجافياً للقانون في تفسيره وتأويله مما يبر رفضه

      لو اتخذ السيد وكيل ديوان النائب العام الإجراءات حسب المادة 6(2) من قانون النائب العام منذ البداية لما كان لنا اعتراض عليه ولاعتبرناه قانوناً صحيحاً ولكن تدخله وبعد نهاية التحري يجعل هذا القرار مجرد توصية كما سبق أن قررنا

      في نهاية هذا القرار لا بد لنا أن نشير إلى الروح الطيبة والتعاون المثمر الذي يجب أن يسود العلاقات بين الأجهزة الثلاثة المناط بها تحقيق العدالة وهي القضاء والنائب العام والشرطة

      إن الذي حدث بين القضاء من جهة والنيابة والشرطة من جهة أخرى ( حدث عابر )  وكان يمكن أن يحسم في أطواره الأولى قبل أن يصل درجة الأزمة ونقرر بكل أسف أن مدير شرطة مديرية الخرطوم كان بوسعه تطويق الخلاف وحصره في أضيق الحدود دون أن يصل إلى درجة المواجهة وذلك بدليل أنه اتصل بمدير شرطة شرق النيل وأمره بتنفيذ أمر وكيل ديوان النائب العام رغم علمه أن هناك أمر قضائي صدر من القاضي المسئول بتاريخ 2/9/1981م بإلغاء قرار وكيل ديون النائب العام

      لقد أعطى السيد مدير شرطة ولاية الخرطوم لنفسه سلطات لا يملكها وقرر بجرة قلم أن قرار وكيل النائب العام يجب تنفيذه وتجاهل قرار قاضي الجنايات كان يمكن للسيد مدير شرطة الخرطوم أن يتصرف بحكمة وتعقل ما دام هذه مصلحة العدالة كان يمكنه ن يرفع الأمر للسيد رئيس القضاء مثلاً للبت في الموضوع ولكنه آثر أن ينحاز لجانب النائب العام ليحدث ما حدث من مواجهة مؤسفة وعندما تأزم الموقف وجد نفسه مضطراً للجوء للسيد رئيس القضاء ولكن بعد فوات الفرصة المواتية لحسم الموضوع

      إننا ندين هذا التصرف وإن كنا نفترض فيه حسن النية إن العلاقة بين الأجهزة يجب أن تكون علاقة طيبة يسودها التعاون المثمر والتفاهم والانسجام في سبيل تحقيق الهدف الأسمى وهو مصلحة المواطنين والأمة وإن أية فئة تحاول إثارة البلبلة وخلق المشاكل بينها يجب ألا تعطى الفرصة لتنفيذ أغراضها

      وفي ختام هذا النقاش بعد أن قررنا صحة قرار قاضي جنايات بحري نرى الإسراع في نظر هذه القضية وإعطائها الأولوية في النظر على أن يوظف لها قاضي للقيام بنظرها على وجه السرعة وموضوع التهم بالإدانة متروك للمحاكم المختصة

ولذا قررنا الآتي :

1- رفض طلب الفحص وتأييد الحكم المطعون فيه

2- ينفذ قرار قاضي جنايات بحري ضد المتهمين

 

28/10/1981م

القاضي محمد الفضل شوقي :

      لقد قام زميلي العلامة أحمد التجانى بدراسة وافية لجميع جوانب هذا الموضوع المعروض علينا وأوفاه حقه من العناية والتمحيص ولكني مع عظيم تقديري واحترامي اختلف معه فيما توصل إليه من نتائج

     لقد أفاض وأسهب ولكنني لن أفيض ولن أسهب حيث أن الموضوع في رأيي مختصر ومحصور وهو لا يتعدى نطاق شرح الفكرة المستحدثة التي جاء بها أخيراً قانون النائب العام لسنة 1981م والتطبيق الصحيح له وإزالة اللبس الذي حدث نتيجة لعدم علم قاضي الجنايات المختص بهذا القانون وما صحبه من تغيير في الإجراءات الجنائية بالإطلاع على هذا القانون يتضح بجلاء أن المشرع أراد به في ناحية الاختصاص الجنائي أن يزيل عن كاهل قضاة الجنايات عبء الإشراف على التحريات وان يوكل هذه المهمة لوكيل النيابة وحده حتى يعود القاضي إلى وضعه الأصيل ويتفرغ كلياً لمهمته الكبرى الأساسية وهي الحكم بين وجهتي النظر المعروضتين عليه عندما يجلس في منصته ويستمع للبينات ثم يصدر قراره على ضوء ما يثبت أمامه من وقائع وحقائق وفقاً لقواعد الإثبات بدون تحيز لأي من طرفي الدعوى

      أراد المشرع بهذا القانون أن يضع الأمور في نصابها مقتدياً بالوضع في القانون المصري حيث تتولى النيابة كافة جوانب التحري وتحضير قضية الاتهام في استقلال تام من غير إشراف عليها من أي جهة ويجدر بنا  هنا – وقبل أن أتقدم في شرح وجهة نظري أن اقتبس من الجزء الأول من كتاب الدكتور محي الدين عوض عن إجراءات القانون الجنائي في التشريعين المصري والسوداني (1969 ) الفقرات التالية الواردة في الصفحة (42) وما بعدها والتي تقول : أعضاء النيابة مستقلون عن القضاء بينما تختص النيابة بتحريك الدعوى واستعمالها يختص القضاء بنظرها ولو أن هناك بعض حالات استثنائية خول القانون فيها المحاكم تحريك الدعوى العمومية ومع ذلك فإنه حتى في هذه الحالات تتولى النيابة مباشرة تلك الدعوى واستعمالها بعد تحريك وقد أقرت محكمة النقض مبدأ الاستقلال عن القضاء في حكم لها في 31 مارس 1932 قالت فيه أن النيابة العامة هي من النظم المهمة في الدولة أشار إليها الدستور في كلامه عن السلطة القضائية وهي بحسب القوانين التفصيلية المعمول بها شعبة أصيلة من شعب السلطة التنفيذية خصت بمباشرة الدعوى العمومية نيابة عن تلك السلطة جعل لها وحدها حق التصرف فيها تحت إشراف وزير العدل ومراقبته الإدارية – فهي بحكم وظيفتها مستقلة استقلالاً تاماً عن السلطة القضائية ويترتب عن استقلال النيابة عن القضاء وما خولها القانون من الاختصاص ما يلي :

أولاً :   أن يكون لها الحرية التامة في بسط آرائها لدى المحاكم في الدعوى العمومية بدون أن يكون للمحاكم أي حق في الحد من تلك الحرية إلا ما يقضي به النظام وحقوق الدفاع ولا ينبو عن المنطق الدقيق

ثانياً :   أن ليس للقضاء على النيابة أي سلطة تبيح له لومها أو تعيبها مباشرة بسبب طريقة سيرها في أداء وظيفتها بل أن يرى عليها شبهة في هذا السبيل فليس له إلا أن يتجه في ذلك إلى النائب العمومي المشرف مباشرة على رجال النيابة أو إلى وزير العدل على أن يكون ذلك بصفة سرية رعاية للحرمة الواجبة للنيابة العامة

     نكتفي بهذا القدر من كتاب الدكتور محي الدين عوض وأعود لأقول إن الفكرة من وراء قانون النائب العام لسنة 1981م هي إزالة الوضع غير الطبيعي السابق الذي كان القاضي يشرف فيه على التحريات وعلى بناء صرح قضية الاتهام ثم يعود ويجلس في المنصة ليفصل بين قضية الاتهام وقضية الدفاع لقد أراد المشرع أن ينأى به عن ذلك ووضع كل سلطات التحري والتوجيهات الخاصة به في يد وكيل النيابة وترك فقط للقاضي سلطة التدخل في الجوانب التي تفيد المتهم مثل رفض امتداد حبسه والإفراج عنه وذلك تطبيقاً للقاعدة الأصولية في القانون الجنائي التي تدعو القضاء لأن ينحاز للمتهم كلما كانت هناك شبهة أو مجالاً قانونياً يسمح بهذا التحيز ومعنى هذا أن قاضي الجنايات عندما يأخذ علماً بالبلاغ يستطيع أن يرفض الإذن بحبس المتهم إذا كان في رأيه أن الجريمة المنسوبة إليه أخف مما حددته النيابة وأن الكفالة فيها جائزة ولكن العكس غير صحيح حيث أنه لا يجوز له أن يأمر بتعديل مادة الجريمة المقترحة إلى مادة أكثر خطورة ولا يستطيع أن يرفض إطلاق سراح المتهم إذا ما رأت النيابة أنه ليس لديها ما تستطيع أن تطلب من أجله وضعه في الحراسة وهذا الأمر يمكن فهمه ومدى سلامته إذا ما تذكرنا أن النيابة هي التي ستقدم قضية الاتهام والتي ستعمل جاهدة لإنجاحها وليس من المعقول أن يفرض عليها القاضي مسبقاً التشديد والصرامة في اتجاه هي غير راغبة في السير فيه وهي الجهة المسئولة أصلاً وفصلاً عن الدعوى العمومية ورعايتها كل هذا مفهوم ويبدو أنه أساساً لا خلاف حوله ولكن الخلاف هو متى تعتبر التحريات منتهية وتصبح القضية تحت النظر أمام المحكمة؟ إن كل المحاكم الأدنى درجة أخطأت عندما ظنت أن التحريات برفعها للقاضي لتحديد موعد لبداية التحقيق القضائي تعتبر وكأنها انتهت كلياُ وخرجت عن يد النيابة في نظري أن القضية لا تكون تحت النظر إلا بعد أن يشرع القاضي في الاستماع للبينات على اليمين وتتجمع لديه الحقائق الموثوق بها حسب قواعد الإثبات ويكون في موقف يستطيع معه أن يصدر الأوامر القضائية عن بينة وإدراك تام أما ما هو موضوع أمامه الآن من أقوال في يومية التحري فهذه ليست إلا مجرد استدلالات يعرف كنهها وخباياها المتحري ووكيل النيابة  ولا يجوز للمحكمة قانوناً التعويل عليها

      أعود وأقول أن إشراف قاضي الجنايات على التحري كانت تستلزمه الأوضاع الماضية حينما كان الذين يقومون بالتحري غير مؤهلين قانونياً

      أما الآن وتحت ظل نظام النيابة العمومية فينبغي قانوناً وممارسة أن يتنحى القاضي ويطلق يد وكلاء النيابة لممارسة اختصاصاتهم بدون تدخل من جانبه إلا فيما يرى أنه لازم لتوفير الحقوق الأساسية للمتهم ومباشرة سلطاته في عدم السماح بامتداد الحبس لأكثر مما تستدعيه الضرورة

      نحن لن نتدخل في تفاصيل التهمة التي اقترحتها النيابة الآن وإن الخوض فيها في السوابق القضائية التي تشرح الجريمة تحت المادة 254 من قانون العقوبات كله سابق لأوانه لأن تلك السوابق هي أحكام قضائية في قضايا تم النظر فيها والفصل فيها بعد الاستماع للبينات المقدمة أمام المحكمة أما هنا فليس لدينا سوى تحريات تضم فقط ما تم جمعه من استدلالات مبدئية قد تتحول وتتبدل كلها عندما يشرع القاضي في نظر القضية والاستماع للشهود والنظر في البينات الحسية وعند ذلك فقط يستطيع هو ( ولا أحد غيره ) أن يحدد التهمة التي يوجهها للمتهم

      إن الأمر الذي يتعين علينا إصداره الآن هو أن تعاد القضية لوكيل النيابة وأن يتم تنفيذ توجيهاته ثم ترفع الأوراق للقاضي للشروع في التحقيق القضائي وعند ذلك وبعد السير قدماً به تكون أوامره هي النافذة

8/11/1981م

سعادة رئيس القضاء خلف الله الرشيد :

      هذه إجراءات فحص بمقتضى سلطات المحكمة العليا بموجب المادة 257(1) من قانون الإجراءات الجنائية ( يشار إليه فيما بعد بالحرفين أ- ج ) تتعلق إجراءات الفحص بمدى صحة القرار الذي أصدره وكيل ديوان النائب العام ( يشار إليه فيما بعد بالنيابة لغرض الإيجاز ) بتاريخ 2/9/1981 تطبيقاً لنص المادة 6(1) من قانون النائب العام لسنة 1981م

      لقد حصلت الوقائع تحصيلاً وافياً في حكم محكمة الاستئناف وفي المذكرة التي أعدها أخي أحمد التجانى قاضي المحكمة العليا وعضو هذه الدائرة وليس ثمة ما يدعو إلا تكرارها في هذه المذكرة

      مما يؤسف له أن كثيراً من اللبس قد لازم هذه الإجراءات في جميع مراحلها ولعل مرد ذلك الاختلاف مناحي الدخول في الموضوع بسبب تمايز الرؤى في تصنيف وتحديد طبيعة النزاع ولذلك تنكبت الجادة ورب ساع مصر في سعيه أخطأ التوفيق فيما طلب فقد نظر قاضي الجنايات إلى الموضوع من زاوية تنازع السلطة بينه وبين النيابة ثم إن قاضي المديرية أخذ في معالجة الأمر من ناحية بطلان قرار النيابة لانعدام أو بطلان التسبيب وقد نظرت إليه محكمة الاستئناف من حيث العيب الموضوعي وجرت مذكرة أخي أحمد على ذلك الموضوع أيضاً

      الأمر في تصوري لا يحتاج إلى كل هذا العناء وتفرق السبل إذ ليس المطلب أن نبحث في صحة أو بطلان قرار النيابة من الناحية الموضوعية on the merits لأن ذلك يفترض أن قرار النيابة خاضع للاستئناف لدى قاضي الجنايات وهذا ليس موضوع النزاع وسأتعرض له فيما بعد وليس الأمر صراعاً بين سلطة المحاكم وسلطة النيابة وليس فيه تحريض للسلطة على عصيان أو الازدراء بأوامر المحاكم

      فالنزاع كما قدمت في صورته الحقيقة يتعلق بمدى وصحة قرار النيابة في ضوء التشريع الجديد والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل خول النائب العام أو النيابة سلطة بموجب المادة 6(2) من قانون النائب العام الجديد تختلف في مداها وطبيعتها عن السلطة المخولة به بموجب المادة 122 هـ أ- ج ؟

      الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى مقدمة تمهد الطريق لمناقشة ما سأورد من حجج لعله من المعطيات أن استقلال القضاء يستوجب أيضاً عدم تدخل السلطة القضائية في النواحي التنفيذية وإن حياد القضاء حياد قضاء يقتضي ألا يقضي القاضي بعلمه فإذا علم شيئاًُ أو اتصل علمه بما لا يصلح أن يكون بينة وجب عليه أن يكون شاهداً لا حكماً  حتى لا يكون رأياً شخصياً مسبقاُ فيما يطرح عليه من أقضية ورغماً عن ذلك اقتضت الضرورة أن يتولى القضاة التحري في القضايا الجنائية وأن يشرفوا على سير التحريات لأسباب معقولة إذ لم يكن مستوى التحري بالقدر الذي يطمئن على سلامة الإجراءات من حيث المحافظة على حقوق المتهمين وحصانة ممتلكاتهم وقد تميز قانون تحقيق الجنايات الأول – كما ورد في مقدمة قانون الإجراءات الجنائية ( بشدة الحرص على توفير فرص الدفاع أمام المتهمين وتحقيق العدالة دون النيل من الحقوق والكرامة الإنسانية وحفظ بذلك للخاضعين لإجراءاته حسن المعاملة طول مراحل المحاكمة الجنائية )

      وظلت هذه هي سياسة قانون التحقيق الجنائي لسنة 1925 ثم حرص على هذه الروح في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 جاء في المقدمة ما يلي ( خضعت مراجعتنا لقانون الإجراءات الجنائية كذلك لروح المبادئ التي تحترم كيان الفرد وتحفظ كرامته وتمنع كل تغول على حقوقه أو انتهاك لحرمة ماله أو بيته بما يتناسب والوضوح والإصرار الذين ينص بهما على هذه المبادئ في الدستور الدائم )

      من أجل ذلك اقتضت الموازنة أن يكون للمحاكم الإشراف الفاعل على سير التحريات لأن الحرية الفردية والعدالة أحرى أن تلتمس لدى القضاء حتى لو قضوا بعلمهم هذا الوضع أملته ظروف الحياة العملية وكان ذلك يتناسب مع النظام القانوني الذي سنه المشرع البريطاني ليطبق في السودان وهو مستمد كما هو معلوم من القانون الإنجليزي العام

      والقوانين الإجرائية ليست غاية في حد ذاتها ولكنه وسيلة لتحقيق العدالة لأن المبادئ الإجرائية المعينة تبنى بطبيعة الحال على أسس تختلف باختلاف النظرات الفقهية للنظم القانونية

      وقد أقرت النظم القانونية مبادئ متباينة في علاج كثير من المسائل الموضوعية والإجرائية ولعله من الملائم استعراض ملامح الأنظمة المختلفة في إيجاز شديد حتى تختلف الرؤيا

      ترد الأنظمة المختلفة للإجراءات الجنائية إلى ثلاث :

أولاً : ما يسمى بالنظام الاتهامي أو نظام المواجهة Accusational system وهذا النظام يأخذ مصلحة الفرد في الحسبان ولذلك يتيح له تحريك الدعوى العام لاستخلاص حقوقه ويظهر دور  القاضي بارزاً في هذا النظام

ثانياُ :  نظام التحري والبحث Inquizitional system ويتولى التحري في هذا النظام موظف أو جهاز خاص يوجد لهذا الغرض ويتميز هذا النظام بسرية التحري ولا يترك الساحة القضائية

ثالثاُ : النظام المختلط Mixed system وفي هذا النظام مجال للفرد ومجالي للتحري والتنقيب بواسطة أجهزة الدولة ولعل هذا ما يسود كثير من الأنظمة في العصر الحديث

      ونحن في السودان نسير على منهاج النظام المختلط أو لعلنا أقرب إليه فلا يزال للفرد الحق في تحريك الدعوى العامة مهما كان خطرها ولكن أعطى النائب العام الحق في تولي الاتهام ( المادة 111–أ- ج ) وقيد حق الاتهام في بعض القضايا وجعلها وقفاً على إذن معين ( أنظر الفصول الثاني عشر الثالث عشر الرابع عشر- أ - ج )

      والناظر في قانون العقوبات يجد أن لهذه الفلسفة أسساُ في نظرية الجريمة فليست الجرائم كلها من حق الدولة فهناك جرائم يجوز فيها الصلح ( أنظر الفصل التاسع والعشرون – أ – ج ) ومنها جرائم خطيرة وفي الفقه الإسلامي يجوز لولي الدم التنازل عن الجريمة و العفو وأن يقبلوا الدية

      كل ذلك يقودنا إلى أن مهمة المحكمة الأساسية هي أن تحكم فيما يشتجر فيه الناس سواء كانوا أفراد أم حكومة عليه لا بد من المحافظة على تأكيد مبدأ حياد القضاء بما تقتضيه الحال

      في ظل هذه المبادئ صدر قانون النائب العام الجديد ورغم أن القانون المشار إليه لم يعالج كل المثالب و الاستثناءات التي جرى عليها العمل إلا أنه خطوة ثورية في الطريق الصحيح وهو يميل إلى نظام التحري حيث ينحسر دور القاضي

ورأس هذه الثورة التشريعية المادة 6(2) من القانون المشار إليه ويجدر بنا إيراد  النص كاملاً:

      2- (أ) على الرغم من أحكام أي قانون آخر يختص النائب العام بأخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها وتولي الاتهام وتكون في سبيل ذلك جميع السلطات المنصوص عليها في أي قانون ينظم التحري وخاصة في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م فيما عدا السلطات المنصوص عليها في المادتين 119 و 120 (2) منه

  (ب) يتولى النائب العام على وجه الخصوص كل السلطات المنصوص عنها في الفصلين السادس والثاني عشر من قانون الإجراءات الجنائية

      لا شك أن هذا النص قد أتى بجديد وهو يختلف في مداه وطبيعته عن نص المادة 122هـ( أ - ج) خلافاً لما ذهبت إليه محكمة الاستئناف فقد جاء في حكم تلك المحكمة ما يأتي : ( وباستثناء التحفظ على السلطة المتعلقة بإجراء التفتيش يبدو واضحاً لنا أن نص المادة 6(2) المستحدثة لم يضف جديداً للسلطات المتضمنة في المادة 122 ( هـ ج- أ )

     الله ! الله ! الفرق كبير وأساسي ولعله قد فات على المحكمة المحترمة أن النص الجديد يخول للنيابة أخذ العلم والتحري  والنص الآخر يخول للنيابة التحري فقط جاء في ذيل المادة 122هـ (أ ج ) ( فيجوز للنائب العام أو من يفوضه أن يتحرى في الأمر أو يأمر شخص آخر غيره بإجراء التحري ) إذن فالأمر قاصر على التحري ولا مزيد

      يجري النص الجديد على ما يأتي ( على الرغم من أحكام أي قانون آخر يختص النائب العام بأخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها وتولي الاتهام الخ ) المادة 6  (2) (أ) من قانون النائب العام

      والعبارة الفاعلة هنا هي ( أخذ العلم بأية جريمة )  وهذا هو أساس الفرق  بين النصين القديم والحديث أو المستحدث على حد تعبير محكمة الاستئناف وعبارة أخذ العلم لها مدلول اصطلاحي معروف فقد نصت المادة (1) (2) ( أ – ج ) على أن عبارة أخذ علماً تعني ( اتصل بصفة رسمية ) ورغم قصور هذا التعريف نجد أن عبارة ( أخذ العلم ) تعني اصطلاحاً الإحاطة بوقوع الجرم والإذن بالتحري ومتابعة ذلك وليس الأمر كما رأت محكمة الاستئناف فقد جاءت بفهم مستحدث لاصطلاح أخذ العلم  حيث قالت بالحرف الواحد ( ابتداءً نقرر بأنه إذا كان القانون آنف الذكر ( قانون النائب العام ) قد خول للنيابة العامة سلطة أخذ المعلومية ابتداءً فإن ذلك القانون قد أوجب إلزاماً وضع تلك المعلومية أمام القاضي المختص والعلة من وراء ذلك هو معلومية النيابة تنطلق من زاوية التحقيق واتهام أما معلومية المحكمة المختصة فمنطلقها هو كفالة الحقوق الدستورية والقانونية للشخص المتهم نفسه ( ص 6 من المذكرة ) ومع احترامي لا أجد سنداً قانونياً لهذا الفهم ولا يشتمل عليه النص الجديد أو القديم والمصطلح ( أخذ العلم ) له مدلول معلوم وهو كما قيل غير متناه ولنستعرض أقوال الشراح في هذا الصدد حتى تنير لنا الطريق

      جاء في شرح الدكتور ناندلال أن عبارة ( أخذ العلم ) تعني أن القاضي قد وجه عقله إلى أن جريمة قد وقعت وأنه حدد الطريقة التي سوف يسير فيها التحري لاحقاً

      ( أخذ العلم ) يختلف عن بدء الإجراءات ( أخذ العلم ) شرط سابق للإجراءات ( أخذ العلم ) يتعلق بالقضايا لا بالأشخاص بمعنى أن التحري قد يكون في جريمة مجهول مرتكبها ( أنظر صفحة 1146 من كتاب لال وما بعدها – قانون الإجراءات الجنائية – الطبعة الثانية – الجزء الثاني )

      إذن النص جديد بإضافة جوهرية لم يكن للنائب العام شأن بها من قبل وكان ذلك من اختصاص القاضي بموجب المادة 112( أ – ج ) وقد فسر ذلك في المادة 114 ( أ – ج )

      اشتملت المادة 6(2) من قانون النائب العام على الآتي :

1- أخذ العلم بالجريمة

2- التحري فيها

3- تولي الاتهام

4- ممارسة جميع السلطات المنصوص عنها في أي قانون ينظم التحري وفي قانون الإجراءات الجنائية وعلى وجه الخصوص ما عدا تدوين الاعتراف والحبس

5- كل السلطات المنصوص عليها في الفصلين السادس والثاني عشر ( أ – ج )

      ولا شك أن هذه السلطات واسعة جداً وذات مدى بعيد وقصد منها إحداث تغيير أساسي فيما عليه العمل

      لقد أنفقت محكمة الاستئناف المحترمة وكذلك أخي أحمد جهداً كبيراً في مناقشة قرار النيابة العامة من حيث الصحة والبطلان وأرى مع احترامي الأكيد أن هذا ليس موضوع نزاع إذ لم يطرح على المحكمة أو يثر سؤال يتعلق بقرار وعيبه من  حيث الموضوع بل ينحصر الموضوع في صحة قرار النيابة أو بطلانه من حيث الشكل ولعل الطعن في قرار النيابة من حيث الموضوع لا يكون في هذه المرحلة ولا بد من إتباع إجراءات أخرى في هذا الشأن وأعتقد أن الإجراء الصحيح للطعن في قرار النيابة من حيث الموضوعية يكون عن طريق سلطة الفحص المعروفة بـcertiorair أمام المحكمة العليا والشواهد كثيرة في السوابق الدستورية وهي بعد موضع خلاف ونظر ولا داعي للتوسع في هذه النقطة فقد أوردتها على سبيل النقاش

      ثم إن الطعن في السياسة التشريعية ليس وارداً وليس للمحاكم الحق في الطعن في السياسة التشريعية بيد أن لها الحق في نقض النص من حث الوضوح أو من حيث تحقيقه للعدالة وذلك مع الالتزام بتطبيقه ولا أجد حرجاً في القول أن التعديل أو النص الجديد قد يحدث كثير من المتاعب في التطبيق العملي والأجدر تعديل شامل حتى لا يضار حسن التطبيق وحتى تتضح الرؤيا

      خلصت محكمة الاستئناف إلى نتائج أربع أرى أنها لا تستقيم منطقياً مع ما نشرته المحكمة الموقرة من حجج وذلك للأسباب التالية :

أولاً : تقرر المحكمة أن قرار النيابة كان سليماً فإذا كان قرار النيابة سليماً امتنع على قاضي الجنايات التدخل فيه لأنه ليس سلطة استئنافية من قرار وكيل النيابة العام ولعله في موضع مواز للقاضي على أقل تقدير

ثانياً : ترى المحكمة الموقرة أن قرار قاضي الجنايات المؤيد من قاضي المديرية سابق لأوانه فإذا كان والأمر كذلك فكيف جاز للمحكمة الموقرة أن تنتهي إلى أن قرار النيابة اللاحق كان إجراءً باطلاً لأنه خالف أوامر محكمة الجنايات ؟

      لا شك أن هذه النتيجة لا تترتب على الفرضية التي انطلقت منها المحكمة المحترمة فالأمر لا يعدو أن يكون واحداً من اثنين : إما أن يكون قرار النيابة خاطئاً ولذلك يحق لقاضي الجنايات اتخاذ ما يرى من قرارات أو أوامر أو يكون قرار النيابة سليماً وبذلك يحق لقاضي جنايات اتخاذ قرار لاحق في ذات النقطة بسبب أن ذلك خارج عن نطاق سلطاته وقد جاء في حكم المحكمة المحترمة أن قرار النيابة كان سليماً إذاً يقضي المنطق بطلان قرار قاضي الجنايات ولا يصلحه تأييد قاضي المديرية لأن ما يترتب على باطل يقع باطلاً

      لقد جاء في مذكرة أخي أحمد التجانى أن تدخل النيابة جاء بعد انتهاء التحري وباستقرائه للمادة 6(2) من قانون النائب العام يرى أن ذلك ليس صحيحاً فهو يميز بين حالتين : حالة تولي النيابة التحري وأخذ العلم ابتداءً ولها في ذلك اتخاذ ما تراه من قرارات أما إذا أخذ القاضي علماً قضائياً ابتداءً فلا يحق للنيابة أن تتدخل بعد ذلك وعليه انتهى إلى أن أمر النيابة لم يكن صحيحاً لأنها لم تباشر اختصاصها بادئ ذي بدء

      بيد أن هذا الرأي لم يأخذ في الحسبان نص المادة 6(2)(ج) القاضي باستمرار الأشخاص المسندة إليهم سلطات التحري في ممارسة تلك الاختصاصات ( وقفاً على قرار لاحق من النائب العام بتوليها أو بتنظيم ممارسته )

      قطعت جهيزة قول كل خطيب فعبارة ( وقفاً على أي قرار لاحق ) الخ توضح أن الأمر كله موقوف على قرار من النائب العام فقد يبدأ التحري ويقطع ما يشاء له الله أن يقطع من مراحل ويتدخل النائب العام وقد يبدأ النائب العام التحري وليس في التشريع ما يمنع النيابة من إصدار قرار حتى بعد نهاية التحري إلا أن الوضع الحالي قد يثير مشاكل كثيرة في التطبيق ولا بد من علاج ذلك فقد ينتهي التحري كيفما تكون الحال ولكن عندما توضع الأوراق أمام القاضي ليس هناك ما يمنعه من إصدار ما يراه من قرارات وقد تكون مناقضة لكل قرارات النيابة السابقة

      نقطة أخيرة لا بد من التعرض لها فقد ورد في حكم الاستئناف أن قانون النائب العام الجديد لم يوضح تاريخ سريانه ولم ينشر في الجريدة الرسمية حتى يعرف تاريخ نفاذه هذه ملاحظة جديرة بالتعليق ولعل للمحكمة الموقرة الحق فيما ذهبت إليه فالنشرة التي طبعت بالرونيو قاصرة ولا توضح تاريخ التوقيع على القانون

      القاعدة العامة لنفاذ القوانين كما تنص على ذلك المادة 9 من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة هي أن ينشر القانون في الجريدة الرسمية ويعمل به بعد مضي شهر من تاريخ نشره ما لم ينص فيه على تاريخ آخر

      فسريان القانون ليس وقفاً على النشر إذا ما نص في صلب القانون على تاريخ سريانه وقد نصت المادة الأولى على أن يسري القانون من تاريخ التوقيع عليه

      بالرجوع إلى شهادة مجلس الشعب المرفقة بالنسخة الأصلية أجد أن الرئيس قد وقع على القانون في يوم 18 شعبان 1401هـ الموافق 20/6/1981م وعليه يكون القانون ساري المفعول من ذلك التاريخ

      أوردت ذلك حتى يمكن تفادي مثل هذه الأخطاء مستقبلاً وذلك يتضمن النسخ التي تطبع بالرونيو شهادة المجلس أو ما يوضح تاريخ التوقيع أو تاريخ السريان إذا كان لاحقاً

وخلاصة القول :

أولاً : أقرر أن ما أصدره وكيل النائب العام قد وقع صحيحاً بمقتضى المادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981م

ثانياً : قرار قاضي الجنايات اللاحق وقع باطلاً لتجاوزه حدود سلطاته لأنه ليس سلطة استئنافية من قرار وكيل النائب العام

ثالثاً : ما ترتب على ذك في المراحل اللاحقة لم يكن سليماُ إذ أن كل ما ترتب علي باطل وقع باطلاً

      عليه أرى أن تعاد الأوراق إلى محكمة الجنايات إذ أن التحري قد انتهى للبدء في الإجراءات القضائية وللمحكمة مطلق الحرية في اتخاذ ما تراه من إجراءات

▸ حكومة السودان ضد محمد خليل إبراهيم فوق حكومة السودان ضد ياك فادي تركة ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1981
  4. حكومة السودان ضد ميرغني جعفر حضره وآخرين

حكومة السودان ضد ميرغني جعفر حضره وآخرين

المحكمة العليا

القضاة :

صاحب السعادة السيد / خلف الله الرشيد              رئيس القضاء         رئيساً

سعادة السيد / محمد الفضل شوقي                  قاضي المحكمة العليا    عضواً

سعادة السيد / أحمد التجانى عبد الهادي             قاضي المحكمة العليا    عضواَ

 

حكومة السودان ضد ميرغني جعفر  حضره وآخرين

م ع/طلب فحص 1/1981م

المبادئ:

-       إجراءات جنائية – سلطة القضاء على أوامر النيابة – جواز رفض الإذن بحبس المتهم – الجريمة الأخف عدم جواز تعديل مادة الاتهام للإضرار بالمتهم

-       إجراءات جنائية – التحري – سلطة النائب العام في التحري – جواز تعديل المواد قبل سماع الدعوى الجنائية

-       قانون النائب العام لسنة 1981م – سلطة النائب العام في التحري وتعديل مواد الاتهام دون تدخل من ا لقضاء – المادة 6 من قانون النائب العام 1981م

1-     إن الغرض الرئيسي من المادة 6 من قانون النائب العام سنة 1981م هو إزالة الوضع غير الطبيعي السابق الذي كان القاضي يشرف بموجبه على التحريات وعلى بناء صرح قضية الاتهام ثم يعود للفصل في القضية وذلك لكي ينأى عن إجراءات التحري من ثم ينحسر دور القاضي بشأنها لذلك جعلت المادة آخذ العلم بالجريمة والتحري فيها وتولي الاتهام من اختصاص النائب العام كما أعطته السلطات المنصوص عليها في أي قانون ينظم التحري وخاصة في قانون الإجراءات الجنائية كما أنها وإن أبقت للمحكمة أو للأشخاص المسندة إليهم سلطات التحري ممارسة التحري إلا أن ذلك يكون وقفاً على أي قرار لاحق من النائب العام بتوليها أو بتنظيم ممارستها مما يبرر للنائب العام توجيه التهم التي يراها مناسبة في أي مرحلة من مراحل التحري وسواء أخذ بالجريمة علماً منذ البداية أو بعد موالاة إجراءات التحري بواسطة غيره

2-     إن قاضي الجنايات عندما يأخذ علماً بالبلاغ يستطيع أن يرفض الإذن بحبس  المتهم إذا كان في رأيه أن الجريمة المنسوبة إليه  أخف مما حددته النيابة وأن الكفالة فيها جائزة ولكن العكس غير صحيح  إذ أنه لا يجوز له أن يأمر بتعديل مادة الاتهام على مادة أكثر جسامة أو خطورة كما لا يجوز له رفض إطلاق سراح المتهم إذا ما رأت النيابة أنه ليس لديها ما تستطيع أن تطلب من أجله وضعه في الحراسة

3-     أخطأت المحاكم الأدنى درجة لما ذهبت إلى أن التحريات مع المتهمين قد انتهت لمجرد رفع الأوراق للقاضي لتحديد موعد لبدء التحقيق القضائي إذ تظل التحريات مجرد استدلالات خاضعة لوكيل النيابة ومن ثم لا تخضع لسلطة القاضي إلا بعد  شروعه في المحاكمة أو التحقيق وذلك بالاستماع إلى البينات وفقاً للطرق المقررة المعتادة

 

رأي معارض :

       إن تدخل وكيل النائب العام بعد انتهاء التحري مخالف لأحكام المادة (6) من قانون النائب العام الجديد لأن أخذ العلم بالجريمة يعني أن يتم ذلك عند استلام تقرير البلاغ بموجب المادتين 11/ 12ج من البداية فإن لم يأخذ النائب العام علماً بذلك ولم يبادر بتولي التحري فإنه يمتنع عليه بعد انتهاء التحري يعتبر مجرد توصية أو رأي للقاضي أن يعمل بها أو لا

الحكــــم

14/10/1981م

القاضي / أحمد التجانى عبد الهادي

      هذه القضية طلبت للفحص إعمالاً للسلطات المخولة لنا بموجب المادة 157 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م وذلك للتأكد من صحة وقانونية قرار محكمة الاستئناف الصادر بتاريخ 13/9/1981م في الاستئناف الجنائي رقم 274/1981 أرى أن نسرد الوقائع حتى تكتمل الصورة ويسهل فهم الموضوع

      في يوم 8/8/1981م في حوالي الساعة السادسة والنصف صباحاً وصل بلاغ إلى نقطة بوليس الخرطوم بحري مفاده أن هناك شخصان وجدا بمنطقة الصبابي بالخرطوم بحري وبهما إصابات على منطقة الرأس وأجزاء متفرقة من الجسم وعندما نقلا إلى المستشفى فارقا الحياة

      أخذت الشرطة الإجراءات السريعة التي يتطلبها الموقف وبعد مجهود مقدر ومكثف تم القبض  على عدد كبير من المشتبه في اشتراكهم في الحادث وبعد التمحيص اللازم انحصرت التهمة في ثمانية أشخاص تم القبض عليهم جميعاً ووجهت لهم تهمة القتل العمد تحت المواد 251 عقوبات وهؤلاء الأشخاص هم :

1- ميرغني جعفر حضرة

2- السر الصافي محمد حسين

3- عبد المجيد حاج الأمين

4- مجدي محمد كومي

5- محمد فضل المولى

6- مبارك محمد

7- إبراهيم الأمين الزبير

8- الياس الشيخ

      قام المتحري بتلخيص القضية وأحالها للسيد مدير شرطة النيل والذي أحالها بدوره للسيد وكيل نيابة مديرية الخرطوم لتقييم البينات وإصدار التوجيهات اللازمة

      بتاريخ 2/9/1981م وبصفحة 69 من يومية التحري أصدر السيد وكيل ديون النائب العام قراراً بموجب المادة 6(أ) من قانون النائب العام لسنة 1981م بأن تعدل المادة ضد المتهمين الثمانية من المادة 251 ع  إلى المادة 254 عقوبات مع الاحتفاظ للمحكمة بحقها في تعديل التهمة لأي مادة تسفر عنها البينات وإصدار الأمر بإطلاق سراح المتهمين بالكفالة وأن تقدم القضية للمحاكمة

      وأحيلت الأوراق لقاضي جنايات الخرطوم بحري في نفس اليوم وبصفحة (69) و (70) من يومية التحري كتب قراراه الذي يتلخص بأنه ليس من سلطات النيابة أن تصدر أمراً في يومية التحري وأن مهمة النيابة هي توجيه التحري ورفض القاضي توجيه وكيل النيابة بتعديل التهمة ضد المتهمين بالمادة 254ع  وقرر توجيه تهمة القتل العمد للمتهمين تحت المادة 251 عقوبات وأمر بإبقائهم بالحراسة

      كان يمكن حسم الموضوع في هذه المرحلة إذا كان هدف الجميع هو المصلحة العامة لكن بكل أسف تطور الموضوع إلى درجة مؤسفة من المواجهة بين القاضي من جهة ووكيل النيابة  الذي يناصره ويسانده مدير شرطة مديرية الخرطوم من الجهة الأخرى كما سنفصل فيما بعد بناء على قرار وتعليمات قاضي جنايات بحري وجه السيد مدير شرطة شرق النيل بتنفيذ تعليمات القاضي وقد كان صائباً فيما ارتأى وأمر بإحالة الأوراق للمحاكمة وإخطار النيابة بذلك

      أعيدت الأوراق للقاضي لتحديد ميعاد للتحقيق القضائي بتاريخ 6/9/1981م وبصفحة (71) من يومية التحري كتب السيد وكيل ديوان النائب العام إلى مدير شرطة شرق النيل يطلب فيه تنفيذ الأوامر السابقة بصفحة (69) من يومية التحري والخاصة بتعديل التهمة ضد المتهمين وإطلاق سراحهم بالكفالة وبنفس الصفحة كتب السيد مدير شرطة شرق النيل للمتحري – على ما يبدو – بأنه بناء على تعليمات اللواء إسماعيل عطية مدير شرطة مديرية الخرطوم يجب تنفيذ الأمر الذي أصدره وكيل ديوان النائب العام كما  أمر بإطلاق سراح المتهمين بكفالة مالية قدرها 10 ألف جنيه لكل منهم وإرسال القضية للمحكمة للعلم بتاريخ 7/9/1981م أفرج عن المتهمين الثمانية بالكفالة المالية وأرسلت الأوراق مرة أخرى للقاضي المقيم لتحديد ميعاد للتحقيق القضائي

      دخلت القضية درجة مؤسفة في المواجهة اطلع قاضي الجنايات على الأوامر التي صدرت أخيراً وبصفحة 72 و 73 من يومية التحري أوضح أن النيابة غير مختصة بتعديل مواد الاتهام في هذه المرحلة وأن قرراه السابق بتاريخ 3/9/1981م برفض توجيهات وكيل النائب العام كان قرراً قضائياً وأيده قاضي المديرية بالخرطوم بحري وأن قرار وكيل ديوان النائب العام الأخير فيه تجاهل لتلك القرارات  وأمر القاضي بالقبض على  المتهمين وإعادتهم للحراسة وتوجيه تهمة القتل العمد  لهم تحت المواد 251ع

      عرض السيد مدير شرطة شرق النيل القضية على السيد مدير شرطة مديرية الخرطوم بعد أن أوضح رأيه في صفحة (74) من يومية التحري حيث أشار إلى أن قرار وكيل النائب العام وصلاحياته انتهت بنهاية التحري وطلب تنفيذ أمر قاضي الجنايات اطلع السيد مدير شرطة مديرية الخرطوم على قرار قاضي  الجنايات وقرر رفع الأمر برمته للسيد رئيس القضاء

      أحال السيد رئيس القضاء الموضوع لمحكمة الاستئناف بموجب المادة 257 إجراءات لفحص قرار محكمتي المديرية والجنايات

      بتاريخ 13/9/1981م أيدت محكمة الاستئناف قرار محكمتي المديرية والجنايات بتوجيه تهمة المتهمين تحت المواد 88/251 عقوبات وإعادة القبض عليهم استناداً للسلطة المخولة تحت المادة 257 إجراءات أمر السيد رئيس القضاء بفحص قرار محكمة الاستئناف وأحيل الطعن لهذه المحكمة للفصل فيه

      قبل أن نتطرق لطعن لا بد من الإشارة إلى ما جاء في ملاحظات محكمتي المديرية والاستئناف بأن قانون النائب العام لسنة 1981م كان مجهولاً بالنسبة للجهات القضائية وهذا أمر مؤسف نسجله ونعتبره تقصيراً مشيناً في مكتب النائب العام وكان الأجدر به أن يخطر السلطات القضائية وهي التي ستتأثر بهذا القانون منذ صدروه وحتى النسخة التي أمامنا – والتي نهتدي بها في هذا الطعن – لا توضح تاريخ صدور القانون ولا تاريخ التوقيع عليه من رئيس الجمهورية

      قانون النائب العام لسنة 1981م في المادة 6(2) (أ) (ب) أعطى النائب العام السلطات التالية :

( أ )   المادة 6(2) على الرغم من أحكام أي قانون آخر يختص النائب العام بأخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها وتولي الاتهام وتكون له في سبيل ذلك جميع السلطات المنصوص عليها في أي قانون ينظم التحري وخاصة في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م فيما عدا السلطات المنصوص عليها في المادتين 119 و 120 منه

(ب)    يتولى النائب العام على وجه الخصوص كل السلطات المنصوص عليها في الفصلين السادس والثاني عشر من قانون الإجراءات الجنائية قبل صدور قانون النائب العام لسنة 1981م المشار إليه إلا أن قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م أعطى النائب العام سلطات واسعة في التحري  في الجرائم وتمثيل الاتهام وتوجيه التحري فالمادة 122(هـ) الفصل الثاني عشر (أ) من قانون الإجراءات  الجنائية أعطت النائب العام سلطات واسعة في التحري وكفلت له جميع سلطات التحري وحظر القضاة والشرطة التدخل في التحري في تلك الجريمة إلا بموافقة النائب العام كما أن المادة 211 من قانون الإجراءات الجنائية أعطت النائب العام الحق في تمثيل الاتهام والمادة 231(أ) من القانون أعطت الحق في وقف إجراءات أي متهم بشروط خاصة  ولكن الجديد في قانون النائب العام سنة 1981م أنه أعطى سلطات واسعة في التحري والبلاغات والتوجيهات للشرطة فيما يتعلق بالتحري وبمعنى آخر أنه حل محل القضاة في التحري وأعطى النائب العام أخذ علم بالجريمة كما نصت عليه المادة 135 إجراءات

      المادة 6 من قانون النائب العام لسنة 1981م كما ذكرنا أعطت النائب العام أخذ العلم بالجريمة والتحري فيها وتمثيل الاتهام ومنحته جميع السلطات المخولة في قانون الإجراءات الجنائية

      وأرجو أن نقرر هنا أن قانون النائب العام لسنة 1981م واجب التطبيق والنفاذ

      والآن نستعرض الأحداث لنقرر عما إذا كان النائب العام تصرف وفقاً للمادة 6 من قانون النائب العام حيال هذه القضية وأن تصرفه كان قانونياً في هذه الظروف

      فتح البلاغ الأول بتاريخ 8/8/1981م بموجب المادة 122(د)  من قانون الإجراءات الجنائية وذلك لعدم معرفة المتهمين في تلك المرحلة وبتاريخ 9/8/1981م قد تقرير البلاغ الأول للسيد قاضي جنايات بحري بموجب المادة 122 د (أ) (ب) من قانون الإجراءات الجنائية وقد أمر القاضي بالتحري في البلاغ كما أن المادة 112من قانون الإجراءات تنطبق على تقديم البلاغ الأول للقاضي في هذه الحالة ولقد وجه  القاضي عندما أمر بالتحري بموجب المادة 114(أ) من قانون الإجراءات

      تنص الفقرة الأخيرة من المادة 114 إجراءات على أن تصرف الشرطة حينئذٍ حسب توجيهات القاضي وهذا ما اتبعته الشرطة في جميع الأحوال وفي جميع مراحل التحري في هذا البلاغ

      كان قاضي جنايات بحري هو المشرف على التحري وكانت الشرطة تعمل وتتصرف وفق توجيهاته كما ينص قانون الإجراءات الجنائية

      اكتملت التحريات بعد التعرف على المتهمين الذين وجهت لهم تهمة القتل العمد وفقاً للمادة 251 عقوبات وأرسل المتحري يومية التحري لرئيسه المباشر الذي حولها بنفسه لوكيل نيابة الخرطوم لتقييم البينات والإفادة بشأن التهم عرضت الأوراق على وكيل ديوان النائب العام بتاريخ 2/9/1981م وأصد فيها قراره المشار إليه سابقاً بتعديل التهمة وإخلاء سبيلهم بالكفالة

      لقد اعتمد وكيل ديوان النائب العام في قراره على المادة 6(2) من قانون النائب العام

     ونحن مع احترامنا لوكيل ديوان النائب العام نرى أن القرار الذي اتخذه بتاريخ 2/9/1981م والذي يقضي بتعديل الاتهام وإخلاء سبيل المتهمين بالكفالة جاء مخالفاً للقانون في تأويله وتفسيره

      المادة 6(2)(أ) من قانون النائب العام أعطت النائب العام أخذ العلم بالجريمة والتحري فيها وتولي الاتهام ومنحته كل سلطات التحري المنصوص عنها في قانون الإجراءات الجنائية

      وأخذ العلم بالجريمة يعني أن يتم ذلك عند استلام تقرير البلاغ الأول بموجب المادتين 112 أو 122جabinitio ويعني هذا أن يأخذ النائب العام العلم بالجريمة في هذه القضية بعد فتح البلاغ من البداية abinitio وتقديمها له بموجب المادة 112 من قانون الإجراءات ولكن التقرير عن البلاغ الأول لم يقدم للسيد النائب العام ولكنه قدم لقاضي الجنايات كما أوضحنا كما أن النائب العام لم يتحر في القضية أو يفوض أحد معاونيه وفقاً للمادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981 والتفسير المنطقي لسلطات النائب العام بموجب المادة 6 من قانون النائب العام أن يباشر النائب العام ابتداءً سلطاته في أخذ العلم بالجريمة بموجب المادتين 112 و 135 من قانون الإجراءات وأن يباشر كل السلطات المنصوص عليها في الفصل الثاني عشر والمتعلقة بإجراءات التحري والتصرفات المختلفة بخصوص المتهمين

      إن ممارسة سلطات النائب العام بموجب المادة 6(2) من  القانون يجب أن تبدأ منذ لحظة فتح البلاغ حتى اكتمال التحري على أن تتلقى الشرطة والمتحري التعليمات من النائب العام أو ممن ينوب عنه

      لقد انتظر وكيل النائب العام حتى فرغت الشرطة من  التحريات التي كانت مباشرة من القاضي ثم أصدر قراره بموجب المادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981م لقد أخطأ وكيل النائب العام في التوقيت وتدخل بعد أن اكتملت الإجراءات وقدمت القضية لتحديد ميعاد المحاكمة

      لا شك أن قانون النائب العام يعطيه حق التدخل ولكن هذا التدخل له توقيت محدد ووفقاً لضوابط قانونية تحددها المادة 6(2) من القانون   إن تدخل وكيل ديوان النائب العام بعد انتهاء التحري لا تسنده المادة 6 من القانون لأنه جاء بعد فوات الأوان ويجدر بنا أن نشير إلى ملاحظة قانونية رائعة أشار إليها السيد مدير شرطة شرق النيل بتاريخ 7/9/1981 في تعليقه للسيد مدير شرطة مديرية الخرطوم بالصفحة 74 من يومية التحري حيث قال بالحرف الواحد لرئيسه الذي لم يدرك قيمة الملاحظة القانونية :

      ( وبما أن القضية حالياً تحت المحاكمة وليست تحت التحري فلا مناص من تنفيذ الأمر الصادر حيث أنه وفي تقديري أن صلاحيات النائب العام التي دارت حولها المكاتبات تكون قد انتهت بانتهاء التحريات )

هذه ملاحظة قانونية جديرة بالإشادة وصدرت من ضابط متحر أصاب في ملاحظته كبد الحقيقة إن صلاحيات واختصاصات النائب العام بموجب المادة 6(2) من القانون إنما تمارس في أثناء التحري وعند بدايته ولا يمكن أن تمارس بعد اكتمال التحري وتجهيز القضية للمحاكمة

      إن الممارسات التي قام بها قاضي الجنايات ببحري في هذه القضية جاءت مطابقة ووفقاً للقانون ويسندها قانون النائب العام وفي مادته السادسة التي استعملها وكيل ديوان النائب العام مبرراً تدخله  في القضية نصت الفقرة (ج) من المادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981م على الآتي :

      ( يستمر جميع الأشخاص المسندة إليهم حين صدور هذا القانون سلطات مباشرة في مباشرة إجراءات التحري وفق قانون الإجراءات الجنائية أو أي قانون آخر في ممارسة تلك السلطات وفقاً على أي قرار لاحق من النائب العام بتوليها أو بتنظيم ممارستها )

      ومعنى هذا النص أن يستمر القضاة في ممارسة سلطاتهم بموجب قانون الإجراءات الجنائية في التحري الخ حتى يصدر قرار من النائب  العام لتولي تلك السلطات أو تنظيم ممارستها

      ولا يخفى علينا الغرض من هذا النص الذي أصبح ضرورياً في هذه المرحلة وخاصة أن ديوان النائب العام ليس لديه الإمكانيات البشرية والمادية للقيام بأعمال النيابة العامة كاملة كما يحدث في البلاد الأخرى وبما أن العمل النيابي يقوم به القضاة بمختلف درجاتهم ويشرفون على كل إجراءات التحري فقد رأي المشرع أن تنتقل سلطة النيابة إلى النائب العام ومعاونوه بالتدرج وبعد توفر كل الإمكانيات التي تحقق الغرض من هذا القانون هذه بلا شك طريقة سليمة تبعد عن التطرف والمغالاة والتسرع فاعتماداً على الفقرة (ج) من المادة 6(أ) من قانون النائب العام فإن النائب العام بالخرطوم لم يخطر قاضي جنايات بحري بأن سلطاته في الإشراف على التحري قد سحبت وأن النائب العام بموجب المادة 6(2) من القانون يود ممارسة سلطاته في جميع الجرائم

      ولو كان النائب العام يرغب في استعمال سلطاته التي منحها له قانون 1981م كان عليه أن يخطر قاضي الجنايات بحري بأن يتوقف عن الإشراف على التحريات ولكن بدلاً من ذلك سكت عن اتخاذ أي خطوات حتى اكتملت تحريات القضية ولسبب غير معروف حال أن يستغل المادة 6(2) من القانون ليعدل التهمة الموجهة ويخلي سبيل المتهمين بالضمانة أو الكفالة

      وعليه نقرر أن تدخل وكيل النائب العام في هذه المرحلة وبعد انتهاء التحري لا يسنده قانون النائب العام في مادته السادسة الفقرة الثانية وقد يدور سؤال يتطلب الإجابة وهو ما قيمة رأي السيد وكيل ديوان النائب العام في هذه المرحلة وإلى أي مدى تتقيد به المحكمة أو القاضي بصفته الجهة التي تمثل الاتهام؟

      الرد هنا لا يحتاج إلى كبير عناء هذا الرأي الذي أبداه السيد وكيل ديوان النائب العام في يومية التحري يعتبر مجرد توصية أو رأي وللقاضي أن يعمل بها أولا وهي بهذه الصفة غير ملزمة للمحكمة أو القاضي لقد قررت المحكمة العليا وهذه  الدائرة هذا المبدأ في قضية حكومة السودان ضد كرار محمد سليمان وآخرين (م ع/ط ح/213/1980 )

      في هذه القضية دفع محامي المتهمين بأن النائب العام أرسل خطاباً للقاضي المقيم بحلفا يطلب منه شطب البلاغ ضد المتهمين الذين قبضوا في حدود السودان مع مصر وهم يحاولون تهريب جمال

لقد رفضت المحكمة هذا الدفع وقالت ما يلي :

      ( وفي رأينا أن محكمة الموضوع ليست مقيدة برأي الاتهام الذي يمثله النائب العام بشطب الدعوى الجنائية لأن هذه التوصية مجرد رأي قابل للنقاش ومن حق المحكمة رفض التوصية التي تقدم بها الاتهام بشطب البلاغ أو الدعوى الجنائية لأن هذا الرأي ليس ملزماً وإذا كان النائب العام لا يرغب في محاكمة المتهمين كان يمكنه استعمال سلطاته المنصوص عليها في المادة 231(أ) من قانون الإجراءات الجنائية )

      كان الطريق مفتوحاً أمام السيد وكيل ديوان النائب العام ليستعمل سلطاته الممنوحة له في قانون الإجراءات الجنائية بموجب المادة 231(أ) ويطلب وقف الإجراءات ضد المتهمين

      أود أن أشير هنا إلى نقطة جديرة بالرد عليها ذكرها السيد قاضي المديرية في الاستئناف الجنائي 217/81 المتعلق بهذا الطعن حيث ذكر أن الحق الذي أعطي للنائب العام بموجب المادة 231(أ) إجراءات لوقف الإجراءات ضد أي متهم يخضع لشروط منها ألا يباشر النائب العام هذه السلطات إلا لأسباب ترتبط بالصالح العام ولظروف خارجة عن نطاق القضية المحددة وأقتطف هذه العبارات الأخيرة من قضية : بالمحكمة العليا استئناف  م ع/ط ج/1977

      السابقة التي أشار إليها السيد قاضي المديرية ربما تكون قد اعتمدت على قضية حكومة السودان ضد زهراء آدم وآخرين ( المجلة القضائية سنة 1965 صفحة 31 ) حيث قررت المحكمة العليا أن السلطات الممنوحة للنائب العام بموجب المادة 231(أ) من قانون الإجراءات التي تمنحه الحق في طلب وقف الإجراءات الجنائية ضد أي متهم ممارسة قضائية ويجب أن تخضع للرقابة القضائية وعليه يجب أن يكون طلب النائب العام مسبباً وللمحكمة أن تقبله أو ترفضه

     نستميح السيد قاضي المديرية عذراً لأنه لم تتح له الفرصة للإطلاع على سابقة حديثه انتقدت فيها المحكمة العليا قضية زهراء المشار إليها وقررت أن السلطة التي يمارسها النائب العام بموجب المادة 231(أ) إجراءات ليست سلطة قضائية بل هي سلطة إدارية لا تخضع للرقابة القضائية وقررنا في السابقة وهي : حكومة السودان ضد أحمد يوسف إسماعيل  وآخرين ( م ع/ط ج/137/1980 ) صدر القرار في 28/3/1981م

      إن المادة 231(أ) إجراءات واضحة ولم يذكر المشرع إطلاقاً موافقة المحكمة لوقف إجراءات كما أن المشرع لم يطلب من النائب العام ذكر الأسباب التي يعتمد عليها وحسب المادة يجب على المحكمة أو القاضي المختص وقف الإجراءات ضد المتهم متى ما طلب النائب العام وقف الإجراءات بموجب المادة المشار إليها

      وحتى لو سلمنا جدلاً بأن النائب العام من حقه ممارسة سلطاته في هذه القضية وفقاً للمادة 6(2) من قانون النائب العام فإننا بمجرد إطلاع الشخص على يومية التحري والبينات الطبية عن القتيلين يتضح لنا أن قرار السيد وكيل ديوان النائب العام بتعديل التهمة ضد المتهمين من جريمة القتل إلى جريمة تحت المادة 254 عقوبات يكشف عن تسرع مجهض للعدالة وإجراء يتسم بالسطحية والبعد عن أبجديات قانون العقوبات وكنا نربأ بالسيد وكيل ديوان النائب العام وهو القانوني الضليع الذي يمثل قمة جهاز الاتهام في هذا البلد ألا يتسرع في اتخاذ مثل هذا القرار الذي اتخذ دون دراسة  متأنية للقضية والتقارير الطبية وتقييم البينات وتطبيق المواد القانونية ولو اطلع سيادته على يومية التحري والمادتين (251) و (254) عقوبات وتعريف جريمة القتل لما اتخذ هذا القرار المتسرع

      ربما يكون قد اتخذ هذا القرار رضوخاً لعوامل خارجة عن إرادته إذا نظرنا إلى أن القتيلين ربما يكونا لصين اقتحما منزل المتهمين ويكون من حق المتهمين إزهاق روحهما

      لقد قدم الاتهام في هذه القضية المستندات الطبية عن القتيلين والتي تبين الإصابات التي تعرض لها كل منهما

      التقرير الطبي الأول وأشرت له بالحرف (A) عن القتيل الأول مجهول الهوية جاء فيه أن هناك كسورا متعددة وغير منتظمة من الرأس ونزيف وتهتك بالمخ وأن سبب الوفاة الكسور وتهتك المخ و النزيف

       التقرير الطبي الثاني عن القتيل الثاني – مجهول – أشرت له بالحرف ( B ) جاء فيه وجود كسور متعددة بالرأس ونزيف وكسور بالرجل والذراع الأيمن وهذه أسباب الوفاة

      منذ الوهلة الأولى وبدون حاجة إلى بحث عميق أن القتيلين أصيبا بإصابات بليغة لا يمكن أن ينطبق عليها المادة 254 من قانون العقوبات والتي تتعلق بإحداث الموت بارتكاب فعل لا يصل إلى درجة القتل ولكنه قصد منه تسبيب الأذى أو الأذى الجسيم

      إن المادة 254 تنطبق في الحالات التي لا يقصد فيها المتهم إحداث الموت وإنما إحداث الأذى  ولكن لظروف خارجة عن إرادته حدث موت المرحوم

      المادة 254 عقوبات أدخلت في قانون العقوبات سنة 1925 وليست لها مثيل في القانون الهندي كما جاء في قضية : حكومة السودان ضد بشرى حمدين ( المجلة القضائية سنة 1962 صفحة 118 )

حيث ذكر القاضي حسيب ما يلي :

The act punishable under penal code, 254 is not the guilty mind penal code, section 254 is our own and has no equinalent in the Indian penal code the section charged against accused does not punish the intended act but the consequence thereof

      المادة 254 عقوبات تعاقب الجرائم التي ينتفي فيها القصد الجنائي بارتكاب جريمة القتل وتنطوي تحت الأفعال البسيطة التي عادة لا تؤدي إلى الوفاة وأن الآلة المستعملة صغيرة وليست خطيرة بطبعها وأشار إلى ذلك السيد أبو رنات رئيس القضاء في قضية : حكومة السودان ضد كمال الجاك أحمد ( المجلة القضائية سنة 1962 صفحة 65 )

حيث قال :

Cases falling under penal code;sec 254 are those cases where the deceased was beaten by the hand or a light stick ; and that in nearly all such cases the instrument used is not a lethal or dangerous one and the death of the person beaten or injured in these cases would cause to ordinary people

     وعليه فإن المادة 254 عقوبات لا يمكن ن تنطبق على فعل المتهمين كما أوردها السيد وكيل النائب العام إن الإصابات خطيرة والكسور متعددة والتقرير الطبي يثبت إحداثها بآلة صلبة فكيف يستقيم عقلاً أن يقصد الجناة في هذه الحالة إحداث الأذى أو الأذى الجسيم؟ وكيف يطلب منا وكيل ديوان النائب العام أن نغلق عقولنا عن الأشياء الواضحة لكل ذي عينين والتي تكشف أن الجناة أحدثوا موت القتيلين بالضرب الشديد وبالات صلبة مما تنتفي معه إحداث الأذى فقط

      يظهر أن السيد وكيل ديوان النائب العام تجاهل كل العناصر القانونية المكونة للجريمة وقصد فقط إيجاد حل لإطلاق سراح المتهمين بالضمانة لأن المادة الموجهة لهم من الاتهام وهي 251 عقوبات لا تبيح إطلاق سراحهم بالضمانة وفقاً للمادة 228 (1) من قانون الإجراءات الجنائية

      وعليه نخلص إلى أن قانون النائب العام لسنة 1981م قانون شرعي وملزم وواجب التنفيذ وقد منح السيد النائب العام في مادته (6) سلطات واسعة لمباشرة التحري والتحقيق ولكن قرار السيد وكيل ديوان النائب العام موضوع هذا الطعن جاء مجافياً للقانون في تفسيره وتأويله مما يبر رفضه

      لو اتخذ السيد وكيل ديوان النائب العام الإجراءات حسب المادة 6(2) من قانون النائب العام منذ البداية لما كان لنا اعتراض عليه ولاعتبرناه قانوناً صحيحاً ولكن تدخله وبعد نهاية التحري يجعل هذا القرار مجرد توصية كما سبق أن قررنا

      في نهاية هذا القرار لا بد لنا أن نشير إلى الروح الطيبة والتعاون المثمر الذي يجب أن يسود العلاقات بين الأجهزة الثلاثة المناط بها تحقيق العدالة وهي القضاء والنائب العام والشرطة

      إن الذي حدث بين القضاء من جهة والنيابة والشرطة من جهة أخرى ( حدث عابر )  وكان يمكن أن يحسم في أطواره الأولى قبل أن يصل درجة الأزمة ونقرر بكل أسف أن مدير شرطة مديرية الخرطوم كان بوسعه تطويق الخلاف وحصره في أضيق الحدود دون أن يصل إلى درجة المواجهة وذلك بدليل أنه اتصل بمدير شرطة شرق النيل وأمره بتنفيذ أمر وكيل ديوان النائب العام رغم علمه أن هناك أمر قضائي صدر من القاضي المسئول بتاريخ 2/9/1981م بإلغاء قرار وكيل ديون النائب العام

      لقد أعطى السيد مدير شرطة ولاية الخرطوم لنفسه سلطات لا يملكها وقرر بجرة قلم أن قرار وكيل النائب العام يجب تنفيذه وتجاهل قرار قاضي الجنايات كان يمكن للسيد مدير شرطة الخرطوم أن يتصرف بحكمة وتعقل ما دام هذه مصلحة العدالة كان يمكنه ن يرفع الأمر للسيد رئيس القضاء مثلاً للبت في الموضوع ولكنه آثر أن ينحاز لجانب النائب العام ليحدث ما حدث من مواجهة مؤسفة وعندما تأزم الموقف وجد نفسه مضطراً للجوء للسيد رئيس القضاء ولكن بعد فوات الفرصة المواتية لحسم الموضوع

      إننا ندين هذا التصرف وإن كنا نفترض فيه حسن النية إن العلاقة بين الأجهزة يجب أن تكون علاقة طيبة يسودها التعاون المثمر والتفاهم والانسجام في سبيل تحقيق الهدف الأسمى وهو مصلحة المواطنين والأمة وإن أية فئة تحاول إثارة البلبلة وخلق المشاكل بينها يجب ألا تعطى الفرصة لتنفيذ أغراضها

      وفي ختام هذا النقاش بعد أن قررنا صحة قرار قاضي جنايات بحري نرى الإسراع في نظر هذه القضية وإعطائها الأولوية في النظر على أن يوظف لها قاضي للقيام بنظرها على وجه السرعة وموضوع التهم بالإدانة متروك للمحاكم المختصة

ولذا قررنا الآتي :

1- رفض طلب الفحص وتأييد الحكم المطعون فيه

2- ينفذ قرار قاضي جنايات بحري ضد المتهمين

 

28/10/1981م

القاضي محمد الفضل شوقي :

      لقد قام زميلي العلامة أحمد التجانى بدراسة وافية لجميع جوانب هذا الموضوع المعروض علينا وأوفاه حقه من العناية والتمحيص ولكني مع عظيم تقديري واحترامي اختلف معه فيما توصل إليه من نتائج

     لقد أفاض وأسهب ولكنني لن أفيض ولن أسهب حيث أن الموضوع في رأيي مختصر ومحصور وهو لا يتعدى نطاق شرح الفكرة المستحدثة التي جاء بها أخيراً قانون النائب العام لسنة 1981م والتطبيق الصحيح له وإزالة اللبس الذي حدث نتيجة لعدم علم قاضي الجنايات المختص بهذا القانون وما صحبه من تغيير في الإجراءات الجنائية بالإطلاع على هذا القانون يتضح بجلاء أن المشرع أراد به في ناحية الاختصاص الجنائي أن يزيل عن كاهل قضاة الجنايات عبء الإشراف على التحريات وان يوكل هذه المهمة لوكيل النيابة وحده حتى يعود القاضي إلى وضعه الأصيل ويتفرغ كلياً لمهمته الكبرى الأساسية وهي الحكم بين وجهتي النظر المعروضتين عليه عندما يجلس في منصته ويستمع للبينات ثم يصدر قراره على ضوء ما يثبت أمامه من وقائع وحقائق وفقاً لقواعد الإثبات بدون تحيز لأي من طرفي الدعوى

      أراد المشرع بهذا القانون أن يضع الأمور في نصابها مقتدياً بالوضع في القانون المصري حيث تتولى النيابة كافة جوانب التحري وتحضير قضية الاتهام في استقلال تام من غير إشراف عليها من أي جهة ويجدر بنا  هنا – وقبل أن أتقدم في شرح وجهة نظري أن اقتبس من الجزء الأول من كتاب الدكتور محي الدين عوض عن إجراءات القانون الجنائي في التشريعين المصري والسوداني (1969 ) الفقرات التالية الواردة في الصفحة (42) وما بعدها والتي تقول : أعضاء النيابة مستقلون عن القضاء بينما تختص النيابة بتحريك الدعوى واستعمالها يختص القضاء بنظرها ولو أن هناك بعض حالات استثنائية خول القانون فيها المحاكم تحريك الدعوى العمومية ومع ذلك فإنه حتى في هذه الحالات تتولى النيابة مباشرة تلك الدعوى واستعمالها بعد تحريك وقد أقرت محكمة النقض مبدأ الاستقلال عن القضاء في حكم لها في 31 مارس 1932 قالت فيه أن النيابة العامة هي من النظم المهمة في الدولة أشار إليها الدستور في كلامه عن السلطة القضائية وهي بحسب القوانين التفصيلية المعمول بها شعبة أصيلة من شعب السلطة التنفيذية خصت بمباشرة الدعوى العمومية نيابة عن تلك السلطة جعل لها وحدها حق التصرف فيها تحت إشراف وزير العدل ومراقبته الإدارية – فهي بحكم وظيفتها مستقلة استقلالاً تاماً عن السلطة القضائية ويترتب عن استقلال النيابة عن القضاء وما خولها القانون من الاختصاص ما يلي :

أولاً :   أن يكون لها الحرية التامة في بسط آرائها لدى المحاكم في الدعوى العمومية بدون أن يكون للمحاكم أي حق في الحد من تلك الحرية إلا ما يقضي به النظام وحقوق الدفاع ولا ينبو عن المنطق الدقيق

ثانياً :   أن ليس للقضاء على النيابة أي سلطة تبيح له لومها أو تعيبها مباشرة بسبب طريقة سيرها في أداء وظيفتها بل أن يرى عليها شبهة في هذا السبيل فليس له إلا أن يتجه في ذلك إلى النائب العمومي المشرف مباشرة على رجال النيابة أو إلى وزير العدل على أن يكون ذلك بصفة سرية رعاية للحرمة الواجبة للنيابة العامة

     نكتفي بهذا القدر من كتاب الدكتور محي الدين عوض وأعود لأقول إن الفكرة من وراء قانون النائب العام لسنة 1981م هي إزالة الوضع غير الطبيعي السابق الذي كان القاضي يشرف فيه على التحريات وعلى بناء صرح قضية الاتهام ثم يعود ويجلس في المنصة ليفصل بين قضية الاتهام وقضية الدفاع لقد أراد المشرع أن ينأى به عن ذلك ووضع كل سلطات التحري والتوجيهات الخاصة به في يد وكيل النيابة وترك فقط للقاضي سلطة التدخل في الجوانب التي تفيد المتهم مثل رفض امتداد حبسه والإفراج عنه وذلك تطبيقاً للقاعدة الأصولية في القانون الجنائي التي تدعو القضاء لأن ينحاز للمتهم كلما كانت هناك شبهة أو مجالاً قانونياً يسمح بهذا التحيز ومعنى هذا أن قاضي الجنايات عندما يأخذ علماً بالبلاغ يستطيع أن يرفض الإذن بحبس المتهم إذا كان في رأيه أن الجريمة المنسوبة إليه أخف مما حددته النيابة وأن الكفالة فيها جائزة ولكن العكس غير صحيح حيث أنه لا يجوز له أن يأمر بتعديل مادة الجريمة المقترحة إلى مادة أكثر خطورة ولا يستطيع أن يرفض إطلاق سراح المتهم إذا ما رأت النيابة أنه ليس لديها ما تستطيع أن تطلب من أجله وضعه في الحراسة وهذا الأمر يمكن فهمه ومدى سلامته إذا ما تذكرنا أن النيابة هي التي ستقدم قضية الاتهام والتي ستعمل جاهدة لإنجاحها وليس من المعقول أن يفرض عليها القاضي مسبقاً التشديد والصرامة في اتجاه هي غير راغبة في السير فيه وهي الجهة المسئولة أصلاً وفصلاً عن الدعوى العمومية ورعايتها كل هذا مفهوم ويبدو أنه أساساً لا خلاف حوله ولكن الخلاف هو متى تعتبر التحريات منتهية وتصبح القضية تحت النظر أمام المحكمة؟ إن كل المحاكم الأدنى درجة أخطأت عندما ظنت أن التحريات برفعها للقاضي لتحديد موعد لبداية التحقيق القضائي تعتبر وكأنها انتهت كلياُ وخرجت عن يد النيابة في نظري أن القضية لا تكون تحت النظر إلا بعد أن يشرع القاضي في الاستماع للبينات على اليمين وتتجمع لديه الحقائق الموثوق بها حسب قواعد الإثبات ويكون في موقف يستطيع معه أن يصدر الأوامر القضائية عن بينة وإدراك تام أما ما هو موضوع أمامه الآن من أقوال في يومية التحري فهذه ليست إلا مجرد استدلالات يعرف كنهها وخباياها المتحري ووكيل النيابة  ولا يجوز للمحكمة قانوناً التعويل عليها

      أعود وأقول أن إشراف قاضي الجنايات على التحري كانت تستلزمه الأوضاع الماضية حينما كان الذين يقومون بالتحري غير مؤهلين قانونياً

      أما الآن وتحت ظل نظام النيابة العمومية فينبغي قانوناً وممارسة أن يتنحى القاضي ويطلق يد وكلاء النيابة لممارسة اختصاصاتهم بدون تدخل من جانبه إلا فيما يرى أنه لازم لتوفير الحقوق الأساسية للمتهم ومباشرة سلطاته في عدم السماح بامتداد الحبس لأكثر مما تستدعيه الضرورة

      نحن لن نتدخل في تفاصيل التهمة التي اقترحتها النيابة الآن وإن الخوض فيها في السوابق القضائية التي تشرح الجريمة تحت المادة 254 من قانون العقوبات كله سابق لأوانه لأن تلك السوابق هي أحكام قضائية في قضايا تم النظر فيها والفصل فيها بعد الاستماع للبينات المقدمة أمام المحكمة أما هنا فليس لدينا سوى تحريات تضم فقط ما تم جمعه من استدلالات مبدئية قد تتحول وتتبدل كلها عندما يشرع القاضي في نظر القضية والاستماع للشهود والنظر في البينات الحسية وعند ذلك فقط يستطيع هو ( ولا أحد غيره ) أن يحدد التهمة التي يوجهها للمتهم

      إن الأمر الذي يتعين علينا إصداره الآن هو أن تعاد القضية لوكيل النيابة وأن يتم تنفيذ توجيهاته ثم ترفع الأوراق للقاضي للشروع في التحقيق القضائي وعند ذلك وبعد السير قدماً به تكون أوامره هي النافذة

8/11/1981م

سعادة رئيس القضاء خلف الله الرشيد :

      هذه إجراءات فحص بمقتضى سلطات المحكمة العليا بموجب المادة 257(1) من قانون الإجراءات الجنائية ( يشار إليه فيما بعد بالحرفين أ- ج ) تتعلق إجراءات الفحص بمدى صحة القرار الذي أصدره وكيل ديوان النائب العام ( يشار إليه فيما بعد بالنيابة لغرض الإيجاز ) بتاريخ 2/9/1981 تطبيقاً لنص المادة 6(1) من قانون النائب العام لسنة 1981م

      لقد حصلت الوقائع تحصيلاً وافياً في حكم محكمة الاستئناف وفي المذكرة التي أعدها أخي أحمد التجانى قاضي المحكمة العليا وعضو هذه الدائرة وليس ثمة ما يدعو إلا تكرارها في هذه المذكرة

      مما يؤسف له أن كثيراً من اللبس قد لازم هذه الإجراءات في جميع مراحلها ولعل مرد ذلك الاختلاف مناحي الدخول في الموضوع بسبب تمايز الرؤى في تصنيف وتحديد طبيعة النزاع ولذلك تنكبت الجادة ورب ساع مصر في سعيه أخطأ التوفيق فيما طلب فقد نظر قاضي الجنايات إلى الموضوع من زاوية تنازع السلطة بينه وبين النيابة ثم إن قاضي المديرية أخذ في معالجة الأمر من ناحية بطلان قرار النيابة لانعدام أو بطلان التسبيب وقد نظرت إليه محكمة الاستئناف من حيث العيب الموضوعي وجرت مذكرة أخي أحمد على ذلك الموضوع أيضاً

      الأمر في تصوري لا يحتاج إلى كل هذا العناء وتفرق السبل إذ ليس المطلب أن نبحث في صحة أو بطلان قرار النيابة من الناحية الموضوعية on the merits لأن ذلك يفترض أن قرار النيابة خاضع للاستئناف لدى قاضي الجنايات وهذا ليس موضوع النزاع وسأتعرض له فيما بعد وليس الأمر صراعاً بين سلطة المحاكم وسلطة النيابة وليس فيه تحريض للسلطة على عصيان أو الازدراء بأوامر المحاكم

      فالنزاع كما قدمت في صورته الحقيقة يتعلق بمدى وصحة قرار النيابة في ضوء التشريع الجديد والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل خول النائب العام أو النيابة سلطة بموجب المادة 6(2) من قانون النائب العام الجديد تختلف في مداها وطبيعتها عن السلطة المخولة به بموجب المادة 122 هـ أ- ج ؟

      الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى مقدمة تمهد الطريق لمناقشة ما سأورد من حجج لعله من المعطيات أن استقلال القضاء يستوجب أيضاً عدم تدخل السلطة القضائية في النواحي التنفيذية وإن حياد القضاء حياد قضاء يقتضي ألا يقضي القاضي بعلمه فإذا علم شيئاًُ أو اتصل علمه بما لا يصلح أن يكون بينة وجب عليه أن يكون شاهداً لا حكماً  حتى لا يكون رأياً شخصياً مسبقاُ فيما يطرح عليه من أقضية ورغماً عن ذلك اقتضت الضرورة أن يتولى القضاة التحري في القضايا الجنائية وأن يشرفوا على سير التحريات لأسباب معقولة إذ لم يكن مستوى التحري بالقدر الذي يطمئن على سلامة الإجراءات من حيث المحافظة على حقوق المتهمين وحصانة ممتلكاتهم وقد تميز قانون تحقيق الجنايات الأول – كما ورد في مقدمة قانون الإجراءات الجنائية ( بشدة الحرص على توفير فرص الدفاع أمام المتهمين وتحقيق العدالة دون النيل من الحقوق والكرامة الإنسانية وحفظ بذلك للخاضعين لإجراءاته حسن المعاملة طول مراحل المحاكمة الجنائية )

      وظلت هذه هي سياسة قانون التحقيق الجنائي لسنة 1925 ثم حرص على هذه الروح في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 جاء في المقدمة ما يلي ( خضعت مراجعتنا لقانون الإجراءات الجنائية كذلك لروح المبادئ التي تحترم كيان الفرد وتحفظ كرامته وتمنع كل تغول على حقوقه أو انتهاك لحرمة ماله أو بيته بما يتناسب والوضوح والإصرار الذين ينص بهما على هذه المبادئ في الدستور الدائم )

      من أجل ذلك اقتضت الموازنة أن يكون للمحاكم الإشراف الفاعل على سير التحريات لأن الحرية الفردية والعدالة أحرى أن تلتمس لدى القضاء حتى لو قضوا بعلمهم هذا الوضع أملته ظروف الحياة العملية وكان ذلك يتناسب مع النظام القانوني الذي سنه المشرع البريطاني ليطبق في السودان وهو مستمد كما هو معلوم من القانون الإنجليزي العام

      والقوانين الإجرائية ليست غاية في حد ذاتها ولكنه وسيلة لتحقيق العدالة لأن المبادئ الإجرائية المعينة تبنى بطبيعة الحال على أسس تختلف باختلاف النظرات الفقهية للنظم القانونية

      وقد أقرت النظم القانونية مبادئ متباينة في علاج كثير من المسائل الموضوعية والإجرائية ولعله من الملائم استعراض ملامح الأنظمة المختلفة في إيجاز شديد حتى تختلف الرؤيا

      ترد الأنظمة المختلفة للإجراءات الجنائية إلى ثلاث :

أولاً : ما يسمى بالنظام الاتهامي أو نظام المواجهة Accusational system وهذا النظام يأخذ مصلحة الفرد في الحسبان ولذلك يتيح له تحريك الدعوى العام لاستخلاص حقوقه ويظهر دور  القاضي بارزاً في هذا النظام

ثانياُ :  نظام التحري والبحث Inquizitional system ويتولى التحري في هذا النظام موظف أو جهاز خاص يوجد لهذا الغرض ويتميز هذا النظام بسرية التحري ولا يترك الساحة القضائية

ثالثاُ : النظام المختلط Mixed system وفي هذا النظام مجال للفرد ومجالي للتحري والتنقيب بواسطة أجهزة الدولة ولعل هذا ما يسود كثير من الأنظمة في العصر الحديث

      ونحن في السودان نسير على منهاج النظام المختلط أو لعلنا أقرب إليه فلا يزال للفرد الحق في تحريك الدعوى العامة مهما كان خطرها ولكن أعطى النائب العام الحق في تولي الاتهام ( المادة 111–أ- ج ) وقيد حق الاتهام في بعض القضايا وجعلها وقفاً على إذن معين ( أنظر الفصول الثاني عشر الثالث عشر الرابع عشر- أ - ج )

      والناظر في قانون العقوبات يجد أن لهذه الفلسفة أسساُ في نظرية الجريمة فليست الجرائم كلها من حق الدولة فهناك جرائم يجوز فيها الصلح ( أنظر الفصل التاسع والعشرون – أ – ج ) ومنها جرائم خطيرة وفي الفقه الإسلامي يجوز لولي الدم التنازل عن الجريمة و العفو وأن يقبلوا الدية

      كل ذلك يقودنا إلى أن مهمة المحكمة الأساسية هي أن تحكم فيما يشتجر فيه الناس سواء كانوا أفراد أم حكومة عليه لا بد من المحافظة على تأكيد مبدأ حياد القضاء بما تقتضيه الحال

      في ظل هذه المبادئ صدر قانون النائب العام الجديد ورغم أن القانون المشار إليه لم يعالج كل المثالب و الاستثناءات التي جرى عليها العمل إلا أنه خطوة ثورية في الطريق الصحيح وهو يميل إلى نظام التحري حيث ينحسر دور القاضي

ورأس هذه الثورة التشريعية المادة 6(2) من القانون المشار إليه ويجدر بنا إيراد  النص كاملاً:

      2- (أ) على الرغم من أحكام أي قانون آخر يختص النائب العام بأخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها وتولي الاتهام وتكون في سبيل ذلك جميع السلطات المنصوص عليها في أي قانون ينظم التحري وخاصة في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م فيما عدا السلطات المنصوص عليها في المادتين 119 و 120 (2) منه

  (ب) يتولى النائب العام على وجه الخصوص كل السلطات المنصوص عنها في الفصلين السادس والثاني عشر من قانون الإجراءات الجنائية

      لا شك أن هذا النص قد أتى بجديد وهو يختلف في مداه وطبيعته عن نص المادة 122هـ( أ - ج) خلافاً لما ذهبت إليه محكمة الاستئناف فقد جاء في حكم تلك المحكمة ما يأتي : ( وباستثناء التحفظ على السلطة المتعلقة بإجراء التفتيش يبدو واضحاً لنا أن نص المادة 6(2) المستحدثة لم يضف جديداً للسلطات المتضمنة في المادة 122 ( هـ ج- أ )

     الله ! الله ! الفرق كبير وأساسي ولعله قد فات على المحكمة المحترمة أن النص الجديد يخول للنيابة أخذ العلم والتحري  والنص الآخر يخول للنيابة التحري فقط جاء في ذيل المادة 122هـ (أ ج ) ( فيجوز للنائب العام أو من يفوضه أن يتحرى في الأمر أو يأمر شخص آخر غيره بإجراء التحري ) إذن فالأمر قاصر على التحري ولا مزيد

      يجري النص الجديد على ما يأتي ( على الرغم من أحكام أي قانون آخر يختص النائب العام بأخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها وتولي الاتهام الخ ) المادة 6  (2) (أ) من قانون النائب العام

      والعبارة الفاعلة هنا هي ( أخذ العلم بأية جريمة )  وهذا هو أساس الفرق  بين النصين القديم والحديث أو المستحدث على حد تعبير محكمة الاستئناف وعبارة أخذ العلم لها مدلول اصطلاحي معروف فقد نصت المادة (1) (2) ( أ – ج ) على أن عبارة أخذ علماً تعني ( اتصل بصفة رسمية ) ورغم قصور هذا التعريف نجد أن عبارة ( أخذ العلم ) تعني اصطلاحاً الإحاطة بوقوع الجرم والإذن بالتحري ومتابعة ذلك وليس الأمر كما رأت محكمة الاستئناف فقد جاءت بفهم مستحدث لاصطلاح أخذ العلم  حيث قالت بالحرف الواحد ( ابتداءً نقرر بأنه إذا كان القانون آنف الذكر ( قانون النائب العام ) قد خول للنيابة العامة سلطة أخذ المعلومية ابتداءً فإن ذلك القانون قد أوجب إلزاماً وضع تلك المعلومية أمام القاضي المختص والعلة من وراء ذلك هو معلومية النيابة تنطلق من زاوية التحقيق واتهام أما معلومية المحكمة المختصة فمنطلقها هو كفالة الحقوق الدستورية والقانونية للشخص المتهم نفسه ( ص 6 من المذكرة ) ومع احترامي لا أجد سنداً قانونياً لهذا الفهم ولا يشتمل عليه النص الجديد أو القديم والمصطلح ( أخذ العلم ) له مدلول معلوم وهو كما قيل غير متناه ولنستعرض أقوال الشراح في هذا الصدد حتى تنير لنا الطريق

      جاء في شرح الدكتور ناندلال أن عبارة ( أخذ العلم ) تعني أن القاضي قد وجه عقله إلى أن جريمة قد وقعت وأنه حدد الطريقة التي سوف يسير فيها التحري لاحقاً

      ( أخذ العلم ) يختلف عن بدء الإجراءات ( أخذ العلم ) شرط سابق للإجراءات ( أخذ العلم ) يتعلق بالقضايا لا بالأشخاص بمعنى أن التحري قد يكون في جريمة مجهول مرتكبها ( أنظر صفحة 1146 من كتاب لال وما بعدها – قانون الإجراءات الجنائية – الطبعة الثانية – الجزء الثاني )

      إذن النص جديد بإضافة جوهرية لم يكن للنائب العام شأن بها من قبل وكان ذلك من اختصاص القاضي بموجب المادة 112( أ – ج ) وقد فسر ذلك في المادة 114 ( أ – ج )

      اشتملت المادة 6(2) من قانون النائب العام على الآتي :

1- أخذ العلم بالجريمة

2- التحري فيها

3- تولي الاتهام

4- ممارسة جميع السلطات المنصوص عنها في أي قانون ينظم التحري وفي قانون الإجراءات الجنائية وعلى وجه الخصوص ما عدا تدوين الاعتراف والحبس

5- كل السلطات المنصوص عليها في الفصلين السادس والثاني عشر ( أ – ج )

      ولا شك أن هذه السلطات واسعة جداً وذات مدى بعيد وقصد منها إحداث تغيير أساسي فيما عليه العمل

      لقد أنفقت محكمة الاستئناف المحترمة وكذلك أخي أحمد جهداً كبيراً في مناقشة قرار النيابة العامة من حيث الصحة والبطلان وأرى مع احترامي الأكيد أن هذا ليس موضوع نزاع إذ لم يطرح على المحكمة أو يثر سؤال يتعلق بقرار وعيبه من  حيث الموضوع بل ينحصر الموضوع في صحة قرار النيابة أو بطلانه من حيث الشكل ولعل الطعن في قرار النيابة من حيث الموضوع لا يكون في هذه المرحلة ولا بد من إتباع إجراءات أخرى في هذا الشأن وأعتقد أن الإجراء الصحيح للطعن في قرار النيابة من حيث الموضوعية يكون عن طريق سلطة الفحص المعروفة بـcertiorair أمام المحكمة العليا والشواهد كثيرة في السوابق الدستورية وهي بعد موضع خلاف ونظر ولا داعي للتوسع في هذه النقطة فقد أوردتها على سبيل النقاش

      ثم إن الطعن في السياسة التشريعية ليس وارداً وليس للمحاكم الحق في الطعن في السياسة التشريعية بيد أن لها الحق في نقض النص من حث الوضوح أو من حيث تحقيقه للعدالة وذلك مع الالتزام بتطبيقه ولا أجد حرجاً في القول أن التعديل أو النص الجديد قد يحدث كثير من المتاعب في التطبيق العملي والأجدر تعديل شامل حتى لا يضار حسن التطبيق وحتى تتضح الرؤيا

      خلصت محكمة الاستئناف إلى نتائج أربع أرى أنها لا تستقيم منطقياً مع ما نشرته المحكمة الموقرة من حجج وذلك للأسباب التالية :

أولاً : تقرر المحكمة أن قرار النيابة كان سليماً فإذا كان قرار النيابة سليماً امتنع على قاضي الجنايات التدخل فيه لأنه ليس سلطة استئنافية من قرار وكيل النيابة العام ولعله في موضع مواز للقاضي على أقل تقدير

ثانياً : ترى المحكمة الموقرة أن قرار قاضي الجنايات المؤيد من قاضي المديرية سابق لأوانه فإذا كان والأمر كذلك فكيف جاز للمحكمة الموقرة أن تنتهي إلى أن قرار النيابة اللاحق كان إجراءً باطلاً لأنه خالف أوامر محكمة الجنايات ؟

      لا شك أن هذه النتيجة لا تترتب على الفرضية التي انطلقت منها المحكمة المحترمة فالأمر لا يعدو أن يكون واحداً من اثنين : إما أن يكون قرار النيابة خاطئاً ولذلك يحق لقاضي الجنايات اتخاذ ما يرى من قرارات أو أوامر أو يكون قرار النيابة سليماً وبذلك يحق لقاضي جنايات اتخاذ قرار لاحق في ذات النقطة بسبب أن ذلك خارج عن نطاق سلطاته وقد جاء في حكم المحكمة المحترمة أن قرار النيابة كان سليماً إذاً يقضي المنطق بطلان قرار قاضي الجنايات ولا يصلحه تأييد قاضي المديرية لأن ما يترتب على باطل يقع باطلاً

      لقد جاء في مذكرة أخي أحمد التجانى أن تدخل النيابة جاء بعد انتهاء التحري وباستقرائه للمادة 6(2) من قانون النائب العام يرى أن ذلك ليس صحيحاً فهو يميز بين حالتين : حالة تولي النيابة التحري وأخذ العلم ابتداءً ولها في ذلك اتخاذ ما تراه من قرارات أما إذا أخذ القاضي علماً قضائياً ابتداءً فلا يحق للنيابة أن تتدخل بعد ذلك وعليه انتهى إلى أن أمر النيابة لم يكن صحيحاً لأنها لم تباشر اختصاصها بادئ ذي بدء

      بيد أن هذا الرأي لم يأخذ في الحسبان نص المادة 6(2)(ج) القاضي باستمرار الأشخاص المسندة إليهم سلطات التحري في ممارسة تلك الاختصاصات ( وقفاً على قرار لاحق من النائب العام بتوليها أو بتنظيم ممارسته )

      قطعت جهيزة قول كل خطيب فعبارة ( وقفاً على أي قرار لاحق ) الخ توضح أن الأمر كله موقوف على قرار من النائب العام فقد يبدأ التحري ويقطع ما يشاء له الله أن يقطع من مراحل ويتدخل النائب العام وقد يبدأ النائب العام التحري وليس في التشريع ما يمنع النيابة من إصدار قرار حتى بعد نهاية التحري إلا أن الوضع الحالي قد يثير مشاكل كثيرة في التطبيق ولا بد من علاج ذلك فقد ينتهي التحري كيفما تكون الحال ولكن عندما توضع الأوراق أمام القاضي ليس هناك ما يمنعه من إصدار ما يراه من قرارات وقد تكون مناقضة لكل قرارات النيابة السابقة

      نقطة أخيرة لا بد من التعرض لها فقد ورد في حكم الاستئناف أن قانون النائب العام الجديد لم يوضح تاريخ سريانه ولم ينشر في الجريدة الرسمية حتى يعرف تاريخ نفاذه هذه ملاحظة جديرة بالتعليق ولعل للمحكمة الموقرة الحق فيما ذهبت إليه فالنشرة التي طبعت بالرونيو قاصرة ولا توضح تاريخ التوقيع على القانون

      القاعدة العامة لنفاذ القوانين كما تنص على ذلك المادة 9 من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة هي أن ينشر القانون في الجريدة الرسمية ويعمل به بعد مضي شهر من تاريخ نشره ما لم ينص فيه على تاريخ آخر

      فسريان القانون ليس وقفاً على النشر إذا ما نص في صلب القانون على تاريخ سريانه وقد نصت المادة الأولى على أن يسري القانون من تاريخ التوقيع عليه

      بالرجوع إلى شهادة مجلس الشعب المرفقة بالنسخة الأصلية أجد أن الرئيس قد وقع على القانون في يوم 18 شعبان 1401هـ الموافق 20/6/1981م وعليه يكون القانون ساري المفعول من ذلك التاريخ

      أوردت ذلك حتى يمكن تفادي مثل هذه الأخطاء مستقبلاً وذلك يتضمن النسخ التي تطبع بالرونيو شهادة المجلس أو ما يوضح تاريخ التوقيع أو تاريخ السريان إذا كان لاحقاً

وخلاصة القول :

أولاً : أقرر أن ما أصدره وكيل النائب العام قد وقع صحيحاً بمقتضى المادة 6(2) من قانون النائب العام لسنة 1981م

ثانياً : قرار قاضي الجنايات اللاحق وقع باطلاً لتجاوزه حدود سلطاته لأنه ليس سلطة استئنافية من قرار وكيل النائب العام

ثالثاً : ما ترتب على ذك في المراحل اللاحقة لم يكن سليماُ إذ أن كل ما ترتب علي باطل وقع باطلاً

      عليه أرى أن تعاد الأوراق إلى محكمة الجنايات إذ أن التحري قد انتهى للبدء في الإجراءات القضائية وللمحكمة مطلق الحرية في اتخاذ ما تراه من إجراءات

▸ حكومة السودان ضد محمد خليل إبراهيم فوق حكومة السودان ضد ياك فادي تركة ◂
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©