حكومة السودان //ضد// محمد محمد أبكر
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ عبد الرؤوف حسب الله ملاسي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ محمـد الأميــن مختــار قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ محمـد صالــح على قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان //ضد// محمد محمد أبكر
م ع/ف ج/101/ 1998م
المبادئ:
مصدر الشرطة ليس شريك في الجريمة
قانون الإثبات - الكمين لمنع المنكر أو ضبطه - موافق لأحكام الشريعة الإسلامية
1- مصدر الشرطة ليس شريكاً لأن الشريك فاعل أصيل بقصد أصيل وهو قصد ارتكاب الفعل والمصدر عادة يجمع معلومات تساعد الشرطة لدفع المنكر أي تحقيق مصلحة عامة
2- بينة الكمين لمنع المنكر أو ضبطه موافق لأحكام الشريعة الإسلامية والقانون لأنها كشف وضبط لمنع المجاهر بالمعصية من الاستمرار في تلك المجاهرة التي لولاها لما وقع في شرك تدبيره طالما أسقط عن نفسه الستر الشرعي
3- هناك فرق بين تدبير تصرف كاذب ليجعل الشخص مرتكباً لسلوك لم يرتكبه وبين شخص يرتكب فعل المجاهرة بالمعصية وتكشف مجاهرته بفعله السلوك المراد كشفه من تلقاء نفسه وليس تحت الضغط أو الإكراه أو بتدبير غير حقيقي
المحامون :
الأستاذ/ هشام عبد الحفيظ عن الطاعن
الحكم:
القاضي : محمد الأمين مختار
التاريـخ : 27/12/1998م
القضية الإيجازية 312/1998م المحكمة المتخصصة تحاكم بموجبها المتهم محمد محمد أبكر علي وأدين تحت المادة 15(ب) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية وعوقب بالسجن المؤبد والغرامة 20000 جنيه اعتباراً من 8/7/1998م واستؤنف لدي قاضي استئنافات المحكمة المتخصصة الذي أيد الإدانة والعقوبة تحت نمرة أ س ج/38/1998م (بدون تاريخ) ومــن ثم تقدم محامي المحكوم عليه بعريضة مؤرخة في 22/8/1998م والمؤشر عليها من رئيس الدائرة بالتاريخ نفسه ووزعت للدائرة
جاء في عريضة المحامي ما يفيد التشكيك في بينة الكمين ويركز فيما ذهب إليه رجال الشرطة مع المتهم في الاستعانة به لمعرفة مروجي المخدرات هذا وباطلاعي علي محضر القضية أجد أنه واثر معلومات وردت لرجال مكافحة المخدرات يفيد بأن المدان من مروجي المخدرات ومن ثم عملوا له كميناً في شكل مبالغ أخذت أرقامها بعلم نيابة محافظة البحر الأحمر وتم الشراء بمبلغ 3000 جنيه وعند المداهمة وجد المبلغ المرقم في جيب جلابيته وبالأرقام التي أخذت وفي داخل منزله هذا ما استندت عليه محكمة الموضوع في إدانة المتهم هذا وقد كثر الحديث عن بينة الكمين بالتشكيك والمطالبة بعد الأخذ به بحجة أنه نوع من أنواع التجسس الذي يمنعه الشرع وأقول أن التجسس الممنوع هو التجسس المفضي إلي كشف عورات الناس أو لغرض إلحاق الضرر بالناس في شيء لا يتعدى أثره إلي الكافة أما في مثل الذي نحن بصدده فإن الشرع قطعاً لا يقف حجر عثرة أمام محاربة من يريد إلحاق الضرر بالناس وأي ضرر أكبر علي المجتمع من المخدرات التي أصبحت آفة العصر وأصبح مروجوها يتفننون في إخفاء أنفسهم وبذكاء خارق ولو اغللنا أيدي المكافحين لها من اتخاذ مثل هذه الوسائل لكنا من المساهمين في الترويج ثم أن الشرطة لم تكتف برؤيتهم فقط وإنما اتخذوا وسيلة القروش ومعلوم أن النقود موضوعة بقواعد ونظم وأرقام لا تتكرر وزيادة التأكيد لا تأتــي في محاكمة المدان في جريمة مماثلة بعشر سنوات سجناً بتاريخ 24/21/1992م في البلاغ 382 شرطة القسم الجنوبي بورتسودان والمفتوح بتاريخ 19/12/1992م ولا أدري كيف خرج من السجن اللهم إلاّ إذا كان هناك تخفيف طرأ علي العقوبة ولكل ما ذكرت أجد نفسي متفقاً تماماً مع ما وصلت إليه محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف وبعد استطلاع رأي الزميلين الموقرين أري شطب الطلب إيجازياً والله من وراء القصد
القاضي : عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
التاريـخ : 20/12/1998م
أتفق مع الزميل محمد الأمين في رأيه وأضيف الآتي :
1- في تقديري أن الأستاذ/ هشام عبد الحفيظ قدم مذكرة جيدة لإبداء وجهة نظره وخاصة ما طرحه من نقاش قانوني حول تطبيق المادة (33) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية سنة 1994م بما يستحق التقدير مع خلافي معه في الرأي
2- بالنسبة لبينة الكمين فقد تقرر في عدة سوابق أن الشرطة تقوم بواجب عام ومن الوجهة الشرعية عليها دفع المنكر وبالتالي فشهادة الشرطة مقبولة في معني المادة (23) من قانون الإثبات أما كيفية دفع المنكر فالمستقر فقهاً وشرعاً أن دفع المنكر واجب شرعي علي كل شخص لأنه (حماية لكل المجتمع) وحماية المجتمع واجب كل فرد من أفراده والشرطة مكلفة (بدفع المنكر) بتكليف بهذا الواجب من أولي الأمر (المشرع) بالقيام به إنابة عن المجتمع فالشارع أجاز دفع المنكر باللسان واليد والقلب وذلك اضعف الإيمان بمعني أن إنكار المنكر واجب شرعي حتى أنه لا يجوز عدم الإنكار لأن فيه إثما كبيراً وتأكيداً لأهمية إنكار المنكر لأن المنكر فساد وإفساد للمجتمع فأرادت الشريعة أن تؤكد حقيقة إنكار المنكر ولو بالمشاعر القلبية حتى لا يستقر أي فهم مغاير أن المنكر يترك علي حاله أما دفع المنكر أو إنكاره باليد فللسلطان أو من يفوضه وهم الشرطة وغيرهم وبالتالي فالشرطة عندما تقوم بعمل الكمين لا بد أن ينظر إليها أنها تؤدي واجباً شرعيا وقانونيا لمصلحة عامة وليس خاصة إلي أن يثبت العكس لأن القيام أو التكليف بواجب عام لا يعطي حق تحقيق مصلحة ذاتية أو شخصية من خلال أداء الواجب العام لأن ذلك يدخل في نطاق (المكر المراد دفعه) وطالما أنه لم يثبت أن الشرطة قامت بأي عمل لتحقيق مصلحة خاصة أو نتيجة خصومة للمتهم فإن الأقوال والأفعال التي تترتب علي الكمين مقبولة شرعاً وقانوناً
3- أما بينة الكمين (أي الإعداد أو اتخاذ) الإجراءات (لضبط الجريمة أو كشفها) فهو واجب شرعي وقانوني لأن مهمة الشرطة المناط بها (دفع المنكر قبل وقوعه) و (ضبطه بعد وقوعه) وهو ما كان معروفاً في قانون العقوبات (بمنــع الجريمة) وهــو إجراء موافق لأحكام الشريعة والنقطة محل المناقشة هي هل يعتبر هذا من باب (التجسس الممنوع شرعاً) والذي أشار إليه الطاعن وفي تقديري أن هنالك خطأ شائعاً في أن كل تصرف لكشف أي أمر يعتبر من قبيل التجسس وهذا غير صحيح فهنالك قواعد شرعية تحدد ماهية (التجسس أو التحسس) المحظور فالأصل هو ستر الإنسان لنفسه لينال الحماية الشرعية من التجسس والتحسس فالذي يرتكب فعلاً منكراً عليه واجب شرعي (إن يستر نفسه) والمقصد هنا هو أن كل ابن آدم خطاء ولا يجب أن يقفل عليه باب أو الرجوع إلي الحق كما أن ستر الإنسان لنفسه معناه أن الخير ما زال مغروساً فيه ويعلم أنه يرتكب ذنباً ومنكراً فالقاعدة الشرعية نابعة من الحديث الشريف (من ستر نفسه فهو في ستر الله) أو كما قال وهنالك قاعدة شرعية أخرى تضع حكماً آخر لمن لا يستر نفسه ويجاهر بالمعصية أو المنكر وهي (من أبدي لنا صفحته أقمنا عليه الحد) أو كما قال فمن يظهر المنكر أو يعين علي إظهاره مجاهرة بمعصية الله ورسوله لأنه يريد أن ينقل منكره من ذاته إلي غيره ويريد أن يشيع منكره في المجتمع وشيوع المنكر فساد للمجتمع وبالتالي فالمجاهر بالمعصية (لا ستر له ليستر لأنه كشف ستره بنفسه ولم يكتف بذلك بل سعي ونقل فساده إلي الآخرين في المجتمع فهذا لا حق له في التمسك بالتجسس والتحسس لأنها مسألة (مربوطة بستر النفس) وهنا لا بد أن أشير إلي أن هنالك خطأ في فهم (ستر النفس) فستر النفس مرتبط (بأن لا يصل الفساد إلي الغير بأي صورة من صور التحريض أو الإغراء أو المساعدة) وأن لا يسعى لنقل الفساد إلي خارج نفسه ليفسد غيره فمن عمل علي نقل منكر إلي المجتمع والغير يسقط عن نفسه الستر الذي يحميه والفقه يقول من خرج للناس عارياً لا يطلب منهم أن يروه علي غير ذلك الحال ولا يطلب من الناس أن يفترضوا أنه كان كاسياً اللهم إلاّ إذا كان سلوكه بسبب الجنون أما العاقل فلا يلومن إلاّ نفسه لأنه عالم بأفعاله ونتائجها ومدرك لما ترتبه الأفعال من آثار ونتائج 0 وبالتالي فالذي يعد منزلاً للدعارة أو بيع المخدر أو يتاجر فيه أو يساعد في ترويجه وبيعه وتداوله بمقابل أو بدون مقابل هو مجاهر بالمعصية من الوجهة الشرعية وبالتالي فقيام الشرطة بإعداد الكمين لضبطه (نابع من سلوكه طريق المجاهرة بالمعصية والمنكر) وأنه خرج من نطاق ذاته إلي نطاق نقل الفساد لغيره فسلوكه بالمجاهرة وكشفه بوساطة الشرطة ليس توريطاً أو دمغاً لهم في موضع الجريمة بل يعد كشفاً لحقيقة المجاهرة وكشفاً لسلوك شائن يقوم به فعلاً ومجاهرة بالمعصية فهنالك فرق بين تدبير تصرف كاذب ليجعل الشخص مرتكباً لسلوك لم يرتكبه وبين شخص يرتكب فعل المجاهرة بالمعصية وتكشف مجاهرته بفعله السلوك المراد كشفه من تلقاء نفسه وليس تحت الضغط أو الإكراه أو بتدبير غير حقيقي في مواجعته وبالتالي فبينة الكمين ( لمنع المنكر أو ضبطه موافقة لأحكام الشريعة الإسلامية والقانون لأنها كشف وضبط لمنع المجاهر بالمعصية من الاستمرار في تلك المجاهرة التي لولاها لم وقع في شرك تدبيره وطالما اسقط من نفسه الستر الشرعي بعرضه وبيعه الحشيش للغير فقد أصبح واجباً شرعياً الضرب علي يديه لمنع إفساده للمجتمع وأفراده
وهنا مسائل لا بد من الإشارة إليها وهي (بينة المصدر) التي يدور حولها الحديث (فالمصدر) وسيلة من وسائل ضبط ومنع الجريمة وهو جائز شرعاً لأن دوره (جمع المعلومة عن أماكن المجاهرة بالمعصية والمجاهرين بها) وجمع المعلومات والاستدلالات من واجبات التحري الشرعية والقانونية فالناظر إلي سير السلف الصالح نجد أن ولاة الأمور كانوا يُخرجون العيون ليلاً ونهاراً لجمع المعلومات ليس عن الفساد والمفسدين لحماية المجتمع وأفراده بل أيضاً جمع المعلومات عن المحتاجين وأصحاب المظالم الذين لا يستطيعون الوصول إلي ولاة الأمر ويكفي أن عمر بن الخطاب أمير العدل رضي الله عنه وأرضاه كان يخرج ليلاً فيجوب المدينة بحثاً عن المظالم والمفاسد لأنه مكلف بواجب شرعي يأمره بحماية الأرواح والأعراض والممتلكات وأنه يسأل عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون وحتى أنه كان يقول والله لو عثرت بغلة (في العراق) لسُئل عنها عمر كما أن أمير العدل عمر بن عبد العزيز كان يخرج خازن بيت المال للتقصي عن أحوال من يحتاجون إلي الزكاة لتؤدي إليهم وبالتالي فلا مجال للخلط في الفهم بين (التجسس) وجمع المعلومة لدفع المنكر ومنع فعله أو ضبطه بعد وقوعه والتقصي عن الخير والواجبات لفعلها فكلاهما أجاز الشرع جمع المعلومة عنهما والمصدر هنا لا يعدو أن يكون شاهداً وليس شريكاً كما يري البعض فالشريك فاعل أصيل بقصد أصيل وهو قصد ارتكاب الفعل والقصد الجنائي محك المسئولية الجنائية وليس مجرد المساعدة في كشف الفعل فالشريك المعلوم قانوناً هو الشريك الذي يشارك بقصد جنائي صريح لتحقيق مكسب ومغنم من ارتكاب الفعل لنفسه أو لمن يشاركه في ارتكاب الفعل أو يجني فائدة من تحريضه أو مساعدته العمدية يحققها لنفسه أو لمن حرضه أو ساعده أو عاونه (أنظر السابقة م ع/ط ج/43/79/1997م محاكمة آدم علي هساي وآخر في 20/5/1997م والسابقة م ع/ط ج/22/1997م محاكمة الزبير محمد (غير منشورة) وبالتالي فلا مجال من وجهة نظر قانون الإثبات إلي (افتراض أن المصدر شريك) لأن الشريك لا يفترض بل يثبت أنه شارك الجاني بنفس قصده الجنائي ولتحقيق ذات المنفعة لنفسه أو لشريكه والمصدر عادة يجمع معلومات تساعد الشرطة لدفع المنكر أي لتحقيق مصلحة عامة وهو لا يشارك الجاني قصداً لتحقيق قصد مشترك لمنفعة مشتركة بل يشارك بمعاونة للشرطة (بقصد دفع المنكر وضبطه) ولقصد منفعة لا ينال منها شيء سوي معاونة الشرطة في أداء واجبها العام وبالتالي فلا سند قانوني أو شرعي للقول بأنه شريك ومن ثم فالمصدر هو أما وسيلة من وسائل التحري شأنه شأن (قص الأثر) أو الكلب (البوليسي) أو البصمة أو شاهد مباشر ينطبق عليه وصف الشاهد المعرَّف في م (23) من قانون الإثبات سنة 1993م يمكن سماع شهادته عند الضرورة وحسب الحاجة إليها إذا كانت جوهرية وضرورية في الدعوى ولا بينة مباشرة وغيرها أو أنها تدعم ما قدم من بينات ظرفية وقرائن أخرى
وهنا لا بد لي من الإشارة إلي سابقة هامة بالنسبة لقبول بينة الكمين الصادرة من محكمة الاستئناف القديمة مجلة الأحكام سنة 1978م ص 421 أ س ج /أ ن /207/78 حكومة السودان /ضد/ دهب شريف دهب فهذه السابقة كانت في ظل قانون الإجراءات الجنائية سنة 4791م ولكنها تحدثت عن (مسألة التجسس وبينة الكمين) وذلك قبل تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بما يؤكد الوجدان والفطرة السليمة لدي القضاء السوداني الذي يطبق القانون بحسه العادل الذي لا يخالف الشريعة الإسلامية وان لم يفصح عن ذلك إلا أنها راسخة في أعماقه لأن المقصد هو موافقة أحكام الشريعة وعدالتها أولاً وأخيراً فهذه السابقة قررت أن بينة الشرطة في التفتيش من غير شاهد مقبولة في حالة ما أسفر التفتيش عن وجود بينة أخرى توصل إلي النتيجة وهي بينة (المصدر) الذي عاون الشرطة في شرائه للحشيش من المتهم فبيع المتهم للبنقو سلوك تم بمعزل عن (صحة التفتيش كبينة أخرى وسلوك مباشر قام به المتهم وثبت حدوثه بغض النظر عن صحة التفتيش فإن كان التفتيش باطلاً فإن بينة المصدر هي شهادة مباشرة تكفي وحدها للإدانة بمعزل عن أي بينة أخرى والسابقة تقول (أصل إلي قناعة بصحة قبول البينة المستمدة من التفتيش الذي اجري في غياب الشاهدين لسبب بسيط وهو أن وجود الشاهدين قصد منه ضمانة للمتهم من تغول البوليس وتلفيقه التهمة أو البينة فهل أضير المتهم حقاً في دفاعه من جراء تقديم المعروضات ؟؟؟؟ لا أظن فقد أغفل قاضي المديرية بينة شاهد الاتهام الرئيسي والذي كان طعمة ابتلعها المتهم هذا الشاهد (ش 1-2) أثبت وهو علي اليمين أنه اشتر ي لفافتين من الحشيش من المتهم بمبلغ 2جنيه) وقد عثر علي الأوراق المالية التي دفعها له داخل حائط الدكان الذي يقيم فيه المتهم) وهذه السابقة أكدت مسائل هامة (أن الطعم أو المصدر أو الكمين) وسيلة جائزة قانوناً لكشف الجريمة وإن (المصدر أو هذا الطعم هو شاهد وفقاً لقانون الإثبات وليس شريكاً) فالشاهد كان طرفاً في سلوك مباشر مع المتهم وهذا السلوك تصرف صادر من المتهم بغض النظر عن صحة التفتيش باعتباره سلوكاً وفعلاً قام المتهم بإرادته الحرة دون ضغط أو إكراه عليه فلم يكرهه أحد أو يضغط عليه أو يأخذ بيده (ليقوم ببيع الحشيش) أما إن كان لا يعرف أن من اشتري منه من الشرطة فهذا يعني أن سلوكه إرادة نابعة منه بلا ضغط أو إكراه بأي صورة من الصور فالحيلة لكشف سلوكه الإرادي لا تعد إكراهاً له
وهنا أشير أيضاً إلي مبدأ هام قررته هذه السابقة بقولها :
لا بد من تعليق علي كمين البوليس ومدي حجية البينات المتولدة عنه وقد سبقني السيد دفع الله الرضي نائب الأحكام في قضية شنان الشهيرة عندما قال بينة الجاسوس الذي يعمل مع أجهزة الأمن ويشترك بإيعاز منها في الجريمة موضوع شهادته لا تحتاج إلي مؤازرة رغماً عما يقال من ناحية أخلاقية وهذا هو المعمول به في إنجلترا والهند وقد ورد في مؤلف :
PHISONON EVIDENCE 8 TH ED P 478:
(THE RULE REQURINIG CORROPORTICN OF THE EVIDENCE OF AN ACCOMPLICE DOES NOT APPLY TO TWO CIASES
(A) INFORMERS PERSONS HAVE JOINED IN OR EVEN DROVOKED THE CRIME AS POLICE SPIES
وهذه القاعدة التي أشار إليها الفقيه (فبسون) تحدد صنفين تكون بينتهما مقبولة في الإثبات (حالة المصدر) أو ما يسمي (بجاسوس الشرطة) والاستثناء الوحيد لرفض هذه البينة إذا تأكد القاضي (أو اقتنع بأن الشرطة تعدت حدودها في الإيقاع بالمتهم أو كان الفعل تدبيراً وتخطيطاً مباشرا من الشرطة لوضع المتهم في جريمة لم يرتكبها حقيقة) وتقول السابقة : إن ممارسة الشرطة لوسائل أو أساليب مختلف علي مدي جوازها أخلاقياً بغية الوصول إلي مفاتيح بعض أنواع الجرائم المشكلة لمخاطر اجتماعية مثل الاتجار بالحشيش والذي برع المتعاملون فيه في اتخاذ الحيطة والحذر بحيث أصبحت الإجراءات المعروفة مثل أوامر التفتيش عديمة الجدوى ولا يصح التمسك بالمثل والأخلاقيات ولا يقبل أن تستغل الشكليات لحماية الفئة الضالة علي حساب أمن وطمأنينة المجتمع ومن ثم فالسابقة توصلت إلي ذات المبدأ الشرعي بالوجدان السليم والفطرة السليمة وهنا أضيف أن الشريعة الإسلامية حسمت الأمر بجعلها المجاهر بالمعصية وناشرها إلي المجتمع وغيره لا ستر له ليستر لأنه اسقط عن نفسه الستر كما أسلفنا فيكون منعه وضبطه وإيقافه عند حده عملية أخلاقية واجبة شرعاً فالأخلاق في الشريعة مرتبطة بقيم الشريعة وتدور الأخلاق وجوداً وعدماً مع مقاصد الشريعة في حماية الضرورات الخمس (الدين - النفس - العقل - المال - النسل) فالحياة تقوم علي هذه الضرورات الخمس والتي لولاها لم تجر مصالح الدنيا علي استقامة وهي مناط التكليف الشرعي ومن ثم كان (دفع المنكر) واجباً شرعياً ودفع المجاهرة بالمنكر واجب لأن المجاهر يسعى لنقل فساده إلي كل المجتمع وأفراده ويخرج انعدام أخلاقه وانحرافه لغيره من الناس ليحقق مصلحة أنانية ذاتية لنفسه ولو كان فيها دمار كل المجتمع ومن ثم كان دفع منكره واجباً عاماً وواجباً أخص بالنسبة للمكلفين بالدفع كواجب عام (الشرطة والنيابة) باعتباره واجباً دينياً أخلاقياً يأثم من لا يقوم به وتبعاً لذلك أجاز الفقه الإسلامي استعمال (الحيلة لإظهار الحق) والحيلة ليست هي المكيدة للإيقاع بالناس بل وسيلة خالية من العنف لكشف منكر يفعله فاعله ويصر عليه ويجاهر به والحيلة كاشفة للمنكر وليس منشئة له لإظهار الحق وإظهار الحقيقة لكشف حقيقة السلوك الفاسد وليس إيجاد سلوك فاسد غير موجود وهي تقوم علي إصلاح الأمة فيقول ابن عقيل (السياسة الشرعية هي ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلي الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يصفه الرسول (ص) ولا نزل به وحي فكل ما وافق الشرع أي ما نطق به الشرع في الكتاب والسنة فهو عن الشرع وتعطيل مقاصد الشريعة تعطيل للشرع والتفريط فيه تعطيل للحدود وضياع للحقوق وتجرئه أهل الفجور علي الفساد وجعل الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلي غيرها وسد لطرق صحيحة من طرق معرفة الحق والسعي له وتعطيل مقاصد مقطوع بأنها مطابقة للحق ولمجرد الظن أنها منافية لأصول الشريعة 0 لذلك أجاز الفقه الإسلامي استعمال الحيلة لإظهار الحق والحقيقة وهذا ما أورده ابن القيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص 31 وضرب مثلاً للحيلة الشرعية في القضية التي ادعي فيها رجل علي آخر أنه سلفه مالاً كوديعة وجحد الآخر هذا المال وهو ما نسميه اليوم بخيانة الأمانة فسأل القاضي المدين أين سلمته المال ؟ فقال بمسجد ناء عن البلدة قال له : أذهب فجئني بمصحف من ذلك المسجد أحلفه عليه والمدعي عليه يسمع ذلك وحجز القاضي المدعي عليه بالمحكمة وفاجأه بعد ذهاب خصمه : أتراه أي المدعي قد بلغ المسجد ؟ فقال المدعي عليه الجاحد للمال: لا أظن انه قد وصله فهنا قال له القاضي فكيف عرفت ذلك وأنت لا تعرف المسجد أو مكانه لتعرف وقت الوصول إليه ؟ فأقر المدعي عليه فالزمه بالمال) ويقول ابن القيم ص (41) :
(الحيل التي إباحتها الشريعة هي التحيل على الإنسان بفعل مباح لمعرفة ظلمه لغيره فلاحتيال المباح هو الذي لا يؤدي إلي إسقاط الفرائض واستباحة المحارم ) وقد سجلت ما قاله مع التصرف في الصياغة لتفهم في وقتنا الحاضر لصعوبة فهم الصياغة القديمة بما تستعمله من ألفاظ ونمط يصعب فهمه للجهل به أو عدم معرفته أو مخالفته لأساليب الإفهام المعاصرة التي اعتاد عليها الناس في زماننا لأنهم تركوا القديم جملة دون فهم مقاصده بدعوى أنه يخاطب الناس بلغة لم تعد تستعمل الآن وهذا لا يبرر ترك القديم بل السعي لفهمه كالذهب الذي يعلق به التراب فالذهب يظل ذهباً ولا يجعل الغبار منه تراباً ومن ثم فالحيل الشرعية وسيلة شرعية متي كانت لدفع المنكر وحماية المجتمع بوسيلة كاشفة للحقيقة لا يستعمل فيها القوة والعنف وبالتالي فاستعمال المصدر بواسطة الشرطة أو ما يسمي بالطعم لكشف حقيقة المجاهر بالمعصية وكشف فساده هو من الطرق والوسائل الشرعية ولا تعتبر انتهاكاً لمبادئ الشريعة أو القانون أو العدالة أو النظام العام
وهنا لا بد لي من الإشارة إلي أن الطاعن يخلط بين البينة الظرفية وبينة الكمين (فبينة الكمين بينة مباشرة) وكل الخلاف كان في الوسيلة المتبعة وهو ما قررنا أنه موافق للشرع أما البينة الظرفية فهي استنباط النتائج والقرائن الظرفية في وقائع ثابتة تترابط مع بعضها ليستنبط منها الدليل الظرفي فالقرينة هي الأمارات الدالة علي إثبات أي واقعة أو نفيها بناء علي الغالب في الأحوال (م 48 إثبات سنة 1993م) أما الشهادة فهي (البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبت لغيره مسئولية مدعـي بها علي آخر أمام المحكمة) م(23) من قانون الإثبات سنة 1993م وبالتالي ففي القضية الماثلة ضبط المبلغ المرصود الأرقام من النيابة بحوزة المتهم هو بينة مباشرة علي وجود وضبط ذلك المال بحيازته والقرينة هي استنباط أن المصدر سلمه هذا المال لأنه كلف بتسليمه كثمن للبنقو وذلك في إطار الحيلة كما أسلفنا فالشاهد يشهد بما أدركه وليس استنباط ما أدركه وفي القضية المطروحة فقد باع المتهم البنقو للمصدر ووجد المبلغ المرصود بأرقامه بحوزته ولم يقدم المتهم أي مبرر يقنع لحيازته بل يدعي أنها تخصه معتقداً أن ذلك ينفي عنه التهمة وهو جاهل برصد المبالغ وأرقامها بوساطة النيابة قبل تسليمها له فصار ادعاؤه بلا سند وهنا أشير إلي أن دفاع المتهم كان سيكون مقبولاً لو ادعى أو قدم دليلاً بأنه عندما استلم المبلغ استلمه كدين أو سلفية ولا أجد الشك في احتمال أن المصدر لم يسلمه المبلغ بسبب آخر غير شراء البنقو للإيقاع به لتحقيق صحة معلوماته أمام مرءوسيه الذين كلفوه بما يثير الشبهة في الشهادة بموجب م 33(1) من قانون الإثبات سنة 1993م (يجوز للمشهود ضده أن يطعن في شهادة الشاهد بسبب قيام تهمة ولاء أو مصلحة أو عداء ويجوز للمحكمة في هذه الحالة أن ترد الشهادة بعد سماعها إذا لم تطمئن لصحتها)
إلاّ أن المتهم ينكر معرفة المصدر أو أنه قابله أو استلم منه أي مبلغ وبعد ذلك يعثر علي المبلغ المرصود من النيابة في جيبه فكيف وصل إليه ؟؟؟ وفي تقديري أن المتهم لو أقر باستلام المبلغ من المصدر ودفع بأنه كان لأي غرض آخر غير شراء البنقو لأثار شكاً يستوجب استدعاء المصدر كشاهد إلا أن من أخطر أنواع الدفاع (هو الإنكار المطلق) الذي تهدمه (أضعف الوقائع إذا ثبتت) وتكون حجة قوية في الإثبات كبينة لأنه لا يوجد ما يناقضها فالذي ينكر (جريمة القتل) علي إطلاقه أو معرفته بالقتيل أو أنه قابله يضع نفسه في موقع حرج بثبوت وقائع تعاكس ذلك بالشهادة - والمستندات أو البينات الظرفية فتتحول إلي بينة قاطعة في مواجهة إنكاره ومن ثم (فإنكار المتهم المطلق) لم يحوجنا إلي إعادة الدعوى لسماع بينة المصدر في هذه الحالة كشاهد لتأكيد وقائع قطع بها إنكاره المطلق
أخيراً أناقش نقطة جوهرية دفع بها الطاعن في طلبه والمتعلقة بتطبيق م (23) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية سنة 1994م والتي تنص علي :
يعفي من العقوبات المنصوص عليها في المادتين (1516) كل شخص يبادر بإبلاغ السلطات العامة عن الجريمة قبل علمها بها فإذا حصل الإبلاغ بعد علم السلطات العامة للجريمة فيجب أن يؤدي ذلك الإبلاغ فعلاً إلي ضبط باقي الجناة
ويدفع محامي الطاعن بأن الوقائع تؤكد تعاون المتهم مع الشرطة فالواضح أن الشرطة طلبت منه التعاون معها لكشف بلاغات أو معلومات خاصة ببلاغات وان المتهم وعدهم بتنفيذ (4عمليات معهم) وعاونهم في تنفيذ عملية وبالتالي يري أن المتهم يستفيد من النص ومع تقديري لوجهة نظر الأستاذ هاشم أخالفه الرأي لما يلي :
1- هذا النص من النصوص الجديدة في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية سنة 1994م قصد به المشرع إتاحة الفرصة للمتهم أن يتوب قبل أن تصل إليه السلطات أو يتوب بعد علم السلطات بالجريمة وهي حالـــة شبيهة بحالة توبة مرتكب الحرابة الذي يتوب قبل أن يتمكن منه ويحاسب علي فعله وفقاً لنص الآية :
(إلاَّ الذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أن تَقْدِرُوْا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوَاْ أَنَّ الَّلَه غَفُورُ رَّحِيمُُ)
2- وبالتالي فشروط المادة واضحة في حالتين :
الأولى :
أن يرتكب الجاني الفعل المجرم لأنه أساساً لا يعقل أن يبلغ المتهم عن فعل لم يرتكبه أو ما زال في مخيلته فالنوايا إن لم تفرغ في قوالب تنفيذ لا تشكل جريمة إذ لا عقاب علي مجرد التفكير ما لم يحول إلي شروع أو اكتمال الجريمة ذاتها
الثانية :
أن يكون الإبلاغ للسلطات العامة بما فعله قبل أن يصل العلم بالجريمة إلي السلطات العامة ووضع استثناء بأنه حتى في حالة وصول العلم بالجريمة إلي السلطة العامة قبل أن يقوم هو بالإبلاغ فإنه في كلتا الحالتين يعفي من العقوبة وليس الإدانة فالإعفاء يأتي حسب النص من العقوبة ولا عقوبة قبل الإدانة ويشترط أن يؤدي هذا الإبلاغ إلي نتيجة حقيقية بضبط الجريمة وأدواتها ومعروضاتها بالنسبة له وإلي ضبط الجناة الآخرين المشاركين له إن وجدوا
وهنا تنبيه مهم هو أن النص جاء بصيغة قد يفهم منها أن إبلاغ الجاني عن نفسه لا يشمله الإعفاء إلاّ في حالة إبلاغه عن باقي الجناة وفي تقديري أن التفسير لمقاصد النص هو المطلوب وفقاً لنص م(6) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة سنة 1974م (التفسير الذي يحقق مقاصد التشريع بقدر الإمكان) فالمشرع يعلم أنه ليس في كل بلاغ أو جريمة لا بد من تعدد الجناة وقد يكون الجاني واحداً ولكن المشرع غلب (تعدد الجناة) لأن جرائم الحيازة والتداول والصنع والبيع والترويج في جرائم المخدرات يشارك فيها عادة عدة أطراف وهو الغالب الأعم فالحائز لا بد من شخص نقل له الحيازة بالبيع أو الشراء والحائز للتجارة لا بد أن ما وصله نقله إليه من أحضر البضاعة المخالفة للقانون وأوصلها إليه ليتاجر فيها ومن يصنع قد يحتاج لغيره من الصناعة ومن يزرع يحتاج لغيره لترويج وبيع ما زرع وكل هؤلاء في الغالب يستعينون بغيرهم لإكمال التصرف في البضاعة بالتوزيع أو التخزين ومن ثم أري أن النص رغم أنه تحدث عن الغالب الأعم في تعدد الجناة في جرائم المخدرات إلا أن النص لا يمنع الإبلاغ إذا كان من متهم واحد وابلغ السلطات وهنا أيضاً تنبيه مهم في فهم النص أن المشرع قصد المعني الذي ذكرته في سياق صياغته للنص فالواضح أن المشرع يطلب أن يبلغ الشخص علي نفسه أولاً لأنه شريك في الفعل أو قد يكون أصلاً بلا شريك وبالتالي فقصد المشرع هو ضبط الجريمة ومرتكبيها فرداً أو جماعة نتيجة لذلك الإبلاغ فمثلاً مزارع يزرع البنقو منفرداً وليس معه أحد أبلغ عن زراعته للبنقو دون أن يشاركه أحد وقد ارتكب الفعل وحده فهل تطلب منه الإبلاغ علي حيازة غير موجودة إلا إذا علمت الشرطة بوجودهم واخفي المتهم هذه الحقيقة التي تؤكدها وقائع التحري ففي هذه الحالة يكون إبلاغه ناقصاً ولا يعفيه من العقوبة ونقطة هامة ثالثة وهي أن المشرع فرق بين جرائم أخرى لم يرتكبها المتهم ويبلغ عنها وبين جرائم كان هو طرفاً فيها وبلغ عنها ففي الحالة الأولي لا ينطبق النص أصلاً عليه لأنه لم يبلغ كجاني يمكنه أن يستفيد من إسقاط العقوبة لأنه إما أن يكون في هذه الحالة باعتباره شاكياً أو مصدراً للمعلومات أو شاهداً على ما أدركه من الوقائع علي الغير ولا تلصق به صفة الجاني أما في الحالة الثانية وهي التي عناها المشرع أن الإبلاغ من (الجاني) علي نفسه وشركائه إن وجدوا وعلي ضوء ذلك فالواضح من المحضر أن المدان كجاني لم يبلغ عن نفسه قبل علم السلطات ولا بعدها بل ينكر ارتكابه الفعل أساساً مما ينتفي معه شرط الإعفاء من العقوبة أما معاونته للشرطة أو تعاونه في بلاغ فهذا سلوك آخر باعتباره مصدراً أو متعاوناً في تلك البلاغات تقبل بينته بهذه الصفة كما أسلفنا في مناقشتنا السابقة وبالتالي فتعاون أو عدم تعاون المدان في بلاغات أخرى لا يرتب الأثر الذي تتطلبه م(23) من القانون لعدم توافر شروطه ومتطلباته لتطبيقه
وبالتالي أخالف الأستاذ في وجهة نظره وأري أن المدان لا يستفيد من (إعفاء العقوبة) فالمشرع أراد إعفاء من يبادر إلي كشف الجريمة باعتباره تائباً لأن التوبة تجب ما قبلها والحديث الشريف (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)
وأخلص من كل ما تقدم إلي تأييد الإدانة والعقوبة وشطب الطلب
القاضي : محمد صالح علي
التاريـخ : 30 /12/1998م
أوافق لا أجد أن ثمة ما يمكن أن يضاف إلي كل ما ذكر

