حكومة السودان/ ضد/ فضل الله السماني أحمدعلى
القضاة:
السيد/ على يوسف الولي قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ يوسف دفع الله قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ صالح الشريف قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان/ ضد/ فضل الله السماني أحمد على
م ع / م ك/ 80/ 1987م
المبادئ:
قانون جنائي-العقوبة-القصاص-مسقطات حد القصاص- إرث حق القصاص-يسقط القصاص
- يسقط القصاص إذا ورثه من ليس له القصاص من القاتل كما يسقط إذا ورثه القاتل كله أو بضعه فإذا كان في ورثة المقتول ولد للقاتل فلا قصاص لأن القصاص لا يتجزأ و ما دام لا يجب بالنسبة لولد القاتل لأن الولد لا يقتص من أبيه فهو لا يجب للباقين
القاضي : على يوسف الولي
التاريخ : 15/10/1987م
الحكـــم
هذه الأوراق عرضت لنا إعمالاً لنص المادة 234 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 لتأييد حكم الإعدام الذي أنزلته محكمة كبرى إنعقدت في محكمة جنايات الخرطوم بحري شرق على المتهم فضل الله السماني أحمد على بعد أن أدانته تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983 لقتله المرحومة زوجته فتيلة أحمد على قتلاً عمداً
نوجز الوقائع في أنه بتاريخ 6/12/1405هـ الموافق 22/8/1985م بحي الحاج يوسف بالخرطوم بحري في حوالي الساعة 2 صباحاً قام المتهم فضل الله السماني أحمد بطعن زوجته فتيلة أحمد على بسكينه في عنقها حتى سبب الجرح قطعاً ببلعومها و أوردة عنقها الرئيسية كما سبب المتهم المذكور جروحاً متعددة في بقية أجزاء العنق وفي اليدين والرجلين و الظهر وفي بقية أجزء جسم المرحومة المختلفة و ماتت المرحومة المذكورة في الحال نتيجة لنزيف حاد و إختناق بسبب قطع حلقومها قام المتهم المذكور بفعله ذاك عندما كانت المرحومة المذكورة تغط في نومها في راكوبة في منزل المتهم ومعها طفلتها التي لا تتجاوز في عمرها ستة أشهر و كانت أسباب ذلك تمرد المرحومة على أوامر المتهم بتحريض من أهلها بأن خرجت في "سيرة" زواج إلي شمبات مع شقيقها المدعو محمد أحمد على دون إذنه و لأنها رفضت أن تجهز له الطعام
الأسباب
أجدني أرى إن المتهم فضل الله السماني أحمد على قد أرتكب جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م (جريمة القصاص في النفس) و في ذلك أوافق محكمة الموضوع
معلوم إن جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) تثبت-كما تثبت الجريمة الحدية-بالبينة الشرعية التي هي الشهادة الصادرة من أفواه الشهود العدول أي الشهادة ذات العدالة و ذات الأصالة و المباشرة والرؤيا و المشاهدة والمعاينة و البعيدة كل البعد و المجردة كل التجرد و الخالية كل الخلو من شبهة أو تهمة المصلحة و المنفعة والخصومة والقرابة وعدم الفهم و الإدراك ونقصان العقل وضعفه و أيضاً البينة الشرعية هي الإقرار الصحيح الصريح غير المرجوع فيه
ويلاحظ إن المشرع السوداني لم ينص على طرق إثبات الجرائم التي توجب عقوبة القصاص في النفس (القتل العمد) وفيما دون النفس الجرح العمد كما نص صراحة على ذلك في حالة جرائم الحدود في المواد 77و78و79 من قانون الإثبات لسنة 1983م والمادة 316 (2) من قانون العقوبات لسنة 1983م إلا إن فقهاء الإسلام قد أجمعوا على إن نصاب الشهادة الشرعية لإثبات جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) وفقاً لنصوص الشريعة الإسلامية الغراء المستمد منها قانون العقوبات لسنة 1983م نصاً و روحاً هو عدد شاهدين أثنين على الأقل فقد قال الفقيه العالم عبدالقادر عودة في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي الجزء الثاني ص 315 ما يلي:
"القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط له لدرئه بإشتراط الشاهدين العدلين كالحدود و هذا هو رأي جمهور الفقهاء"
وقال الأستاذ عبدالرحمن المالكي في كتابه نظام العقوبات 1285-1965 على صحفة 112 ما يلي:
"لإثبات القتل لابد من البينة البينة شاهدان أثنان و هذا يعنى إن القتل يثبت بشاهدين فإن وجد شاهدان يثبت القتل و إلا فلا و لا خلاف في ذلك" و قال الأستاذ عبدالرحمن المالكي المحامي أيضاً في كتابه المشار إليه على ص 113-114 ما يلي:
"و على ذلك فبينة القتل هي شاهدين إلا إن نص الرسول على شاهدين يفهم منه أنه لا يقبل فيه إلا كمال الشهادة و إذا نقصت الشهادة عن الكمال كان فيها شبهة والرسول صلى الله عليه وسلم قال : " إدرؤوا الحدود بالشبهات"
والحجة والسند والدليل على إن نصاب الشهادة الشرعية لإثبات القتل العمد (جريمة القصاص في النفس) يجب أن تكون شاهدين أثنين على الأقل بنص الأحاديث الشريفة الواردة في السنة المطهرة فمن رافع بن خزيج قال: أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولاً فأنطلق اولياؤه إلي النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال:
"لكم شاهدان أن يشهدان على قتل صاحبكم" و عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إن أبن مخيصة الأصفر أصبح قتيلاً على أبواب خيبر فقال النبي صلي الله عليه وسلم: "أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته"
فأذا نقص نصاب الشهادة الشرعية لإثبات جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) أو كانت الشهادة غير مباشرة أي كانت "لوثاً" أي قرائن أحوال أو بينات ظرفية أو ملابسات أحاطت بوقائع الحادث و وجد القاضي مع ذلك في الشهادة الناقصة عن النصاب الشرعي للشهادة أو في تلك البينات الظرفية أو في تلك الشهادة غير المباشرة ما يقتنع به ويكون عقيدته بإدانة المتهم بجرية القتل فإن الجريمة تصبح جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م وليست جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) تحت المادة 351 من ذات القانون و ذلك تأسيساً على قيام شبهة إنعدام ثبوت تلك الجريمة الأخيرة بشهادة الشهود وفقاً للنصاب المطلوب شرعاً ففي قضية حكومة السودان ضد آدم أحمد مادبو نشرة الأحكام العدد الثاني لسنة 1986م ص 48 وجدت المحكمة العليا إن الجريمة التي أرتكبها المتهم الأول آدم مادبو هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م وليست جريمة القتل العمد (جريمة القصاص في النفس) تحت المادة 251 من ذات القانون و ذلك لعدم توافر النصاب الشرعي للشهادة المثبتة لتلك الجريمة الأخيرة و لو لم يدان كل من وجهت له تهمة إرتكاب جريمة القتل العمد (جريمة القصاص في النفس) لجريمة القتل شبه العمد ولو أخلى سبيله فقط تاسيساً على إن جريمة القتل العمد لم تثبت بالشهادة الشرعية أي لأن نصاب شهادة الشهود لم يكتمل بعد وفقاً لمتطلبات الشريعة الإسلامية السمحاء فلت ذلك المجرم من العقاب و من قبضة يد العدالة و من ثم لأجهضت و لأهدرت و أنهارت قواعدها و إذا كانت الشريعة الإسلامية الغراء لا تشترط لإثبات جريمة القتل شبه العمد أي نصاب معين من الشهود كما هو الحال في حالة جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) إن لم يكن في القضية دليل إلا الشهادة-فإن ذلك يبرر الإدانة بجريمة القتل شبه العمد بالشهادة الناقصة عن النصاب الشرعي لإثبات جريمة القتل العمد إذا أطمأن لها و ركن ضمير وصدقها وجدان المحكمة
إن ضرورة إثبات جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) بشهادة شاهدين أثنين عدلين على الأقل- إن لم يكن في القضية دليل إلا شهادة الشهود-ضرورة إقتضاها مبدأ العدالة و الإنصاف الذي قررته و أرسته الشريعة الإسلامية السمحاء التي أهدافها الأساسية بسط العدل و الإنصاف بين كافة الناس ذلك المبدأ الذي يقتضي بأن ينال المتهم محاكمة عادلة حتى لا يؤخذ بالشبهات و لا يقضي عليه بالظنون و حتى لا يدان إلا بعد ثبوت الجريمة ضده بدليل قاطع بعد تخطي مرحلة كل شك معقول أو غير معقول خصوصاً في حالة محاكمة جرائم القصاص والحدود حيث يجب على القاضي التيقن و التثبيت و الإستيثاق في الأحكام و التأكد من سلامتها وفق المعايير الشرعية فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص217 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي:
" من المبادئ العامة المقررة في الشريعة إن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة و أصل هذا المبدأ قول الرسول عليه السلام: إن الإمام يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبةومعنى هذا المبدأ أنه لا يصح الحكم بالعقوبة إلا بعد التثبيت من أن الجاني أرتكب الجريمة فإذا ثمة شك في أن الجاني أرتكب الجريمة أو في إنطباق النص المحرم على الفعل المنصوب للجاني وجب العفو عن الجاني" و عن عبدالله إبن مسعود قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:" أدرؤوا الحدود بالشبهات أدفعوا القتل عن المسلمين ما أستطعتم"
فإذا شاء الإتهام أن يثبت جريمة العمد (جريمة القصاص في النفس) بالشهادة الشرعية دون الإقرار يتعين عليه أن يقدم شاهدين أثنين عدلين أي شهادتهما ذات عدالة و أنها شهادة ذات أصالة و مباشرة و رؤيا ومشاهدة ومعاينة ومجردة كل التجريد وبعيدة كل البعد وخالية كل الخلو من شبهة تهمة المصلحة والمنفعة و الخصومة و القرابة وعدم الفهم و الإدراك ونقصان و ضعف العقل فالشاهدان اللذان تثبت –شرعاً- بشهادتهما جريمة القتل العمد (جريمة القصاص في النفس) يجب ألا يكون من بينهما المجني عليه و إن كانت إفادته قبيل وفاته أدلى بها على اليمين وفي حضور المتهم ذلك لأنه المجني عليه وشهادة المجني عليه تعتريها وتشوبها شبهة تهمة المصلحة و المنفعة و الخصومة وتحوط بها من كل جانب فقد ورد في كتاب التشريع الإسلامي الجزء الثاني ص316 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي:
"و الشاهدان اللذان تثبت بشهادتهما الجريمة الموجبة للقصاص ليس أحدهما المجني عليه فإذا كان واحد المجني عليه لم يكتمل نصاب الشهادة لأن المجني عليه يعتبر مدعياً لا شاهداً و أقواله تصلح لوثاً أي قرينة ولكنها لا تقوم مقام الشهادة"
وفي قضية حكومة السودان ضد حسين إبراهيم باشا وآخرين نشرة الأحكام الرباعية يناير-فبراير-مارس1986م ص53 قضت المحكمة العليا بأن شهادة المجني عليه غير مقبولة لأن التهمة شابتها و أعترتها وأحاطت بها من كل صوب وحيث إن المجني عليه خصم للجاني فإن شهادته غير جديرة بإثبات جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) لأن الرسول صلي الله عليه وسلم يقول: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" و قال عليه الصلاة و السلام: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي حسنة"
ولا شك إن المجني عليه (ظنين) أي متهم بالمحاباة لنفسه لأنه يود أن يجر لنفسه نفعاً بإدانة المتهم ويدفع عن نفسه ضرراً ببراءته ولا شك أن بين المجني عليه والجاني أي حسنة بسبب ما حدث والرسول صلى الله عليه وسلم يقول أيضاً:
"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة و لا زان ولا زانية و لا ذي غمر على أخيه"
و لا شك إن هنالك (غمر) أي حقد وشحناء وعداوة وبغضاء بين المرحوم والجاني بسبب ما وقع بينهما و إذا كانت المادة 35 من قانون الإثبات لسنة 1983م جوزت الإعتداد بإفادة المحتضر قبيل وفاته فإن ذلك ينبغي ألا يكون في حالة قضايا القصاص و الحدود و لا تعدو تلك الإفادة أن تكون –كما أبنت سابقاً- "لوثاً" أي بينة ظرفية أو قرينة لتأييد و تعزيز البينة الواردة في القضية سواء أكانت شهود حسب النصاب الشرعي على نحو ما أبنت أم إقرار على نحو ما سوف أبين فيما يلي:
ففي القضية التي بين أيدينا لم تدل المرحومة فتيلة أحمد على بأي كلمة قبيل وفاتها وشهود الإتهام هم المتحري الأول ملازم ياسر عوض السيد محمد على المتحري الثاني الملازم أحمد مضوي الطاهر وشاهد الإتهام الثالث أحمد على أحمد أبو حريرة شقيق المرحومة و شاهد الإتهام الرابع صديق أحمد على عم المرحومة شقيق والدها وشاهد الإتهام الخامس مدينة على محمد والدة المرحومة و شاهد الإتهام السادس محمد على أحمد شقيق المرحومة إن شهادة هؤلاء جمعياً غير صالحة لإثبات جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) في مواجهة المدان المذكور لأنها شهادة غير مباشرة لإفتقارها لعنصر الأصالة والمباشرة والرؤيا و المشاهدة والمعانية فهم جميعاً لم يكونوا موجودين عندما طعن المدان المذكور المرحومة المذكورة و إذا كانت المادة 27 من قانون الإثبات لسنة 1983م تعرف البينة بأنها هي البينة الشفوية لشخص عن إداركه المباشر لواقعة تثبت مسئولية مدعي بها على آخر في مجلس القضاء و مواجهة الخصوم فإن ذلك يقضي بوضوح و جلاء بضرورة أن تكن شهادة الشهود مباشرة خصوصاً لإثبات مثل هذه الجريمة الخطيرة المتلفة للنفس والمهلكة للحياة كما إن شهادة شهود الإتهام المذكورين أقارب المرحومة غير جديرة بإثبات جريمة القصاص في النفس التي بين أيدينا لشبهة تهمة المصلحة والمنفعة بسبب إحتمال محاباة هؤلاء الشهود للمرحومة لصلة وشائج القربى التي تربطهم جمعياً مع بعضهم البعض و الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيما روى عن عائشة رضي الله عنها:
"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر لأخيه و لا ظنين ولا قرابة"
وفي قضية حكومة السودان ضد حسين إبراهيم باشا و آخرين المشار إليها آنفاً قضت المحكمة العليا بأن شهادة القريب للقريب لا تقبل بسبب تهمة القرابة وشبهتها
فإذا كانت لا توجد في هذه القضية التي بين أيدينا شهادة شاهدين على الأقل (أي شهادة ذات نصاب شرعي) و عدلين أي شهادتهما ذات عدالة مباشرة و أصالة ورؤيا و مشاهدة ومعاينة و أنها مجردة كل التجرد و بعيدة كل البعد و خالية كل الخلو من شبهة تهمة المصلحة والمنفعة والخصومة والقرابة وعدم الادراك و نقصان العقل وضعفه وذلك لإثبات جريمة القتل العمد التي بين أيدينا فالسؤال المطروح ما إذا كان هنالك إقرار صادر من المدان المذكور صحيحاً وقانونياً و صريحاً و غير مرجوع فيه معززاً و معضداً ومؤيداً بأدلة أخرى؟
إن الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب ذلك لأن المدان على ص2و 3 من يومية التحري قال للمتحري الأتي:
" نسبة للمعاملة القاسية التي أجدها من أهلها طعنتها السكين طعنات كثيرة لا أتذكر في أي مكان من جسمها و منها مشيت بلغت الشرطة في نقطة حلة كوكو أهل زوجتي كانوا يحرضونها بأن لا تقدم لي أي خدمات في البيت اليوم زوجتي خرجت حوالي الساعة السادسة صباحاً من البيت لأهلها دون أذن مني ما جات البيت إلا الساعة الثامنة و النصف تقريباً أنا طعنتها بالسكين حوالي الساعة الواحدة صباحاً عندما كانت نائمة في الراكوبة ومعها طلفتها الصغيرة أن طعنتها في جسمها كله وما بذكر محل معين أنا عندما طعنتها لم يكن أي شخص في البيت غير أنا و زوجتي و الطفلة التي عندما ضربتها أول مرة كانت في السرير و منها وقعت في الأرض"
و قال المدان المذكور للقاضي الذي سجل إعترافه على ص6 من يومية المتحري ما يلي:
" وفي المساء طلبت منها أن تعمل لنا عشاء و رفضت و حوالي الساعة الثانية صباحاً أنا قمت طعنتها بعد المطرة وطعنتها في الحوش و طعنتها في البداية في بطنها و ثاني السكين نزلت فيها على رقبتها و إنما بعد ذلك ذهبت لنقطة الشرطة فتحت البلاغ وعندما وصلنا وجدناها متوفيةأنا عقليتي سليمة أن تغلب على الغضب وطعنتها" وعند إستجواب المدان المذكور أمام المحكمة الكبرى على ص25 من محضر المحاكمة أفاد المحكمة بأنه في حوالي الساعة السابعة والنصف بعد أن رجع من صلاة المغرب إلي منزله و دخل فيه بعد أن فتح الباب الخارجي بصعوبة جاءته المرحومة و المدعو أحمد يوسف إبن جدها خارجين من داخل الغرفة و هربا و جرى خلف أحمد يوسف و لكن لم يحلق به و في حوالي الساعة الحادية عشرة وفي نفس الليلة حضرت المرحومة له وسائلها و أكدت له إن الذي كان معها هو أحمد يوسف إلا أنها لم تؤكد له أنه أتصل بها جنسياً وبعد ذلك قام المتهم بطعنها و قد أضاف المدان في أقواله (المرحومة عندما طعنتها كانت صاحية وشايلة بنتها في يدها) إن القاعدة العامة بالنسبة لقبول الإقرار والإعتراف كبينة هي ضرورة الركون والإرتكاز إليه ككل دون تجزئته لأنه لا يجوز –عدالة و إنصافاً- أخذ ما هو ضد المتهم و ترك و طرح ما هو في صالحه و لكنه جرى وتواتر و أستقر وأنتهي القضاء إلي إستثناءات معينة لهذه القاعدة العامة فلمحكمة الموضوع أن ترفض و تطرح أي جزء من الإقرار أو الإعتراف يجافي العقل و ينافي المنطق السليم و المجري الطبيعي للأمور العادية ومنطق الأشياء و قرائن الأحوال والظروف و الملابسات المحيطة بالوقائع ففي قضية حكومة السودان ضد دود دينج مجلة الأحكام القضائية لسنة 1979م ص112 قضت المحكمة العليا بأنه يجب أن يقبل إعتراف المتهم عما حدث في مسرح الحادث في الحالة التي لم يكن فيها شخص سواه و المجني عليه بإعتبار أنه صحيح متى كان غير مناف للعقل والمنطق و المجري العادي للأمور و في قضية حكومة السودان ضد مصطفي عبدالله موسى مجلة الأحكام القضائية لسنة 1976م ص620 قضت المحكمة العليا بأنه لمحكمة الموضوع قبول الاعتراف أو قبول ذلك الجزء منه الذي يتفق مع الأدلة الأخرى ومجريات الأمور الطبيعية والمنطق السليم وفي حكومة السودان ضد حسين عبد الرحمن سليمان مجلة الأحكام القضائية لسنة 1976م ص 755 قضت المحكمة العليا بأن القاعدة العامة هي أخذ أقوال المتهم ككل دون تجزئة إذ لا يصح أخذ ما هو ضده وترك ما هو في صالحه طالما كانت لا تتعارض وطبائع الأشياء و في قضية حكومة السودان ضد حمد النيل الضو عبدالله مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م ص321 قضت المحكمة العليا بأن رواية المتهم حول الأفعال التي أتى بها القتيل نحوه و التي لم يكن هناك شاهد عليها سواه مقبولة في البينة إذا جاءت معقولة وفي قضية حكومة السودان ضد عباس محمد سلام مجلة الأحكام القضائية 1973م ص255 قضت المحكمة العليا بأن لا تأخذ بأقوال المتهم متى كانت مخالفة لثابت في الأدلة أو مخالفة للمنطق والفعل
ففي القضية التي بين أيدينا إن منطق الأشياء لا يسمح لنا بأن نصدق المدان في روايته بأنه عثر على المرحومة و المدعو إبن جدها أحمد خارجين من غرفته في حالة مريبة في حوالي الساعة السابعة ونصف من ليلة الحادث و ذلك بعد أن جاء إلي منزله بعد صلاة المغرب لأن المرحومة كانت تدرك تمام إن ذلك الوقت المبكر من الليل وقت حضور المدان إلي منزله ليريح جسمه المكدود و المنهك في جمع التراب كما إني أتفق مع محكمة الموضوع في رأيها بأنه لا يعقل أن تعود المرحومة للمدان لتنمام معه في منزله بعد أن هربت منه وذلك بعد سويعات وهي تعلم إنه غضبان عليها بسبب إكتشافه تلك العلاقة الغير شرعية بينها وبين إبن جدها المدعو أحمد يوسف ولذلك فإن رواية المدان لمحكمة الموضوع عند استجوابه بأن ضبط زوجته المرحومة مع ابن جدها المدعو أحمد في منزله في حالة توحي بإنهما كنا في حالة إتصال جنسي رواية لا يقبلها العقل وتتعارض مع طبائع الأشياء و المجري العادي للأمور العادية
ولقد جرى وتواتر و أستقر القضاء أيضاً على إن محكمة الموضوع لها أن ترفض ذلك الجزء من الإعتراف الذي لا يطابق الحقيقة لوجود بينات أخرى تنهاضه وتدحضه و لأنه متضارب ومتناقض وجزئياته غير متسقة مع بعضها البعض في جميع مراحل إجراءات القضية ولأنه يشكل إدعاءات و إفتراءات كاذبة وباطلة لا تقوم على أساس من الصحة و لأنه تلفيق حشره المتهم حشراً ليبرر به أفعاله الإجرامية ففي قضية حكومة السودان ضد مشاور أحمد النيل و آخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974م ص311 قضت المحكمة العليا بأن القاعدة العامة في قبول الإعتراف هي أخذه ككل دون تجرزة ولكن عند تقييم الإعتراف ينظر فيما إذا كانت هنالك بينات أخرى تناهض أي جزء من الإعتراف فإذا وجدت مثل هذه البينة يجب إلغاء ذلك الجزء من الإعتراف وفي قضية حكومة السودان ضد ختم محمد حسن مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م ص403-قالت المحكمة العليا:
" ليس هنالك شاهد عيان حضر ما حدث بين المتهم والمتوفي و في هذه الحالة يعول على إعتراف المتهم نفسه والقاعدة العامة هي أخذ إعتراف المتهم ككل دون تجزئة فلا يصح أخذ ما هو ضده وترك ما هو في صالحه وأما إذا كانت هنالك بينا أخرى تناهض أي جزء من الإعتراف يجب إلغاء ذلك الجزء على أنه غير جدير بالإعتبار للبعد عن الحقيقة مجافاته للواقع" وفي قضيتي حكومة السودان ضد حيدر عبدالرازق على مجلة الأحكام القضائية لسنة 1978م ص379 و حكومة السودان ضد دود دينج كوال المشار إليها آنفاً قضت المحكمة العليا بأنه تواتر قضاء المحكمة العليا بأن محكمة الموضوع غير ملزمة بأخذ إعتراف المتهم بنفسه و ظاهرة بل لها عند تكوين عقيدتها أن تجزئ الإعتراف وتأخذ منه ما تراه مطابقاً للحقيقة و أن تعرض عما تراه مغايراً لها و في قضية حكومة السودان ضد الطيب موسى بادي مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م ص316 قالت المحكمة العليا ما يلي:
"إن قبول الإعتراف بشكل عام لا يعني تصديق كل جزئياته والمحكمة بعد قبول الإعتراف لها سلطة تقديرية مطلقة في إعطاء كل الوزن والأهمية لبعض الأجزاء و عدم إعطاء أي وزن أو الإلتفات للأجزاء التي تشير إلي أن المتهم حشرها حشراً لتبرير أفعاله"
ففي هذه القضية التي بين أيدينا إن رواية المدان التي أفاد بها المحكمة الكبرى بأنه ضبط زوجته المرحومة والمدعو إبن جدها أحمد في حالة مريبة تدعو للظن بأنهما كانا في داخل الغرفة في حالة إتصال جنسي هذه الرواية لم يدفع بها المدان لدى القاضي الذي سجل إعترافه كما أنه لم يثرها للمتحري الذي سجل أقواله و ذلك يدل على إن المدان حشرها حشراً لتبرير فعله و أما أقواله بأنه كان متستراً على ذلك طيلة هذه المدة قول مردود عليه إن هذا التضارب في جزئيات إعتراف المدان لدى المتحري و لدى القاضي الذي سجله و لدى المحكمة الكبرى لدليل على إن رواية المدان الأخيرة التي أعتبرها في نظره إستفزازاً شديداً و مفاجئاً لا تعدو أن تكون إفتراء و تلفيقاً و من ثم أجدني أرفضها دون تردد وفي إطمئنان
بقى أن أناقش الأركان الثلاثة الأساسية التي تنهض عليها جريمة القتل العمد (جريمة القصاص في النفس) تحت المادة 251 من قانون العقوبات سنة 1983م لأبين كيف إني توصلت إلي نتيجة إن المدان المذكور قتل المرحومة المذكورة قتلاً عمداً و ذلك على ضوء إقراره القانوني الصريح الصحيح غير المرجوع فيه و المؤيد و المعضد بالأدلة الأخرى
إن واقعة المدان فضل الله السماني أحمد على نفسه و وحده دون سواه هو الذي سبب الأذي الجسماني في عنق المرحومة زوجته فتيلة أحمد على وفي بقية أجزاء جسمها بالسكين بصورة متعددة ثابتة من أقراره الصحيح الصريح غير المرجوع فيه حتى هذه اللحظة و المعزز والمؤيد بالتقرير الطبي عن جثة المرحومة والمعضد بظروف و ملابسات هذه القضية التي أحاطت بوقائعها
إن علاقة أو رابطة السببية التي تربط بين الإصابة التي أحدثها المدان في عنق المرحومة وبين موتها ربطاً مباشراً و واضحاً و قريباً و قوياً لا فكاك منه دون أن يكون هناك عاملاً أجنبياً ليقطع سلسلة تلك العلاقة الثابتة بعد تخطي مرحلة الشك المعقول من خلال التقرير الطبي عن جثة المرحومة ولأنه ثابت-كما أشار التقرير الطبي المذكور إن المرحومة قبيل الحادث لم تعان من أي مرض و المدان نفسه يحدثنا بأنه عندما بدأ في طعن المرحومة كانت نائمة مما يدل على أنها كانت في حالة إسترخاء و بصحة جيدة و عافية تامة معلوم إن القصد الجنائي – الركن الاساسي لاي جريمة جنائية هي شئ معنوي أو حالة ذهنية باطنية يستحيل إثباته بالبينات المادية الملموسة المباشرة بل فقط يستشف و يستدل عليه من الأفعال والتصرفات و السلوط ويستقى من خلال الظروف ويستخلص من الملابسات وقرائن الأحوال المحيطة بالوقائع ففي قضية حكومة السودان ضد حبيب الله عبدالفراج مجلة الأحكام القضائية سنة 1974م ص282 قضت المحكمة العليا بأن القصد الجنائي للمتهم في إرتكاب فعل معين يستخلص من طبيعة الأفعال والظروف المحيطة بذلك الفعل و في قضية حكومة السودان ضد موتا كجور مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م ص330 قضت المحكمة العليا بأن القصد الجنائي أمر معنوي يستشف من خلال الأقوال والأفعال التي تصاحب الفعل وفي قضية حكومة السودان ضد عبدالرازق أبكر عبدالله الأحكام القضائية الرباعية يوليو-أغسطس-سبتمبر1984م ص25 قضت المحكمة العليا بأن القصد الجنائي يثبت كأي ركن من أركان الجريمة بالإستنتاج القانوني من الوقائع و الظروف وقرائن الأحوال ولقد جرى وتواتر و أستقر وأنتهي القضاء كما أجمع فقهاء الشريعة الإسلامية السمحاء على قاعدة أنه في حالة جريمة القتل العمد أن تستلخص المحكمة وجود قصد الجاني الإجرامي لقتل القتيل من الأفعال المتسلسلة و المترابطة و التي قام بها الجاني و تضافرت و أدت إلي الموت فطبيعة ونوع الآلة المستعملة في القتل والموقع من جسم القتيل الذي أختاره الجاني ليسبب فيه الإصابة وكيفية إستعمال الآلة و قوة و خطورة و عنف الإصابة- كلها أفعال يستدل بها على وجود قصد الجاني الأجرامي لقتل القتيل من عدمه فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد خير السيد عجب سيدو مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974م ص287 بأن المعيار الذي أخطته المحاكم في السودان هو معيار حيوية العضو أو الجزء من جسم الإنسان بمعنى إلتصاقه بأسباب الحياة لذلك الجسم حيث تنعدم الحياة بدونه وفي قضية حكومة السودان ضد أسحق أحمد محمد مجلة الأحكام القضائية 1968م ص111 جاء بأنه في حالة إستعمال سلاح قاتل في جزء حساس من الجسم فإن الشخص الجاني يجب أن يكون قاصداً إحداث الموت وجاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص79-80 للعالم الفقيه عبدالقادر عودة ما يلي:
"فالأصل إن نية القتل شرط أساس في القتل و لما كانت هذه النبية أمراً باطنياً متصلاً بالجاني كامناً في نفسه ومن الصعب الوقوف عليها فقد رأي الفقهاء أن يستدلوا على نبية الجاني بقياس ثابت يتصل بالجاني ويدل غالباً على نيته و نفسيته و ذلك القياس هو الآلة أو الوسيلة التي يستعملها في القتل إذ الجاني في الغالب يختار الآلة المناسبة لينفذ قصده من الفعل فإن قصد القتل أختار الآلة الملائمة للفعل و التي تسعمل غالباً كالسيف و البندقية والعصا الغليظة و إن قصد الضرب دون القتل أختار الآلة الملائمة لقصده كالضرب بالقلم أو العصا الخفيفة أو السوط فإستعمال الآلة القاتلة غالباً هو المظهر الخارجي لنية الجاني وهو الدليل المادي الذي لا يكذب في الغالب لأنه من صنع الجاني لا من صنع غيره ومن ثم أشترط الفقهاء أن تكون الآلة أو الوسيلة القاتلة غالباً لأن توفر الصفة فيها دليل على إن الجاني قصد قتل المجني عليه"
وجاء أيضاً في نفس المرجع على صفحة 22 ما يلي:
"يشترط أبو حنيفة و الشافعي وأحمد أن يثبت قصد القتل ثبوتاً لا شك فيه ويستدل هؤلاء الفقهاء أصلاً على وجود قصد القتل بالآلة أو الوسيلة التي أستعملها الجاني فإن كانت قاتلة غالباً فالقتل عمد و إن كانت لا تقتل غالباً فالقتل شبه عمد
وليس في مذهب الإمام مالك ما يمنع الإستدلال على قصد المتهم بالآلة المستعملة في القتل أو بمحل الإصابة"
ففي القضية التي بين أيدينا نستطيع بكل سهولة و يسر أن نستشف قصد المتهم فضل الله السماني أحمد على من السكين الحادة التي أستعملها في طعن المرحومة زوجته فتيلة أحمد على كما هو واضح من رسمها الفوتغرافي المرفق و نستطيع أن تستقيه من "عنق" المرحومة الذي أختار المتهم المذكور أن يسبب فيه الإصابة و هو موضع حيوي وحساس و مقتل و مركزي و هام و رئيسي من جسم القتيلة وهو لا شك ضروري للغاية لحياتها يدور معها وجوداً و عدماً و نستطيع أن نستخلص ذلك القصد من العنف و القوة و القسوة التي أستعملها المتهم في تسبيب الأذي حيث نحرها نحراً كما تنحر الشاة كما هو واضح في صورتها الفوتوغرافية المرفقة و كما هو ثابت من التقرير الطبي عن الجثة فقد قطع المتهم رقبة المرحومة من الأمام وفصل البلعوم عنها وقطع أوردة الرقبة الرئيسية وسبب جروحاً متعددة كثيرة و مختلفة على بقية أعضاء جسمها كاليدين وأوردتها تلك الطعنات القاتلة أردتها قتيلة في الحال و إذا أفترضنا جدلاً بأن المتهم المذكور لم يقصد بتلك الإصابات موت المرحومة فإنه على أقل تقدير كان يعلم موتها سيكون نتيجة "راجحة" و ليست فقط "محتملة" لتلك الإصابات القاتلة ذلك لأن الرجل المعقول العادي الرشيد سيصاب بدهشة بالغة للغاية وبإستغراب وبذهول عميق إذا قيل له إن مثل تلك الطعنة الغائرة النجلاء في رقبة المرحومة من الجهة الأمامية حتى قطعت و منعتها من التنفس بمثل ذلك السلاح القاتل الفتاك في مثل ذلك الموضع الحيوي والحساس من جسم القتيلة و بتلك القوة وبذلك العنف و القسوة لم تؤد إلي وفاة المرحومة
عليه لهذه الأسباب فإن إدانة المتهم فضل الله السماني أحمد بجريمة القتل العمد (جريمة القصاص في النفس) تحت المادة 251 من قانون العقوبات بصفة مبدئية لا غبار عليها وكانت في محلها و صحيحة
بقي أن أناقش من أسباب الإباحة التي تعفي المدان فضل الله السماني أحمد على نهائياً من المساءلة الجنائية ما هو مناسب في ظروف هذه القضية فالمدان المذكورة حدث عندما أرتكب هذه الجريمة فقد كان عمره 28 عاماً أي أكثر من 18 عاماً طبقاً للمنشور الجنائي 106/84 و من ثم فإنه لا يستفيذ من سبب الإباحة الوارد في المادة 49 من قانون العقوبات لسنة 1983م
و أيضاً المدان المذكور لم يعد مجنوناً عندما أرتكب هذا الحادث كما أنه كان قادراً و ما زال قادراً على الدفاع عن نفسه كما تبين ذلك من شهادة شاهد الدفاع الدكتور/حسبو سليمان و من ثم فإن لا يستفيذ أيضاً من سبب الإباحة الوارد في المادة 50 من قانون العقوبات لسنة 1983م
المدان المذكور ليس في حالة دفاع عن نفسه أو غيره أو عن ماله أو ماله غيره عندما قتل المرحومة زوجته ومن ثم فإنه يستفيد من سبب الإباحة الوارد في المادة 55 من قانون العقوبات لسنة 1983م إن من يدفع بحق ممارسة الدفاع الشرعي يجب عليه أن يأتي إلي العدالة بأيدي نظيفة من الخطأ واللوم عليه ويتعين ألا يكون المعتدى عليه ضحيته لأنه ليس للمتعدي أن يجني ثمار عدوانه ففي قضية حكومة السودان ضد حسن التحلة أحمد و آخرين مجلة الأحكام القضائية سنة 1974م ص485 قضى بأنه لا ينشأ حق الدفاع الشرعي عن النفس لصالح المعتدي إن من الشروط الأساسية لإنطباق ممارسة حق الدفاع الشرعي أن يثبت المدافع واقعة الإعتداء عليه من قبل ضحيته كما أن يجب أن يثبت المدافع الخشية من حدوث الموت و الأذي الجسيم من جراء إعتداء المرحوم و أن تقوم الخشية على أسباب معقولة و لاتحقق الخشية إلا بثبوت الخطر الداهم والمحقق و إن كان لا يشترط-كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد أبكر أحمد يحي مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974م ص217-لنشوء حق الدفاع الشرعي وجود خطر حال و يكفي لنشوئه مجرد وجود خوف معقول من حدوث الخطر على المدافع و لكن في هذه القضية التي بين أيدينا يحدثنا المتهم بأنه بدأ في طعن المرحومة عندما كانت نائمة و من ثم فإن المرحومة لم تعتد على المتهم كما إن المتهم لم يعد يخشى موتاً أو أذى جسيماً تسببه له المرحومة فالمتهم هو المعتدي وهو الذي بادر المرحومة بالهجوم و العدوان و لذلك لا يستحق أن يستفيد من حق الدفاع الشرعي إطلاقاً أضف إلي ذلك فإنه ثابت إن المرحومة كانت عزلاء من أي سلاح و إن المتهم كان مسلحاً بسكينه و من ثم فإن المتهم لا يستحق ممارسة هذا الحق ضد المرحومة كما قضت المحكمة العليا في قضية السودان ضد إبراهيم موسى هارون مجلة الأحكام القضائية لسنة 1976م ص718 بأنه لا ينشأ حق الدفاع عن النفس لصالح رجل مسلح بسكين ضد إمرأة عزلاء من كل سلاح
بعد ذلك أنتقل إلي مناقشة الدفوع المخففة و المغيرة و التي تنزل بجريؤمة القتل العمد إلي جريمة القتل شبه العمد والواردة في الإستئنافات بالمادة 249 من قانون العقوبات سنة 1983م
دفع الإستفزاز الشديد والمفاجئ تحت المادة 249 (1) من قانون العقوبات لا يستفيد منه المدان لأن الشرط الأول لإنطباقه غير ثابت في هذه القضية التي بين أيدينا وهو صدور فعل أو قول أستفزازي من المرحومة للمتهم فلم نصدق رواية المتهم بأنه ضبط المرحومة مع قريبها في منزله في ظروف مريبة توحي بأنهما كانا يمارسان الجنس و لكنا صدقنا روايته بأنه بدأ في طعن المرحومة وهي نائمة وإذا كان المتهم كما يقول قتل المرحومة للمضايقات التي سببها له أهلها وإذا كان المتهم قد قتلها لأنها تمردت عن عمل الأكل وخرجت دون أذنه إلي "سيرة" الزواج فإن ذلك كله ينبغي ألا يشكل إستفزازاً للمتهم
بخصوص دفع تجاوز حق الدفاع الشرعي تحت المادة 249 (2) من قانون العقوبات لا يستفيد منه المتهم لأننا – كما أسلفنا – قررنا بأنه لا يوجد إبتداء و إنتهاء إعتداء على المدان و بالتالي لم ينشأ ذلك الحق لصالح المتهم و عليه لا داعي لمناقشة تجاوز ذلك الحق
بخصوص الدفع تحت المادة 249 (3) من قانون العقوبات لسنة 1983م غير وارد في هذه القضية لأن المدان لم يعد موظفاً بل كان يعمل في جمع التراب بالعربات
بخصوص دفع المعركة المفاجئة الوارد في المادة 249 (4) من قانون العقوبات لسنة 1983م لا يستفيد منه المدان لتخلف العنصر الأول لإنطباق هذا الدفع وهو نشوب المشاجرة الكلامية المفاجئة السابقة للمعركة لأن المتهم يقول بأنه في طعن المرحومة و هي نائمة فقد باغتها دون أن تقوم بينهما أي نوع من المشاجرة الكلامية هنالك شرط أخر مفقود لممارسة ذلك الدفع و هو عدم إستغلال الظروف فالمتهم عندما بدأ في طعن المرحومة أثناء نومها فلابد أن يفهم بأنه لم يراع قواعد الفروسية والبطولة والمبارزة لإستغلاله ظرفاً لم يكن متاحاً للمرحومة كما أنه طعنها و هي بجانب أنها كانت نائمة فهي عزلاء من أي سلاح هنالك شرط آخر مفقود لممارسة هذا الدفع و هو عدم سلوك المتهم سلوكاً قاسياً أو غير عادي فالمتهم عندما طعن المرحومة بكسينه في مواضع مختلفة من جسمها وذبحها كما تذبح الشاة و هي نائمة على سريرها فإن ذلك سلوك قاس يتنافي مع متطلبات المعركة المفاجئة كما أنه سلوك غير عادي وشاذ و غير مألوف
بخصوص الدفع تحت المادة 249 (5) من قانون العقوبات لسنة 1983م لا يستفيد المتهم منه لأن المرحومة لم تعرض نفسها للموت برضائها
بخصوص الدفع تحت المادة 249 (6) من قانون العقوبات لسنة 1983م لا يستفيد المدان منه لان الدكتور/ حسبو سليمان شاهد الدفاع نفي نفياً باتاً تعرض المدان لأي نوع من الجنون لا وقت الحادث ولا بعده
لهذه الأسباب مجتمعة ولتوافر جميع الأركان الثلاثة التي تنهض عليها جريمة القتل العمد ولعدم توافر أي سبب من أسباب الإباحة التي تعفي نهائياً المدان المذكور عن المساءلة الجنائية ولعدم إنطباق أي دفع من الدفوع المخففة لجريمة القتل العمد إلي جريمة القتل شبه العمد الواردة في الإستثناءات بالمادة 249 من قانون العقوبات لسنة 1983م فإني أري إن إدانة المدان المذكور بجريمة القتل العمد (جريمة القصاص في النفس) تحت المادة 251 من ذات القانون جاءت صحيحة سليمة طبقاً للوزن السليم للبينات و وفقاً لصحيح القانون
إزاء العقوبة-في تقديري- هي ليست القصاص (الإعدام) كما قضت محكمة الموضوع بل هي الدية الكاملة المغلظة التي رصدها المنشو رالجنائي رقم 91/83 ذلك لأن القصاص سقط بأحد مسقطاته فقد ناقشت محكمة الموضوع أثنين فقط من مسقطات القصاص الأربعة و هما العفو و الصلح و لما رفض أولياء الدم العفو أي التنازل عن القصاص مجاناً دون الدية و لما رفضوا أيضاً الصلح أي التنازل عن القصاص لقاء الدية أو لقاء جزء منها قضت محكمة الموضوع بالقصاص ولكن قد فات عليها إن هناك من مسقطات هذه القضية مما يسقط القصاص و ما يبين سماحة الشريعة الإسلامية الغراء دون القانون الوضعي و ذلك المسقط هو إرث حق القصاص
إزاء القاعدة العامة هي أن يستوفي القصاص من يرث المقتول فكل وارث للمقتول له ولاية القصاص أي إن القصاص يستحق المطالبة به كل من يستحق الإرث في المقتول
ولكن هنالك إستثناء لهذه القاعدة وهي إرث القصاص أي يسقط القصاص إذا ورثه من ليس له القصاص من القاتل أو ورثه القاتل كله أو بعضه
فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي للعالم الفقيه عبدالقادر عودة الجزء الثاني ص155 ما يلي:
" تسقط عقوبة القصاص بأربعة أسباب هي:
فوات محل القصاص-العفو-الصلح-إرث حق القصاص"
وجاء في نفس المرجع ص169 في معنى إرث حق القصاص و سقوط القصاص به ما يلي:
" يسقط القصاص إذا ورثه من ليس له القصاص من القاتل كما يسقط إذا ورثه القاتل كله أو بعضه فإذا كان في ورثة المقتول ولد للقاتل فلا قصاص لأن القصاص لا يتجزأ و ما دام لا يجب بالنسبة لولد القاتل لأن الولد لا يقتص من أبيه فهو لا يجب من الباقين وإذا قتل أحد ولدين أباه ثم مات غيره القاتل و لا وارث له سوى القاتل فقد ورث القاتل دم نفسه كله و وجب القصاص لنفسه فسقط القصاص و كذلك الحكم لو ورث بعضه فإن القصاص يسقط و لمن بقى من المستحقين نصبيهم من الدية و من الأمثلة التي يضربونها على سقوط القصاص بإرثه ما يأتي:
إذا قتل أحد الأبوين صاحبه و لهما ولد لم يجب القصاص لأنه لو وجب لوجب لولده ولا يجب للولد قصاص على والده لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه فلان لا يجب بالجناية على غير أولى و سواء كان الولد ذكراً أم أنثى أو كان للمقتول ولد سواه أو من يشاركه في الميراث أو لم يكون لأنه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه و لا يمكن وجوبه لأنه إذا لم يثبت بعضه سقط كله لأنه لا يتبعض و صار كما لو عفاء بعض مستحقي القصاص عن نصبيه منها"
وجاء في كتاب (العقوبة) للإمام محمد أبوزهرة ص426-427 في معنى إرث حق القصاص و سقوطه به ما يلي:
"إن أحد الأصول لا يقتل بفرعه عند جمهور الفقههاء خلافاً لمالك رضي الله عنه وتبع هذه القاعدة قاعدة أخرى وهو أنه إذا كان الجاني أحد الأبوين ومطالب بالدم هو ولده فإن القصاص لا يثبت لأنه إذا كان أحد الأبوين لا يطالب بدم ولده فبالأولى لا يجوز للولد أن يطالب إذا كان الجاني أحد الأبوين على غيره لأنه لا يسوغ أن يكون الولد سبباً في قتل أحد أبويه وقد كان سبب وجود وكما أنه لا يكون سبباً إذا قتله أحدهما لا يكون سبباً بالمطالبة بدم غيره
و قد فرعوا على هذه القاعدة فروعاً كثيرة منها:
(ب) إذا قتل الرجل زوجته و كان ولي الدم لها أبنها منه فإنه لا قصاصوهكذا يسقط القصاص إذا كان ولي الدم المطالب به أحد الفروع الذي لا يسوغ الشرع أن يكون سبباً في قتل أصولهم إذا أنهم كانوا السبب في وجودهم ويلاحظ أنه لا يشترط أن يكون ولي الدم الفرع هو المنفرد بولاية الدم بل يسقط و ولو كان يشارك في ولاية الدم غيره لأن ولاية الدم تثبت كاملة وهي لا تتجزأ و ذهاب جزئها يذهب بكلها
و ننبه هنا إن هذا غير المذهب المالكي إذ أن هذه القاعدة مبنية على أنه لا يقاد الوالد بولده"
وجاء أيضاً في نفس المرجع كتاب العقوبة للإماخم محمد أبو زهرة على ص424-245 في هذا الصدد ما يلي:
" إذا قتل رجل زوجته أو قتل الزوجة زوجها ولهما ولد هو ولي الدم لهما فهل له أن يطالب بالقصاص من أبيه القاتل أو من أمه القاتلة قرر الفقهاء الذين منعوا القصاص إن إذا قتل أحد الأبوين الآخر فلا قصاص في هذه الحالة لأن الولد ليس له أن يسعي في قتل أبيه لأنه إذا كان أبوه قتله لا يقتل به فبالأولى لا يجوز له أن يطالب بقتل أحدهما قصاصاً إذ أنه لم تجب بالجناية عليه شئ فأولى أنه ليس له أن يطالب بالقصاص من الجناية على غيره و أن ذلك قريب من الفطرة لأن الولد إذا فقد أحد أبويه لا يسعي في العمل على فقد الآخر و إن كان ذلك الحكم عام سواء أكان الولد ذكر أم أنثى لأن الحق واحد وساء أكان المقتول له أولاد غير هذا الولد أم لم يكن له ولد سواه وذلك لأن ولاية القصاص تثبت كاملة و لا تتجزأ فإذا سقط بعضها سقط كلها فلا تثبت لأي من هؤلاء و إن ذلك بلا ريب سير على مذهب الجمهور الذي لا يجيز القصاص للولد من الوالد والظاهر أن مذهب الإمام مالك رضي الله عنه الذي يجيز القصاص من الوالد للولد لا يمنع القصاص في هذه الحالة"
ففي هذه القضية التي بين أيدينا نجد حسب الإعلام الشرعي نمرة 157/87 الصادر من محكمة المديرية الشرعية الخرطوم بحري بتاريخ 24/3/1987م إن من بين ورثة المرحوم فتيلة على أحمد بنتها ياسمين فضل الله السماني التي أنجبتها من زوجها الشرعي المدان فضل الله السماني أحمد فورثت ياسمين القصاص في أبيها بسبب أنه قتل أمه و من ثم سقط القصاص في حق المدان أبيها وليس لها أن تسعي في قتله
وعليه فلم يبق لورثة المرحومة فتيلة على أحمد إلا حقهم في الدية الكاملة المغلظة فقط وأري-لو ووافقني الزميلان العالمان الموقران- أن نحيل الأوراق لمحكمة الموضوع لرصد الدية الكاملة المغلظة وفقاً للمنشور الجنائي رقم 91/83 على أن توقع محكمة الموضوع عقوبة تعزيرية سجناً على المدان نترك تقديرها لها عملاً بالفقه المالكي (أنظر المنشور الجنائي 94/1983)
أجد إن المحكمة الكبرى لم تطبع حيثيات حكمها على نحو ما جري عليه العمل في المحاكم وهذا خطأ أود التنبيه ولفت النظر إليه كان يجدر بالمحكمة الكبرى أن تطبع حكمها من أربع نسخ و الأصل وتدرج في محضر القضية ثلاث نسخ ترفق مع المحضر إن طباعة أحكام المحاكم الكبرى خصوصاً قضايا القتل أصبح أمراً وجوبياً فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد جمعة أدم على أبكر جمعة –مجلة الأحكام القضائية لسنة 1978م ص270 بأنه يتعين طبع حيثيات المحكمة الكبرى ما أمكن خاصة الحالات تحت المادة 251 من قانون العقوبات
القاضي: يوسف دفع الله
التاريخ: 25/10/1987م
أتفق تماماً مع الزميل يوسف الولي في الإدانة بناء على إقرار المتهم المتفق مع كل جزئيات وقائع الحادث البشع الذي أرتكبه المتهم دون رأفة
أتفق تماماً مع الزميل في إن المتهم لا يستفيد من الإستثناءات الواردة بالمادة 249 عقوبات ولا يوجد أي مانع من موانع القصاص على النحو الذي فسره الزميل في مذكرته الضافية
أوافق على إن القاتل إبنه من صلبه من القتيلة والدتها وبذلك فهي ورثت حق القصاص و من هنا لا يجوز شرعاً أن تقتص الإبنة من أبيها و لذلك يمتنع الحكم بالإعدام
ومن حيث العقوبة أتفق مع الزميل أيضاً بإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع الدية المغلظة مع السجن تعزيراً عملاً بالفقه المالكي طبقاً للمنشور الجنائي 94/1983م
القاضي: صالح الشريف
التاريخ: 18/9/1988
أوافق الزميلين المحترمين فيما توصلا إليه من إدانة تحت المادة 251 من قانون العقوبات لعام 1983م حيث أننا و من خلال الوقائع الثابتة و المتمثلة في الإجراء المأخوذ بها من إعتراف المتهم يمكننا أن نقرر و بكل السهولة إن المتهم سبب للمرحومة كل تلك الإصابات وقد أدت لوفاتها في الحال لحدوث صدمة من النزيف نتيجة لقطع الحلقوم و أما بالنسبة لقصد المتهم فليس هناك كبير عناء للتوصل إليه وذلك من خلال النظر إلي نوع السلاح و نوع الإصابات و عددها و موقعها من جسم المجني عليها و أيضاً أتفق مع مولانا يوسف إن تعديل الإدانة من القتل العمد إلي القتل شبه العمد أمر حسمه القانون من خلال مبادئ معروفة و إن مبدأ تخلف الشهادة الشرعية واحداً من تلك المبادئ التي حددها قانون العقوبات و أما عن العقوبة فأوافق على الدية المغلظة مع التعزير حيث إن الطفلة ياسمين قد ورثت له حق القصاص من والدتها و هي من صلب المدان و قد أستقر فقهاء وقضاء على ألا يقتص من أي من الوالدين

