حكومة السودان //ضد// ع . ا . ع . ا م ع/ ط ج/177/2009م
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا
ببورتسودان
القضاة:
سعادة السيد/ عبدالرؤوف حسب الله ملاسي
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد/ إبراهيـم محمــد المكــي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد/ عبدالرحيم عبدالوهاب التهامي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
حكومة السودان //ضد// ع . ا . ع . ا
م ع/ ط ج/177/2009م
القانون الجنائي لسنة 1991م – العاقلة – قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – تنفيذ الدية الواجبة على العاقلة – ما يراعى فيه – حبس العاقلة - شروطه.
المبادئ:
1- العاقلة في الدية لا تعامل معاملة الجاني لمدين أصيل وبالتالي يراعى أن يتم التحصيل أو إجبارهم على الوفاء بالرفق واللين وعدم التشدد.
2- لاختلاف العاقلة العصبة عن الأنواع الأخرى من العاقلة التي فرضها القانون من حيث القدرة على الوفاء فإن ذلك يفترض ألا يحبس كل عاقل أو عاقلة بالإجراء التنفيذي إلا لمن يحدد نصيبه في الدية وكان قادراً حقيقة وليس افتراضاً ويتعمد عدم الدفع.
الحكــم
القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
التاريخ: 8/9/2010م
هذا طعن مقدم في مواجهة قضاء محكمة الاستئناف ولاية البحر الأحمر والقاضي في أ س ج/31/2009م بتاريخ 3/2/2009م بشطب استئناف الطاعن المقدم في مواجهة قضاء محكمة التنفيذ /147/2007م الخاص بتنفيذ الحكم غ إ/12/2007م والقاضي بتحميل المحكوم عليه وعاقلته الدية المحكوم بها ويدور محور الطعن في النقاط التالية:
أولا : الحكم الجنائي بالدية صدر في مواجهة الجاني والعاقلة وهم عصبة الجاني وبالتالي يلزم على المحكمة تحديد جميع العاقلة وعددهم والمطلوب دفعه من الدية لكل فرد في العاقلة.
ثانياً: اقتصر إجراء الدية على مقدم الطعن ... ... ... ... لمجرد أنه ابن المدان دون تحديد لوجود عاقلة آخرين مما يعد إجحافاً في حقه وجعله عرضة لإجراء تحصيل الدية في مواجهته بما فيها الحبس.
ثالثاً: العاقلة هي بمثابة ضامن غارم ولا يعقل أن تحمل العاقلة وهي طرف بلا جناية لمجرد انهم عاقلة ودورهم مجرد إلزام شرعي قانوني للمواساة والتخفيف عن الجاني وبالتالي لا يجوز تحميلهم العبء والمسئولية الجنائية لمجرد أنهم عاقلة فالمنشور الجنائي رقم (2) لسنة 2000م يمنع حبس الجاني بعد استيفائه عقوبة السجن الأصلية لغرض تحصيل الدية في ثلاث حالات:
(أ ) إذا كانت الدية بدلاً عن القصاص في القتل العمد
(ب) إذا كان إطلاق سراح الجاني خطراً على حياته
(ج) إذا أخل الجاني بسداد الدية في الموعد الذي حدد له للسداد أو إذا أخل الجاني بسداد أي أقساط حددت له للسداد بموجبها فإذا كان المنشور القضائي وهو منشور منظم لكيفية الوفاء بالدية و قيد هذا المنشور حبس الجاني نفسه بقيود محددة لا يجوز حبسه إلا وفق هذه القيود فمن باب أولى فانه لا يجوز تحميل العاقلة بأمر فوق طاقتهم لمجرد صفة العاقلة وهذا ما قرره كل الفقهاء في هذه المسألة وبل يرى بعض الفقهاء انه لا يجوز إلزام العاقلة بدية الجاني إذا ثبتت الإدانة الجنائية في حقه نتيجة اعترافه بارتكاب الجناية.
ويرى الطاعن من محصلة ذلك وجوب تدخلنا لمنع الإجحاف في حقه في إجراء تحصيل الدية وتحميله مسئولية الجناية ولمجرد أنه ابن الجاني وأن العدالة تقتضي أن لا يضار بجناية أبيه وتحمل كل تبعاتها في عنقه وكأنه مرتكب الجناية وعليه تحمل كل تبعاتها.
حقيقة لقد توقفت كثيراً حول ما أثاره الطاعن في طلبه حول التساؤلات التالية:
أولاً : ما هي حدود مسئولية العاقلة في إجراءات تنفيذ الحكم بالدية المحكوم بها على الجاني وهل صفة العاقلة تجعل العاقل مسئولاً مسئولية مطلقة كمدين أو ضامن غارم لهذه الدية ومتى تنشأ هذه المسئولية عن الوفاء؟؟
ثانياً: هل تعامل العاقلة ذات معاملة الجاني مرتكب الجناية في إجراءات التنفيذ كأي مدين عادي أو أنه لا بد أن يكون للعاقلة وضع خاص بحسب وضعها الشرعي والفقهي يختلف عن أي مدين أو أي ضامن أخر يلتزم بنفسه بهذا الضمان ؟؟.
ثالثاً: باعتبار أن تكافل وتضامن العاقلة مع الجاني في الوفاء بالدية هو أصلي فرضه الشرع والقانون فهل يبرر ذلك التكافل والتضامن الشرعي مسألة عقاب العاقلة بالحبس بدلاً عن الجاني دون مراعاة أو النظر في الأصل الشرعي الذي برر التزام العاقلة مع الجاني ودون مراعاة أن الأصيل الملزم بالوفاء بالدية ابتداءً وانتهاءً هو الجاني مرتكب الجناية ولا ذنب للعاقلة في الجرم الذي ارتكبه ؟؟؟ وبالتالي فهل يجوز حبس العاقلة للوفاء بالدية ؟؟ كأي مدين ؟؟.
رابعاً: إذا كانت العاقلة متضامنة مع الجاني فهل تسري عليها أحكام الإعسار في الدية وفق قواعد الإعسار الواردة في المادة (244) إجراءات مدنية لسنة 1983م ؟.
خامساً: متى يكون حبس المدين وجوبياً وفق نص المادة (243) إجراءات مدنية لسنة 1983م وما هو تفسير عبارة { يجب القبض على المدين وحبسه حتى تمام الوفاء إلا إذا كانت المحكمة قد قضت بذلك عند النطق بالحكم }؟؟ أم أن التنفيذ على العاقلة جائز في مرحلة التنفيذ حتى ولو لم ينص الحكم صراحة على تحمل العاقلة لهذه الدية ؟؟.
وللفصل في الطعن المقدم أرى ضرورة الإجابة على كل هذه التساؤلات لارتباطها بالفصل العادل من الوجهة القانونية الشرعية البحتة وافصل ذلك فيما يلي:
أولاً: وفق نص المادة 45(ب) من القانون الجنائي لسنة 1991م {تجب الدية على الجاني والعاقلة في جرائم شبه العمد أو الخطأ من القتل أو الجراح ووفق الفقرة (ج) من ذات النص فالعاقلة المعرفة قانوناً في القانون الجنائي هي العاقلة تشمل العصبة من أقرباء الجاني.
ثانياً: لم يعرف القانون الجنائي العصبة ولكن بالرجوع إلى قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م الفصل الثالث فهو يعرف الإرث بالعصبة بالأتي:
الإرث بالتعصيب: المادة (378):
هو ارث غير مقدر إلى أقارب الميت من الذكور ومن نزل منزلتهم أو اشترك معهم من الإناث الذين لا يقتصرون في انتسابهم إلى الميت على أنثى.
وتنص المادة على أنواع ثلاثة للعصبة وهم:
(أ ) عصبة بالنفس (ب) عصبة بالغير (ج) عصبة مع الغير
وتنص المادة (379) على أن العصبة بالنفس جهات مقدم بعضها على بعض وفقاً للترتيب الأتي:
(أ ) البنوة وتشمل الأبناء وإبن الإبن وإن نزلوا.
(ب) الأبوة وتشمل الأب لوحده.
(ج) الجدود والإخوة وتشمل أب الأب وإن علا والأخ الشقيق والأخ لأب.
(د ) بني الإخوة وتشمل أبناء الإخوة الأشقاء أو لأب وإن نزلوا.
(هـ) العمومة وتشمل العم الشقيق والعم لأب وأبناءهم وإن نزلوا.
وتنص المادة (380) على: يستحق العاصب بالنفس التركة إذا لم يوجد أي واحد من ذوي الفروض ويستحق ما بقي منها إن وجد ولا شيء له إن استغرقت الفروض.
وتنص المادة (381) على:
- يقدم في التعصيب الأولى جهة
- حسب الترتيب الوارد في المادة (379)
- ثم الأقرب درجة إلى المتوفي عند اتحاد الجهة
- ثم الأقوى قرابة عند التساوي في الدرجة.
وتنص المواد (382) – (384) على حالة العصبة بالغير – والعصبة مع الغير وفق التفصيل الوارد في هذه المواد.
ثالثا: لقد قصدت من إيراد تعريف العصبة على وجه التفصيل في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م باعتباره القانون الخاص الذي تعرف منه العصبة والتي يتحدد بناءً عليها حالتان هما:
الحالة الأولى: العصبة في الميراث:
وهي العصبة التي ترث بهذا الوصف عند توزيع التركة للورثة بحسب ترتيب ودرجة كل عاصب.
العصبة العاقلة { انظر أيضاً المغني لابن قدامة ص 514 –520 جزء 9 هم نفس العصبة لكن يختلف وضعهم في الجنايات عن وضعهم في الميراث حيث ينالهم نصيب في الإرث.
الحالة الثانية: العصبة في الجنايات:
أما في الجنايات فالعصبة لا تعطي شيئاً بل يؤخذ منهم جبراً بعكس حالة الميراث وهذا الاختلاف في وضع العصبة في الجنايات عنه في الميراث يرتب اختلافاً آخر وهو أن العصبة تستحق في الميراث بحسب الأولوية والدرجة والترتيب الأولى فالأولى أما العصبة العاقلة لأنه يؤخذ منها فلا عبرة في هذه الحالة بالأولوية أو الدرجة أو الترتيب في الأخذ بل الجميع شركاء بالتساوي في الدية وكل منهم عليه جزء محدد من الدية وليس كل الدية بما يستوجب عند تحصيل الدية من العاقلة أن تبدأ المحكمة أولاً في حصر من هم العصبة ويحدد لكل عاصب من هذه المجموعة نصيبه في قسمة الدية عليهم بالتساوي ولا يؤخذ بالتبعية من كل فرد عاصب إلا في حدود ما قسم له من جزء في الدية وفي تقديري أن عدم تحديد العصبة كاملة في الجنايات وتحديد نصيب كل عاقل لمقدار محدد يلزم به هو خطأ إجرائي وقانوني وبل فقهي لأنه قد يحمل عاقل واحد أو اثنين كل الدية في حين أنه يجب أن لا يلزم إلا بالجزء الذي يليه في قسمة الدية عليهم بالتساوي.
رابعاً: في تقديري أيضاً أن العاقلة بخلاف وجود وجوب قانوني شرعي يلزم المحكمة بتحديد عددهم وتحديد الجزء المطلوب من كل عاقل فرد عليه أن يوفيه فإن الدية والوفاء بها من العاقلة من الوجهة الشرعية والقانونية تستوجب أن لا تعامل العاقلة في الدية ذات معاملة الجاني كمدين أصيل وبالتالي يراعى أن يتم التحصيل من العاقلة أو إجبارهم على الوفاء بالرفق واللين وعدم التشدد إلا في حالة العاقل الذي يكون موسراً ويتهرب عمداً من الوفاء كما يجب أن يراعى أن الأصل في التنفيذ الجنائي المدني هو الجاني وقد تكون العاقلة أكثر ضعفاً واقل حيلة أو مقدرة للوفاء وبل أكثر إعساراً وتسري عليها قاعدة الإعسار شرعاً وقانوناً كما يجب أن يراعى أن الفقه الشرعي رغم مطالبته العاقلة بمشاركة الجاني ومناصرته في الوفاء مع الجاني فإنه ركز على قاعدة شرعية تحدد هذا المقصد من مسئولية العاقلة وتتمثل هذه القاعدة في:
أولاً: أن الدية سميت عقلاً لأنها تعقل لسان ولي المقتول وقيل إنها سميت عاقلة لأن العصبة يمنعون عن القاتل والعقل هو المنع وإن الفقه في أغلبه ذهب بلا خلاف متشدد إلى أن اصل الدية تجب على القاتل الجاني وحده لأنه هـو الذي ارتكب الجناية وأن مسئولية العاقلة جاءت استثناءً مـن القاعدة ( لا تزِرُ وازرة وِزر أخرى ) بسبب وعلة وهى أن الدية لا تنتقل إلى العاقلة إلا تخفيفاً عن الجاني ومناصرة العاقلة له . كتاب المغني لابن قدامة جزء 9 ص 514- 515 .
ثانياً: أن الفقه الشرعي نفسه قد تباينت وجهة نظره في وضع مسئولية العاقلة باعتبارها مناصرة ومسئولية تبعية بل ذهبت وجهات نظر فقهية إلى أن الدية إبتداءً تكون في مال الجاني ولا يلجأ إلى مال العاقلة إلا استثناءً بل ذهب الفقه في بعضه أن العاقلة لا تحمل الدية إلا في نطاق التخفيف عن عبء الدية على الجاني لأن التزام العاقلة هو مجرد التناصر والتخفيف عن الجاني عبد القادر عوده - التشريع الجنائي ص191 وقد لا يثبت أو يتبين للجاني عاقلة أو يكون له لكنهم عاقلة من الضعفاء القصر والقصر صغار السن وفاقدي الأهلية وعديمي الأهلية ولا يستطيعون تحملها الأمر الذي يوجب بالتبعية أن تراعى العاقلة عند التنفيذ ولا يجوز أن تحمل أكثر مما تحتمل.
ثالثاً: مما يؤكد أن وضع العاقلة في تحمل مسئولية الدية يختلف عن مسئولية تحمل الجاني في التنفيذ أن الفقه الشرعي نفسه فرق بل حدد مدى مسئولية العاقلة تخفيفاً عليها وجاء أغلب الفقه بأن العاقلة وإن حملت الدية فلا تحمل إلا جزءً من الدية لأن أصلها على الجاني وقد ذهب فريق إلى أن العاقلة لا تحمل مادون ثلث الدية الكاملة رواية أحمد لأن قصد مشاركة العاقلة في الدية مقصده الشرعي هو التخفيف عن الجاني وليس معاقبة وإكراه عاقلته لمجرد التناصر له وقد ذهب فريق أن العاقلة في الأصل لا تحمل عن الجاني في الدية إلا في حدود فالعاقلة لا تحمل ما دون نصف عشر الدية الكاملة وتحمل العاقلة ما بلغ نصف عشر الدية مذهب أبو حنيفة ويرى مالك أن الدية إذا بلغت ثلث دية المجني عليه أو ثلث دية الجاني حملتها العاقلة فإذا كانت دون الثلث فهي على الجاني وحده بل يذهب الإمام أبو حنيفة والإمام مالك أن الجاني يتحمل من الدية ما يتحمله العاقلة بذات نصيب كل فرد في العاقلة أي تقسيم الدية على الجاني وعاقلته بالتساوي لكل فرد يجب أن يؤديه في حدود ما قسم له من الدية بل ذهب بعض الفقه أن العاقلة لا تتحمل وحدها مع الجاني الدية بل يحتملها معهم أيضاً وجوباً ديوان وبيت المال كما رأى أمير المؤمنين والعدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فالجاني وعاقلته أصحاب حق ونصيب في الملك العام في بيت المال وبالتالي يجب أن يشارك بيت المال في الوفاء لهم مما لهم من نصيب في هذا المال العام.
وعليه يتضح أن تحميل الدية للعاقلة وإن كان واجباً شرعاً إلا أن الفقه الشرعي أوجب مراعاة العاقلة في مطالبتهم بالدية بما يستوجب مراعاة العاقلة في التنفيذ ويتضح أيضاً أن المشرع في القانون الجنائي قد تجاوز العصبة بان جعل الدية على أطراف أخرى كشركات التأمين ورب العمل .. الخ رغم أنهم ليسوا بعصبة شرعية مع مراعاة أن نظام العاقلة العصبة في ميراث المسلمين وفقههم ولا وجود له عند غير المسلمين من أهل الكتاب بحسب نظام إرثهم وكيفيته ويذهب بعض الفقه أن غير المسلمين العاقلة لا يلزمون بوفاء الدية عن الجاني أسوة بالمسلمين إذا كان نظام العاقلة لا يوجد في عاداتهم في الجنايات ويذهب بعض الفقهاء أيضاً إلى أن نظام العاقلة هو نظام قبلي اجتماعي يقوم على التناصر يسري على المسلمين وغير المسلمين وخاصة أن هناك قبائل وثنية تأخذ بنظام الدية في القتل والجنايات ومن ثم ولأن نظام العاقلة لا يوجد بشكل صريح في عقائد وعادات أهل الكتاب فإن هذه المسألة تحتاج إلى بحث خاص حولها ليس هذا مجاله.
رابعاً: في تقديري أيضاً أنه لاختلاف العاقلة العصبة عن الأنواع الأخرى من العاقلة التي فرضها القانون من حيث القدرة على الوفاء أو تحمل الدية فإن ذلك أيضاً يفترض أن لا يحبس كل عاقل أو كل عاقلة بالإجراء التنفيذي إلا لمن يحدد نصيبه في الدية من مجموع الدية عن كل عاقل وكان قادراً حقيقة وليس افتراضاً ويمتلك القدرة على الوفاء به ويتعمد عدم الوفاء ومن ثم ففي تقديري أن الحبس التنفيذي الوارد في المادة (243) إجراءات سنة 1983م وللاعتقاد بأنه قد جاء آمراً المحكمة بصيغة وجوبية توجب حبس الجاني ابتداءً فقد جاء هذا الفهم (مغلوطاً) بسبب مرجعه في تقديري تفسير غير سديد لهذا النص (أُلخصه) في الأتي:
- جاء نص المادة (243) إجراءات مدنية لسنة 1983م بالصيغة التالية:
دون المساس بأية طريقة أخرى من طرق تنفيذ الأحكام متى كان الحكم متعلقاً بالوفاء بدين أو يقضي بسداد مال فيجب القبض على المدين وحبسه حتى تمام الوفاء إلا إذا كانت المحكمة قد قضت بذلك عند النطق بالحكم.
وصياغة هذا النص تتحدث عن:
1- أن القانون قد نص على طرق لإجراء تنفيذ الأحكام وهي الطرق الواردة في المادة (232) إجراءات مدنية لسنة 1983م وهي على سبيل التخيير من أحد هذه الطرق الواجبة وقد عبرت المادة عن التخيير بعبارة تنفيذ الحكم بأي من الطرق الآتية:
(أ ) تسليم مال المحكوم به على وجه التعيين.
(ب) حجز أي مال وبيعه.
(ج) القبض على المحكوم عليه ووضعه في السجن.
(د ) تعيين حارس.
(هـ) أية كيفية (أخرى) تستلزمها طبيعة الشيء المحكوم به.
- وأن القانون أجاز للمحكمة استثناءً ودون المساس بهذه الطرق المنصوص عليها في المادة (232) إجراءات مدنية لسنة 1983م أن تأمر وجوباً: [ بالقبض على المدين وحبسه لحين الوفاء إذا كان الحكم متعلقاً بالوفاء بدين أو بسداد مال ].
3- الملاحظ أن أغلب المحاكم تطبق إجراء الحبس بعد القبض في أي تنفيذ يتعلق بدين أو بسداد مال ودون الالتفات إلى الجزء الأخير الوارد في عجز وذيل نص المادة (243) إجراءات مدنية لسنة 1983م الخاص بالفقرة التي تقول:
[ إلا إذا كانت المحكمة قد قضت بذلك عند النطق بالحكم ]
وهذه الفقرة ضرورية بل أساسية في فهم وتفسير مسألة وجوب القبض والحبس لحين الوفاء لأنها الفقرة التي جعلها المشرع السبب المبرر لوجوب القبض والحبس فبقراءة هذه الفقرة بدقة وهي عبارة إلا إذا كانت المحكمة قد قضت بذلك عند النطق بالحكم مع صياغة مقاصد المادة (243) إجراءات نجدها تقرأ بالمقصد الأتي:
[ إذا قضت المحكمة عند النطق بالحكم ونص في منطوقه بأن يحبس المحكوم عليه وفاءً للحكم فيجب على المحكمة عند التنفيذ القبض عليه وحبسه حتى الوفاء لأن الحبس جزءً من منطوق الحكم].
وبالتالي لا يكون القبض والحبس وجوبياً إلا في حالة واحدة وهي أن ينص الحكم الذي يجري تنفيذه على أن طريقة إنفاذ الحكم والتي حددها هي بطريق وحيد وهو حبس المحكوم عليه وفق الفقرة (2) من المادة (104) من القانون والفقرة (د) من المادة 105 (1) الخاصة بالأحكام في قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م التي تنص علي:
يبين في الحكم فقرة (1) .. الخ من المادة (104) [ فقرة (2) طريقة تنفيذ الحكم ] وأن يشتمل أيضاً منطوق الحكم المادة 105(1) فقرة (د) على: [ طريقة تنفيذ الحكم ].
وبالتالي فبقراءة المادة (243) إجراءات وتفسيرها بصورة متكاملة مع المادة (104) فقرة (2) والمادة 105(1) فقرة (د) فإن:
[ الحكم إذا بيَّن في منطوقه طريقة إنفاذه بأن يحبس المدين إنفاذاً للحكم فإنه يجب في هذه الحالة أن تلتزم محكمة التنفيذ بهذه الطريقة التي نص عليها الحكم في منطوقه وهي القبض على المدين وحبسه لحين الوفاء لأن الحكم أمر بهذه الطريقة ].
وبالتبعية لا يكون القبض والحبس وجوبياً في الأحكام المتعلقة بالوفاء بدين أو المتعلقة بسداد مال إذا لم ينص أو لم يرد في الحكم المراد تنفيذه في منطوقه أمراً صريحاً من المحكمة والمصدرة للحكم والمنطوق بان يحبس المدين للوفاء وفي هذه الحالة يكون الحبس أو القبض اختيارياً جوازياً وليس وجوبياً بإحدى الطرق الواردة في المادة (232) إجراءات مدنية.
وبالتالي أنبه المحاكم إلى أنه:
لا يكون القبض والحبس وجوباً في التنفيذ لحكم للوفاء بدين أو سداد مال وفق منطوق المادة (243) إجراءات إلا في حالة واحدة فقط وهي إذا نص منطوق الحكم الذي يجري تنفيذه بموجب المادة 104(2) , 105(1) د على أن طريقة تنفيذ الحكم في المنطوق هي الحبس ..
وهذا ما عبرت عنه الفقرة الواردة في المادة (243) إجراءات بقولها في ذيل المادة إلا إذا كانت المحكمة قد قضت بذلك عند النطق بالحكم وبالتالي يجب على المحاكم أن لا تلجأ وجوبا بالقبض والحبس في حالة الحكم بدين أو للوفاء بدين أو بالسداد لمال إلا في حالة ورد في منطوق الحكم الذي يجري تنفيذه أمر من المحكمة بحبس المحكوم عليه لحين الوفاء في أورنيك منطوق الحكم وأن يكون هذا الحبس مسألة تقديرية جوازية لمحكمة التنفيذ في أي حالة أخرى لم يرد في منطوق الحكم كيفية تنفيذه عن طريق الحبس.
وهنا تجب ملاحظة هامة وهي أن ذات القواعد السالف ذكرها في هذه المناقشة حول تفسير المادة (243) إجراءات لسنة 1983م تسري على أي حكم مدني أو جنائي يجري تنفيذه وفق أحكام قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ووفق نص المادة (294) إجراءات مدنية والخاصة بتنفيذ أحكام المحاكم غير المحاكم المدنية وتشمل الأحكام الجنائية بالتعويض أو سداد أي مال والتي تنص على الأتي : المادة (294):
[ تسري نصوص هذا الباب على تنفيذ أحكام وأوامر أُوكل مهام تنفيذها للمحاكم المدنية ].
و بالتالي يسري هذا النص على تنفيذ الحكم الجنائي في الدعوى الحالية والذي يتم تنفيذه وفق قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م الباب العاشر ومن ثم وعلى ضوء هذه المناقشة السالفة أقرر الأتي بالنسبة للعاقلة العاصبة:
1- أن العاقلة فقهاً وشرعاً وقانوناً في إلزامها وتحملها دية الجاني فإنها تتحملها استثناءً وليس أصلاً لأن الجاني هو المسئول عن جنايته العمدية في كل حال ولا تحمل العاقلة اعترافه بالجناية أو الصلح فيها وهو المستقر فقهاً وشرعاً وحُملت العاقلة استثناءً بدية الجاني في شبه العمد أو الخطأ إعانة ومواساة للجاني وبالتالي لا تعتبر العاقلة في ذات وضـع الجاني نفسـه عند تحصيل الدية وفي ذلك يقول الدكتور/ عبد القادر عوده في التشريع الجنائي جزء 2 ص 196 ولا تكلف العاقلة من المال ما يجحف بها أو يشق عليها لأنه مال لزمها من غير جناية وعلي سبيل المواساة للجاني والتخفيف عنه فلا يخفف عن الجاني بما يشق علي غيره أو يجحف به ولو كان الإجحاف مشروعاً كان الجاني أولى به وأحق به لأنه موجب جنايته وجزاء فعله فإن لم يشرع الإجحاف في حقه في مال الدية فعدم الإجحاف في حق غيره أولى وبالتالي يجب أن تراعي محكمة التنفيذ ذلك عند تحصيلها الدية من العاقلة العصبة أنظر المغني لابن قدامة ص 520 جزء 9 .
2- يجب قبل الشروع في تحميل عاقلة الجاني ديته أن تقوم المحكمة بحصر عدد العاصبة العاقلة لأنها مسئولية جماعية يتحملها كل العصبة وليس أحدهم أو بعضهم كما أن مسئولية كل عاصب عاقل تنحصر في النصيب الذي يقع عليه في الدية وليس كل الدية لأن الدية تقسم على العاقلة بالتساوي بغض النظر عن ترتيب ووضع درجة كل منهم في الميراث لأن مسئولية العصبة في الجنايات مسئولية وفاء وليس مسئولية مغنم وأخذ كما في حال الميراث والقانون الجنائي جعل الدية على كل العاقلة العصبة بالتساوي ولم يفرز بين العصبة بحسب وضعهم الميراثي وبالتالي فإنه وقبل التنفيذ فلا بد أن يحدد لكل عاقل نصيبه المحدد الواجب عليه من مجمل الدية وان يكون إجراء التنفيذ عليه في حدود المقدار المكلف به من الدية بفرضية أنه مدين في حدود ذلك الجزء المقدر وليس عن كل الدية.
- تراعي محكمة التنفيذ أن إجراء الحبس لا يسري وجوباً بنص المادة (243) إجراءات لسنة 1983م إلا في حالة نص منطوق الحكم الجنائي أو المدني على طريقة التنفيذ بالحبس وإذا لم ينص المنطوق فتكون مسألة القبض والحبس مسألة جوازية تقديرية لمحكمة التنفيذ بإحدى الطرق الواردة في المادة (232) إجراءات مدنية لسنة 1983م مع مراعاة عدم استخدام هذه السلطة بالقبض أو الحبس على العاقلة إلا لمن يثبت أنه قادر على الوفاء لنصيبه المقدر من الدية ويتعمد عدم الوفاء كما أن قواعد الإعسار فرضت لتسري على العاقلة لأنها أصلاً غير مسئولة عن الجناية وحملت مال الجناية استثناءً .. كما أن العاقلة تختلف عن الجاني في الوفاء شرعاً لأن الشرع والفقه قرر ابتداءً وجوب تقسيط مال الدية أو تأجيلها بالنسبة للعاقلة حتى ولو لم يقبل أولياء الدم فصفة المناصرة التي أوجبت الدية على العاقلة لا تبرر الإجحاف بالعاقلة كما سلف بيانه.
- تراعي محكمة التنفيذ أن أولياء المقتول أولياء الدم عليهم عبء البحث والتقصي عن مال الجاني للوفاء منه ولا يلجأ إلى مال العاقل إلا في نطاق تعمده مع القدرة لأن مال العاقل قصده المواساة والتخفيف على الجاني وليس عقاب العاقل عن فعل لم يرتكبه أصلاً وأن التنفيذ على العاقلة لا يجوز أن يحول العاقل من مواسي إلى موقع العقوبة وإلا فقدت حكمة تحميل العاقلة أي مقصد شرعي أو فقهي لها.
وبالرجوع إلى المحضر فالواضح أن الطاعن هو أحد العاقلة لأنه إبن الجاني ودون الدخول في تفاصيل ما أورده فهو من العصبة العاقلة وبالتالي فهو عاقل ولكنه لا يحمل عقل الدية وحده كما أسلفنا في المناقشة ورغم أن المحكمة أمرت بحبسه إلا أنها ألغت القبض والحبس وهو غير جائز في حقه ابتداءً بحسب المناقشة السالفة شرعاً وفقهاً كما أنه غير جائز في حقه من الدية إلا بما يقدر له من جزء عنها بالتساوي مع الآخرين بعد حصرهم كما أن الإعسار وارد في حقه .. والملاحظ أن المحكمة بدأت في البحث عن كل العصبة وهو الإجراء المبدئي الصحيح لتحديد من هم العاقلة وبعد حصرهم تحدد نصيب ومقدار كل فرد وما يجب عليه من مقدار بالتساوي وليس فرض الدية كلها على واحد أو بعض منهم .. وعليه فالطاعن يخشى أن يعاد قبضه وحبسه بحسب طلبه لإلزامه بكل الدية وعليه فمن الوجهة الإجرائية طالما بدأت المحكمة في حصر العاقلة فهذا هو الإجراء الصحيح في إجراءات التنفيذ على العاقلة ويجب أن تستمر فيه حتى تمام الحصر ثم تحدد لكل منهم مقداره الواجب دفعه ثم تتعامل تنفيذياً وفق الموجهات الواردة في هذا الحكم وبالتالي خلاصة الأمر:
أولاً : نؤيد إجراء المحكمة بحصر العاقلة.
ثانياً : لا تتخذ المحكمة أي إجراء إلا وفق موجهات هذا الحكم في مواجهة العاقلة العاصبة.
ثالثاً : فيما عدا ذلك يرفض الطعن وتعاد الإجراءات إلى المحكمة لموالاة التنفيذ وفق الحكم أعلاه.
القاضي: إبراهيم محمد المكي
التاريخ: 13/9/2010م
أوافق على ما انتهى إليه زميلي العالم ملاسي تسبيباً ونتيجة في مذكرته التي لم يترك فيها مزيداً لمستزيد .
القاضي: عبد الرحيم عبد الوهاب التهامي
التاريخ: 20/9/2010م
أوافق.
الأمر النهائي:
أولاً: نؤيد إجراء حصر العاقلة بموجب قرار الحصر الذي قررته المحكمة الابتدائية.
ثانياً: تتقيد المحكمة بعدم اتخاذ أي إجراء في مواجهة العاقلة العاصبة إلا في حدود ووفق موجهات هذا الحكم.
ثالثاً: فيما عدا ذلك يرفض الطعن وتعاد الإجراءات لموالاة التنفيذ وفق الحكم أعلاه.
عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
21/11/2010م

