حكومة السودان ضد عمر محمد صالح
(المحكمة العليا)
القضاة:
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس محكمة العليا رئيسا
سعادة السيد هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا عضوا
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضوا
حكومة السودان ضد عمر محمد صالح
م ع/ ط ج/ 38/73
المبادئ:
قانون العقوبات – المقامرة – الألعاب التي تحمل سمة المقامرة الألعاب التي يعتمد hلكسب فيها على المهارة واستعمال العقل – المادة 237
تفسير القوانين – قواعد تفسير النصوص الجنائية
1) الألعاب التي يعتمد الكسب فيها على المهارة واستعمال العقل لا تدخل ضمن الحظر الذي تفرضه المادة 237 من قانون عقوبات السودان
2) تلتزم المحكمة عند تفسير نصوص القوانين الجنائية بحرفية النص وتتقيد بألفاظه إذا لم يشب تلك الألفاظ لبس أو غموض
3) في حالة اللبس أو الغموض تستهدي المحكمة عند تفسير النص الجنائي بروح التشريع على أنه لا يصح للمحكمة أن تفسر نصوص القانون بما يستحدث تعديلا فيها
المحامون :
السر خليل عن المتهم
الحكم:
5ر9ر1973 :
أصدرت محكمة جنايات الخرطوم وسط بتاريخ 7ر5ر1973 قرارا بإدنة المتهم عمر محمد صالح إبراهيم تحت المادة 237 من قانون العقوبات وحكمت عليه بغرامة قدرها مائة جنيه على أن يسجن لمدة ثلاثة أشهر في حالة عدم دفعه لتلك الغرامة
والوقائع الجوهرية هي باختصار أن خلافا نشب بين المدعو عثمان محمد سعيد وصاحب مدينة الملاهي في الخرطوم المدعو عمر محمد صالح وعلى أثر ذلك الخلاف تقدم عثمان محمد سعيد ببلاغ ضد عمر محمد صالح بانه يدير مكانا عاما تمارس فيه العاب الحظ المحظورة بموجب المادة 237 من قانون العقوبات زار البوليس المكان المشار إليه في البلاغ وهو ما يسمى بمدينة الملاهي بالخرطوم ووجده مفتوحا ليدخله كل من يريد مقابل رسم معلوم وفي داخله تدار حلقات لألعاب مختلفة بعضها تتدخل فيه المهارة الشخصية لتكون السبب في الربح وكسب الجوائز وبناء على هذا أصدرت المحكمة قرارها المشار إليه أعلاه وأمرت بقفل المكان ومنع جميع الألعاب التي كانت تمارس فيه
وأستأنف المتهم بواسطة محاميه للمحكمة الكلية التي أيدت قرار الإدانة ومنها استأنف المتهم لمحكمة الاستئناف التي رأت أن هنالك تمييزاً بين العاب الحظ الصرفة والألعاب التي تحتاج لبعض المهارة وقد عدلت المحكمة بناء على ذلك الأمر الذي أصدرته محكمة الموضوع وجعلت المنع قاصراً على ألعاب الحظ دون ألعاب المهارة
الطعن المقدم لنا الآن يستند على النقاط التالية :
1) أن المصادر التي أخذ منها الشارع السوداني قاعدة حظر ألعاب الحظ وهي القوانين الإنجليزية والهندية جميعا تفرق ما بين الألعاب التي تعتمد كليا على الحظ وتلك التي تتحكم فيها المهارة وقد منعت تلك القوانين الألعاب التي تعتبر ألعاب حظ بحتة أما اللعاب التي تحتاج إلى قدرة من المهارة فهي خارجة عن نطاق الحظر ولا ينطبق عليها وصف المقامرة
2) المتهم لديه تصديق من السلطة المحلية لإدارة ذلك المكان للتسلية وهذا التصديق يسبغ على المكان صفة الشرعية ويعفي المتهم من المسئولية الجنائية
3) أن التغيرات الحديثة في المجتمع تدعو لعدم تطبيق النصوص القانونية القديمة حرفيا وتدعو للتصرف فيها تمشيا مع تلك المقاييس والنظم الحديثة ومثال ذلك هذا الموضوع الخاص بالمقامرة فأننا لا نستطيع الآن بسهولة أن نحظر كل ما يتصل بالمقامرة من بعيد أو قريب وسنة التطور تدعونا لأن نحصر المنع في ألعاب الحظ البحتة أما ألعاب التسلية التي تربي المهارة وتتطلب تشغيل الذهن فيجب السماح بها
ولدينا مثال في (التوتو كورة) التي إذا طبقنا حرفيات القانون سنفتح الباب للطعن في شرعيتها وبالتالي لمحاكمة المسئولين عن إدارتها
هذا ما تضمنته مذكرة الطعن عن طريق النقض التي رفعها محامي المتهم ونحن في البداية نتفق مع السيد المحامي في أن المصدر الذي استقى منه الشارع السوداني القديم مذهب منع العاب الحظ والمقامرة عامة هو القانون الهندي المستمد أساسا من القانون الإنجليزي ولكننا يجب أن نلاحظ أن هذا المذهب يتفق الآن تماما مع الشريعة الإسلامية التي أصبحت المصدر الرسمي الأول والأساس للتشريع في السودان بنص المادة (9) من الدستور الدائم واذا كان لنا أن نقوم بأي اجتهاد أو تفسير للمبادئ المتعلقة بحظر المقامرة وألعاب الحظ فأن استلهامنا واستهداءنا يجب أن يكون بنص الدستور مستمد من الشريعة الإسلامية وهي كما نعلم تحظر المقامرة بكل أشكالها وأساليبها حظرا باتا لا هوادة فيه أو تجاوز
هذا إذا كان هناك مجال للاجتهاد أو ممارسة لسلطة التفسير بالنسبة لنص المادة 237 من قانون العقوبات التي نحن بصددها الآن فهل هنالك حقا مجال لهذا؟ المادة 237 عقوبات نصها كما يلي :-
" من أدار منزلا أو مكانا أباح للجمهور دخوله لممارسة أية لعبة من ألعاب الحظ أو أدار مكتبا أو مكانا لسحب أوراق النصيب أو ساعد في إدارة أي منزل أو مكان أو مكتب مما ذكر يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر أو بالغرامة أو بالعقوبتين معا "
هل هنالك لبس أو غموض في هذا النص ؟؟ إننا نبادر ونقرر أنه نص سليم لا تشوبه شائبة ولا تظلله أي ظلال من الغموض ويقول الدكتور عبد المنعم البدراوي في كتابه المدخل للعلوم القانونية في الفقرة 144 :-
" إذا كان النص واضحا فانه يفهم في هذه الحالة بمجرد فهم ألفاظه " ومن ثم لا يجوز أن يترك حكم النص بدعوى أنه غير عادل أو لان هناك حكما آخر اعدل مه أو اصلح فحكم الشارع واجب الاتباع ووظيفة القاضي هي تطبيق التشريع أما تعديل التشريع فهو من شأن المشرع وكما يقولون "القانون هو القانون ولو كان قاسيا " ويقول ايضا : " متى كان النص سليما فلا محل للاجتهاد أي ليس للقاضي أن يترك حكم النص بحجة انه غير عادل أو غير صالح اذ لا اجتهاد مع النص وتقتصر مهمة القاضي على استخلاص معنى النص أما عن طريق عبارته أو إشارته أو دلالاته " ثم يقول : " إذا كانت القاعدة في القانون المدني هي تفسير النص بألفاظه وروحه معا فان القاعدة في القانون الجنائي هي تفسير النص تفسيرا حرفيا والتقيد بألفاظه "
أننا الآن إزاء نص صريح وواضح وجامد يحظر إدارة أي مكان عام لالعاب الحظ وقد مارست محكمة الاستئناف بعض الاجتهاد عندما فسرت تعبير " ألعاب الحظ " وحصرته في الألعاب التي تحتاج مزاولتها للمهارة مثل لعبة السهم والبندقية وهذا اقصى ما يمكن أن نذهب إليه في معالجتنا لهذا النص
أن ما يطلبه السيد محامي المتهم هو تدخل شامل في الفكرة الكامنة وراء النص والمبادئ التي يرتكز عليها وهي سلطة لا تملكها الا الهيئة التشريعية
ألعاب الحظ التي أصبحت قانونية الآن في بريطانيا لم تكتسب هذه الصفة عن طريق اجتهاد المحاكم أو تفسيرات القضاء للنصوص القانونية بل اكتسبتها بموجب تشريعات لاحقة فبموجب المادة الثانية من القانون العاب التسلية سنة 1845 The Gaming Act, 1845 ) نجد أن كل الأماكن التي تلعب فيها العاب الحظ محظورة ثم جاءت نصوص قانون العاب التسلية واليانصيب سنة 1956 (The Small loteries and Gaming Act, 1956 ) لتستثني بعض الألعاب التي يسيطر عليها عامل الحظ من فعالية ذلك القانون بشروط محددة في المادة الرابعة منه
نعود ونقرر بأن مدينة الملاهي بالخرطوم بشكلها الذي اتضح من محضر اجراءات القضية كانت مكانا من الأمكنة الممنوعة تحت المادة 237 من قانون العقوبات وان التصريح الذي يحمله صاحبها من السلطة الإدارية بمديرية الخرطوم لا يزيل عنها تلك الصفة غير الشرعية ولا يكسبها أية حصانة ضد تطبيق القانون عليها وهذا التصريح كما يتضح لنا من المحضر هو على أية حال مجرد رخصة لإدارة مكان عام للتسلية وليس للمقامرة الشئ الذي لا تملك السلطة المحلية حق التصريح به كما سبق أن ذكرنا اذ أن ذلك متروك للسلطة التشريعية عن طريق إصدار قانون يسمح بذلك إننا نؤيد قرار محكمة الاستئناف بإدانة المتهم ونؤيد العقوبة الموقعة عليه ونؤيد الأمر الخاص بمصادرة معدات العاب الحظ التي وجدت عنده و بإعادة المعدات الأخرى له مع السماح له بإعادة فتح المدينة لالعاب التسلية والعاب المهارة فقط حسب التصريح الممنوح لصاحبها من المحافظة

