حكومة السودان /ضد/ عبد الماجد أحمد القاسم
القضاة:
السيد/ صالح الشريف قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
السيد/ عبد الرؤوف ملاسي قاضي محكمة الاستئناف عضواً
السيد/ محمد صالح علي قاضي محكمة الاستئناف عضواً
حكومة السودان /ضد/ عبد الماجد أحمد القاسم
م أ / س ج / 47/ 1987م
المبادئ:
إجراءات جنائية – سلطات الاتهام – تمثيل الاتهام لا يخول شطب البلاغ أو الشكوى – ضرورة عرض الأوراق على المحكمة المختصة
إجراءات جنائية – عدم جواز شطب البلاغ بعد تدوينه
إجراءات جنائية – البلاغ – الفرق بين البلاغ والشكوى- جواز شطب البلاغ بشروط معينة – المدة 120-1
1- إن تمثيل الاتهام أمام القضاء لا يمكن أن يشمل انفراد الاتهام بالتقرير في الخصوم وذلك بشطبها منفرداً بل ويجب أن يطلب الاتهام الشطب من المحكمة المختصة
2- قانون الإجراءات الجنائية جاء خلواً من أي نص يخول للنيابة العامة شطب البلاغ المفتوح عن طريق شكوى حتى لو كان في مرحلة تدوينه بتقرير البلاغ الأول – لأنه مفتوح بأمر القاضي ومن ثم لا يجوز للنيابة العامة شطب البلاغ بعد تدوينه في قرار البلاغ الأول
2- يجوز للنائب العام أو من يمثله من وكلاء النيابة أن يقوم بشطب البلاغ والإفراج عن المتهم في حالة البلاغ المقدم إلى وكيل النيابة أو الشرطة – وذلك بتوافر الشروط التالية:_
1- أن يقدم الاتهام بناءً على بلاغ
2- أن تشير وقائع البلاغ إلى ارتكاب جريمة من الجرائم التي يجوز للشرطة القبض فيها بدون أمر
3- ألا يحقق الاتهام مصلحة عامة
4- أن يتم الشطب قبل تدوين البلاغ الأول في تقرير البلاغ الأول وقبل بدء التحري
الحكــــم
التاريخ : 7/6/1987م
القاضي: محمد صالح علي
بناءً على الشكوى مقدمة من وكيل الشاكي في البلاغ 3308/1986 اتخذت إجراءات التحري تحت إشراف السيد وكيل النائب العام بمديرية البحر الأحمر وبقرار مطول ومسبب
أمر سيادته بشطب البلاغ والإفراج عن المتهم فوراً ونهائياً مع تسليم المستندات المقدمة من الطرفين إليهما
وبناءً على استئناف مقدم من محامي وكيل الشاكي أمر السيد قاضي المديرية بإلغاء قرار السيد وكيل النائب العام وإعادة القبض على المتهم مع الإفراج عنه بالضمان وفقاً للمادة 271 من قانون الإجراءات الجنائية وإعادة الأوراق للشرطة لاستكمال التحري وقد اعتمد السيد قاضي المديرية من بين ما اعتمد عليه من أسباب الشطب قرار السيد وكيل النائب العام على القول بأن السيد وكيل النائب العام لا يملك حق شطب البلاغ قانوناً بل يتعين عليه أن يوصي بذلك لدى السيد قاضي الجنايات ليقرر الأخير ما يراه مناسباً كما وأن إجراءات المحاكمة وليس التحري وبناءً على طلب مطول من السيد وكيل النائب العام عرضت علينا الأوراق لاستبعاد قرار السيد قاضي المديرية وقد تضمن الطلب شرحا لأسباب القرار الصادر منه ودوافعه التي تعتمد على ضعف الاتهام وما ينطوي عليه من كيد لسبق فتح بلاغ ضد الشاكي من المتهم في هذا البلاغ
كما يتضمن الطلب أيضاً ما يفيد بأن قانون النائب العام قد تعدل وأصبح بمقتضاه للسادة وكلاء النائب العام أن يقوموا بشطب البلاغات والإفراج عن المتهمين لأن ذلك يقع في نطاق صلاحياتهم القانونية طالما أن هذا الشطب جاء في أثناء إجراءات التحري
وعليه وبعد الاطلاع على سائر الأوراق وبعد المداولة نرى أن هذا الأمر لم يعرض علينا لأول مرة في هذا البلاغ بل سبق أن عرض علينا عدة مرات مما يعني أنه مازال في حاجة إلى مزيد من البحث والتوضيح ولقد كنا نأمل أن يساهم السادة وكلاء النائب العام والمحاكم الأدنى في طرح هذا الأمر على بساط فسيح من البحث والتنقيب لإطرقه طرقاً بسيطاً لا يسهم في حل المسألة حلاً جذرياً ولا يزيل جنابا
وفي سبيل بحث هذا الأمر وتقديم ما نراه صحيحاً لا بد من بحثه على ضوء قانون الإجراءات الجنائية بوصفه القانون الإجرائي الذي يبين لنا حالة التحري وما يتبعها من إجراءات وقانون النائب العام بوصفه القانون الخاص الذي يحتمي به السادة وكلاء النائب العام والذي يحكم تعريفاتهم في البلاغات وذلك حتى يمكن أن نزيل كل ما يمكن أن يعلق في الاذهان من لبس وفهم خاطئ للنصوص
ونبدأ بالإيضاحات الواردة بالمادة الخامسة من قانون الإجراءات الجنائية لتقرأ الفقرتين (أ) و(ب) و (أ) و(هـ) منها فالفقرة (أ) (ب) تقول : كلمة (شكوى) تعني الادعاء الشفهي أو الكتابي المقدم إلى أحد القضاة بأن شخصاً ما – معلوماً كان أم مجهولاً- قد ارتكب جريمة وذلك لكي يتخذ القاضي الإجراءات المقررة في هذا القانون ولا تشمل هذه الكلمة تقرير الشرطة
والفقرة (أ) (هـ) تقول : كلمة (تحري) تشمل جميع الإجراءات التي تتخذ لجمع البينات
ولمقارنة هاتين الفقرتين بالمادة 120(1) من نفس القانون وهي مادة مطولة تقول: إذا قدم وكيل النيابة أو الضابط المسئول عن نقطة الشرطة بلاغاً يتضمن وقائع تشير إلى ارتكاب جريمة من الجرائم التي يجوز للشرطة فيها الفحص بدون أمر والتي يجوز محاكمتها أمام المحكمة التي تقع نقطة الشرطة في دائرة اختصاصها المحلي فيجب عليه إذا كان البلاغ شفاهة أن يدونه أو يأمر بتدوينه كتابة على الأنموذج المعد لهذا الغرض وعليه أن يتلوه أو يأمر بتلاوته على المبلغ وكل بلاغ من هذا القبيل سواءً كان مكتوباً أو أثبت كتابته على الوجه السابق بيانه يجب أن يوقعه الشخص الذي قدمه بإمضائه أو بختمه متى ما كان قادراً على ذلك ويجب على وكيل النيابة أو الضابط المذكور أن يقيد ملخصاً في الدفتر المعد لذلك على أنه إذا اقتنع وكيل النيابة أو الضابط بأن الاتهام لا يحقق مصلحة عامة فيجوز له رفض قبول البلاغ ويخطر المبلغ بأن له حق الشكوى إلى قاضي ) وباستقراء هذا النص نجد أنه يعطي السادة وكلاء النائب العام حق شطب البلاغ ولكنه يشترط لذلك عدة شروط أهمها :_
1- أن يقدم الاتهام بناءً على بلاغ
2- أن تشير وقائع البلاغ إلى ارتكاب جريمة من الجرائم التي يجوز للشرطة القبض فيها بدون أمر
3-ألا يحقق الاتهام مصلحة عامة
4-أن يتم الشطب قبل تدوين البلاغ الأول في تقرير البلاغ الأول وقبل بدء التحري
وهذا الشرط الأخير يؤكده ويعززه ما ورد بالفقرة الثانية من المادة المذكورة والتي تقول:_
( إذا قامت لدى وكيل النيابة ـو الضابط المسئول عن نقطة الشرطة أي أسباب أخرى جعلته يشتبه في ارتكاب جريمة كهذه فيجب عليه أن يأمر بتدوين هذه الأسباب في تقرير البلاغ الأول وملخصها )
ثم جاءت المادة (121) من نفس القانون لتقييد تصرفات وكيل النائب العام إذا اتخذ الإجراء الوارد بالفقرة الثانية من المادة 120 المذكورة وذلك بإرسال تقرير البلاغ الأول إلى القاضي المختص
وهكذا فحق شطب البلاغ والإفراج عن المتهم يثبت للسادة وكلاء النيابة في حالة البلاغ فقط وليس الشكوى وبالشروط المذكورة في المادة 120(1) ولكن إذا ما دون البلاغ في تقرير البلاغ الأول فيجب عليهم أن يرفعوا تقرير البلاغ الأول إلى القاضي المختص بدون أي تأخير وللقاضي حينئذ أن يعطي النيابة أو الشرطة (حسب الأحوال) أية توجيهات تتعلق بإجراء التحري وإذا توصلت النيابة بعد التحري إلى إنهاء التحري دون أن تعقبه محاكمة فعليها أن تدون ملخص القضية في يومية التحري ثم ترفعها للسيد القاضي ولهذا الأخير أن يوافق على إنهاء التحري أو أن يأمر بالاستمرار فيه حسبما يراه مناسباً أما إذا رأت النيابة وجود تهمة ووجوب تقديم المتهم للمحاكمة بناء عليها فيجب عليها أن ترفع يومية التحري وأي مستندات متصلة بالجريمة إلى القاضي أيضاً ليتخذ ما يراه مناسباً وذلك إما ببدء المحاكمة أو إعادة الأوراق للنيابة مرة أخرى لمزيد من التحري (انظر المواد 121 من نفس القانون وما بعدها ) إذن فلقد خلا قانون الإجراءات الجنائية من أي نص يخول للنيابة شطب البلاغ المفتوح من طريق شكوى حتى ولو كان في مرحلة تدوينه بتقرير البلاغ الأول لأنه مفتوح بأمر من القاضي وكذا لا يوجد نص يخولها أيضاً شطب البلاغ بعد تدوينه في تقرير البلاغ الأول وكل ما يثبت لها هو شطبه قبل تدوينه في تقرير البلاغ الأول إذا كان قد فتح عن طريق بلاغ وليس عن طريق شكوى
ولنبحث الآن في قانون النائب العام والذي يعتمد عليه مقدم الطلب لنجد أن أول ما يقابلنا فيه هو نص المادة (5) (2) (و) تعديل (1405) والذي يتحدث عن مهام النائب العام واختصاصاته فهو يقول :_ ( أن يشرف على سير الدعاوى الجنائية وإجراءات التحري فيها ويتولى الإدعاء أمام المحاكم الجنائية )
ونجد نص المادة(6) (2) (أ) تعديل (1405هـ) والذي يتحدث عن سلطات النائب العام وهو يقول:_
( على الرغم من أحكام أي قانون آخر يختص النائب العام بأخذ العلم بأية جريمة والتحري فيها وقبول الاتهام وتكون له في سبيل ذلك جميع السلطات المنصوص عليها في أي قانون ينظم التحري وخاصة قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م فيما عدا السلطات المنصوص عليها في المادتين 128 و 131 منه )
ولتفسير هذا النص لا بد من معرفة الاستثناءات الواردة عليها أولاً وأول استثناء هو عدم اختصاص النيابة باتخاذ الإجراء الوارد بالمادة 128من قانون الإجراءات الجنائية وهو خاص بالاعترافات التي تصدر عن المتهمين وتدوينها وقد قصرها قانون النائب العام على القضاة دون غيرهم
وثاني استثناء هو عدم اختصاص النيابة باتخاذ الإجراء الوارد بالمادة 131/2 من نفس القانون وهو الخاص بتجديد الحبس
ولعل أكبر ما يلاحظ على نص المادة 6(2) المذكور بعد تعديله أنه قد ألغى عبارة (مع مراعاة أحكام قانون الإجراءات الجنائية ) واستعاض عنها بعبارة ( على الرغم من أحكام أي قانون آخر)
وهذا التعديل لا شك يعد نقلة كبيرة في سلطات النائب العام فبمقتضى النص السابق فإن سلطات النائب العام كانت مقيدة بمراعاة قانون الإجراءات الجنائية بحيث لا تخالفه أبداً أما النص الحالي فهو لا يحد من سلطات النائب العام في أخذ العلم بالجريمة والتحري وقبول الاتهام وهو يمارس سلطاته الثلاث المذكورة عن طريق كل القوانين التي تنظم التحري
والتعديل على الشكل المرصود لا يبين فيه بأي حال من الأحوال أن من بين سلطات النيابة شطب البلاغات والإفراج عن المتهمين بعد اكتمال التحري وهذا يبين بشكل واضح من التعديل نفسه فالقول بأخذ العلم بالجريمة يعني اتصال علم النيابة بالجريمة وهذا ما أبانته المادة (5) (1) (د) إجراءات إذ توضح معنى عبارة (أخذ علماً) وبأنها تعني (اتصل علماً) بصفة رسمية واتصال العلم بالجريمة لا يشمل شطبها
وأما القول (بالتحري) وهو ثاني سلطات النيابة وفقاً للتعديل المذكور فقد سبق أن أوردنا معناه وفقاً لنص المادة (5) (1) (هـ) وهي ( تشمل جميع الإجراءات التي تتخذ لتجميع البينات ) والواضح من هذا أن أمر التحري يقف عند حد جمع البينات فحسب أما تقييمها والتقرير فهو أمر يخرج عن هذا التفسير
وأما القول بتولي الاتهام وهو ثالث سلطات النيابة وفقاً لهذا التعديل فهو يعني الاختصاص أمام القضاء والوقوف كطرف من أطراف الخصومة لا يمتاز على الطرف الآخر بشيء ولا شك أن تمثيل الاتهام أمام القضاء لا يمكن أن يشمل انفراد الاتهام بالتقرير فيه فإن اقتنعت شطبتها وإن لم تقتنع لا تلبي طلب الاتهام
وهكذا فإننا نصل إلى صحة قرار السيد قاضي المديرية ومن ثم فإننا نؤيده فيما توصل
التاريخ:9/6/1987م
القاضي: عبد الرءوف حسب الله الملاسي
أتفق تماماً مع رأي الزميل محمد صالح وأضيف الآتي :
1- كما ذكر زميلي فسلطات النائب العام في م(6) من قانون النائب العام تعديل 1405هـ يحدد سلطات النائب العام في الآتي :
أ- العلم بالجريمة
ب- التحري
ج- تولي الاتهام أمام المحاكم
2- كما فصل الزميل (فالعلم) أو ( أخذ العلم) عرفه القانون وحدد مقصده ومعناه (5/1/ك) إجراءات جنائية وبالتالي (فأخذ العلم)يعني اتصال بعلم النائب العام وقوع الاتهام محل البلاغ بصفته الرسمية التي تخول له أخذ هذا العلم
3- أما التحري في الواقعة (وهو جمع البينات )أي تجميع الوقائع والبينات المتصلة بالجريمة محل الاتهام
4- أما تمثيل الاتهام أمام المحاكم فهو أمر بديهي لا معنى للنقاش حوله
أما النقطة الجوهرية في الأمر : ألا وهي هل تعطي سلطة الحكم وتوجيه التحري أو تولي الاتهام للنائب العام حق (حفظ الإجراءات أو شطب الاتهام أو إنهاء التحري) والإجابة بالنفي لأن تعريف القانون لهذه السلطات حصرها في إجراءات تجميع الوقائع والبينات ولا تمتد إلى إصدار قرار بشأن إنهاء تلك الإجراءات بعد التحري فالأمر متروك بنص قانون الإجراءات الجنائية للقاضي بموجب نص م121 إجراءات و 133 إجراءات فالنيابة سلطتها الوحيدة بموجب م 121 في إنهاء الاتهام بعد تدوينه في الأحوال وقبل تسجيله في أورنيك البلاغ الأول أما المادة 133 إجراءات فهي تتحدث عن سلطة المحكمة عند ورود البلاغ إليها ولها أما إعادته للتحري أو مزيد من التحري أو المحاكمة وبالتالي فالمحكمة لها سلطة شطب البلاغ أو محاكمته أو إعادته للتحري مرة أخرى كما أن المحكمة عند التحديد تحت م 128 إجراءات بالحبس تراجع التحري وتقييمه وإن كان يبرر إبقاء المتهم في الحراسة وبالتالي لا تملك جهة الاتهام سوى الالتزام بتوجيه المحكمة في إجراء يتطلب إبقاء المتهم في الحراسة أو إطلاق سراحه
وعليه فإن سلطة العلم و التحري والاتهام أمام المحاكم هي سلطات مقيدة ( بجمع الوقائع والبينات أما إنهاء التحري أو الاتهام سواءً في مرحلة التحري أو المحاكمة فهو سلطة مطلقة للمحكمة ) كما ذكر زميلي محمد صالح وعليه أتفق معه في الرأي
التاريخ:17/6/1987م
القاضي: صالح الشريف
أوافـــق

