حكومة السودان / ضد / عبد الله كرار كشه
القضاة :
سعادة السيد/ صلاح الدين شبيكة -قاضي المحكمة العليا -رئيساً
سعادة السيد / د حسن محمد علوب -قاضي المحكمة العليا- عضواً
سعادة السيد/ محمد الفضل شوقي -قاضي المحكمة العليا بالإنابة -عضواً
حكومة السودان / ضد / عبد الله كرار كشه
م ع / ط ج / 10 / 73
المبادئ:
قانون العقوبات – الاحتيال – تعريف السبب المعقول أوقف الشيك – المادة 362 ب(ج)
1- السبب المعقول الوارد في المادة 362 ب(ج) عقوبات لا يشمل النزاع المدني بين الشاكي والمتهم بل يكون سببا واضحا لا نزاع فيه كسرقة الشيك أو فقدان حامله له
2- إذا كان نزاع أجدى حول المبلغ الذي تم تحرير الشيك به فأن الساحب لا يملك حق إيقاف الشيك ألا عن طريق المحكمة المدنية – ووفقا لإجراءاتها
المحامون :
عبد العزيز شدو عن المتهم
مبارك المدني وبكري أحمد عبد الهادي عن الشاكي
الحكم:
التاريخ : 11 / 12 / 1973
المتهم عبد الله كرار كشه أصدرت محكمة كبري في بور تسودان برئاسة السيد الصادق سلمان قرارها يوم 23 / 12 / 1972 بتبرئته من التهمة الموجهة إليه تحت المادة 362 (ب) (ج) من قانون العقوبات وأمرت بالإفراج عنه
الحقائق الجوهرية باختصار هي أن المتهم في فبراير 1972 دخل في معاملات تجارية مع الطرف الشاكي في القضية وهو عبد الله سالم عبود تم بموجبه فتح اعتماد باسم المتهم ليصدر بموجبه كميات من الذرة لخارج البلاد والاتفاق يقضي بأن يرسل المتهم الذرة للشاكي في بور تسودان ويقوم الشاكي بتنظيفها وشحنها وتقوم الجهة التي تستلم الذرة خارج البلاد بتحويل قيمتها إلى اسم المتهم بالسودان والتزام المتهم بأن يقوم بسداد نصيب الشاكي من الأرباح بعد استلامه للقيمة وقد قام المتهم بإرسال الكمية الأولى من الذرة وهي ثلاثة ألف طن إلى الشاكي الذي باشر تصديرها للخارج ومن بعد ذلك استلم المتهم القيمة وتم تقدير نصيب للشاكي وبلغ 16400 جنيه وحرر المتهم شيكا بهذا المبلغ 12 / 3 / 1972 وسلمه للشاكي وكان شيكا مستحقا للصرف في 31/5/1972 وعندما قدم الشاكي الشيك للصرف في 19 / 6 / 1973 أتضح أن المتهم قد أوقف صرفه
حوكم المتهم كما ذكرنا أمام محكمة كبري لإيقافه لذلك الشيك وكانت التهمة تحت المادة 362 (ب) (ج) من قانون عقوبات السودان وقد وجدت المحكمة ان المتهم كان لديه سبب معقول لإيقاف صرف الشيك وهذا السبب المعقول في نظر المحكمة كان أساسه النزاع المدني الذي ثار بين المتهم والشاكي حول استحقاقات الأخير بالنسبة لعمليات التصدير والتي تلت الرسالة الأولى وقد صدر قرار البراءة استنادا علي ذلك السبب
استأنف الشاكي لمحكمة الاستئناف التي رأت أن السبب المعقول لوقف الشيك ) لا يمكن أن يكون نزاعا مدنيا بين الشاكي والمتهم وبناءا عليه شطب قرار البراءة وأمرت بإعادة الإجراءات للمحكمة لمواصلتها
يطعن محامي المتهم عن طريق النقص ويسند لمحكمة الاستئناف خلطاها في تفسير المادة 362 (ب) (ج) من قانون العقوبات ورفضها لاعتبار مديونية الشاكي له كسبب معقول لإيقاف الشيك
من هذا يتضح أن الخلاف يتمركز في تفسير ( السبب المعقول ) الذي جعله المشرع حسب نص المادة 362 (ب) (ج) من قانون العقوبات الأساس الوحيد لاستثناء تطبيق وتجريم المتهم هذا ( السبب المعقول ) رأت محكمة الموضوع أنه يمكن أن يكون نزاعا مدنيا مثل هذا النزاع الذي دار ويدور بين المتهم والشاكي بينما رأت محكمة الاستئناف ان هذا ( السبب المعقول ) لا يمكن أن يكون ألا ( سببا واضحا لا نزاع فيه يعطي الحق للمتهم بوقف صرف الشيك )
أننا نبدأ أولا ونقرر بأن الاختلاف حول تفسير هذه المادة أمر متوقع ومنظور وذلك لسبب جوهري وهام وهو أن موضوع هذه المادة وهو المعاملات بالشيكات لم يكن في الماضي من الموضوع التي يشملها قانون الجنايات لانه أساسا موضوع ذو صيغة مدنية بحتة وعندما طرأت الظروف التي جعلت من الضروري تضمينه في قانون الجنايات وذلك حماية لهذه الشيكات ونشر الاطمئنان إليها والثقة فيها وهي الأداة الأولى في العمليات التجارية التي يرتكز عليها الاقتصاد الوطني اصبح لا مناص من أن يحدث بعض التداخل بين الاعتبارات التي تمس القانون المدني وتلك التي يعالجها قانون الجنايات وقد حاول المشرع منذ البداية تبسيط التداخل ومنع تضاعفه بأن جعل الجريمة مطلقة لا يحتاج قيامها إلى إثبات القصد الجنائي وبناءا عليه اصبح مجرد إيقاف صرف شيك ثم تحريره جريمة يعاقب عليها مهما كان قصد محرر الشيك وبغض النظر عن نيته ولكن المشرع احتاط بإدخاله لتعبير ( السبب المعقول ) حتى يخرج عن سطوة هذا النص بعض الحالات النادرة والفريدة والظاهرة ظهورا لا يحوطه أي شك أو التباس ولا يمكن أن يدور حولها نزاع جدي او جدل منطقي وبلا شك فان المنازعات المدنية لا يمكن أن تكون من بين هذه الحالات المستثناة ان فتح الباب لجعل المنازعات المدنية من بين ( الأسباب المعقولة ) لإيقاف الشيك يحيط الغرض الذي صاغ المشرع من أجله هذه الجريمة المستحدثة لقد أراد المشرع أن يجعل للشيك بمجرد تحريره وتسليمه لحامله قيمة مضمونة يحميها القانون الجنائي ولا تؤثر عليها المنازعات المدنية التي يمكن أن تثور قبل تسليم الشيك وأن ثارت بعد تسليمة فليس لصاحب الشيك أن يفرض من نفسه حكما ويستغلها كسب لإيقاف الشيك بل يجب أن يرفعها للمحكمة المدنية لتقرر هي أن كان الموضوع يستلزم إيقاف الشيك أم لا
أن التحدث عن المقاصة ومديونية حامل الشيك لصاحبه كلها مواضيع تزيد من الالتباس وسوء الفهم الذي يمكن أن يصاحب تطبيق هذا النص الجديد ويعرقل سريان أثره وجدواه في خدمة الأغراض الاقتصادية الهامة التي صيغ من أجلها وهي مواضيع مجال أثارتها هو المحكمة المدنية وليس محكمة الجنايات
أن التكييف الصحيح لهذا النص هو أنه جاء بجريمة جديدة ضمها لقانون الجنايات يجعل إيقاف صرف أي شيك بعد تحريره وتسليمه لحامله جريمة يعاقب عليها ألا في الحالات النادرة التي لا مجال لان يدور حولها نزاع جدي مثل ضياع الشيك أو فقدان حامله له أما في غير ذلك من الحالات وعندما يكون هنالك نزاع حول المبلغ الذي تم تحيري الشيك به فان الساحب لا يملك حق إيقاف الشيك مباشرة والسبيل الوحيد لذلك هو عن طريق المحكمة المدنية
بناء علي هذا لا نري سببا للتدخل في قرار محكمة الاستئناف القاضي بإعادة القضية لمحكمة الموضوع لنظرها

