حكومة السودان / ضد / عبد الله جون قمر
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / صلاح الدين شبيكة -قاضي المحكمة العليا -رئيساً
سعادة السيد/ د حسن محمد علوب- قاضي المحكمة العليا- عضواً
سعادة السيد / فضل شوقي -قاضي المحكمة العليا بالإنابة -عضواً
حكومة السودان / ضد / عبد الله جون قمر
م ع / م ك / 199 / 73
المبادئ:
قانون العقوبات – المعركة المفاجئة – ترابطها وتلاحقها – الفاصل الزمني بين المعركة وواقعة إحداث الموت – المادة 249 (4)
وقع عراك مفاجئ بين المتهم والمرحوم فاشتبكا وتصارعا وتبادلا الكلمات وكلاهما في حالة سكر تدخل الحاضرون وفصلوا بينهما مؤقتا وجلس كل منهما في مكانه وهو في ثورة من الغضب وبعد قليل شوهد المتهم يهوي بالعصا التي وجدها إمامه علي رأس المجني عليه بضربة واحدة أفضت إلي موته
أحداث المشاجرة بين المتهم والقتيل كانت مترابطة ومتلاحقة والفترة الزمنية التي مرت بين انفصالهما المبدئي ووقوع الحادث لا تعتبر كحد يقطع الصلة بين أحداث المشاجرة مما يجعل الفعل الذي قام به المتهم قائما بذاته ولذلك فأن شروط المعركة المفاجئة تحت المادة 249(4) من قانون العقوبات مستوفية
الحكم:
التاريخ : 13 / 11 / 1973
المتهم عبد الله جون قمر تمت محاكمته أمام محكمة كبري جلست في بامدرمان جنوب برئاسة السيد خالد عبد الرحمن وقد أدانته المحكمة بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات وحكمت عليه بالإعدام شنقا حتى الموت وذلك بتاريخ 2/ 6 / 1973
الوقائع الجوهرية كما تثبتها البينات هي باختصار : أن المتهم والقتيل وزميلين آخرين لهما كانوا يسكنون في حجرة واحدة بمنطقة الفتيحاب التابعة لامدرمان وفي ليلة الحادث وهي ليلة 28/12/1971 انعقد مجلس للشراب داخل تلك الحجرة يضم المذكورين وضيوف آخرين وحضرت المرأة المسماة ( خادم الله لورنس ) التي لها علاقة بالمتهم وكانت في حالة سكر وازداد سكرها عند انضمامها للمجلس فاثار منظرها حنق المجني عليه وبادر بطردها من المكان فانبري المتهم للدفاع عنها وحاول إبقاءها ولكن المجني عليه أصر وقذف بالمرأة خارج الحجرة فالتحم معه المتهم في مشاجرة استعملوا فيها الأيدي ولكن تدخل الآخرون وفصلوهما وجلس كل في سريره واوي المجني عليه إلي فراشه وفجاه جذب المتهم عصا كانت بالحجرة واهوي بها علي راس المجني عليه ثم انسحب من المكان ثم نقل المجني عليه للمستشفي متأثرا بتلك الضربة وبقي في المستشفي تسعة أيام حتى توفي يوم 6 / 1/1972 نتيجة للنزيف الداخلي الذي سببته له تلك الضربة في الرأس تقدم السجين بطعن يري فيه أن وفاة المجني عليه لم تكن نتيجة لأي تصرف من جانبه
أول ما نلاحظه أن القاضي الذي قام بتدوين الاعتراف القضائي لجأ إلي أسلوب في غاية الاقتضاب في سرد الوقائع مما أدى لان يجئ الاعتراف في ارجع كلمات فقط وقاصرا عن تصور الوقائع الكاملة للحادث
الوقائع الجوهرية ليس فيها خلاف سوي أن المتهم بعد أن اقر في البداية ضربه للمجني عليه بالعصا تراجع مؤخرا وزعم أن المجني عليه سقط أثناء المشاجرة التي دارت بينهما في الأرض وارتطم رأسه بجسم صلب سبب له ذلك الأذى في الرأس الذي أدى لوفاته ولكن البينات فيها ما يكفي لاثبات واقعة استعمال المتهم للعصا عند ضربه للمجني عليه بينما كان الأخير يجلس في سريره
كذلك نجد أن رابطة السببية بين واقعة الضرب وواقعة الوفاة متينة وليس فيها نزاع
بقي عنصر القصد الجنائي وهذا ما نستخلصه من حجم تلك العصا التي استعملها المتهم والتي وصفتها المحكمة بأنها ضخمة وثقيلة في الوزن ونستخلصه من المكان – في جسم المجني عليه – الذي أصابه المتهم فيه وهو الرأس ونستخلصه من الأثر البعيد الذي تركته تلك الإصابة في الرأس لقد تركت الإصابة آثارا عميقة وهشمت الجمجمة وتسببت في نزيف داخلي استحكم واستمر حتى أدي للوفاة مثل هذه الإصابة ومثل هذه الأداة إالتي استعملها المتهم لتسبيب الأذى فر رأس المجني عليه وهو أكثر أجزاء الجسم خطورة لا تدع مجالا للشك في أن المتهم لابد قد كان يعلم أنه بتلك الإصابة سوف يتسبب في وفاة المجني عليه كأمر مرجح وليس مجرد محتمل
بناء علي هذا يكون المتهم قد ارتكب جريمة قتل عمد ما لم تتدخل المادة 249 من قانون العقوبات لتخفيفها فهل في المادة 249 من قانون العقوبات وظروفها ما ينطبق علي حالة هذا المتهم وظروف الجريمة التي ارتكبها لقد أجابت المحكمة علي التساؤل بالنفي ولكننا نري غير ذلك
لقد كانت هناك مشاجرة حادة وعنيفة ومفاجئة بين المتهم والمجني عليه نشبت في ظروف حساسة بالنسبة لكل منهما فالأول كان يدافع عن ملذاته وحقه في الاستماع بالمرأة التي أرادته أرادها والتي سعت لتقضي معه تلك الليلة والثاني كان يدافع عن حقه في الاستمتاع بالهدوء والسكينة داخل حجرته بعد تلك الليلة الصاخبة وقد كان في تواجد خليله المتهم ما يهدد بتعكير مزاجه وافساد راحته كان كل منهما يعتقد أنه علي حق ولم يكن هنالك أي سبق إصرار فتماسكا وتصارعا وتبادلا الكلمات وكلاهما في حالة سكر وتدخل بينهما الزملاء ففصلوهما مؤقتا وجلس كل منهما في مكانه وهو يتميز غيظا وبعد قليل شوهد المتهم وهو يهوي بالعصا التي وجدها أمامه علي راس المجني عليه بضربة واحدة فهل في هذه الوقائع مرتبطة ما يخرج بها عن إنطاق الفقرة 4 من المادة 249 من قانون العقوبات ؟
أن أحداث المشاجرة التي دارت بين المتهم والمجني عليه مترابطة تماما وبلا حق بعضها بعضا وأن الفترة الزمنية التي انقضت بين انفصالهما المبدئي حينما جلس كل منهما في سريره وبين انتصاب المتهم واقفا مرة أخري وضربه للمجني عليه بالعصا في رأسه لا تعتبر حدا يقطع بين أحداث المشاجرة ويجعل الفعل الذي اقدم عليه المتهم فعلا قائما بذاته لا تنطبق عليه الأوصاف التي انطبقت علي الجزء الأول من ذلك الصدام
يقول راتنلال :
“…… and if persons meet originally on fair terms and after an interval , blows having been given a party draws in the heat of blood A deadly instrument, and inflicts a deadly injury, it is manslaughter only
أي أنه إذا التحم شخصان وهما في الأصل علي قدم المساواة وتبادلا الكلمات وبعد فترة بادر أحدهما وهو في حالة هياج وغليان بإشهار أداة قاتلة سبب بها أذى قاتلا فأن جريمته تظل في مستوي القتل الجنائي
لم تورد المحكمة الكبرى شهادة ( (ش أ 2 ) بالدقة المطلوبة في تسبيبها إذ أن للشاهد روايتان أحدهما قبل المناقشة حيث يقول علي صفحة 14 من محضر المحاكمة :
( ولما شافني أنا وقدت المتهم قام شال العصا وضرب ألزول ورقد بره قمنا كلنا أنا وألزول المعانة في البيت عوض وسالت المرحوم قلت ليه مالك قال لي ضربني عبد الله) أما الرواية الثانية فقد جاءت بعد المناقشة علي صفحة 15 من محضر المحاكمة حيث يقول الشاهد ( لما ضربه أنا كنت نايم ولم أراه أنا سمعت ضربة الباب لما مرق المتهم من الاودة عشان كده صحيت ) بينما وردت الإشارة إلي شهادة هذا الشاهد في حكم المحكمة الكبرى علي صفحة 26 من محضر المحاكمة كما يلي : ( ذكر الشاهد قاسم ( ش أ 2 ) أنه بعد أن بدأ النوم استيقظ علي صوت ضربة ورأي المتهم يغادر الحجرة بسرعة وبعد ذلك سال القتيل عما حدث وقد رد القتيل بأن عبد الله ( المتهم ) قد ضربه )
ومقارنة روايتي المتهم توضح أن الشاهد يذكر بأنه استيقظ علي صوت ضربة الباب وليس ضربة المتهم للمرحوم الأمر الذي تقتضي الدقة والأنصاف توضيحه بعناية كما أن هذا الشاهد هو من نفس فرع قبيلة المرحوم الأمر الذي يحيط شهادته بالحذر ألا أن مسالة الضرب تجد إثباتا كافيا من أقوال المتوفى مؤيدة بالقرار الطبي عند تشريح الجثة عن وجود نزيف فوق فروة الرأس من الناحية العليا الأمر الذي يؤيد تسبيب ذلك بالضرب بعصا وليس بمجرد الاصطدام ب ( الشعبية ) ألا أن موضوع الضربة يثير التساؤل عن صحة ما ذكر في تلخيص المحكمة الكبرى للوقائع الثابتة بأن المتهم ضرب المرحوم بعد أن آوي الأخير إلي فراشه بما يفهم منه أن المرحوم كان راقدا حينذاك حيث أن الكسر كان بأعلى الرأس إلا أن رواية المتوفى في أقواله علي صفحة 20 من يومية التحري تجلي هذه النقطة حيث يقول :
( وأنا جلست في العنقريب وهو مشي جاب عكاز من ( صرير ) وضربني به في رأسي ضربتان ) ولو أن الكلمة التي تلي حرف الجر ( من ) في الأقوال أعلاه غير واضحة في الكتابة حيث أن هجاء ما كتب كما يلي ( ص ر ى ر ) وأن كانت شهادة البوليس الذي سجل تلك الأقوال حينما استعاد ما كتبه أمام قاضي التحقيق تشير أيضا في صورة غير واضحة تماما إلي ( عكاز من حديد ) والحديدة
لذلك فأن البينة الأساسية التي تصور تفاصيل ما وقع عند ضرب المتهم للمتوفى هي رواية المتوفى والتمعن في تلك الرواية خاصة الجزء السابق علي الضرب ينتج مجالا لإثارة دفع المعركة المفاجئة لصالحة فيقول المتهم في ذلك الجزء السابق مباشرة : ( ,أنا اتضاربت معاه ب ( البونية ) وقاسم فكانا من بعض وأنا جلست في العنقريب )
ويتضح من تلك الظروف أن المتهم ظل فاندفع وهو في تلك الحال ورفع العصي واهوي بها علي راس المجني عليه مرة واحدة فقط ان البينات لا تشير بوضوح إلي تفاصيل ما حدث بين القتيل والمتهم حتى نقطة حدوث الضرب ألا أننا بأعمال قاعدة تفسير الشك لصالح المتهم ووفقا لما يستخلص من أقوال القتيل نري ان ما حدث من المتهم كان خلال المشاجرة المفاجئة العنيفة التي نشبت بينه وبين المجني عليه والتي لا يمكن أن نعتبر أنها انتهت بالانفصال المؤقت الذي حدث بين الفريقين عندما جلس منهما في مكانه ينظر للآخر ولم يكن هنالك ما يشير إلي أنه قد حدث من المتهم استغلال غير ملائم للظروف إذا أخذنا في الاعتبار سلوك القتيل المعاصر للمشاجرة
أن المتهم تنطبق عليه ظروف الفقرة الرابعة من المادة 249 من قانون العقوبات وبناء عليه نعدل أدانته لتكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات
أما فيما ينطبق بالعقوبة فأننا نأخذ في الاعتبار :
أولاً : صغر سن المتهم الذي لم يتجاوز عمره عشرون سنة
ثانيا : ظروف الحادث التي يتضح منها أن المتهم أقحم بسبب سوء الحظ في الدخول في هذه المعركة مع ما كان يتنازعه من إحساس بضرورة حماية صديقته
ثالثا: بالرغم من وجود سابقة للمتهم إلا أنها كانت في السرقة حينما كان صبيا وليس هنالك ما يشير إلى لجوء المتهم إلى أسلوب العنف
علي ضوء ما تقدم نري أن العقوبة الملائمة هي السجن لمدة أربعة عشر سنة ابتداء من 6/ 1 / 1972

