حكومة السودان ضد عبد الله حسن علي عبد الجبار
المحكمــة العليــا
القضــاة:
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد الأمين محمد الأمين تاتاي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد عبد الله حسن علي عبد الجبار
م ع/م ك/31/1980م
المحامـــون:
عبد الصادق محمد عبد الصادق
المبادئ:
إثبات – بينة قصاصي الأثر – ضرورة تأييدها في الجرائم الخطيرة – المنشور الجنائي رقم 39
إثبات – البينة الظرفية- ضرورة تأييدها – الجرائم الخطيرة شرطان
1- لقبول البينات الظرفية في الإثبات في القضايا الخطيرة كالقتل يجب أن يتوفر شرطان للإدانة:
( أ ) يجب أن تكون الوقائع المؤدية للتجريم متعارضة مع براءة المتهم أو إدانة أي شخص آخر وأن تكون غير قابلة لأي تفسير يستند إلى افتراض معقول مما يغاير الإدانة وإلا فيلزم أن يفسر الشك لصالح المتهم
(ب) يجب أن تثبت الظروف التي يراد بها استخلاص استنتاج منها ضد المتهم بدون شك معقول كما يجب أن تكون تلك الظروف متصلة بالواقعة التي يراد استخلاصها منها
2- جرى العمل على ضرورة تأييد أقوال قصاصي الأثر بينة أخرى في الجرائم الخطيرة كما قررت الفقرة الثانية من المنشور الجنائي رقم (39) إذ لابد من ثبوت جرم المتهم بينة واضحة وقائمة على اليقين التام
الحكـــم
القاضي فضل شوقي:
4/8/1980:
أصدرت المحكمة الكبرى في الكاملين قرارها يوم 28/1/1980 وأدانت المتهم عبد الله حسن علي عبد الجبار بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات وحمكت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت – الشيء الذي تعين معه عرض المحضر علينا للنظر في شأن التأييد الذي يتطلبه هذا الحكم وفقاً للمادة 250 من قانون الإجراءات الجنائية وقد تقدم لنا محامي المتهم بطعن مستفيض يعترض فيه على الإدانة ويرى أن القرار ضد الوزن الصحيح للبينات وأن القرائن التي استندت عليها المحكمة غير مترابطة وأهمها شهادة قصاص الأثر التي جاءت مفتقرة للأصول الصحيحة التي كان يجدر أن تتبع قبل أن يعطى هذه الشهادة أي وزن بإسقاط هذه الشهادة يرى مقدم الطعن أن الشهادات الأخرى تنهار على أثرها الواحدة تلو الأخرى ويطلب من أجل ذلك نقض الحكم
وباستقراء المحضر نجد أن الوقائع الجوهرية التي اقتنعت المحكمة بثبوتها تتلخص في أن الشرطي شاهد الاتهام الثاني عثر صباح يوم 10/2/1979م عن طريق الصدفة على جثة في الطريق العام بالقرب من مشروع كمبال في منطقة المسيد وهو في طريقه بعربة لمهمة رسمية – وتم إخطار البوليس وقادت التحريات الأولية إلى القبض على المتهم واستعان البوليس بقصاص الأثر شاهد الاتهام الثالث الذي تعرف على الآثار التي كانت بمحل الحادث وما أن عرضت عليه آثار أقدام المتهم وسط آثار أخرى لمجموعة من الناس حتى استدل عليها – واستطاع أن يفرزها في طابورين لأشخاص مختلفين عرضوا عليه – وقد ثبت أن المتهم بعد وقت قصير من وقوع الحادث التقى بجماعة فرأوا دماء في ثيابه وكان ينتعل فردة واحدة لحذاء بقدمه اليمين- وقد أعطى الذين قابلوه تبريراً كاذباً لكل من تلك الملاحظتين- وقد عثر على فردة حذائه الأخرى على مقربة من مكان الحادث واعترف بأنها تخصه وهناك شاهد آخر هو شاهد الاتهام الخامس ذكر أنه في يوم الحادث رأى من على بعد شخصين متماسكين وبالقرب منهما حمارين اتضح فيما بعد أن أوصاف أحدهما تنطبق على أوصاف حمار المتهم والآخر كان هو حمار القتيل أما عن المتهم نفسه فقد أنكر كليا ارتكابه للحادث وقد أسفر تشريح الجثة عن الوفاة كانت نتيجة للطعنة التي أصابت صدر المرحوم فأدت إلى نزيف وهبوط بالقلب
تساءلت المحكمة أول ما تساءلت من هو الذي طعن المرحوم؟ وهل الأدلة كافية لإثبات أن الفاعل هو المتهم؟ فأجابت بنعم عن ثقة ويقين – ونحن نتفق معها في ذلك إذ أن البينات الظرفية التي توفرت لهي من الترابط والمنعة بحيث لا يجد الشك المعقول منفذاً من خلالها- فهنالك أولا شهادة قصاص الأثر وهو خبير عريق في مهنته – وقد اقتنعت المحكمة بأن ممارسته لمهنته امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً – وقد استطاع أن يتعرف على آثار المتهم ويفرزها من بين عدد كبير من آثار أقدام أخرى عرضت عليه في مرتين متتاليتين- وأكد أنها هي نفس آثار الشخص الذي تشاجر مع المرحوم في محال الحادث- وقد انصب اعتراض محامي المتهم على هذه البينة في أن القصاص كان يعرف المتهم قبل الحادث وقد (قابله) في مركز الشرطة وعلم أنه هو المتهم – ولكن السيد المحامي نسي أن هذا لا يقدح في قيمة الشهادة إذ أن معرفة القصاص بشخصية المتهم لا تساعده في التعرف على آثار أقدامه – لقد اختلطت على السيد مقدم الطعن متطلبات طابور الشخصية مع متطلبات آثار الأقدام – ففي الأول يمكن أن تكون المعرفة المسبقة للمتهم أساساً للاعتراض على شهادة الشخص الذي يلتقط المتهم في الطابور والتقليل من قيمة شهادته – أما في طابور الآثار فإن الذي يعرض على الخبير هي مجموعة آثار أقدام (وليس شخصيات) ليفرز منها ما يتعرف عليه ولا دخل للمعرفة الشخصية في هذه المهمة فهي لا تقدم ولا تؤخر وإذا جاءت نتيجة الفرز صحيحة ومطابقة للآثار المطلوب التعرف عليها مع تكرار العملية فإن ذلك جدير بأن يكون دليلاً دامغاً على صحة تلك النتيجة (وبراعة) الخبير وإمكانية الاطمئنان إليه والثقة فيه – صحيح أن الإجراءات التي اتبعت لاختيار صحة شهادة هذا القصاص ليس هي حرفياً المفصلة في المنشور الجنائي رقم 39 ولكنها بشكل عام كافية في رأينا للاطمئنان إليها والتعويل عليها وهذا هو نفسه ما تقوله الفقرة 4 من ذلك المنشور – بعد هذا تجئ قصة فردة الحذاء الذي اعترف المتهم بأنها تخصه وقد وجدت على مقربة من مكان الحادث وقد تعثر المتهم في محاولة شرح هذه الظاهرة وراح يتحدث عن سقوطه من على ظهر حماره – ونسى أن الذي يسقط وتخرج فردة حذائه من رجله في الظروف العادية لا يواصل سيره من دون أن يلتقطها – وأن الذي يتركها وراءه لابد أن يكون في عجلة مريبة من أمره – اضطراب شديد يدفعه لإسراع الخطى والابتعاد وهذا ينطبق على الحالة التي لابد أنها ألمت بالمتهم بعد ارتكابه للحادث ودفعته ليترك فردة حذائه خلفه – وهو في طريقه مبتعداً عن مكان الحادث ثم نجد في متناولنا بعد ذلك آثار الدماء والتي رآها الشهود في ملابس المتهم بعد الوقت الذي حدث فيه الحادث بقليل وكيف أنه لجأ للكذب من أجل تبريرها وادعى أنها لبهيمة ذبحها بينما تأكد للشهود أن ذلك لم يحدث – أن اللجوء للكذب وحده في هذه الظروف لقرينة دامغة ضد المتهم ذات وزن كبير لإثبات تورطه في هذا الحادث- وقد اختفت تلك الملابس الملوثة بعد انصراف المتهم لمنزله – ولم يعثر عليها البوليس –وهذا الرد على تساؤل السيد محامي المتهم عن السبب في عدم الكشف على تلك الآثار لمعرفة هل كانت الدماء فعلاً دماء بشرية أم لحيوان – ويستمر ورود القرائن فنجد أمامنا أقوال الشاهد الذي أبصر من بعيد شخصين يتشاجران في مكان الحادث وبجانبهما حمارين أحدهما ارتبطت أوصافه على حمار المتهم – فهل يمكن بعد هذا كله أن يساورنا شك في موضوع الشخص الذي طعن القتيل وتسبب في وفاته – أن القاعدة الأصولية في شأن البينات الظرفية هي أنها ينبغي أن تكون مترابطة ولا تحمل إلا تفسيراً واحداً إذا أرادت المحكمة أن تجعلها أساساً للإدانة – فهل هناك أي تفسير آخر لحالة شخص وجدت آثار أقدامه في محل الحادث وبالقرب من جثة القتيل – ثم عثر على فردة حذائه في الطريق الممتد من ذلك المكان والذي يمكن أن يكون قد اتبعه وهو يبتعد عن المكان بعد ارتكابه الجريمة ويلوذ بالفرار وقد شاهده أناس بعد ذلك بقليل وملابسه ملطخة بالدماء وعند سؤاله لجأ للكذب والمراوغة وثبت أخيراً أن حماراً تنطبق أوصافه على أوصاف حماره كان في محل الحادث في اللحظة التي كان – القتيل يتشاجر فيها مع الذي طعنه وتسبب في وفاته؟ هل يمكن أن تتحمل هذه القرائن أي تفسير سوى أن هذا الشخص هو الذي طعن القتيل؟ الإجابة قطعاً هي بالنفي – والاستخلاص المنطقي الذي لا يقبل العقل استخلاصا خلافه هو أن هذا الشخص هو الذي تشاجر مع القتيل وطعنه في صدره – وهذه الإجابة هي الحاسمة إذ أن ما تبقى من مقومات جريمة القتل لا نزاع حوله فقد توفي القتيل متأثراً بالطعنة التي أصابت صدره حسب الشهادة الطبية وهي طعنة تنطوي في حد ذاتها على الدليل بأن المتهم كان يعلم عند تسديدها أنها ستسبب الوفاة كنتيجة مرجحة – الخلاف بيننا ومحكمة الموضوع ينحصر في الظروف الاستثنائية التي وقع تحت ظلها الحادث والتي يمكن أن تهبط بدرجة الجريمة وقد استبعدتها المحكمة جميعها – ويهمنا من (بينها) ظروف المعركة المفاجئة والذي قالت المحكمة في شأنه أن المتهم لم يدفع به ولم يثبت أمامها شئ من مقوماته – وكلاهما سبب غير صحيح فالمنشور الجنائي رقم (3) يلزم المحكمة بأن تضع في الاعتبار كل ما يشير إلى نشوء حالة من هذه الحالات الاستثنائية حتى ولو لم يدفع بها المتهم من تلقاء نفسه – وقد وردت بالمنشور الفقرة التالية:
“the Common mistake is to suppose that the accused must prove beyond any reasonable doubt that he is entitled to one or more of the sub-sections It is sufficient in order to be squinted of murder, for that …… accused or for the evidence itself, without the aid or the accused, to raise such a possibility of the existence of …… Circumstances entitling him to the benefit of a sub-section, that the Court feels it cannot safely disregard”
إن البينات (تنطبق) بأن الحادث وقع خلال مشاجرة وأن الطرفين تجاذبا وتماسكا وتشاددا وتركا آثار عراك عنيف في مسرح الجريمة – تحدث عن هذا المتحري ووصف ما وراءه من آثار عراك في محل الحادث – وتحدث عنه الشاهد الذي رأى الطرفين متماسكين وحماريهما بجانبهما – وتحدث أيضا قصاص الأثر وأكد بالصحيفة 34 من المحضر أن الآثار في مكان الجريمة تخبر عن ذلك – أنه ليس لدينا تفاصيل عن مدى تلك المعركة وطابعها والشكل الذي اتخذته وما حدث على وجه التحديد ولكننا ملزمين بأن نأخذ بالاحتمالات التي في (صالح) المتهم ما دامت لا تتعارض مع البينات الأخرى المتوفرة – ومن أجل هذا علينا أن نعتبر بأنها معركة مفاجئة نشبت حينما التقى الطرفان في الطريق العام وكان المتهم (حسب ما ذكره قصاص الأثر بالصحيفة 38 من المحضر) مستلقيا في الأرض عندما اقترب منه المرحوم ثم حدث التشابك وقد جاءت الطعنة (حسب الشهادة الطبية) من الأمام ما ينفي أنها كانت مباغتة أو منطوية على غدر – وكان طعنة واحدة وهذا بدوره ينفي وصف الوحشية أو الشراسة – أما عن أصل الخلاف وجذوره فإن البينات لا تكشف عن شيء في هذا الخصوص بخلاف ما ورد على لسان شاهد الاتهام الرابع عن الاحتداد الذي حدث بين المتهم وبعض أقارب المرحوم بخصوص كمية من اللحمة في مكان بيع الخمور صبيحة يوم الحادث – وعلى أية حال فإن سبب المعركة والدافع لها وكيف بدأت ومن هو البادئ بالاعتداد كلها ليست بذات موضوع وخارجة عن الاعتبار ما دمنا قد اقتنعنا بأن المعركة الفعلية حدثت فجأة وبدون سابق تدبير وهو ما توصلنا إليه من الشواهد ولم ترد أدلة نفيه – نخلص من هذا إلى أن الحادث يظله ظرف المعركة المفاجئة مما يتعين معه تعديل الإدانة لتكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات ونعدل العقوبة لتكون السجن لأربعة عشر سنة ابتداء من 11/2/1979 آخذين في الاعتبار ملابسات الحادث والظروف الخاصة بالطرفين
القاضي زكي عبد الرحمن:
الوقائع الجوهرية للقضية المعروضة هي كما لخصها زميلي المحترم القاضي محمد الفضل شوقي إلا من نقطة واحدة هي أننا وخلاف لمذهب الزميل المحترم أرى أنه ليست هناك أدلة مقبولة تثبت أن المتهم شوهد بعد الحادث ينتعل فردة واحدة لحذاء
ولا خلاف قبل هذا وبعده على أن المجني عليه قد مات مقتولاً ولا أنه ليست هناك أدلة مباشرة يستدل بها على الجاني ولا يتعدى المتاح من الأدلة بعض القرائن التي أبرزها الزميل محمد الفضل في مذكرته
بيد أن الخلاف – مع الاحترام اللازم- إنما حول كفاية تلك القرائن لإدانة المتهم بجريمة القتل العمد وهي من الجرائم الخطيرة إن لم تكن أخطرها على الإطلاق
ولعله من المناسب أن نستعيد هنا نظرة محاكمنا لما يسمى بالبينات الظرفية في إثبات الجرائم عموماً
ونحن حين نفعل ذلك (نبتغي) تحقيق استقرار المبادئ إما تمسكا بما سار عليه العمل أو خروجاً صريحاً على ذلك وبذلك وحده يستبين الكافة حقوقهم وواجباتهم
ولما كان الرجوع إلى المبادئ المستقرة بشأن أدلة القرائن ضرورية على ما أشرت إليه من وجه فإن ما يطالعنا في هذا الصدد هو ما أقرته سابقتا حكومة السودان ضد يولي لويا (مجلة الأحكام القضائية لسنة 1959 ص 69) وحكومة السودان ضد محمد بره بحر (م ع/172/73) (مجلة الأحكام القضائية لسنة1973 ص 371) وخاصة الأخيرة وهي من أحكام المحكمة العليا الحالية حيث ورد على صحيفة 373 ما يلي:
"فمن المسلم به وجود مبدأ أساسي يلاقي إجماعا على النطاق العالمي بأن القضايا الجنائية التي يقوم فيها إثبات على البينات الظرفية يلزم أن يتوافر شرطان للاعتماد عليها كدليل لإدانة المتهم:
فأولاً: يجب أن تكون الوقائع المؤدية للتجريم متعارضة مع براءة المتهم أو إدانة أي شخص آخر وأن تكون غير قابلة لأي تفسير يستند إلى افتراض معقول بما يغاير الإدانة وإلا فيلزم أن يفسر الشك لصالح المتهم
ثانياً: يجب أن تثبت الظروف التي يراد استخلاص استنتاج منها ضد المتهم بدون شك معقول كما يجب أن تكون تلك الظروف متصلة بالواقعة التي يراد استخلاصها منها
وبشأن بينة قصاص الأثر ورد في سابقة حكومة السودان ضد علي امبدة فضل الله م ع/م ك/04/77 نشرة مايو/يونيو سنة 1977 (وهي من أحكام المحكمة العليا أيضاً) على صفحة 35 ما يلي:-
هذا بجانب أن العمل جرى على ضرورة تأييد أقوال قصاص الأثر ببينة أخرى كما قررت الفقرة الثانية من المنشور المشار إليه (المنشور الجنائي رقم 39) وهذا حق وعدل خصوصاً في مثل هذه الجرائم الخطيرة إذ لابد من ثبوت جرم المتهم ببينة واضحة وقائمة على اليقين التام
ولسنا هنا بصدد الدخول في جدل فقهي حول مدى إلزامية هذه المبادئ لنا في ضوء النتائج- المحددة التي توصلت إليها المحكمة في تلك القضايا أو في ضوء أي اعتبار آخر حيث أننا نكون في غنى عن ذلك متى ما كانت تلك المبادئ مقبولة لدينا من حيث المبدأ
ولأنني لا أرى ما يحملني على الاعتقاد بأن هذه المحكمة قد تخلت عن تلك المبادئ أمضى إلى تطبيقها في القضية المعروضة
وهنا فإن البينة الرئيسية التي اعتمدت عليها إدانة المتهم هي أن المتحري وقصاص أثر قد لاحظا وجود آثار أقدام في ساحة الجريمة تبين منها أن أحد الأشخاص كان ينتعل حذا ء قدم بينما كانت القدم الأخرى حافية وقد تعرف قصاص الأثر فيما بعد على أثر المتهم باعتباره هو الأثر الذي وجد في ساحة الجريمة
وبمراجعة الإجراءات في مراحلها المختلفة تبرز الملاحظات الآتية بشأن هذه البينة الظرفيـة
( أ ) رغم أن كلا الشاهدين – المتحري وقصاص الأثر- قد زارا مكان الحادث فإنهما اختلفا حول القدم الحافية التي وجد أثرها في مكان الحادث فبينما يقول المتحري أن القدم اليسرى هي التي كانت حافية يصر قصاص الأثر على أن الحافية إنما كانت القدم اليمنى ومن أول وهلة قد تبدو هذه الملاحظة تافهة ما دام طابور الأثر قد شمل القدمين حافيتين غير أنه من الواضح أن تركيز قصاص الأثر لابد قد انصب على قدم دون أخرى ومن الطبيعي أن يكون تركيزه قد أنصب على ما اعتقده هو القدم التي رأى أثرها وهي حافية فإذا ما كان هناك شك حول أي القدمين كانت حافية فلا ريب في أن ذلك الشك يمتد بضرورة أيضاً إلى نتيجة الطابور وذلك بحكم حقيقة هامة سأفصلها فيما بعد هي أن التعرف على الأثر لا تحكمه معايير علمية
(ب) وقع الحادث في 10/2/1979 وزار قصاص الأثر المكان في نفس اليوم ولما كان ميعاد البلاغ حوالي الساعة السادسة والخمس وعشرين دقيقة مساء فلا بد أن الزيارة كانت بعد مغيب الشمس أو قبله بقليل وأجرى طابور الأثر في العاشر من صباح يوم 13/2/1979 ومع ذلك جزم قصاص الأثر أنه تعرف على أثر المتهم
وإذا ما علمنا أن المتحري قد أكد أن الآثار لم تحفظ (بتغطيتها مثلا) وأن الذين عثروا على الجثة ثم حملوها بعد ذلك لابد قد تركوا آثارهم على الساحة فإنه يصبح من غير المقبول الاطمئنان إلى إفادة قصاص الأثر بأن ما رآه مساء يوم 10/2 ظل مطبوعاً في ذهنه حتى صبيحة يوم 13/2
أنني لا أستهين بفراسة قصاصي الأثر وأومن بأنهم رجال موهوبون على أنني لا أعتقد أن المنشور الجنائي رقم 39 يسبغ على بينة قصاص الأثر (إذا ما جاءت بإتباع الإجراءات الواردة في المنشور) وزنا يعلو على طبيعة تلك البينة تماما كما لا ينتقص من وزنها ذلك إذا خالفت بعض تلك الإجراءات إلا أنه من الخطورة بمكان أن تكون موهبة لا ترضخ لمعايير علمية ولإنسان يحتمل إغراءات البشر وأهوائه ومز القه أساسا للإدانة في جريمة خطيرة كهذه خاصة إذا ما أحاطت بها أوجه (القصور) التي أشرت إليها
والقرينة الثانية التي أخذت على المتهم هي أن فردة من حذائه وجدت في مكان ليس بالقريب كما ذكر وانما على بعد حوالي اثنين من الكيلومترات – وقد أخذ هذا قرينة أدلة على أمرين هما:
أولاً: أن الأثر الذي وجد في مكان الحادث هو أثر المتهم
ثانيا: أن المتهم لابد كان في عجلة من أمره وإلا لما مضى في طريقه تاركاً فردة الحذاء وراءه
ولو أن فردة الحذاء وجدت في مكان الحادث نفسه لصحت القرينة بعض الشيء إلا أن ثبوت واقعة وجود فردة حذا المتهم وإن صادفت وقتا وقع فيه حادث قتل ليس قرينة تربط المتهم بتلك الجريمة وليس غريباً أن يكون الأمر محض صدفة
لقد لاحظت أن العثور على فردة الحذاء كان بمثابة مفتاح فتح لسلطات التحري بابا حتى أن المتحري قد دون في يومية التحري أنه يعرف صاحب الحذاء فكان أن اتجهت أصابع الاتهام كلية نحو المتهم وكانت هذه اللهفة لجمع كل قرينة من شأنها أن تقوي الشك على المتهم ومن ذلك أن شخصاً شاهد رجلين أحدهما حماره أبيض ولأن للمتهم حماراً أبيض أصبحت هذه قرينة عليه هذا مع أن يقيني هو أن الحمير البيضاء في تلك المنطقة قد تكون بعدد ساكنيها من البشر وقد تزيد
وقد كان تفسير المتهم لوجود فردة حذائه في المكان الذي وجد فيه تفسيراً معقولاً ومقبولاً في رأيي فقد ذكر أنه حين لم يوفق في بيع كل ما لديه من لحوم في الكامبو (هو مكان لبيع واحتساء الخمور البلدية) اتجه (وهو مخمور) نحو محطة السكة حديد وهناك قابلته عربة مجروس جفلت على أثر صوتها دابته فوقع على الأرض فانزلقت فردة حذائه فحملها معه ولكنها وقعت في الطريق
ويؤيد هذه الرواية أن الكشف الطبي على المتهم أثبت وجود خدوش على صدر المتهم وأيليتيه وقد أشار التقرير الطبي أن ذلك لابد كان نتيجة لركوب دابة كما يؤيدها أن (المجريات) الطبيعية للأمور تسند هذه الرواية أكثر مما تسند ربط المتهم بحادث القتل وذلك لأنه كانت فردة الحذاء قد عثر عليها على هذا البعد من مكان الحادث فإن القول بأن المتهم كان هو الشخص الذي وجد أثره حافي إحدى القدمين في مكان الحادث لا يستقيم عقلاً إذ أنه يعني أن المتهم ورغم ما أتهم به من عجلة ورغم رهبة الموقف حمل فردة الحذاء معه دون أن ينتعلها ليلقي بها قصداً أو سهوا على بعد اثنين من الكيلومترات من مكان الحادث ولو أن المتهم كان حقا في عجلة من أمره أو كان يحس برهبة لما تصرف على هذا الوجه ولترك الفردة في مكان الحادث أو انتعلها في الطريق وهو يبتعد منه أما الاحتمال الآخر فهو أن المتهم قد ذهب إلى مكان الحادث وبعد أن وقعت منه فردة الحذاء قبل ذلك وهذا ينفي أي احتمال لوجود ما يدعوه للعجلة كما أنه أصلا تفسير غير مستساغ ولا يمكن أن يحدث في الظروف العادية دون تفسير
وبهذا نجد أمامنا قرينة أخيرة هي أن المتهم شوهد ليلة الحادث وعلى ملابسه دماء وأنه فسر ذلك عند استفسار بعض الشهود بأنه قادم من (الجزارة) وقد أخذ هذا على أنه قرينة لأن الذبيح عادة ما يكون في الصباح الباكر
وهنا فإن شواهد كثيرة تضعف هذه القرينة:
أولاً: أن المتهم قصاب وقد ثبت أنه قضى يومه في محاولة لبيع ما لديه من لحوم وعليه فليس غريباً أن تبقى بقع الدم التي علقت بملابسه في أي وقت في ذلك اليوم إلى حين عودته لمنزله
ثانياً: هناك احتمال بأن بقع الدم كانت من آثار الخدوش الناتجة عما ادعاه من وقوعه من حماره ومع أن المتهم لم يدفع بهذا حين سئل عن تلك البقع فليس بعيداً أنه ذكر قدومه من "الجزارة" كوسيلة لمداراة ما يبدو عيباً أن يقع من الحمار وهو في حالة سكر
ثالثاً: لم يثبت بأي وسيلة أن الدماء التي كانت على ملابس المتهم كانت دماء بشرية ناهيك عن أن تكون من دم المجني عليه بل وليس هناك ما يشير إلى أنها كانت دماء بشرية كانت أو حيوانية لقد تم تفتيش منزل المتهم وصحيح أنه لم يعثر على ملابس ملطخة بأي دماء وفضلاً عن هذا ليس محسوبا على المتهم إذ أن الإثبات هنا يجب أن يكون بالإيجاب لا بالسلب فإنه ليس غريباً أن تصبح ملابس المتهم – أو أي شخص آخر- نظيفة بين عشية وضحاها حتى وإن كانت كلها ملطخة بالدماء قبل ذلك ذلك لأنه لا يلزم أن تبقى الملابس على حال بعينه لأية فترة معينة بل على النقيض من ذلك فإن الأمر الطبيعي هو أن تغسل الملابس أولاً بأول
ومما تقدم يتضح أنه ليس من قرينة تستوفي شرط قبول البينة الظرفية وفق ما نقلته في بداية هذه المذكرة من أحكام هذه المحكمة وغني عن القول أنه حتى إذا قويت قرينة فإن ما هو مطلوب لها من تأييد لا يتحقق بالقرائن الأخرى لفرط ما تعانيه من وهن
وعلى هذا فإن ما أراه هو أن ما استقر من قضاء هذه المحكمة لا يترك مجالاً لإدانة المتهم في ظروف الأدلة المتوفرة أمامنا على الرغم من أن المرحوم عبد الله حسن عبد الرحمن لابد قد مات مقتولاً وعلى الرغم من أن أصابع الاتهام تشير إلى شخص واحد هو المتهم عبد الله حسن عبد الجبار والعلم عند الله وحده
لما سبق فإنني أرى إلغاء قرار الإدانة وإطلاق سراح المتهم فوراً
القاضي الأمين محمد الأمين تاتاي:
مع الاحترام لرأي الزميل محمد الفضل شوقي إلا أنني أتفق مع الزميل زكي عبد الرحمن فيما توصل إليه وذلك بتفسير الشك الذي صاحب ظروف هذه القضية لصالح المتهم

