حكومة السودان ضد عبدالرحمن أبشر وداعة
الدائرة الجنائية
القضاة:
السيد/ زكي عبدالرحمن قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ أحمد محمد عثمان قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ محمد عبدالرحيم قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد عبدالرحمن أبشر وداعة
النمرة م ع / م ك / 25/ 1407هـ
الحكــــم
القاضي: أحمد محمد عثمان
التاريخ: 3/10/1988م
إجراءات هذه المحكمة بدأت كمحاكمة غير إيجازية أمام مجلس القضاة القانوني بالابيض (حسب تسميته آنذاك) والذي كان يمارس صلاحياته بسلطات القاضي الجزئي وقد أستمع إلي بعض شهود الاتهام ثم أحيلت إجراءات المحاكمة للسيد يوسف جاد كريم قاضي المديرية ورئيس محكمة الجنايات رقم 3 بمدينة الابيض والذي واصل السير فيها حتى تمام الفصل حيث إنتهي بإدانة المتهم المذكور أعلاه تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م (القتل شبه العمد) قتله المرحوم محمود جمعة ضريس في حوالي الخامس من نوفمبر عام 1983م بحي الله كريم بمدينة الابيض-وقد جاءت الادانة بتلك المادة لإستفادة المتهم من حالة الاستفزاز الشديد المفاجئ ومن ثم وقع عليه عقوبة الدية الكاملة البالغ قدرها 30 ألفاً من الجنيهات تدفع لأولياء دم القتيل
(محاكمة غير إيجازية/46 و 47/ 1405هـ و التي انتهت في السادس من جمادي الاخرة سنة 1405هـ
لم يرض والد القتيل بذلك الحكم ومن ثم تقدم بطلب لمحكمة إستئناف إقليم كردفان طالباً تدخلهاأصدرت محكمة الاستئناف قرارها المضمن في مذكرتها المرفوعة م أ س أ / ع / 9/1405هـ والمؤرخة في السادس من شهر شعبان سنة 1406هـ الموافق الخامس عشر من أبريل سنة 1986م وقضت فيه بإلغاء الإدانة والعقوبة و أمرت بإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لإعادة النظر في الادانة على ضوء ما ورد في مذكرتها بحسبان أن لا سبيل للمتهم من الاستفادة من حالة الاستفزاز الشديد المفاجئ
في 22/9/1986م تولت المحكمة الكبرى برئاسة السيد عوض الحسن النور قاضي الدرجة الاولى إعادة النظر و انتهت بإدانة المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م وأنزلت به عقوبة الاعدام
لهذا أحيلت لنا هذه الاوراق بغرض التأييد وفقاً لأحكام المادة 234 من قانون الاجراءات الجنائية (تعديل) لسنة 1406هـ وقد جاءت مشفوعة بطلبين أحدهما من المحكوم عليه شخصياً والاخر من محاميه الاستاذ دلدوم الختيم أشقر والذي التمس فيه إستبعاد الادانة تحت المادة 251 و إدانة موكله تحت المادة 253 من قانون العقوبات للاسباب التي بينها
بداية لا جدال ولا نزاع حول صحة تقرير محكمة الموضوع في توافر العناصر الثلاث المتمثلة في إثبات الفعل وقيام رابطة أو علاقة السببية والقصد المصاحب للفعل- لقد ثبت بالبينات الكافية أن المتهم ألحق الضربتين بفراره واللتين وجدتا بجسم القتيل وقد تسبب بفعله ذلك في وفاة القتيل وبذلك قامت رابطة السببية بين الفعل والنتيجة إذا أنتفي قيام أي سبب خارجي يقطع تلك الرابطةوقد قام أيضاً ما يشير إلي قصد المتهم آنذاك إذ أستخدم فراراً في إعتدائه على المجني عليه ولا شك إنها آلة قاتلة إذا تم إستخدامها بتلك الكيفية وقد جعل العنق محلاً لإعتدائه و لا شك أيضاً أنه مكان حساس من الجسم مضافاً إلي ذلك القوة البالغة التي أستخدمها في إعمال الضربة والتي يمكن أن تستشف قوتها من أثارها الغائرة والتي قطعت الشرائيين والاوردة من ذلك الجزء-فكل هذا يشير بكشل قاطع بأن المتهم كان على الاقل يعلم إن الموت هو النتيجة المرجحة لفعله
من هذا يبين قيام الجريمة الموضوعة في المادتين 346 و 348 من قانون العقوبات لسنة 1983م
وحيال أسباب الاباحة نتفق والتقرير الذي قضي بتعدم قيام أي سبب يبيح ذلك الفعل حتى يعفي المتهم من المساءلة الجنائية كلية
نجئ بعد ذلك للتقرير حول قيام أي من الحالات التي إن قامت يترتب على ذلك تغيير طبيعة و وصف الجريمة وهي الحالات المذكورة في المادة 249 من قانون العقوبات ولعل الحالة التي دار حولها الجدل وقررت محكمة الموضوع الاولى بانسحابها على حالة المتهم وخالفتها الرأي محكمة الاستئناف هي حالة الاستفزاز الشديد المفاجئ "المادة 249(1) من قانون العقوبات" لقد سطرت محكمة الموضوع وسردت في بداية أسباب الادانة الوقائع التي سلمت بقيامها من البينات التي ركنت إليها "ص78 و 79 من محضر المحاكمة" وتم إيرادها في مذكرة محكمة الاستئناف المرفقة بالمحضر ولا نرى ضرورة لسردها مرة ثالثة ومن مطالعتنا لمذكرة محكمة الاستئناف يبين لنا أن خلافها مع قرار محكمة الموضوع حول قيام حالة الاستفزاز الشديد المفاجئ هو ما أعتمل في ذهنها من قياس عدم تناسب فعل المتهم من الفعل الذي كون الاستفزاز وقد جاء ذلك في عبارتها:
"عدم تناسب رد الفعل من جانب المتهم مع درجة الاثارة التي تعرض لها بسبب فعل المرحوم"
و أشارت إلي أهمية هذه القاعدة ورجعت في ذلك إلي أورده سعادة السيد/ محمد أحمد أبو رنات رئيس القضاء السابق طيب الله ثراه في قضية: حكومة السودان ضد إبراهيم الفكي (1961م) مجلة الاحكام القضائية ص11و13 و أشير هنا إلي المقصود كما جاء:
The provocation given was quite monor and it is an established rule of law that act of retatalitaion must be reasonbaly commensurate with the provocation received
صحيح إن ما يفهم من هذه الفقرة إن التناسب بين فعل الجاني والفعل أو القول الذي كون الاثارة أمر لابد من توافره حتى يفيد الجاني هذا الاستثناء و مع إحترامنا وتقديرنا الشديد لا نرى سبيلا للحديث عن التناسب في الاستفزاز الشديد المفاجئ حتى يجعله عنصر لابد من توافره للاسباب الاتية:
الاستفزاز هو الإثارة التي تبعث في النفس كوامن الغضب والانفعال فإذا كان شديداً ومفاجئاً فإنه يفقد الانسان السيطرة على نفسه وكبح جماحها ولا شك إن التصرف أثناء تلك الحالة لا يجئ متزناً و لا سبيل للشخص وهو في تلك الحالة أن يعمل أي قياس للمعقولية أو أي أحكام لتناسب شئ مع آخر- فلو كانت له الاستطاعة لما عد بأنه فاقد السيطرة على النفس أو قادراً على كبح جماح نفسه- فحالة الاستفزاز تخل بالتوازن النفسي مما يجعل التصرف بمعقولية أمر صعباً أو مستحيلاً في بعض الحالات- لهذا لا سبيل للمرء آنذاك وهو تحت تأثير تلك الحالة أن يتحكم في أفعاله حتى تجئ متناسبة مع ما تعرض له من إستفزاز فالتناسب جاء كشرط أساسي مثلاً في ممارسة حق الدفع الشرعي فلكي يستفيد المرء من إستعمال هذا الحق مشروعاً كان لابد من توافر شرط التناسب بين الرد والعدوان في الممارسة وحتى في هذه الحالة لم يشترط القانون التناسب الحقيقي آخذاً في الاعتبار حالة المرء وهو يواجه عدواناً أما حالا به أو وشيك الوقوع - ويكفي إعمال قياس الرجل العادي والمعتدل فيما بعد متناسباً مع العدوان- ولا شك إن حالة من كان في وضع تحتم الضرورة عليه أن يأتي فعلاً ليرد الاعتداء عن نفسه أو عن غيره أو عن ماله أو عن مال غيره لا تماثل حالة من فقد السيطرة على نفسه أو كبح جماحها- فالأول هذا مازال في وضع لم تحرمه الحالة من إتزان في النفس أو لم يكن فاقد السيطرة كحال الأخير ومن ثم جاز أن يطالب بأن تأتي أفعاله وتصرفاته آنذاك حيال ما يواجه بأن تكون تلك الافعال متناسبة والموقف الذي يواجهه
ثانياً: إن هناك تفاوتاً بين الناس أولاً فيما يمكن أن يبعث أو يثير فيهم كوامن الغضب والانفعال و ثانياً إنهم يتفاوتون في درجة قياس الغضب و الانفعال فهناك عوامل كثيرة متداخلة و مختلفة تجعل من قياس الغضب والانفعال عند المرء مختلفاً ومتفاوتاً من شخص إلى آخر من جانب إلي آخر أظننا لا نختلف في إننا في السودان نأخذ بالمعيار الموضوعي أي لقياس الرجل العادي المعقول والذي هو في مثل بيئة و عقلية وظروف المتهم فمثلاً في الحالة المعروضة نجد أن القرار يعتبر أداة عادية بالنسبة لمن يقطنون كردفان فمعلوم أن كردفان بها أشجار الهشاب (الصمغ) والشجيرات الاخرى وكثير ما يلاحظ المرء إن كثيراً من الناس يحمل الفرار حتى داخل المدينة فإن إستخدمه في حادثٍ ما فهو السلاح المتاح له آنذاك أو القريب منه ومن ثم لا يكون إستعماله في الحالة المعروضة أمراً يقاس عليه أمر التناسب حتى إذا سلمنا بقيام شرط التناسب إفتراضاً في الاستفزاز الشديد المفاجئ
فالتناسب في تقديري لا يعد شرطاً يتوجب توافره حتى يستفيد الجاني من هذا الاستثناء و كل ما هو مطلوب فيه من شروط هو أن يكون الاستفزاز شديداً وكذلك لابد أن يكون مفاجئاً ولابد أن تكون تلك الشدة والفجائية قد أفقدت الجاني السيطرة على نفسه
The provocation msut be grave and sudden and of much anature as to deprive the accused of the power of self-control
في الحالة المعروضة ثابت إلي إن المتهم قد تعرض إلي إعتداء من القتيل وزميله فقد ألحق به القتيل الضربة أو الضربات وتدخل الحضور وقادوا المتهم إلي داره و أثناء ذلك وبعد مضي وقت وجيز سمع صراخ زوجته و التي ألحق بها القتيل أيضاً الضربات كل هذا صعد في نفسه كوامن الغضب والانفعال وبقياس الرجل العادي و الذي في بيئة المتهم وعقليته و وضعه الاجتماعي فإن ذلك يجعل من الاستفزاز إستفزازاً يعد شديداً وقد جاء مفاجئاً و يأتي المتهم فعله ذلك وهو تحت تأثيره الذي يفقد السيطرة على نفسه ويأتي بذلك الفعل -لهذا وفي تقديري إن هذا المتهم لا سبيل لحرمانه من الاستفادة من هذا الاستثناء الوارد في المادة 249 (1) من قانون العقوبات لسنة 1983م لهذا نخالف الرأي الذي توصلت إليه محكمة الاستئناف ومن بعدها المحكمة الكبرى التي تولت إعادة النظر فالأخيرة لم تضمن أسباب قرارها شيئاً في هذا الخصوص بل أخذت بما ورد في مذكرة محكمة الاستئناف كأمر مسلم به و اجب الاخذ به وفي هذا الخصوص لابد لي أن أشير إلي السلطة الاستئنافية أو سلطة التأييد عندما تأمر بإعادة النظر في القرار بغرض مثلاً الادانة بمادة ما فإن هذا لا يعد بمثابة تعليمات أو أوامر واجبة الإتباع أو التنفيذ فليس المقصود ذلك فلو كان المقصود التقيد بما أشارت إليه السلطة الاستئنافية أو السلطة المؤيدة بأن تكون الادانة تحت المادة كذا أو كذا فيكون نقاش من جانب محكمة الموضوع المعاد لها الاوراق لإعادة النظر لكان المشرع قد جوز لأي من السلطتين أن تغير الادانة للمادة المشار إليها الاشد ويوفر الجهد والوقت فالقانون قد منح السلطة الاستئنافية أو المؤيدة صراحة من تلك الممارسة (أنظر المادة 238 (1) (ج) من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1983م)
من جانب آخر فإن المشرع قد حدد أن تكون إعادة النظر مرة واحدة مما يشير بأنه وفي الحسبان إن المحكمة التي تعيد النظر في القرار قد تتوصل إلي نفس القرار السابق الذي لم توافقه السلطة الاستئنافية أو المؤيدة عليه من قبل (أنظر المادة 238 (1) (د) من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1983م) لهذا عندما تعاد الاوراق لمحكمة الموضوع لإعادة النظر في الادانة مثلاً عليها أن تتولى إصدار قرار جديد أو مسبباً لا أن تكتب دون تسبيب بأنها تدين مثلاً بكذا وفقاً و إيفاءاً لإلتزاماتها بما أشارت إليه محكمة الاستئناف- كما فعلت المحكمة الكبرى في هذا الخصوص فإعادة النظر أن تعيد محكمة الموضوع التفكير في الامر في ضوء ما أشارت إليه السلطة الاستئنافية ثم تصدر القرار الذي أقتنعت به مسبباً
و من وجه ثانٍ لاحظت و أثرت في محاكمة سابقة بأن لابد أن تكتب السلطة الاستئنافية قرارها في حالة استقرار رأيها على إعادة الاوراق لإعادة النظر أن تكتب قراها بالكيفية التي يبنى منها أنها أقامت فرصة لمحكمة الموضوع لتعيد التفكير في الامر ثم تصدر قرارها حسب إقتناعها ودون أن يشتمَّ أن محكمة الاستئناف قصدت بأن لابد لها (لمحكمة الموضوع) أن تتوصل إلي التقرير الذي أرادته السلطة الاستئنافية
ولكل ما تقدم ذكره فإننا نعدل الادانة لتصبح تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م و نعدل العقوبة لتصبح الدية البالغ قدرها ثلاثون ألفاً من الجنيهات تدفع لأولياء دم القتيل
القاضي: زكي عبدالرحمن
التاريخ: 5/10/1988م
أتفق مع الزميل أحمد في النتيجة والتسبيب وأضيف فقط وفيما أشار حول الصيغة التي يبنغي أن يكون عليها قرار السلطة الاستئنافية عند إعادة الاوراق لإعادة النظر في أية مسألة وحول صلاحيات المحكمة الادني عن تسلم القرار
إننا سبق أن أوضحنا الوجه السليم الذي يتعين أن يتم به ذلك كله و نأمل أن تعيد المحكام الادني النظر في مفهومها في هذا الشأن بما يتفق ومقاصد القانون ومقتضيات العدالة وحرية القرار القضائي
القاضي: محمد عبدالرحيم علي :
التاريخ: 10/10/1988م
أتفق مع زميلاي فيما توصلا إليه سبباً ونتيجة

