حكومة السودان ضد بدر الدين عباس أبو نورة
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ عبد الرحمن عبده قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ عبيد قسم الله قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ صلاح محمد الأمين قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد بدر الدين عباس أبو نورة
م ع/ م ك/69 /1406هـ
المبادئ:
إثبات – طرق الإثبات – خلو النص من القسامة – لا اجتهاد في مورد النص الصريح – المادة 18 من قانون الإثبات لسنة 1983
إثبات – الأهلية للشهادة – الفعل والتمييز – عدم وجود قيد – جواز أداء الشهادة من المسلم وغير المسلم
رأي مخالف:
لا يجوز قبول ( شهادة غير المسلم على المسلم لانعدام التحمل والعدالة)
1- لما كان نص المادة 18 من قانون الإثبات لسنة 1983 يورد على سبيل الحصر طرق الإثبات الجائزة قانوناً وهي الإقرار وشهادة الشهود والمستندات وحجية الأحكام والقرائن واليمين والمعاينة والخبرة وجاء خلوا من النص على القسامة كطريق من طرق الإثبات فإنه لا يجوز اعتبار القسامة طريقاً من طرق الإثبات في المسائل الجنائية في القانون السوداني إذ لا اجتهاد في مورد النص
2- لما كان نص المادة 28 من قانون الإثبات ينص على أن يكون ( أهلاً لأداء الشهادة كل شخص عاقل مميز للوقائع التي يشهد بها ) فإن مؤدى ذلك قبول الشهادة من أي شخص سواء كان مسلماً أو غير مسلم دون اعتبار للديانة لأن النص جاء مطلقاً دون قيد وواضحاً دون لبس أو غموض
القاضي: عبيد قسم الله :
التاريخ: 29/9/1986م
الحكــــم
في ديسمبر 1983م أبلغ المدعو ترزي ابرهه وهو أثيوبي الجنسية أنه عندما خرج من منزله بزقاق بحي السينما بالحصاحيصا حوالي الساعة السادسة صباحاً وجد شخصاً ملقياً داخل عربة مرسيدس مغلقة الأبواب وزجاجها مغلق
أسرعت الشرطة لمحل الحادث ووجدت أن الشخص هو جثة المرحوم آدم محمد آدم وهو محامي بالحصاحيصا تم نقل الجثة إلى المستشفى لمعرفة أسباب الوفاة وبعد التشريح جاء تقرير الطبيب في مستند اتهام (1) أن هنالك جرح عرض 2 بوصة في الجانب الأعلى من الجزء الأيمن من البطن وعند التشريح الداخلي وجد جرح عميق بالجزء الأعلى من الجزء الأيمن من البطن طوله 8 بوصة يخترق عضلات البطن وغشاء البريتون كما وجد تمزق بالجزء الأيمن من الكبد ونزيف شديد جاء أيضاً في التقرير أن السبب المباشر للوفاة نزيف حاد بالكبد نتيجة آلة حادة عميقة
بعد أن اتضح مبدئياً أن هنالك جريمة قتل قد ارتكبت بدأت الشرطة في اتخاذ إجراءات التحري يقع الزقاق بحي السينما وهو متجه من الشرق للغرب ولقد وجدت العربة وهي تخص المرحوم وخلانه داخل كومة تراب بالقرب من منزل بعض الأثيوبيين من الناحية الأمامية للعربة أما من الناحية الخلفية فيوجد منزل مهجور يخص أسرة المرحوم عباس أبو نورة والد المتهم الأول والثاني بعد العربة عن منزل أسرة المرحوم عباس حوالي أربع خطوات من مؤخرة العربة هذا الزقاق حسب التحري لا يرتاده الناس كثيراً خاصة ليلاً وهو محفوف بالحفر والطوب المكسر وترابي ويصعب الدخول إليه في الظروف العادية مستند اتهام (3)
بدأ التحري برصد تحركات المرحوم ليلة العاشر من ديسمبر 1983 وقد قدم الاتهام شاهدين هما شاهد الاتهام (3) عثمان بشير وشاهد الاتهام (5) على أحمد محمد جاء في أقوال ش أ (3) (ص 109 من المحضر) أنه عندما حضر لنادي الموظفين بالحصاحيصا حوالي الساعة 7:30 مساء يوم 10/12/1983م وجد عدة أشخاص وحياهم من بينهم المرحوم وكانوا يلعبون الضمنة وأثناء جلوسه أمام النادي جاء ش أ (5) على أحمد وسأل عن المرحوم ودخل النادي وخرج المرحوم معه حتى الباب وبعد التحدث معاً عاد الأخير إلى النادي وذهب الشاهد على اتجاه منزله بعد ان أخطر ش أ (3) بأن عنده (سمك عجل) وهذا ما جعل ش أ (3) يذهب إلى منزل علي باعتبار الأمر دعوة عشاء وحوالي الساعة التاسعة وعشر دقائق حضر المرحوم إلى منزل ش أ (5) وتناقشا بخصوص مواسير للزراعة وشيك ثم أحضر الشاهد العشاء ولم تزل أخبار التاسعة بالتلفاز مستمرة عند انتهاء الأخبار قام ش أ (3) عثمان ومعه المرحوم وخرجا من المنزل قاد الأول عربته وأثناء انعطافه شاهد في المرايا عربة المرحوم (ولعت) عند استجوابه أكد أن نور عربة المرحوم عندما انعكس كانت الساعة حوالي العاشرة إلا ثلث أو ربع وأن المسافة بين منزل ش أ (5) على واستراحة السافنا يمكن قطعها في ثلاث أو أربع دقائق
شاهد الاتهام (5) على أحمد أكد تفاصيل هذه الأقوال وأن المرحوم و ش أ(3) تعشا معاً وخرجا وأن الفترة بين خروج ش أ (3) والمرحوم حوالي دقيقتين (ص 125 من المحضر) أكد كذلك أن ساعته عند خروج الجماعة كانت التاسعة وخمس وأربعين دقيقة وأن المرحوم طلع واتجه جنوباً أضاف هذا الشاهد أن عثمان ش أ (3) عندما خرج الدعاية كانت شغالة أي بعد النشرة مباشرة
حسب التحري بدأت مرحلة أخرى بعد مغادرة المرحوم لمنزل ش أ (5) وهي الخاصة بمسرح الأحداث باستراحة السافنا التي يقيم فيها المدعو الياس وهو وكيل الشركة بالحصاحيصا وأن المرحوم مستشارها وهنا فإن فارس كل الرواية وما حدث هو شاهد الاتهام العاشر سايمون بول دينق وهو مسيحي الديانة ويعمل مراسلة بالشركة بالخرطوم بدأت أقواله ص (158 من المحضر ) بأنه حضر للحصاحيصا يوم 10/12/1983 مبعوثاً من د مأمون منور بخطابات مرسلة لشخص يدعى مبارك ويرتاوي بالحصاحيصا ولقد وصل حوالي الساعة 6:30 مساء وقصد مباشرة استراحة الشركة وكان بالاستراحة الياس وشخص آخر وتم تسليم الخطابات للياس الذي أمره بالانتظار وقبل خروج الياس وزميله حضر المتهم الثالث جعفر والمتهم الأول بدر وانضما للمجموعة استأذن الياس وزميله للخروج لعزومة وترك الشاهد سايمون وبدر وجعفر بعد فترة قام المتهم الأول بدر ووقف عند حائط مشترك مع الجارة بخيتة بنت نايل من جهة الجنوب وتناول منها زجاجة عرقي بالحائط ثم أحضر كباية وصب منها وأعطاها للمتهم الثالث وبدأت الونسة بعد أن ارتشف كأساً
استمر سايمون في روايته بأنه عندما جاءت نشرة الأخبار العربية وعند نهايتها وبداية نشرة الأحوال الجوية طرق شخص باب الاستراحة وقام المتهم الأول (وفتح الضلفة بسيط) سمع الشاهد بعد ذلك صوت المتهم الأول يقول للشخص الذي بالباب (أنت زول عواليق) وسمع الشخص الآخر يرد (ليه تقول لي أنا عواليق) ثم يرد المتهم الأول (أنا بضربك) ولقد عرف الشاهد صوت الشخص الآخر بأنه صوت المرحوم آدم محمد آدم وهو يعرفه شخصياً لأنه (يحضر للشركة من ثلاث سنوات) عليه (جرى) الشاهد نحو الباب ووجد المتهم الأول والمرحوم فأمسك المتهم الأول وجاء جعفر وجرا المتهم الأول داخل الحوش وجلسوا الثلاثة في الكراسي ثم بدأ المتهم الأول (يتكلم مع المتهم الثالث برطانة) لم يسمعها الشاهد من قبل وهي ليست بالإنجليزية
استمرت الأقوال بأن المتهم الأول بعد قليل قام وذكر أنه ( ماشي يغسل يده) واتجه نحو الماسورة القريبة من باب الشارع وعند وصوله الباب فتحه بسرعة وقفله وراءه والشاهد سمع وهو بداخل الحوش صوت يقول ( والله ما بخليك) فقام الشاهد من الكرسي وجرى نحو الشارع وقبل وصوله الباب سمع صوت ( اه قنت ) وعندما فتح الباب وجد المتهم الأول( مميل داخل العربة وكلتا يديه بداخلها) والعربة دركسونها شمال ومقدمتها جهة الجنوب فامسك الشاهد المتهم الأول بكلتا يديه من وسطه وجراه فسقطا سوياً على الأرض ولقد وجد بيد بدر اليمنى مطواه وهو ممسك بها ثم رفع الشاهد المتهم الأول (وجراه لداخل الحوش) وفي هذا الأثناء ظهر جعفر في برندة المنزل وقال للشاهد (الزول ده مشى عمل شنو) أكد الشاهد أن العربة التي وجد بدر من داخلها هي عربة المرحوم وماركتها مارسيدس ولونها أصفر وعندما سحب الشاهد بدر من داخلها كان المرحوم بداخل العربة جالساً على المقعد المقابل للدركسون ورجله واحدة خارج العربة وباب العربة المقاصد الدركسون فاتح والمرحوم في (وضع شخص كان محاولاً أن يقوم على حيله) أما الصوت الذي سمعه الشاهد يقول والله ما بخليك فكان صوت المتهم الأول
استمرت الأقوال بدخول طارق المتهم الثاني وأخ المتهم الأول وبعد تبادل بعض الأقوال قال بدر لطارق ( جيب رأسك) وطارق (انحنى نحو بدر) ولم يسمع الشاهد ما دار من حديث فلوح طارق لجعفر بالخروج وخرجا سوياً وفي دقائق خرج المتهم الأول ورائهما للشارع ثم عاد راجعاً وقال للشاهد (أنت ما داير قروش) فقال له الشاهد (قروش شنو) فقال بدر (أنا بديك) خمسمائة جنيه) فتساءل الشاهد عن السبب فقال المتهم الأول (أوع تقول أستاذ آدم جاء هنا) ولو قلت ذلك فسأرسل أي زول يقتلك في أي محل) بعد ذلك رفع مطواه وأراد أن يضرب بها الشاهد فرجع الأخير إلى الوراء حتى سقط وزحف على الأرض للخلف ثم وقف وبعد ذلك اتجه المتهم الأول نحو الشارع وخرج وبعد ذلك مباشرة أتجه الشاهد نحو الشارع وخرج فرأى عربتين واحدة تخص المرحوم وبيضاء وبين العربتين رأى ثلاثة أشخاص فتعرف عليهم وهو المتهم الأول والثاني والثالث جعفر ورأى أحدهم يفتح باب عربة المرحوم (ويلز) المرحوم على مقعد العربة الأيمن الأمامي ويركب على مقعد الدركسون ولكنه لم يتأكد من الشخص الذي ركب وقبل دخوله المنزل رأى العربتين (دورن) وتحركن حتى قطعن خط السكه حديد لجهة الغرب ثم دخل المنزل وهو في خوف شديد بسبب التهديد وظل (صاحي حتى الصباح) في هذه الأثناء جاء شخص لم يتمكن الشاهد من معرفته وأطفأ النور وفي الصباح قابل الياس وعندما جاء شخص وسأل عن أستاذ آدم سأل الياس بدوره الشاهد عن حضور آدم للاستراحة فأجاب بالإيجاب بعد ذلك ذهب الشاهد وتسلم خطاب من الياس لدكتور مأمون ونبهه بأهمية إخطار الدكتور بأن آدم وجد ميتاً في عربته
جاء في أقوال الشاه أنه لم يخطر الياس بالحدث لأنه كان خائفاً ولذا غادر الحصاحيصا للخرطوم ووصلها حوالي الساعة 3 مساء وذهب للشركة ولم يجد الدكتور وبعد يومين حضر الياس ومعه البوليس وركب معهم للحصاحيصا
أوضح هذا الشاهد عند استجوابه أن المرحوم طرق باب الاستراحة أثناء نشرة الأخبار الجوية وأن المتهم الأول هو الذي فتح الباب ولم يخطر الياس بما حدث لأن أعصابه كانت تعبانه ولم ينم طوال الليل وكان خائفاً بسبب التهديد أكد أيضاً أن مقبض المطواة (حديدة حمراء) وطول نصلها مثل طول يده وعندما (قاست المحكمة ) اليد كانت 19 سم أوضح أنه كان هناك نور أمام باب الاستراحة ذكر أيضاً أن طارق أخذ دقيقتين وخرج ومعه جعفر ثم خرج المتهم الأول بعد دقيقتين أكد أن تلك الليلة كانت الأولى التي شاهد فيها بدر وجعفر وطارق كما أنه تعرف على طارق في طابور الشخصية وبدر وجعفر في المحكمة وصف ملابس المتهم الأول بجلابية وعمه وجعفر كان يرتدي بنطلون وقميص ابيض وأن العربة الثانية لونها بيضاء كريسيدا ذكر أيضاً أنه في المرة الأولى وجد المرحوم والمتهم الأول يقفان خارج العربة على الأرض ولم يكونا مشتبكان ولكن كان المتهم الأول مفرداً يده اليمنى ليضرب المرحوم (والمرحوم مال بجسمه للوراء) وأمسك الشاهد المتهم الأول وهو في هذا الوضع والمرحوم كان واقفاً أوضح الشاهد أيضاً أن الوقت بين دخول المتهم الأول في الحوش وخروجه مرة ثانية كان حوالي دقيقتين شاهد أيضا المطواة وكانت ملوثة بشئ مثل الطين أكد أن الرطانة التي كانت بين المتهم الأول والثالث لم تكن إنجليزي جاء أيضاً في أقوال الشاهد أن المرحوم لم يتمكن من دخول الحوش لأن المتهم الأول منعه هذه كانت أهم أقوال الشاهد سايمون
أما المرحلة الأخيرة فهي الخاصة بما حدث بعد أحداث الاستراحة وهنا فإن أقوال الشاهد شريف على نزل هي المحور في هذه المرحلة قال أنه ليلة السبت 10/12/1983 بين الساعة العاشرة والنصف والحادية عشر وعند عودته لمنزله بزقاق بحي السينما وجد عربة مرسيدس (وحلانة في كوم عالي بتاع تراب) ولقد رأى بداخل العربة شخص (راكب عند مقعد الدركسون والعربة وحلانه مدوره) ولقد وضع يده على المتهم الثاني في المحكمة أوضح أنه قال للشخص السائق ( يا معلم أديك دفرة) ولكن الشخص رفض الرد عليه لذا تحرك في اتجاه منزله ولقد سمع ضرب بوري ولكنه لم يلتفت إليه قام بوصف الشخص وقال كان لابس قميص ونظارة كبيرة
( وعند استجوابه ذكر أنه عرف أن العربة وحلانة لأن لستكها كان لافي في الفاضي) ومدورة وراجعه للخلف ) وكانت لمبات العربة الأمامية والإشارة والخطوات كلها كانت مولعه أضاف أن لساتك العربة الأمامية كانت طالعة في تراب عالي ولذلك (ما قدرت تطلع) أوضح أن الشرطة عملت له طابور شخصية وفي المرة الأولى لم يتعرف على المتهم الثاني ولكن في الطابور الثاني تعرف عليه جاء أيضاً في أقواله أن هنالك لمبة منورة في باب غرب العربة ذكر في ص (135) من المحضر أنه سلم على الشخص بداخل العربة ولم يرد وقال له (أديك دفرة) ولم يرد فسمك الشاهد تصادم العربة (ورازاها) أن نور اللمبة كان ضارب على العربة وبعد مسك تصادم العربة الأمامي من الجهة اليسرى قصاد عجلة القيادة
وصف هذا الشاهد الشخص الذي كان يقود المرسيدس بالزقاق بأنه (شاب شعر رأسه كثير ولا بس قميص) أكد أنه تعرف عليه في الطابور الثاني وسبب ذلك الوجه والنظارة) ذكر أن البوليس أحضره حوالي العاشرة صباح الأحد وأخذوا أقواله وعملوا طابور شخصية في نفس مكان وحل العربة بالزقاق ليلاً
هذه هي الرواية التي سردها شهود الاتهام سواء عن تحركات المرحوم ليلة 10/12/1983 أي منذ وجوده بالنادي ثم تحركه لمنزل ش أ (5) ثم سردا أحداث الاستراحة عن طريق ش أ (10) ومشاهدة المتهم الأول مع المرحوم والاعتداء عليه داخل العربة ووجود مطواه في يده ثم أقوال ش أ (7) شريف الذي أكد مشاهدته لعربة المرحوم بزقاق بحي السينما وأن سائقها كان المتهم الثاني وتعرف عليه عند طابور الشخصية وتعرف على العربة التي وجدت الجثة بداخلها
نتيجة لهذه الأقوال واجه المتهم الأول اتهاماً بأنه في 10/12/1983م وبمدينة الحصاحيصا قد طعن المرحوم آدم محمد آدم وتسبب في موته وأنه كان يقصد أحداث الموت وكان يعلم أن موته هو النتيجة الراجحة وليست المحتملة لطعنته وبذلك يكون مرتكباً جريمة القتل العمد المعرفة في المادة 248 عقوبات والمعاقب عليها في المادة 251 عقوبات
لا شك أن قضية الاتهام قد انحصرت واعتمدت على أقوال شاهد الاتهام (10) سايمون وشاهد الاتهام (7) شريف على نزل لاثبات القتل العمد ولذا فإن التثبيت من تعضيد هذه الأقوال والاطمئنان إليها هو الطريق الوحيد الصائب الذي يستوجب الاتجاه إليه
وبالرجوع لأقوال ش أ (3) و(5) فإن أقوالهما كانت واضحة وثابتة سواء فيما يختص بتحركات المرحوم بعد خروجه من النادي ليلة 10/12/1983 أو توقيت مغادرته لمنزل ش أ (5) ولقد اطمأنت محكمة الموضوع إلى أقوالهما في كلتا الحالتين ونحن في هذا نؤيدها ونرى أن أقوالهما الخاصة بتوقيت مغادرة المرحوم للمنزل كانت مطمئنة وثابتة في كل مراحل هذه القضية وهذا يعني إثبات أن المرحوم قد غادر منزل الشاهد بعد نشرة الأخبار وبداية نشرة الأحوال الجوية بالرجوع لأقوال شاهد أ (9) يوسف حماد وبعد مراجعة مستند أ (3) ذكر أن نشرة الأخبار في هذا التاريخ كان المفروض أن تبدأ الساعة التاسعة مساء وتنتهي الساعة 9:30 ولكنها زادت عن الوقت المحدد لها بعشر دقائق حيث انتهت في التاسعة وأربعين دقيقة وبعدها بدأ برنامج حول السيرة النبوية إنتهى في التاسعة وثماني وأربعين دقيقة ص (148) من المحضر هذا يدل على أن المرحوم قد غادر منزل ش أ (5) حوالي 9:40 ومقارنة بالأقوال فلقد ذكر ش أ (10) أن باب الحوش قد طرقه أحد الأشخاص بعد نشرة الأخبار وهذا التوقيت يعضده ما جاء سابقاً من تحرك المرحوم من منزل العشاء إلى الاستراحة فالتوقيت الذي أدلى به ش أ (10) بحضور المرحوم للاستراحة وما أدلى به شاهدي الاتهام (3) و(5) يتوافق في جوهره ويمكن الاطمئنان إلى صحته
جاء في أقوال شاهد المحكمة جعفر محمد علي عن التوقيت ص 239 من المحضر أنه والمتهم الأول خرجا من الاستراحة أثناء نشرة الأخبار العالمية في التلفاز وبعد خروجهما قابلا هاشم بنده وعصام وتوقفا معه جوار عربة المتهم الأول الذي شاركهم الونسة لمدة دقائق ثم ركبوا جميعهم عربة المتهم الأول لنادي النيل أقوال المتهم الأول عند استجوابه ص (249) من المحضر أشارت إلى أنه خرج من الاستراحة ومعه جعفر أثناء نشرة الأخبار العالمية التي تكون جزءاً من نشرة أخبار التلفزيون
ولكن بالرجوع إلى ما أدلى به في يومية التحري (ص 27) نجد أنه ذكر أن دكتور عمر عوض الله جلس معهم ثم ذهب حوالي الساعة 9:30 بعد انتهاء نشرة الأخبار ( وطلع وهو وجعفر من منزل الياس) هذه الأقوال تؤكد أن خروج المتهم الأول وجعفر كانت بعد انتهاء نشرة الأخبار وليس قبلها أو أثناءها وهذا تناقض واضح لأقوال المتهم الأول أكد نفس هذه الأقوال في صفحة 43 من يومية التحري وحتى لو فحصنا اقوال المتهم طارق نجد أنه ذكر في يومية التحري ص 28 أنه خرج من النادي حوالي الساعة 9:30 وليس عند بداية الأخبار
أما أقوال شهود الدفاع فإن ما أدلى به المتهم الأول وجعفر عن توقيت خروجهم من الاستراحة يتناقض مع أقوال بعضهم لقد جاء في أقوال شاهد دفاع (5) المشهورة ببخيته بنت نايل ص 428 من المحضر (بعد ما على فات وأنا دخلت لغاية مواعيد النشرة الجوية بدر كان قاعد في بيت ناس الياس ) وجاء أيضاً في ص 431 ( عند لحظة إذاعة النشرة الجوية ذهبت لأغلق الباب فشاهدت عربة بدر) هذا إن دل إنما يدل على أن المتهم الأول كان بالاستراحة حتى نهاية النشرة الجوية وهذا تأكيد لصحة التوقيت الذي ذكره سايمون
أما أقوال الشهود الدفاع مجموعة النادي أي ش (7) و(8) و(9) و(11) و(12) و(13) فإن أقوالهم عن التوقيت كانت متناقضة ومضطربة لذا فإننا في هذا المجال نتفق مع محكمة الموضوع في تقرير عدم الاستفادة أو إثبات أي نوع من التوقيت بالنسبة لهؤلاء الشهود
التعضيد الآخر يتعلق بالمواجهة التي حدثت بين المتهم الأول وجعفر محمد علي فلقد أدلى ش أ(6) جمال الدين عثمان الأمين على اليمين أنه هو الذي دون كل ما جاء في المواجهة بين المتهم الأول والثالث وعند استجوابه بواسطة المحكمة ص (130) من الحضر أكد أنه كان يدون الكلمات التي تخرج من فم السائل أو المسئول ولم يكن هنالك شخص يمليه ما يدونه ولقد أجزم أن أية كلمة وردت في الأقوال التي دونها قد صدرت من المتهم الأول أو الثالث
تتلخص المواجهة في أن المتهم الثالث ذكر في ص 80 من اليومية أنه أثناء نشرة الأخبار جاء شخص ودق باب الاستراحة " وأن بدر قام وفتح الباب" رد المتهم الأول بأنه لا يوجد أحد وأنه فتح الباب لمهدي " وأكد المتهم الثالث أن مهدي لم يحضر إطلاقاً في ذلك الوقت ثم دلف المتهم الثالث ليؤكد أنه سمع " نقاش حاد " بين المتهم الأول وبين الشخص الذي طرق الباب وأن سايمون طلع قبله ووجد الشخص الطارق والمتهم الأول " متناقشين " " وحاول فض النزاع " أنكر المتهم الأول هذا القول استمر المتهم الثالث في تأكيد أن الشخص الطارق عنده عربة صالون وطويل ولابس بنطلون وقميص ولما عرضت عليه ثمانية صور استبعد ست وتعرف على أثنين منهم أنكر المتهم الأول هذا الحديث وذكر أنه لا يحقد على جعفر ولكن يتوقع جعفر يحقد عليه " ليوقعه في هذه المشكلة " استبعد جعفر أن تكون القصة من رأسه وتأليفه كما تساءل عن الدافع " لحكاية قصة خيالية "
إن هذه المواجهة قد قادت إلى عدة استنتاجات أهمها الاطمئنان إلى أن المرحوم قد حضر بالفعل في ذلك الوقت للاستراحة وأن المتهم الأول قد تشاجر معه في أمر لم يكشف عنه وبمعنى آخر أن رواية الشاهد سايمون كانت سليمة لإثبات حضور المرحوم للاستراحة في تلك اللحظة والمشاجرة التي تمت وأقوال المتهم الثالث في هذا الصدد كانت ثابتة في مرحلة التحري وهي الأقرب إلى الأحداث أكثر من مرحلة المحاكمة
" فلقد جاء في أقوال جعفر عند استجوابه في ص 51 من اليومية ومع بداية النشرة في زول دق الباب بدر قام فتح الباب واتكلم معاه وكان في نقاش حامي ويمكن أن نطلق عليها مشادة حادة " عند استجوابه مرة ثانية ص 56 من اليومية قال " بدر ذهب وفتح الباب لهذا الشخص وتناقش معه نقاشاً حاداً تشاجر هذين الشخصين مع بعضهم البعض وهو (أي المتهم الثالث) اشترك في فض النزاع " أضاف لم أسأل بدر عن سبب المشكلة "
في اليوم التالي تم استجواب المتهم الثالث للمرة الثالثة وأكد نفس الأقوال ووصف الشخص الذي طرق الباب أكد أيضاً أن " صوت الشخص الذي كان يتناقش مع بدر مقارب لصوت الشخص الذي تناقش مع بدر في المرة الأولى أضاف " بدر لما جاء طالع من البيت كان منفعل ومنزعج شوية (ص 59 من اليومية )
صحيح أن الأقوال بيومية التحري لا تعتبر إثباتاً ضد المتهم حسب نص المادة 521 إجراءات جنائية ولكننا هنا لسنا بصدد إثبات الواقعة بل إبراز تناقض الأقوال وتحريفها آخذين في الاعتبار أن قضاء المحكمة العليا قد سمح بهذا باعتبار أن الأقوال بيومية التحري هي أقرب للصدق والذاكرة من غيرها أنظر :-
1- حكومة السودان ضد زكريا أثير
مجلة الأحكام 1975 ص 530
2- حكومة السودان ضد صديق عبد الله
مجلة الأحكام 1963 ص 109
3- حكومة السودان ضد رمضان آدم
مجلة الأحكام 1969 ص 21
بعد كل هذه الأقوال الواضحة الثابتة في المواجهة نجد أن المتهم الثالث قد أنكر هذه الأقوال في مرحلة المحاكمة كما أن المتهم الأول قد أنكر مطلقاً وجود أي شخص غير (مهدي) قد طرق الباب في تلك اللحظة هذا تعضيد ليس على صحة رواية سايمون بأن المرحوم هو الذي طرق الباب وأن عراكاً قد تم بينه والمتهم الأول فحسب بل أن الإنكار لاحقا هو عبارة عن دلالة أكيدة على أن المتهم الأول والثالث قد حاولا جهلاً إنكار واخفاء أمراً ثابتاً بعد هذه الأقوال التي اطمأنت لها محكمة الموضوع ونحن نؤيدها في ذلك كما نرى أن الدفاع قد فشل في إثبات أي سبب يجعلنا لا نطمئن لأقوال ش أ(6)
أما التعضيد الثالث لرواية الشاهد سايمون فتتعلق بالتقرير الطبي مستند اتهام (1) جاء في التقرير عند التشريح الداخلي وجود جرح عميق بالجزء الأعلى من الجوزء الأيمن من البطن طول ثمانية بوصة يخترق عضلات البطن وغشاء البرتون كما يوجد تمزق بالجزء الأيمن من الكبد ونزيف شديد وأخيرا جاء في التقرير أن السبب المباشر للوفاة نزيف حاد بالكبد نتيجة آلة حادة عميقة أقوال دكتور الطاهر محمد ش أ (8) أوضحت في ص 142 من المحضر أن النزيف كان داخلياً وبآلة حادة ولقد توصل إلى ذلك عن طريق التشريح الداخلي وفي رايه أن الجرح سببه آله حادة طولها حوالي 8 بوصة مثل السكين أو المطواة وهي التي لها قوة اختراق الجسم وأن الوفاة ربما كانت أقل من أربع ساعات قبل الثامنة والنصف وهو لا يستطيع تحديد ميعاد حدوث الوفاة بالضبط
وحسب التشريح استطاع أن يحدد اتجاه الطعنة وكانت من أسفل إلى أعلى وأن (رأس الآلة هو الذي كان مرتفعاً لأعلى ومقبضها لتحت) وفسر أيضاً عدم وجود دم خارجي لأن هنالك نزيف داخلي وأن عضلات البطن تعمل في شكل صمام في حالة الجرح وهذا الصمام يمنع تدفق الدم للخارج أكد أن الآلة المستعملة اقرب إلى السكين شرح أيضاً عند استجوابه أنه من اتجاه الطعنة استطاع أن يحدد وضع المرحوم وهو إما كان واقفاً أو مستلق
ذكر ش أ (10) سايمون في أقواله مشاهدته للمطواة بيد المتهم الأول عندما جذبه خارج عربة المرحوم ولقد وصف طولها بيده وهي حوالي 8 بوصات حسب ما جاء في التقرير الطبي ليس هذا فحسب بل أوضح الشاهد سايمون أن المرحوم كانت رجله اليسرى بالأرض والأخرى داخل العربة وأن المتهم الأول كان جسمه داخل العربة من الجهة اليمنى وهذا يفسر اتجاه الطعنة إلى أعلى باعتبار أن المرحوم حاول تفادي الطعنة بمحاولة خروجه من العربة واقفاً ولكن المتهم الأول باغته وتمكن من طعنه فلم يتمكن المرحوم من التحرك لأن الطعنة كانت في موضع قاتل وهو الكبد فأفقده الوعي والحركة هذا يعني أن التشريح وطول المطواة مقارنة بطول الجرح واتجاه الطعنة ووضع المرحوم كلها تعضد القول بأن المتهم الأول قام بطعن المرحوم بالمطواة التي شاهدها سايمون
أما طابور الشخصية للمتهم الثاني ليتعرف عليه سايمون والطابور الآخر ليتعرف عليه شريف على نزل كل هذا تعضيد أكيد لصدق الشاهد سايمون هذا بالإضافة إلى الصور الثماني التي قدمت للمتهم الثالث ليتعرف على صورة الشخص الذي طرق الباب وقت الحادث وتشاجر مع المتهم الأول والذي تمكن المتهم الثالث من استبعاد ست صور والإبقاء على صورتين كانت صورة المرحوم أحداهما
والفاحص لأقوال كل هؤلاء الشهود والمتهمين الثلاثة والتقرير الطبي وحتى أقوال بعض شهود الدفاع ليجد أن سرد الأحداث والتي كان لشاهد الاتهام (10) سايمون القدح المعلى في إبرازها وتوضيحها مطمئنة إلى أن المتهم الأول قد قام بطعن المرحوم في ليلة العاشر من ديسمبر 1983م بين الساعة 9:48 والعاشرة مساء بمطواة أمام استراحة السافنا داخل عربته الرمسيدس كما قام المتهم الثاني بقيادة عربة المرحوم وبداخلها الجثة في محاولة لإخفائها ولكن تداخلت الأحداث وإذا بالعربة تدخل في وحل من تراب بزقاق بحي السينما وإذا بشخص يتعرف على المتهم الثاني معرفة لا يتطرق إليها الشك وإذا بالجثة تكتشف صباح اليوم التالي
وفي هذا المجال فإننا نتفق مع محكمة الموضوع أنه رغم أن الشاهد سايمون لم ير الطعنة ألا أن هنالك من البينات التي يمكن اعتبارها قرينة ظرفية تصل درجة اليقين بصحة مضمونه لإثبات أن المتهم الأول هو الذي طعن المرحوم وارتكب بالتالي جريمة القتل العمد والقرينة قد عرفتها المادة 51 من قانون الإثبات لسنة 1983م بأنها استنباط أمر غير ثابت من أمر ثابت بناء على الغالب من الأحول
جاء في كتاب القصاص في الفقه الإسلامي لأحمد فتحي بهنس ص 195 : (القرينة هي الصلة الضرورية التي ينشئها القانون بين وقائع معينة أو هي نتيجة يتحتم على القاضي أن يستخلصها من واقعة معينة ) وهنا فإن مشاهدة المتهم يميل بجسمه داخل عربة المرحوم وسماع الشاهد لأنين المرحوم ومشاهدة سكين في يد المتهم الأول والعثور على جثة المرحوم في نفس عربته الصفراء مقتولاً وأن سبب الوفاة طعنة بآله حادة أدت إلى نزيف داخلي ووجود الجثة داخل العربة قرب منزل مهجور يخص ورثة المرحوم عباس ابو نورة والوكيل عنهم المتهم الأول – كل هذه البينات عبارة عن قرائن ثابتة ومطمئنة لإدانة المتهم الأول
دعنا بعد ذلك ندلف إلى تلخيص حكم محكمة الموضوع فيما يختص بالمتهم الأول
بعد سرد الوقائع وأقوال الشهود وفحص عناصر المادة 248 عقوبات واستعراض أقوال ش أ (10) و(7) ومناقشة أقوال شهود الدفاع والدفع بالغياب عن مسرح الأحداث ذهبت المحكمة إلى أن مشاهدة سايمون الذي لم ير الطعن هي عبارة عن واقعة ظرفية أو قرينة على حدوث الطعن وليست مباشرة أما من حيث أهلية الشاهد فهو مسيحي الديانة وبالتالي لا تجوز شهادته على المسلم حسب المنشور الجنائي رقم 97/83 وذلك في جرائم الحدود والقصاص إلا في حالة الضرورة ثم أشارت المحكمة إلى أن تأخير الشهادة يكون تهمة وشبهة تمنع القصاص وجاء أيضاً أن نصاب الشهود في جرائم الحدود والقصاص تثبت بشاهدين وما دام الشاهد الوحيد هو سايمون فإن النصاب الشرعي لم يكتمل شرعاً
ورغم أن هذه المحاذير مجتمعة للشهادة فإن محكمة الموضوع قد خالفت الدفاع في طعونه ضد الشاهد سايمون ووصفت أقواله أقرب للحقيقة وتتماشى مع المجرى العادي للأمور رغم عدم كفايتها الشرعية من حيث النصاب والديانة والتأخير في الشهادة كما أوضحت أن أقوال هذا الشاهد قد أثبتت ما يعضدها في كل المراحل أما أقوال الشاهد شريف علي نزل ش أ(7) فلقد اطمأنت لها محكمة الموضوع في كل جزئياتها كما أكدت قانونية طابور الشخصية الذي طعن فيه الدفاع أما أقوال شهود الدفاع فلقد تطرقت لها محكمة الموضوع باسهاب مبينة ومؤكدة عدم صحتها في كثير من المواقف والتوقيت إن شهادة شاهدة الدفاع بخيتة بنت نايل قد دحضت أقوال شهود الدفاع وأكدت عدم صدقها في التوقيت وتبديل اقوالهم
دلفت محكمة الموضوع بعد ذلك إلى القول أن كل هذه البينات السابق ذكرها تصلح إلى توجيه يمين القسامة إلى أولياء الدم من أهل المرحوم كبينة مكملة للبينات التي وردت بحلف خمسين يميناً بأن المتهم الأول قتل المرحوم آدم محمد آدم
وبعد توضيح أن القسامة شبهة مقررة وشروطها تطرقت المحكمة إلى قانون الإثبات وأنه رغم عدم وجود القسامة إلا أن المادة 3 من قانون أصول الأحكام لسنة 1983 قد نصت على إمكانية تطبيق أي نص شرعي ثابت بنصوص الكتاب والسنة عند غياب النص الذي يحكم الواقعة وبناء على تطبيق القسامة حلف أولياء الدم خمسين يميناً وبالتالي أصدرت المحكمة قرارها بالإدانة تحت المادة 251 عقوبات وقضت بالإعدام على المتهم الأول
لقد تسنى لنا مراجعة الأقوال التي دونت لكل الأطراف سوى في يومية التحري أو بمحضر المحاكمة وفي هذا فإننا نتفق مع محكمة الموضوع أن محور قضية الاتهام ينحصر في أقوال شاهدي الاتهام سايمون (10) وشريف علي نزل (7) ولقد سبق أن أدلينا بدلونا فيما يختص بأقوال هذين الشاهدين مؤكدين ومتفقين مع المحكمة أن هنالك الكثير من الأحداث الثابتة قد ساعدت وعضدت هذه الأقوال للدرجة التي أوصلتنا إلى مرحلة الإطمئنان إلى ما تم سرده من أحداث لذا فإننا نؤيد اطمئناناً ما توصلت إليه محكمة الموضوع
دعنا بعد ذلك نناقش التسبيب الذي تطرقت له محكمة الموضوع من وجهة النظر القانونية أثارت المحكمة موضوع عدم قبول شهادة سايمون لأنه مسيحي ولا يصح شهادته ضد مسلم تم تأخير الشهادة والنصاب في الشهادة الشرعية
الحد عامة يطلق على المعصية كما يطلق على عقوبة تلك المعصية وهي عبارة عن المعاصي التي فيها حق الله تعالى ولا يصح فيها العفو من الحاكم ولا من الذي اعتدى عليه ولا يملك أحد اسقاطه بحال من الأحوال أما الجنايات فهي تطلق على التعدي على البدن مما يوجب قصاصاً أو مالاً فتشمل الإعتداء على النفس وأعضاء الجسم وهذه العقوبات فيها حق العبد وبالتالي يجوز لصاحب الحق أن يعفو ويسقط حقه قال تعالى:-
( كتب عليكم القصاص في القتل الحر بالحر والعبد بالعبد )
ولا شك أن المادة 251 عقوبات تنص على القصاص كعقوبة للقتل العمد ويجب على المحكمة أن تحكم به فإن رضي ولي الدم بالدية يحكم بها كبديل للقصاص وهذا هو ما حدث للشارع السوداني إلى النص على الإعدام القتل العمد قصاصاً أو الدية مشروطة بقبول ولي الدم
جاء في كتاب ( المرافعات الشرعية للأستاذ معوض محمد مصطفى ) صفحة 79 " تقبل شهادة المسلم على الكافر ولا تقبل شهادة الكافر على المسلم لأن الشهادة فرع من فروع الولاية بما فيها من الإلزام بالحكم ولا ولاية لغير المسلم على المسلم "
هذه هي القاعدة العامة شرعاً أنظر :
1- بدائع الصنائع للكاسني – الجزء التاسع صفحة 4056
2- التكملة الثانية " المجموع " شرح المهذب صفحة 487
جاء في القانون الجنائي مبادئه الأساسية ونظرياته العامة للدكتور محمد محي الدين عوض صفحة 317
أن الشافعي قد قال بأن الكافر فاسق ولا تقبل شهادته لقوله تعالى :
( الكافرون هم الفاسقون )
وجاء أيضاً عدم قبول شهادة الكافر على المسلم في الحدود والقصاص ويجوز قبولها في التعازير والأموال – وقوله تعالى :
( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا )
هذا يعني درء الحد أو القصاص بشهادة مسيحي
ولكن بالرجوع لقانون الإثبات لسنة 1983م فإن النصوص تختلف في كثير من الحالات فلقد نصت المادة 28 الخاصة بأهلية الشاهد : " ويكون أهلاً لأداء الشهادة كل شخص عاقل مميز للوقائع التي يشهد بها " وقطعاً يدخل في هذا النص قبول شهادة أي شخص سواء كان مسلماً أو غير مسلم دون اعتبار للديانة وحتى لو تطرقنا لنص المادة 78 عن إثبات جرائم الحدود فإن الشرط في الفقرة (2) منها قد نصت على " شهادة رجلين " بحذف لفظه "عدلين" وهذا إن دل إنما يدل على قصد الشارع بقبول شهادة غير المسلم حتى في إثبات الحدود عامة مستثنياً حد الزنا وشرب الخمر لأن الإثبات فيهما ضد حدود " بشهود عدول " وشاهدين عدلين " حسب منطوق المادة 77و79 ولا يفوتنا في هذا المقام الإشارة إلى المنشور الجنائي رقم 97/83 والذي شرح معنى عدالة الشهود والشروط الواجب توافرها بعد ان راعى منطوق المادة 78 من قانون الإثبات إذن فإن لفظة عدلين تعني فقهاً عدم قبول شهادة غير المسلم على المسلم باعتباره فاسقاً وبالتالي لا تدخل شهادته ضمن منطوق عبارة " عدالة الشهود " وهذا يعني أن المادة 28 مقروءة مع المادة 78 من قانون الإثبات قد اباحتا قبول شهادة المسيحي على المسلم مطلقاً واستثنى من ذلك حالة إثبات حد الزنا وشرب الخمر
وتكملة للصورة ربما يثور السؤال عن مدى تطبيق المادة 81 من قانون الإثبات في إزالة الاختلاف بين الفقه والقانون في هذا المقام والرأي عندنا أن لفظة " يفسر " المنصوص عليها في المادة 81 تطبق في حالة غموض النص الذي يحتاج إلى تفسير وعند عدم التيقن من قصد المشرع ولكن هذين الأمرين لم يردا هنا فالمادة 28 واضحة لا لبس فيها ولا غموض معنى وصياغة كما أن المادة 78 قد أكدت قصد المشرع في قبول شهادة غير المسلم على المسلم عندما تم حذف لفظة " عدلين " كصفة لرجلين عليه لا نرى سبباً للرجوع للفقه في هذا " ولذا فإننا نقرر قبول شهادة الشاهد سايمون وصحتها ضد المتهم الأول مخالفين بذلك ما ذهب إليه حكم محكمة الموضوع
والآن يثور السؤال عن كيفية طرق الإثبات في القصاص والنصاب في الشهادة , ورأي الجمهور في هذا أنه تنطبق طرق الإثبات في الحدود والقصاص وكما يثبت الحد لشاهدين فإن القصاص يثبت أيضاً بشاهدين
جاء في كتاب : التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عبده الجزء الثاني ص 315: " يشترط الفقهاء في إثبات الجرائم الموجبة للقصاص بالشهادة أن يشهد بالجريمة رجلان عدلان وذلك لأن القصاص إراقة دم عقوبة عن جناية فيحتاط له لدرئه باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود وهذا رأي جمهور الفقهاء وأقوال شاهد واحد تعتبر قرينة ولكنها لا تقوم مقام الشهادة "
" أنظر حكومة السودان /ضد/ حمزة على كتيني نشرة الأحكام الرباعية يناير فبراير مارس 1986م ص 36
جاء في : المرافعات الشرعية للأستاذ/ معوض محمد مصطفى ص 81:
´نصاب الشهادة رجلان وذلك في الشهادة على الحدود والقصاص "
أنظر التكملة الثانية " المجموع " شرح المهذب ص 491
جاء في فقه السنة للسيد السابق ص 533:
عن رافع بن خديج قال : أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولاً فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك فقال : لكم شاهدان يشهدان (على قتل صابكم إلى آخر الحديث
(رواه أبو داوؤد)
رغم أننا قررنا قبول شهادة الشاهد سايمون ضد المتهم الأول حسب منطوق المادة 28 مقروءة مع المادة 78 من قانون الإثبات إلا أننا نتفق مع محكمة الموضوع أن النصاب الشرعي غير مستوفي لأن شهادة سايمون هي الوحيدة التي تطرقت لجريمة القتل وهذا يعني عدم استيفاء النصاب المنصوص عليه في المادة 78 من قانون الإثبات آخذين في الاعتبار ما سبق ذكره من وحدة نصاب الإثبات في الحدود والقصاص وهذا يقودنا تلقائياً إلى درء القصاص واللجوء الى العقوبة التعزيرية اعتماداً على نص المادة 80 من قانون الإثبات والمبادئ المراعاة في المادة 458(3) عقوبات
أما ما جاء في الحكم بأن الشاهد سايمون قد أقر الشهادة لأن الشرطة قد أحضرته من الخرطوم بعد أيام ولم يدل بكل شئ أثناء وجوده بالحصاحيصا وهذا يضعف الشهادة فإننا في هذا المجال نختلف مع محكمة الموضوع فيما قررته بالرجوع للمرجع الذي اعتمدت عليه المحكمة نجد أن الدكتور محمد محي الدين عوض قد أورد في كتابه: القانون الجنائي مبادئه الأساسية ونظرياته العامة ص 319:
(والتأخير في الشهادة دون عذر وقد يوهن الدليل المستمد منها ولذلك يرى الحنفية أن مثل هذا التأخير يكون تهمة وشبهة تمنع الحد لأنه يدل على الضغينة ) والراي عندنا أن هذا الأمر لا ينطبق على وضع شهادة سايمون فلقد أوضح هذا الشاهد عذره في عدم التمكن من الأدلاء بكل المعلومات التي لديه وله في ذلك كل العذر فلقد شاهد المطواة التي بيد المتهم الأول والاضطراب والهياج الذي لازمه كما تأكد له مصداق توعد المتهم الأول بأنه إذا تحدث عن حضور المرحوم للاستراحة فسيقتله أو يبعث من يقتله هذا بالإضافة إلى أن هذا الشاهد كان وحيداً وضيفاً على الاستراحة وليس هنالك من يحميه من المتهم الأول وهو صاحب المكانة في المنطقة إذاً فكل العوامل تؤكد تبرير تخوف الشاهد الذي لازمه واهتمامه بالخروج من هذه المنطقة بكل السرعة الممكنة للفرار من هذا الكابوس
نخلص من هذا إلى أن أقوال الشاهد سايمون وشريف علي نزل قد أثبتت أن المتهم الأول قد طعن المرحوم بمطواة وتسبب في قتله ونحن نشارك محكمة الموضوع في الإطمئنان إلى هذه الأقوال والأحداث وما دام النصاب الشرعي لم يستوف فإن هذا يدرأ القصاص وبالتالي تكون العقوبة تعزيراً وما دامت العقوبة تعزيرية فإنها لن تكون المادة 251 عقوبات وهذا يقودنا إلى تطبيق المبادئ التي نصت عليها المادة 458 (3) عقوبات لسنة 1983م
حكومة السودان ضد عبد الرازق أبكر – نشرة الأحكام الرباعية يوليو أغسطس سبتمبر 1984 م ص25
وقبل المضي في تحديد العقوبة التعذيرية يجدر بنا التطرق إلى موضوع القسامة التي أثارها حكم محكمة الموضوع فلقد جاء في الحكم ص (602) من المحضر ( أن البينات المقدمة والمتمثلة في القرائن الظرفية السابق ذكرها تصلح إلى توجيه يمين القسامة إلى أولياء الدم كبينة مكملة للبينات التي وردت
وبعد شرح أن القسامة سنة مقررة للوصول كسائر السنن وشرح شروطها دلفت المحكمة إلى القول بأنه رغم أن قانون الإثبات لسنة 1983م قد خلا من أي نص يتعلق بالقسامة إلا أن قانون أصول الأحكام لسنة 1983م قد نص في المادة 3 على وجوب تطبيق ما يجد القاضي من نص شرعي ثابت بالكتاب والسنة عند عدم وجود نص بحكم الواقعة وبناء على ذلك تقدم أولياء الدم وحلفوا خمسين يميناً ثم جاء الحكم بالإعدام تحت المادة 251 عقوبات الآن يثور السؤال الهام الذي يستوجب الإجابة عليه بداية وقبل الدخول في صحة وخطأ تطبيق القسامة وهو عما إذا كانت القسامة طريقاً من طرق الإثبات القانونية التي نص عليها قانون الإثبات لسنة 1983 نحن نتفق مع محكمة الموضوع أن قانون الإثبات قد خلا من أية إشارة إلى القسامة وحددت المادة (18) منه طرق الإثبات الجائزة قانوناً وليس القسامة واحدة من هذه الطرق وبالرجوع إلى طرق الإثبات التي ذكرها المشرع من (أ) وحتى (ح) من المادة 18 نجد أنه قد شرع في تعريفه أي منها وكيفية تطبيقها وشروطها فالإقرار قد نص على تعريفه وشروطه في الفصل الرابع ثم شهادة الشهود في الفصل الخامس ثم المستندات في الفصل السادس ثم القرائن في الفصل السابع ثم حجية الأحكام في الفصل الثامن ثم اليمين الحاسمة في الفصل التاسع والمعاينة في الفصل العاشر والخبرة في الفصل الحادي عشر وهذا إن دل إنما يدل على أن المشرع قد ترك القسامة جملة وتفصيلا عمدا ورغم أن تعريف القسامة يدخل في معنى اليمين وهي نفس استعمالها شرعاً
(أنظر: القصاص في الفقه الإسلامي لأحمد فتحي بهنس ص 200)
رغم هذا التعريف إلا أنه من العسير إدخالها في معنى اليمين المنصوص عليه في المادة 18(د) من قانون الإثبات لأن اليمين المعني هذا يقصد به ما جاء في الفصل التاسع من نفس القانون وهو يختلف تعريفاً وإجراءاً وشروطاً عن القسامة عليه فالرأي عندنا أن الشارع قد تغاضي عن القسامة وبالتالي حذفها من طرق الإثبات الجائزة قانوناً
أما عن تطبيق المادة 3 من قانون أصول الأحكام لسنة 1983 فالرأي عندنا أننا بعد أن بينا أسباب إدانة المتهم الأول بالقتل العمد وعدم استيفاء النصاب الشرعي للإثبات والاطمئنان إلى أقوال الشاهد سايمون وشريف علي نزل وعدم انطباق القصاص بل اللجوء إلى العقوبة التعزيرية فإن كل هذا يعني أن هنالك نصوصاً واضحة للإدانة والعقوبة وبالتالي يسقط تطبيق المادة 3 من قانون أصول الأحكام بسبب وجود النص وليس غيابه وإذا كان هذا هو ما توصلنا إليه في حكمنا فإن التطرق إلى تطبيق القسامة يصبح أمراً غير وارد لا قانوناً ولا قضاءاً
دعنا بعد ذلك نتطرق إلى العقوبة التعزيرية
بداية نقول أن (التعزير) لغة هو المنع واصطلاحاً – التأديب والتنكيل وتعريفه الشرعي هو العقوبة المشروعة على معصية لا حد فيها ولا كفارة والتعزير قد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم عندما حبس رجل في تهمة ساعة من نهار ثم أخلى سبيله وما دامت العقوبة تعزيراً فهي ليست محددة فقد تصل إلى الإعدام في كثير من الأحيان خاصة في جرائم القتل
جاء في المغني لابن قدامة ج 9 ص 321
إنه يجوز قتل الجاني سياسة على سبيل التعزير إن رأى الإمام أو القاضي مصلحة في حالة القتل بالمثقل أي بآله قاتلة أما محمد وأبو يوسف فيعتبرون أن القتل العمد موجباً للقصاص وسار على ذلك المالكية والحنابلة
أنظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (لابن رشد ج2 ص 332
جاء في كتاب: التعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز عامر ص 323:-
(وأني أقول بجواز القتل تعزيراً لأن الوقوف بعقوبة الإعدام عند بعض جرائم الحدود والقصاص لا يتمشى وأغراض الشارع من فرضه العقاب ولا يتفق مع العقل والمنطق)
والرأي عندنا أن عقوبة التعزير تستوجب تقديرها على قدر الجرم حتى يتحقق معنى العقوبة وهو الزجر وبفحص أغلب فقهاء المذاهب نجد أن الشرع قد جعل عقوبة التعزير معلقة للقاضي يرجع فيها إلى اجتهاده وما يقتضيه وضع الشخص وما يستوجبه واقع الجريمة وتأثيرها على المجتمع وما دامت الأحداث متجددة وفي كثير من الأحيان متباينة فإن وضع قواعد ثابتة لعقوبة التعزير قد لا يكون مفيداً وأجدر بالقاضي أن يسلك طريق الإجتهاد والتسبب وفهم الوقائع
انطلاقاً من هذا المفهوم فإن الجريمة التي ارتكبها المتهم الأول قد شغلت الرأي العام عامة ومجتمع مدينة الحصاحيصا ردحاً من الزمن وكان تبرير هذا الاهتمام ينحصر في وضع المرحوم الاجتماعي فهو شاب يافع مثقف أعتلى منصب القضاء لفترة قبل أن يعمل محامياً واستقر بكل ما يحمل معنى الاستقرار من عمل ثابت ناجح ومشاريع زراعية واستثمارات لبعض دور التجارة كما أن له عائلة بالمدينة برز كل هذا أثناء التحري والمحاكمة
أما المتهم الأول فهو شاب من أبناء المنطقة وعائلته لها وضعها الاجتماعي في المدينة في كل المجالات التجارية والاجتماعية والظاهر أنه قد نال قسطاً من الدراسة حصل عليها من خارج البلاد ولكن سلوكه قد برز جلياً حسب أقوال بعض الشهود فلقد اعتاد على حضور الاستراحة من أجل الشرب ومتابعة بيوت اللهو ولقد ثبت احتسائه للخمر قبل لحظة ارتكاب الجريمة وما أقوال بخيته بنت نايل إلا دلالة على سلوك المتهم الأول وهو لم يقف عند حد ارتكاب الجريمة بل خطط بكل ما يملك لإخفاء الجرم وإذا به يهدد سايمون بالقتل بعد ارتكاب الجريمة وهذه دلالة على عقل إجرامي لا يحفل كثيراً بارواح الناس والأدهى والأمر أن المتهم الأول قد حاول كل جهده لإخفاء معالم الجريمة سواء بذهابه لنادي النيل بعد ارتكابها أو إنكار وجوده بمسرح الأحداث لحظة وقوعها أو تخطيطه بمساعدة أخيه المتهم الثاني بإخفاء الجثة
فإنكار المتهم الأول بحضور المرحوم للاستراحة ودفعه بالغياب عن مكان الجريمة وقت إرتكابها كانت كلها عناصر قاصمة للظهر بالنسبة للدفاع وهي في مجملها دلالة على الإصرار وتمويه الأحداث ولولا الأقدار لما تسنى معرفة الجاني ولا مكان الجثة فالوحل في كومة التراب بحي السينما ووجود عربة المرحوم وجثته بداخلها قرب منزل مهجور يخص عائلة عباس ابو نورة لدلالة على نية التخطيط الإجرامي الذي سلكه المتهم الأول وكل هذا يقودنا إلى أن المتهم الأول كان قاسياً وكاذباً في كل ما قاله
وحتى لحظة المشاجرة أمام الاستراحة بين المتهم الأول والمرحوم نجد أن الإعتداء قد بدأ وانتهى عن طريق الأول الذي منع المرحوم بكل الشراسة الممكنة حتى للدخول للمنزل وبادره باساءة ووعيد ورغم تهدئة الخواطر وتدخل والأجاويد إلا أنه أصر على التعدي وخرج للمرة الثانية بكل الحماقة الممكنة لارتكاب جرمه وهذا كله يقودنا إلى أن الجرم المرتكب جرم فظيع لا يردع إلا بعقوبة قاسية
ولا أخال احتياجي إلى القول أن القوانين شرعية كانت أو وضعية قد عنيت بالمحافظة على الدماء وسنت العقوبات الشديدة على الجناة المعتدين قال الله تعالى: (ومن يقتل متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً)
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ) رواه البخاري ومسلم
إذن فالعقوبة الطبيعية في هذه الحالة هي الإعدام
عليه يثور السؤال عما إذا كانت هنالك ظروفاً مخففة لهذه العقوبة
لقد ورد في قضاء المحكمة العليا يجوز بموجبها تعديل عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد ولقد إسترشدت في هذا قضاء المحاكم الهندية في كثير من قضائها في هذا المقام
أنظر: حكومة السودان ضد سيد أحمد ناير/ المجلة القضائية 1961 ص 54
حكومة السودان ضد اسحق موسى / المجلة القضائية 1961 ص 170
أما في الهند فلقد جاء في المرجع:
Penal law of India 9 th Ed Vol 3p 2408
½ There are circumstances talent into consideration in determining the sentences;-
1) absence of intention
2) Absence of premeditation
3) Where the offence is committed under provocation
4) Where there is doubt as to sanity of the accused
5) Where there no motive disclosed
6) Where the offence is committed in a state of Intoxication
7) Where the offence is committed from a sense of false pride to arrange a wrong
وهذه الظروف كانت على سبيل المثال لا الحصر
بالرجوع لقضيتنا نجد أننا قد بينا أن الشاهد سايمون قد أكد أن المتهم الأول قد تشاجر مع المرحوم عند طرق الأخير لباب الاستراحة في المرة الأولى وأن سايمون والمتهم الثالث قد سمعا شجاراً ومناقشة حامية إضطر بسببها الشاهد سايمون أن يخرج لفك المشاجرة بعد أن تعرف على صوت الطارق ولا شك أن الوطيس كان حامياً عند مراجعة العبارات التي تلفظ بها المتهم الأول والتي وجهها ضد المرحوم وهذا الأمر المفاجئ والذي جعل المتهم الأول يخرج عن طوعه بمجرد رؤية المرحوم ليس بالأمر العادي ويرمز حسب مجرى الأحداث إلى أن هنالك موضوعاً ما لم يتم الكشف عنه بين المرحوم والمتهم الأول وحتماً فإن هذا الأمر قد أثار المتهم الأول بحدة حتى وصل طور العراك ثم الطعن وفقدان الأعصاب وهذا في رأينا عنصراً يجوز اعتباره مخففاً فهنالك حتماً حلقة مفقودة قبعت في الكتمان حتى هذه اللحظة
الأمر الآخر يتعلق بشرب الخمر ورغم أنها لا تقوم عذراً إلا كأمر واقع فإن فقدان الأعصاب وهذا الهياج المفاجئ ربما تقلص كثيراً إذا كان المتهم الأول واعياً ولكن الظاهر إن احتساء الخمر في تلك الليلة منذ فترة ليست بالقصيرة قبل لحظة الجريمة قد ساعد كثيراً وأجج فقدان الأعصاب وتهويل الأمر وعدم توازن السلوك ووصول الشراسة إلى قمتها وحسب مجرى الأمور فإن السكران يمكن أن يثور لأبسط الأسباب وأتفه الأمور بسبب عدم وعيه واضطراب تفكيره هذا بالإضافة إلى أن عنصر الخمر للسكران في ارتكاب جريمة تختلف عن عنصر القصد للواعي
أنظر: Penal law of India 9 th Ed Vol 3p2421
كل هذا بجانب عمر المتهم الأول يجعلنا نقرر استبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد محاولين بذلك وضع توازن بين فظاعة الجرم والزجر وظروف المتهم الأول
عليه نقرر بالنسبة للمتهم الأول:-
1- تأييد الإدانة بالقتل العمد
2- إلغاء العقوبة بالإعدام
3- إصدار عقوبة السجن المؤبد تعزيراً
4- أما المتهم الثاني فلقد تعرضت المذكرة التي تقدمت بها هيئة الدفاع إلى إدانة المتهم الثاني طارق عباس أبو نورة تحت المادة 179 عقوبات معترضة على الإدانة والعقوبة الصادرة والرأي عندنا أن هذه المذكرة لا يمكن اعتبارها من الناحية الإجرائية استئنافاً لأن الاستئناف ضد الإدانة تحت المادة 179 مكانه محكمة الاستئناف حسب نص المادة 235 إجراءات جنائية وأن سلطة التأييد هي المنحصرة في حكم الإعدام للمحكمة العليا دون سواها حسب منطوق المادة 234/أ(ج) عليه فإن المذكرة المقدمة والخاصة بموضوع إدانة المتهم طارق عباس تعتبر طلباً للفحص فلقد نصت المادة 49/1(أ) (ج) على جواز طلب محضر إجراءات أي قضية سواء من قبل المحكمة العليا أو محكمة الاستئناف فلعبارة " يجوز للمحكمة العليا ولمحكمة الاستئناف " تعني في رأينا أي منهما وليس هنالك ترتيباً مطلقاً
لذا فإننا نعتبر المذكرة طلباً للفحص
المادة 179 عقوبات تنحصر في عنصرين هما الفعل الجنائي في الإخفاء لأي بينة أو الإدلاء والإيواء والإخفاء وهذا مع العلم أو وجود ما يحمل على ذلك العلم وحسب السوابق الراسخة
قضية حكومة السودان ضد سعيد حسن محمد / مجلة الأحكام 1976 ص 800
فلابد من إثبات أن هنالك جريمة قتل قد ارتكبت وهنا فلقد أوضحنا في حكمنا أن ش أ (3) و(5) قد أثبتا أن المرحوم قد تعشى معهما ليلة العاشر من ديسمبر 1983 وغادر المنزل حوالي الساعة 9:45 وهذا دليل على أن المتهم كان في أتم الصحة حتى ذلك الوقت
بعد وجود الجثة داخل عربة المرحوم جاء تقرير التشريع أن هنالك جرح بالبطن عرضه 2 بوصة وعمقه 8 بوصة سبب نزيفاً داخلياً بالكبد بآله حادة وأنه كان سبب الوفاة أكد هذه الأقوال وشرح التشريح الطبيب الذي قام به عليه فإن هذا يؤكد أن المرحوم آدم محمد آدم مات مقتولاً
يأتي بعد ذلك إلى العناصر الأخرى للإثبات المباشر وهنا فإن المتهم الأول والثالث أكدا أن المتهم الثاني قد حضر للاستراحة وتحدث معهما لفترة بسيطة أما شاهد الاتهام (10) سايمون فقد أدلى ببعض التفاصيل بالإضافة إلى أقوال المتهم الأول والثالث
فلقد قال المتهم الثاني قد حضر للاستراحة بعد الطعن وهمس المتهم الأول في أذنه ولوح للمتهم الثالث وانصرفا ثم تبعهما المتهم الأول ولقد شاهد سايمون ثلاثتهم أمام عربة بالخارج وأن أحدهم ( دفر) المرحوم للمقعد الأيمن وقاد العربة
ثبت أيضاً أن طارق قد ظهر مع المتهم الأول والثالث بالنادي بعد الحادث ومكث الثلاثة فترة من الزمن
أما أقوال الشاهد شريف علي نزل فلقد أثبتت أن المتهم طارق كان يقود عربة المرحوم التي وجدت بداخلها الجثة في نفس الليلة وهذا قاصمة الظهر بالنسبة لهذا المتهم مما يؤكد إثبات إخفاء الجريمة رغم العلم بارتكابها كما أن المتهم الثاني طارق لم يدل بأي بيانات حتى الحكم وهذا يدل على أنه كان يقصد إخفاء الجريمة لحماية المتهم الأول والقصد يمكن أن يستشف من سلوك المتهم وعلاقته وظروف الجريمة فإذا كان المتهم الثاني هو أخ المتهم الأول فليس بغريب إخفاء المعلومات حماية لأخيه لهذه الأسباب مجتمعة تقرر تأييد الإدانة ضد المتهم الثاني تحت المادة 179 عقوبات
أما عن العقوبة فإن المادة 179 لم تضع حداً للعقوبة بالرجوع للمتهم الثاني فهو شاب على قدر من التعليم كما أن الجريمة المرتكبة على درجة كبيرة من الفظاعة وإخفاء البينات والتستر على الجاني يعتبر تقويضاً للعدالة لجرم كالقتل وهذا ما يجعلنا نتجه إلى الردع والزجر لشخص يفترض فيه الأمانة قولاً وفعلاً
عليه نقرر : تأييد الإدانة والعقوبة للمتهم الثاني طارق عباس أبو نورة
اتفق مع الأخ العالم عبيد قسم الله في أن محكمة الموضوع قد أخطأت في القانون خطأً بيناً حينما حكمة بالقسامة لأنه حتى عندما كانت المادة الثالثة من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983 سارية على الدعاوى الجنائية كان شرط انطباقها هو غياب النص الذي يحكم الواقعة والواقعة محل النظر هي نوع البينة أو طريق الإثبات
التي يحق للمحكمة قبولها أو اعتمادها للفصل في الدعوى
وطرق الإثبات الجائزة قانوناً منصوص عليها على سبيل الحصر في المادة الثامنة عشر من قانون الإثبات لسنة 1983م وهي الإقرار وشهادة الشهود والمستندات والقرائن وحجية الأحكام واليمين والمعاينة والخبرة فالقسامة ليست من بين هذه الطرق ودليل ذلك أن الفصل التاسع من قانون الإثبات وهو المتعلق باليمين لم يتطرق إلى يمين القسامة وجدير بالتنويه أن عدم النص على القسامة كطريق من طرق الإثبات في السودان لا يشكل مخالفة لأي حكم شرعي ثابت بنصوص الكتاب والسنة أو الإجماع ولا لأية قاعدة أصولية في الفقه لأن الخلاف حول القسامة معلوم ومشهور وقد أنكر بعض الفقهاء الحكم بالقسامة بتاتاً واختلف الذين قالوا بالحكم بها بين من يوجب القصاص بمقتضاها وبين من يقتصر على الدية وأغلبهم من الرأي الأخير وهناك خلاف حول من يبدأ بالإيمان أهم المدعون أم المدعى عليهم المنكرون وحول نصاب الحالفين وفيما يعد قرينة تبرر الحكم بالقسامة أن يكون القاتل معيناً وليس عليه من بينه غير اللوث – أو القرينة – مع خلافات تفصيلية بينهم – فلا قسامة عندهم إن جهل القاتل أما الحنفية فيحكمون بالقسامة طالما وجدت جثة بها أثر القتل ولا قسامة عندهم إلا إذا كان القاتل مجهولاً وثمة خلاف آخر حول ما إذا كان غرض القسامة هو إثبات الجريمة أم نفيها إذ يرى مالك والشافعي وأحمد أنها شرعت لإثبات الجريمة في حالة انعدام أو عدم كفاية أدلة الإثبات الأخرى أما ابو حنيفة فيرى أن القسامة إنما هي دليل نص يدرأ القصاص عن المتهم لوجود القتيل بين أظهرهم وتلزمهم الدية بعد ذك قد عمد القانون السوداني إلى تفادي كل هذا الجدل بعدم اعتبار القسامة طريقاً من طرق إثبات جريمة القتل ولم يكن في هذا مبتدعاً وإنما اتبع سبيل من أنكرها وروي أن من بينهم عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين وعليه فلا اجتهاد مع نص المادة الثامنة عشر من قانون الإثبات لأنها تعبر عن اختيار المشرع لأحد القولين في القسامة ولما كان الأمر كذلك فإن القاعدة هي الإدانة بمقتضى البينة الوافية وإلا فالقول قول المتهم المنكر
إن مصير المتهمين في القضية التي أمامنا يعتمد على قيمة شهادة الشهود من ناحية النصاب ومن ناحية العدالة أو الأداء أما من حيث النصاب فإن المتهم الأول أدين بجناية القتل العمد وحكم عليه بالإعدام أي بالقصاص ومعلوم أن القصاص ليس حد من الناحية الفقهية وإنما هو شبيه بالحد من حيث النص عليه في القرآن الكريم والسنة المطهرة لقول البارئ جل شأنه ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والإنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن أعتدي بعد ذلك فله عذاب أليم ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون ) (البقرة 178-179) (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) (المائدة 45) وقول الرسول الكريم (ص) ( من إعتبط مؤمناً لقتل فهو قود به إلا أن يرضى ولي المقتول) و( من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا فالقود وإن أحبوا فالعقل) والقصاص يشبه الحد أيضاً من حيث الجسامة إذ يترتب عليه إزهاق النفس في حالة القتل العمد أو تفويت منفعة جزء من أجزاء الجسم في حالة الجناية على ما دون النفس ولهذا السبب تحوط الفقهاء لدرئه أسوة بالحد فاشترط لإثبات القصاص توفر نصاب الحدود في الشهادة وهو رجلان عدلان فلا قصاص لشهادة أقل من ذلك أو الإقرار
أما العدالة فهي شرط وجوب العمل بالشهادة وهو ما يسميه الفقهاء (بالأداء) وهي خلاف شرط الأهلية للشهادة التي يسميها الفقهاء (التحمل ) وهكذا نصت المادة الثامنة والعشرون من قانون الإثبات على أن كل شخص عاقل مميز للوقائع التي يشهد بها أهل لأداء الشهادة ويبدو أن القانون يستعمل كلمة أداء فيما يسميه الفقهاء تحملاً – بينما نصت المادة الثالثة والثلاثون من القانون على أن وزن الشهادة – وهو الأداء عند الفقهاء والمصداقية بلغة العصر – يعتمد فيما يعتمد على عدالة الشاهد وأكد المنشور الجنائي رقم 97/83 على ضرورة اطمئنان القاضي إلى عدالة الشهود
لقد أجمع أئمة الفقه على وجوب عدالة الشاهد حتى يرجح جانب الصدق فيه وتطمئن المحكمة إلى شهادته وقد اشترط المنشور رقم 97/83 في شهادة في القصاص – فيما اشترط الإسلام والذكورة ولم تفصل المادة الثانية والثلاثون من قانون الإثبات ولا المنشور الجنائي رقم 97/83 جميع الحالات التي يجوز فيها للقاضي رد الشهادة بسبب عدم العدالة لأن العدالة على وجه العموم هي اجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر وقول العدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله وعند الأستاذ العلامة أحمد فتحي بهنس تفصيل واف للغرض في موضوع العدالة وذلك في كتابه نظرية الإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي – دراسة فقهية مقارنة – الطبعة الثانية 1967 – الصحائف 6-46 و71 وما بعدها – فقد قسم الشهود إلى أقسام أربعة من ناحية العدالة :-
أ- من هو أهل للتحمل والأداء على وجه الكمال : وهو الحر البالغ العاقل العدل فيحكم بشهادته وتثبت الحقوق بها
ب- من هو أهل للتحمل والأداء على وجه ناقص – الفساق لتهمة الكذب إذ قال تعالى ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) سورة الحجرات وهؤلاء يجب التوقف في شهادتهم حتى يظهر صدقهم أو كذبهم – ومن الذين لا تقبل شهادتهم لفسقهم صاحب المعصية ومن يقلن أنه يرتكب الكبيرة ومن أشتهر عنه أكل الحرام وشارب الخمر ومن يجلس في مجلس الفجور والمجون والشرب وإن لم يشرب وكذلك يجب التوقف في شهادة الظنيين في ولاء أو مصلحة أو عداء أو إدانة بشهادة زور أو مجلود في حد القذف إذا طعن الشهود ضده في عدالة الشاهد حسب نص المادة الثانية والثلاثين من قانون الإثبات ( أيضاً تراجع المواد من 29 إلى 31 من القانون)
ج- من هو أهل التحمل لا للأداء كالأعمى فيما لا يجوز الشهادة عليه إلا بالمعاينة فلا تثبت بشهادته ما يثبت مع الشبهات كالمال ( ولذا فمن باب أولى ألا تثبت بها كل ما لا يثبت مع الشبهات كالحدود والقصاص
د- من ليس أهلاً للتحمل ولا للأداء وهم الصبيان والمجانين وغير المسلمين ولا شهادة لهؤلاء أصلاً لفقد العقل أو الدين كما لا تقبل شهادة الخصم فيما خاصم فيه كالوكيل لا تقبل شهادته فيما هو وكيل فيه ولا الوصي فيما وصي فيه ولا الشريك فيما هو شريك فيه ولا تقبل شهادة المحكوم عليه أو المتهم على المتهم ولا يجوز شهادة النساء في الحدود والدماء لأن شهادتهن فيها شبهة البدلية لقيامها مقام شهادة الرجل ولذا لا تقبل شهادة المرأة فيما يندرئ بالشبهات
وقد أجمل الأستاذ (القاعدة) في قوله: ( إذا اقام المدعى الشهود فقد يطعن فيهم المدعى عليه ولا يطعن فإن طعن فيهم الخصوم يسأل عنهم القاضي بالاتفاق لأن ظاهرة حال الشهود أنهم لا يكذبون فيحتاج القاضي إلى ترجيح ذلك
إن لم يطعن فيهم الخصم : قال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهرة العدالة في الشاهد ولا يسأل عنهم لقوله صلى الله عليه وسلم : المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف وقد يروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب:
وذلك لأن الظاهر هو الإنزجار عما هو محرم – إلا في الحدود – والقصاص – فإن القاضي يسأل عن الشهود لأنه يحتاج لإسقاطها ويشترط الاستقصاء فيها عن الشهود لأن الشبهة دارئة للحد فيسأل القاضي عنهم عسى أن يطلع على ما يسقط الحد سواء طعن الخصم أو لم يطعن
ولا خلاف أنه إذا طعن الخصم في الشاهد أنه لا يكتفي بالظاهر بل يسأل القاضي عن حال الشهود وكذا لا خلاف في أن يسأل عن حاله في الحدود والقصاص ولا يكتفي بالعدالة الظاهرة سواء طعن الخصم فيها أو لم يطعن
فإذا تحرينا نصاب الشهادة وعدالة الشهود في القضية التي تحت نظرنا لتبين لنا التالي:-
1- كما لاحظت محكمة الموضوع لا توجد أي بينة مباشرة تدل على أن المتهم الأول طعن القتيل وحتى القرائن المتمثلة في المشادات بين المتهم الأول والقتيل ثم أن دخول المتهم الأول بأعلى جسمه إلى داخل سيارة القتيل وسكينة المتهم الملوثة وتهديده لشاهد الاتهام العاشر ومحاولة رشوته كل ذلك لم يشهد به غير شاهد الاتهام العاشر سايمون بول دينج وحده ولا تنفع شهادة الواحد في القصاص ولا نعني شهادة شاهد الاتهام السابع في اكتمال نصاب الشهادة لأنه لم يشهد على المتهم الأول في شيء وإنما شهد على المتهم الثاني في واقعة مستقلة تماماً عن الوقائع التي شهد عليها شاهد الاتهام العاشر وعليه تسقط شهادة الشاهد العاشر لانعدام الكفاية الشرعية
2- من ناحية العدالة نلاحظ أن شاهد الاتهام العاشر غير مسلم فلا تصح شهادته على المتهم الأول المسلم لانعدام التحمل وانعدام العدالة من باب أولى وهذا هو صريح نص الفقرة الرابعة في المنشور الجنائي رقم 97/83 هذه الفقرة تقول أنه يمكن الاعتداد في شهادة غير المسلم على المسلم عند الضرورة وتسند هذا القول إلى المالكية وإلى الإمام ابن القيم مع كل الاحترام يبدو لي أن هذا القول بالضرورة فيه نظر لأن المالكية يشترطون الإسلام لصحة الشهادة على المسلم وذلك منصوص عليه على وجه لا يحتمل التأويل في المدونة الكبرى لمالك بن أنس (المجلد الخامس مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع - الصحيفة 156) وقول الإمام ابن القيم رحمه الله – وهو من أئمة فقهاء المالكية مثبت في الصحائف 91 إلى 93 من الجزء الأول من كتاب أعلام الموقعين الطبعة الأولى 1955 – مطبعة السعادة بمصر وهو مقصور على جواز قبول شهادة غير المسلمين على الوضعية في السفر في حالة عدم وجود الشاهدين المسلمين إتباعاً لقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحكم الموت حين الوصية اثنان ذوو عدل منكم أو آخران من غيركم) وهذا رأي أبو حنيفة ولكن شتان بين الوصية والدماء وجدير بالاعتبار أن مالكاً والشافعي لا يجوزان شهادة غير المسلم حتى عند الوصية في السفر ورأوا أن الآية منسوخة خلاصة الأمر أنه يتعين علينا رفض شهادة شاهد الاتهام العاشر إعمالاً لنص المادة الحادية والثلاثين من قانون الإثبات رغم ما يبدو من تناقض هذه المادة مع المواد الثالثة والسابعة عشر والثالثة والثلاثون من دستور السودان الانتقالي لسنة 1985م لأن الفصل في دستورية القوانين والنصوص التشريعية تستلزم إجراءات مستقلة منصوص عليها في المادة 323 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م
اعتقادي أن المادة 81 من قانون الإثبات هي قيد عام على جميع نصوص القانون الأخرى بحيث يمتنع تطبيق أي نص في ذلك القانون إذا كان ذلك النص مخالفاً أحكام الشريعة الإسلامية إن لم يتيسر تفسيره بطريقة توافق أحكام الشريعة وعليه فليس المحك هو وضوح النص أو غموضه لا من حيث الصياغة ولا من حيث المعنى وإنما المدار هو على موافقته للشريعة أو مخالفته لها فإذا كان مذهبي صحيحاً فالواجب هو تقييد نص المادة 28 المطلق بشروط التحمل الواجبة فقهاً وكذلك تقييد نص المادة 78 بشروط التحكم وشروط الأداء معاً لأن إطلاق النصين على علاتهما تؤدي إلى مخالفة الأحكام الشرعية بعكس قصد المشرع المنصوص عليه نصاً في المادة 81 من القانون
3- حتى لو سلمنا بكمال أهلية الشاهد العاشر للشهادة فإن التدقيق في اقواله يبين لنا التالي:-
أولاً: أدلى بأول أقوال للتحري في 12/12/1983 وهي مدونة على الصحيفة الثانية عشر من يومية التحري فيذكر أنه في ليلة الحادث كان يجلس قبالة التلفزيون في الاستراحة ولم يكن معه غير المتهم الأول ثم حضر المتهم الثالث وتلاه المتهم الثاني وأن المتهمين الثلاثة انصرفوا من الاستراحة بعد نهاية نشرة الأخبار وقال الشاهد أنه يعرف المرحوم شخصياً ولم يشاهده في الاستراحة في تلك الليلة
ثانياً: أعاد المتحري استجواب هذا الشاهد في 13/12/1983 ودون ذلك على الصحيفة الثانية والعشرين من يومية التحري فأوضح الشاهد أن حضور المتهم الأول إلى الاستراحة كان بعد بداية المسلسل العربي وتبعه المتهم الثالث بعد دقائق من حضوره واتفق الاثنان بشرب العرقي حتى نهاية المسلسل ثم حضر المرحوم قبل نشرة الأحوال الجوية حوالي التاسعة وخمسة وأربعين دقيقة ودخل إلى الفناء وتقابل مع المتهم الأول قرب الباب فثارت بينهما مشادة وهدد المتهم بضرب المرحوم ولكن تدخل بينهما الشاهد والمتهم الثالث وخرج المرحوم إلى سيارته إلا أن المتهم لحق به في الخارج بعد دقائق من خروجه فخرج الشاهد خلفهما أثر سماعه لأصوات الضرب والتشاجر وحجزهما عن بعض وأضاف الشاهد أنه عند حجزه للمتهم الأول لاحظ وجود مطواة بيده إلا أنه أكد أن المرحوم ركب سيارته وانصرف بينما عاد المتهم الأول إلى داخل الاستراحة مواصلاً الشراب حتى حضور المتهم الثاني الذي لم يمكث إلا ريثما شرب كأساً واحدة وخرج المتهمان الأول والثالث من الاستراحة عبر الباب ألا أن المتهم الأول عاد أدراجه وهدد الشاهد بالقتل إن هو ذكر حضور المرحوم إلى الاستراحة في تلك الليلة ثم انصرف المتهمان في عربة بوكس يقودها المتهم الأول وأوقف الشاهد التلفزيون ثم توجه إلى غرفته وأخلد للنوم وعندما سأله شاهد الدفاع الأول الياس رشيد فحام – في صباح اليوم التالي – أكد له حضور المرحوم إلى الاستراحة في الليلة السابقة ولكن لم يخبره بما حدث لخوفه
ثالثاً: أخذت أقوال الشاهد على اليمين في حضور المتهمين الثلاثة بواسطة قاضي جزئي الحصاحيصا في يومية منفصلة عن يومية التحري وذلك في 14/12/1983 وقد كان حرياً بالمحكمة أن تضيف تلك الأقوال إلى محضر المحاكمة بعد شهادة الشاهد الرئيسية أمامها وبعد تلاوة الأقوال عليه وذلك إعمالاً لنص المادة 202 (2) من قانون الإجراءات الجنائية لأن هذا الشاهد كان هو الشاهد الأساسي في قضية الاتهام فكان واجب المحكمة هو التأكد من اتساق أقواله في كل المراحل واستجلاء أي اختلاف أو تناقض يبدو في تلك الأقوال علاوة على تمكين الدفاع من الإحاطة بما ورد في تلك الأقوال القضائية ذات الأهمية القصوى لقضية الدفاع كما سيأتي بيانه وعلى الخصوص بعد سلوك الاتهام المريب عندما رفض تقديم هذه الأقوال كبينة رغم قرار المحكمة السابق بذلك ( راجع الصفحتين 582-583) من المحضر فالخيار في ضم تلك الأقوال إلى محضر إجراءات المحاكمة بيد المحكمة وليس بيد الاتهام وهذا واضح في نص المادة 202 إجراءات
في تلك الأقوال قال الشاهد إن المرحوم قرع باب الاستراحة أثناء بث نشرة الأخبار والمتهم الأول فتح الباب وقبل أن يدخل المرحوم إلى الفناء بادره المتهم بكلمات قارصة وهدده بالضرب فتدخل الشاهد والمتهم الثالث وأعادا المتهم الأول إلى الداخل بينما عاد المرحوم إلى سيارته ولكن قبل أن يقفل بابها اندفع المتهم الأول جارياً وقد أمسك بجيوبه وخرج من باب الفناء المفتوح وأغلقه خلفه فأسرع الشاهد في أثره فوجده يمسك باب سيارة المرحوم بيده اليسرى التي كانت تحمل سكيناً فجذبه الشاهد من وسطه بقوة حتى وقعا على الأرض ثم أفلح في جره إلى باب الفناء حيث اشترك معه المتهم الثالث في إدخال المتهم وعاود المتهمان الشراب وبعد برهة حضر المتهم الثاني ولم يلبث أن خرج وبعدها توجه المتهمان الآخران إلى باب الخروج إلا أن المتهم الأول عاد إلى الشاهد وأخرج السكين مهدداً بقتله إن هو ذكر حضور المرحوم إلى الاستراحة وعندما تحرك المتهمان بسيارة واحدة من أمام الباب وقف الشاهد مراقباً مسيرة السيارة نحو الجنوب بمحاذاة شريط السكة الحديدية ثم قفل الشاهد الباب أثناء إذاعة نشرة الأخبار الإنجليزية وأوقف التلفزيون وتوجه نحو غرفته ونام وفي الصباح أجاب على سؤال شاهد الدفاع الأول بأن المرحوم حضر الاستراحة في الليلة السابقة
أعاد الشاهد جزءاً من أقواله في نفس الجلسة فقال أن المرحوم طرق الباب أثناء نشرة الأخبار المحلية في التلفزيون وعند حدوث المشادة رفع المتهم الأول يده متحفزاً لضرب المرحوم لولا تدخل الشاهد والمتهم الثالث ولكن المتهم الأول نجح في منع المرحوم من الدخول وعندما حاول المرحوم قفل باب سيارته للانصراف جرى المتهم الأول خارجاً وقفل باب الفناء خلفه وعند سماع الشاهد لصوت المشاجرة في الخارج خرج فرأى المتهم الأول شاهراً سكينه ولكنه استطاع إعادته إلى الفناء ذكر الشاهد أن المتهم الثاني حضر إلى الاستراحة بعد نهاية المشاجرة وسرعان ما انصرف وتلاه المتهمان بعد ربع ساعة من انصرافه وقاد كل منهم سيارته وكانت الساعة حينذاك العاشرة والنصف وعند المناقشة قال الشاهد أن المتهم الثاني وصل الاستراحة بعد إذاعة نشرة الأخبار الخارجية كما قال أنه عندما خرج من الفناء وجد المتهم والمرحوم متماسكين وأن المرحوم تحرك بسيارته بعد أن حجز الشاهد بينهما
الشاهد قال مرة أن المتهم طعن المرحوم (الصحيفة أربعين من اليومية المنفصلة) وفي نفس السياق قال مرة أنه عندما خرج وجد المتهم يمسك باب سيارة المرحوم بيده اليسرى بينما كانت رجل المرحوم اليسرى ما زالت خارج السيارة وكانت بيد المتهم سكين مصلتة أوشك أن يطعن بها المرحوم لولا مبادرة الشاهد بالحيلولة دون ذلك وقد أكد الشاهد أن المتهم الأول لم يطعن المرحوم (الصحيفة الحادية والأربعين من اليومية المنفصلة)
علل الشاهد عدم إبلاغه الشرطة بما حدث بعد أن علم بقتل المرحوم بجهله بمكان وجود الشرطة كما علل عدم إخباره لشاهد الدفاع الأول لشكه في ضلوع الشاهد مع المتهمين ولعل ما يثير التأمل أن شاهد الاتهام العاشر علل عدم إبلاغه الشرطة بعد أن رآهم في السوق بأنه كان واثقاً بأن المرحوم انصرف من الاستراحة صحيحاً معافى فاعتقد أن مقتله لم يكن بذي علاقة بما حدث أمامه في الاستراحة
رابعاً: أعيد استجواب الشاهد على الصحيفة الحادية والثمانين من يومية التحري في نفس يوم 14/12/1983 وللأسف الشديد فإن إهمال المتحري لإحدى الأبجديات الأساسية هي تدوين زمن الإجراء بالساعة والدقيقة على الهامش المعد لذلك – قد أعجزني عن متابعة التسلسل الزمني لهذه الأقوال الأخيرة مقارنة بالقوال القضائية
هنا قال الشاهد إنه سمع صوت آهة عالية قبل خروجه لفض المشاجرة الثانية بين المتهم الأول والمرحوم وأنه رأى السكين بيد المتهم الأول وشاهده وهو داخل بجسمه في سيارة المرحوم الذي كان بداخلها وعندما جذب الشاهد المتهم وسقطا على الأرض لاحظ أن السكين ملطخة بطين أو شئ يشبه الطين وأن المرحوم حرك سيارته ولكن حركتها لم تكن عادية ثم توقفت بعد مسافة بسيطة وأنه قبل انصراف المتهم الأول عرض عليه مبلغ خمسمائة جنيه كرشوة لسكوته عن حضور المرحوم إلى الاستراحة وعندما رفضها استل المتهم الأول سكينه مهدداً إياه بالقتل أن هو باح بالسر – ولعله جدير بالتنويه أن الشاهد لم يبال بذلك التهديد لأنه قال إنه بحث في أرجاء المنزل عن آلة يضرب بها المتهم رداً على تهديده
ذكر الشاهد بعد ذلك أنه وقف في الباب الخارجي فرأى سيارة مرسيدس أخرى تقف حذاء سيارة القتيل إتجاهها ورأى المتهم الأول يقف بين السيارتين كما لاحظ شخصين آخرين لم يميزهما لكنه رأى أحدهما يدفع المرحوم جانباً ويقود سيارته والسيارة الأخرى تتبعه فعاد الشاهد إلى غرفته وكان نومه متقطعاً مخافة أن يباغته المتهم الأول
خامساً: أدلى شاهد الاتهام العاشر بأقواله في المحاكمة يوم 11/8/1984 فقال أن المتهمين الأول والثالث حضرا سوياً إلى الاستراحة وكانا يشربان العرقي وأن المرحوم وصل أثناء إذاعة النشرة الجوية وأنه بعد خروج المتهم الأول عقب مشادته مع المرحوم سمع الشاهد صوت مشاجرة بالخارج بين المتهم الأول والمرحوم وقبل بلوغه باب الاستراحة الخارجي سمع صوت آهة ووجد المتهم الأول يميل بجسمه داخل سيارة المرحوم ويداه بالداخل بينما كان المرحوم داخل السيارة ورجلاه خارج بابها المفتوح متهيئ للوقوف وعندما جذب المتهم وسقطا سوياً لاحظ وجود مطواة بيده اليمنى وبعد إدخاله للمتهم سمع صوت سيارة تحركت بالخارج ثم قال أن المتهمين الثاني والثالث خرجا من الاستراحة سوياً بإشارة من المتهم الثاني ثم مضت دقيقتان أو ثلاث قبل خروج المتهم الذي عرض على الشاهد أثناء ذلك خمسمائة جنيه كرشوة لسكوته عن واقعة حضور المرحوم إلى الاستراحة وعندما رفض العرض استل المتهم سكينه مهدداً الشاهد بإرسال من يغتاله في أي مكان يذهب إليه إن فتح فمه – وبعد خروج المتهم الأول وقف الشاهد بالباب فرأى سيارة مرسيدس بيضاء تقف بمحاذاة سيارة المرحوم وتمعن في الأشخاص الثلاثة الذين كانوا حول السيارتين فميز المتهمين الأول والثاني والثالث ولكنه لم يتمكن من تمييز من دفع بالمرحوم إلى المقعد الأيمن وساق سيارته ثم تبعته السيارة الأخرى فعاد الشاهد إلى سريره يرتعد من الزعر دون أن يزوره النوم وذلك بعد أن أوقف التلفزيون الذي كان يبث مدائح نبوية وقدر الشاهد الوقت بحوالي العاشرة والنصف – والملاحظة هنا أنه رغم إدعاء الشاهد شدة الخوف من التهديد فقد خرج من غرفته أثناء الليل يبحث في أرجاء المنزل عن الشخص الذي دخل غرفته وأطفأ النور الذي كان مضاء داخلها وقاد البحث الشاهد إلى غرفة شاهد الدفاع الأول وتأكد من إغلاقها ثم ذهب إلى باب الشارع وفتحه وتفحص الشارع ثم عاد إلى غرفته – كل ذلك دون أن يحمل أي سلاح
أخيراً أكد الشاهد أنه أخبر شاهد الدفاع الأول صباح اليوم التالي بحضور المرحوم إلى الاستراحة ليلاً رداً على سؤاله وإن لم يخبره بما جرى لخوفه المزعوم
سادساً: عند محاكمة المتهم الثالث سايمون بول كشاهد دفاع وذلك في 3/8/1985م فأقر بأن حالة الخوف من تهديد المتهم الأول زايلته قبل الإدلاء بأقواله قضائياً في 14/12/1983 ولكنه ذكر في نفس الوقت أن الخوف كان معه عندما أدلى بأقواله بصفته شاهد الاتهام العاشر في 11/8/1984 فإذا أغضينا النظر عن هذا التناقض فلماذا باح الشاهد في 13/12/84 بواقعة حضور المرحوم إلى الاستراحة ورؤيته للسكين في يد المتهم الأول إذا كان ذلك الخوف لم يفارقه حتى لحظة ادلائه بالشهادة كشاهد الاتهام العاشر في 11/8/1984؟ وإذا كان حقاً على تلك الدرجة من الخوف من المتهم بحيث قضى ليلة الحادث صاحياً لم يغمض له جفن كما زعم فلماذا ترك باب حجرته فاتحاً رغم وجود مزلاج يحكم غلقها من الداخل دون أن يتسلح بأي سلاح أو يقضي الليل في حجرة الشخص الآخر غير شاهد الدفاع الأول الذي كان ينام في الاستراحة حسب إقراره عند المناقشة ؟ ذكر سايمون أنه تعمد ترك باب الحجرة مفتوحاً بسبب انتظاره لحضور شاهد الدفاع الأول لإخباره بما حدث بين المتهم الأول والمرحوم ولكن شاهد الدفاع الأول حلف على أنه هو الشخص الذي أطفأ نور الحجرة الذي تركه سايمون مضاء في تلك الليلة ومع ذلك لم ينبئه سايمون بشيء أي كان يقظا كما زعم أو أنه كان مستغرقا في النوم غير عابئ بتهديد المتهم الأول- بل أن شاهد الدفاع الأول أكد أن سايمون أنكر حضور المرحوم إلى الاستراحة ليلة الحادث عندما سأله شاهد الدفاع الأول عن ذلك مباشرة في الصباح التالي وسايمون نفسه أقر بذلك الإنكار في بعض أقواله الأولى فكيف يستقيم كل هذا مع زعم سايمون أنه ترك باب حجرته المضيئة مفتوحاً على مصراعيه انتظاراً لعودة شاهد الدفاع الأول في إخباره بحوادث الليلة الماضية على الرغم من ذعره من تهديد المتهم الأول المزعوم؟
استمر سايمون في التخبط في تبريراته لعدم أخبار شاهد الدفاع الأول في الصباح بما حدث في الليلة السابقة فقال أولاً أن ذلك الشاهد لم يمهله لأنه خرج تواً بعد حضوره إلى الاستراحة في الصباح وأقر بأنه لم يجد الشاهد حتى بعد ربع ساعة من خروجه إلا بعد أن سأله الشاهد ثم أقر سايمون بتضارب أقواله أثناء التحري معللاً ذلك بتعرضه للتعذيب من قبل الشرطة علاوة على تهديد المتهم الأول فإذا كان تعذيب الشرطة المزعوم بغرض إجباره على الاعتراف بارتكاب جريمة القتل كما زعم أفما كان الأولى منطقياً أن يدلي إليهم من أول وهلة بما كان يعلمه خلاصاً من التعذيب إن لم يكن إنقاذاً لرقبته من حبل المشنقة هو الطارئ على البلدة وحيداً غريباً دون نصير أو مغيث ؟ أم أن خوفه من تهديد المتهم الأول القابع بالحراسة حينذاك أقوى من خطر إلصاق الشرطة لتهمة القتل به في 12/12/83 ولماذا انعكس الأمر في اليوم التالي مباشرة عندما أقر بحضور المرحوم إلى الاستراحة وكشف عن مطواة المتهم الأول وتهديده له ؟ ولماذا أغفل سايمون – حتى 14/12/83 الإشارة إلى ما يشبه الطين الذي زعم أنه لاحظه في نصل سكين المتهم الأول عقب المشاجرة الثانية ؟ لا نستطيع تجاهل المفارقات التي ظهرت في أقوال سايمون بول المختلفة أثناء التحري مما يستدعى عدم الأخذ بأقواله كلياً استناداً على سابقة حكومة السودان ضد سليمان حسن كوكو وآخرين (1978- مجلة الأحكام القضائية ) كما لا يسعنا صرف النظر عن كذبه في الأمور الجوهرية التالية وهو على اليمين:-
أ- ذكر سايمون كشاهد للاتهام أنه سمه آهة عالية عقب خروج المتهم الأول للاشتباك بالمرحوم للمرة الثانية ولكن سايمون لم يذكر شيئاً عن تلك الآهة الموجهة بطعن المتهم الأول للمرحوم عندما أخذت أقواله على اليمين في بداية التحري
ب- في أقواله القضائية قال أنه لما خرج إلى المشاجرة الثانية وجد المتهم الأول يمسك بباب سيارة القتيل ويضغط يد المرحوم مع ذلك الباب وهما في التحام – أما كشاهد للاتهام فقد قال سايمون أنه وجد المتهم الأول يميل بكل جسمه داخل السيارة التي يجلس فيها القتيل وأكد أن كلتا يدي المتهم الأول كانتا داخل السيارة
ج- قال سايمون عندما أخذت أقواله قضائياً أنه بعد خروج المتهمين من الاستراحة لاحظ وجود سيارة واقفة بمحاذاة سيارة المرحوم وكان المتهم الأول يقف بين السيارتين ولكن سايمون لم يميز الشخصين الآخرين – أما في المحاكمة فقد حلف كشاهد اتهام أنه تفرس في زينك الشخصين وأنهما كانا المتهمين الثاني والثالث
د- في الأقوال القضائية قال سيمون مرة أنه رأى المتهم الأول يطعن المرحوم ومرة أكد بأنه بادر بجذب المتهم بعيداً قبل أن يطعن المرحوم كما قال دون مواربة أن السبب في عدم إبلاغه للشرطة بحادث الاستراحة بعد علمه بمقتل المرحوم هو يقينه بعدم وقوع أى أذى على المرحوم حتى لحظة انصرافه من الاستراحة
و- قضائياً قال سايمون مرة أنه لم يبلغ الشرطة لجهله بمكانها ولم يخبر شاهد الدفاع الأول لريبته في الشاهد أما كشاهد للدفاع عن المتهم الثالث فقد علل سبب أخباره لشاهد الدفاع الأول عندما أوصله الشاهد إلى السوق في الصباح بخشيته من أن يسترق السمع شخص آخر – ولكنه لم يتطوع لتفسير سبب عدم إعلانه للشرطة الذين أقر برؤيتهم في السوق حينذاك
ظهر إذا كذب شاهد الإتهام العاشر في وقائع جوهرية في القضية وهو على اليمين مما يهدر شهادته تماماً لأن القاعدة أن الشاهد الذي ثبت كذبه في واقعة جوهرية واحدة تكون روايته عن أي واقعة أخرى غير جديرة بالتصديق
ع/ وحتى إذا جارينا سايمون بول في مزاعمه فالثابت أنه لم يبح بها لأحد رغم علمه بمقتل المرحوم وإنما سافر للخرطوم في الصباح التالي للحادث فإذا أعذرناه لأنه غريب في الحصاحيصا فهو ليس بمعذور لإخفائه الأمر عن مخدمه وموكل الخفير عندما وصل إلى الخرطوم وطيلة الطريق عندما عاد معه إلى الحصاحيصا بعد يومين من الحادث ولم ينبث ببنت شفه إلا تحت استجواب الشرطة حين طفق يضيف الحواشي بالتقسيط عند كل استجواب كما سلف
لقد استقر قضاءنا بالتواتر على أن الشهود الذين يقرون بعلمهم بالجريمة ولم يفعلوا شيئاً لمنعها أو يخبروا أحد بوقوعها ليسوا بالضرورة شركاء ولكن يجب أن ينظر إلى شهادتهم بحذر ويكون الاعتماد عليها في نفس مستوى الاعتماد على بينة الشريك ( حكومة السودان ضد جابر ضو النعيم / 1977 – مجلة الأحكام القضائية 122) فإذا كان الأمر كذلك فلا بد من تعضيد مستقل لشهادة سايمون بول وليس ثمة من تعضيد
أول استجواب لشاهد الاتهام السابع – شريف على نزل- كان في 14/12/83 على الصحيفة الحادية والثلاثين من يومية التحري فقال أنه عندما وجد سيارة مرسيدس صفراء متوحلة في الزقاق وسال سائقها إن كان يحتاج إلى مساعدة إلا أن السائق رفض الرد عليه فما كان منه إلا أن ذهب إلى حال سبيله متجاهلاً تكرار استنجاد السائق به بواسطة البوري والأنوار
أعيد استجوابه في نفس اليوم على الصحائف 32-33 من يومية التحري فأضاف هذه المرة قوله (مشيت وراء العربية ودفرتها) وواضح دون مواربة أنه لم ير وجه السائق
أخذت أقوال شريف قضائياً في يومية منفصلة وكان ذلك في 15/12/1983م فذكر أنه على الرغم من عدم رد السائق عليه فإنه حاول دفع السيارة من التصادم الأمامي ولما اخفق فى تحريكها توجه الى منزله متجاهلا بورى السائق
زعم شريف هذه المرة انه وجه السائق ولكنه لم يميز لون قميصه بسبب الظلام ثم أوضح انه استخرج المتهم الثالث فى طابور الشخصية بمجرد التشبيه وانه تردد فى ذلك لدرجة انه طلب من الضابط إعادة الطابور مرة أخرى كون الامر اختلط عليه لان كل المشتركين فى الطابور كانوا يلبسون نظارات
أما فى المحاكمة فى 13/6/1984م فقد أكد شريف بصفته الشاهد السابع للاتهام-ان الذى كان يجلس وراء عجلة القيادة فى السيارة الموحلة هو المتهم الثاني بالذات ثم تراجع عن ذلك التأكيد عند مناقشة الدفاع وعاد إلى القول أن المتهم الثالث يشبه الشخص الذى راه داخل السيارة الموحلة كذلك اقر الشاهد بإخفاقه التام فى تمييز المتهم الثالث عندما عرض عليه مع آخرين في اليوم الثالث للحادث وأنه حتى في الطابور الثاني – فقد أخبر الشرطة أنه أنما ميز المتهم الثاني لمجرد شبهه بالشخص الذي كان يجلس داخل السيارة الموحلة
أيضاً كشفت مناقشة الدفاع تناقض أقوال الشاهد مع ما سبق أن أدلى به في 14/12/1983 إذ قال هنا أنه بالرغم من تجاهل السائق لعرضه بالمساعدة حاول دفع السيارة من الأمام ممسكاً بالناحية اليسرى من التصادم ولذا سنحت له الفرصة لرؤية وجه السائق الذي أخرج رأسه من نافذة السيارة في تلك اللحظة كما قال
واضح تدرج شريف على نزل في إضافة وقائع جديدة كلما أدلى بقول جديد وهذا التدرج يبعث على الريبة لأن الوقائع التي ظل يضيفها هي وقائع جوهرية لا ينساها المرء من أول وهلة فكيف نفسر ظاهرة استعادة شريف لذاكرته بالتقسيط من 14/12/83 إلى 13/6/84 وكيف نوفق بين روايته الأولى التي نفى فيها محاولته لدفع السيارة في أي اتجاه ولم يذكر فيها رؤيته لوجه سائقها وروايته الثانية التي قال فيها أنه حاول دفع السيارة من الخلف دون أن يرى وجه السائق ثم روايته الثالثة والرابعة اللتين زعم فيهما أنه حاول دفع السيارة من الأمام وأنه تمكن من رؤية وجه السائق الذي يبدو أنه تطوع بإخراج رأسه من نافذة السيارة في تلك في تلك اللحظة دون أي سبب وخلافاً لطبيعة الظروف التي كانت تحتم على ذلك الشخص المبالغة في الحرص على إخفاء شخصيته – ثم لماذا تأرجح الشاهد في روايته الرابعة من بعد تأكيده أن من رآه داخل تلك السيارة كان هو المتهم الثالث بعينه وليس شخصاً يشبهه؟
إن أساس إدانة المتهم الثالث هو شهادة شاهد الاتهام السابع وقيمة شهادته هي في تمييزه المتهم في طابور الشخصية وقد اقر الشاهد بإخفائه التام في تمييز المتهم في الطابور الأول كما أقر بتردده إلى درجة مطالبته بإعادة عرض الطابور الثاني قبل أن يخرج المتهم من بين الآخرين وحتى حينذاك لم يكن الشاهد واثقاً من أنه عين الشخص الذي رآه في سيارة القتيل ليلاً وقد حرص الشاهد على تكرار القول بأنه أخرج المتهم في الطابور الثاني لمجرد أنه كان يشبه ذلك الذي كان يجلس داخل السيارة ليلاً إن لسان العرب يقول أن التشابه يدل على المشاركة في المماثلة والمشاكلة المؤدية إلى الالتباس غالباً
إن هذه المسالب ذات أثر سلبي عظيم على وزن شهادة شاهد الاتهام السابع ولا يغيب عن بالنا إن هذا الشاهد لم يتقدم إلى الشرطة بمزاعمه الخطيرة تلك مدى أربعة أيام من وقت الحادث وبعد أن اعتقلته الشرطة مدى يومين بإقراره وكان عذره عن عدم التبليغ هو مشغوليته ليس إلا فاعتقادي أنه لا يمكن الركون إلى زعمه أنه تعرف على المتهم الثاني جالساً في سيارة القتيل الموحلة ليلة الحادث
هنالك من يدعى علي محمد حسن استجوب في 21/12/1983 على الصحيفتين 62-63 من يومية التحري وسجلت أقواله قضائياً في نفس اليوم وفي حضور المتهمين الثلاثة والأستاذ محمد بشير المحامي وكان ذلك في يومية التحري المفصلة ثم أعاد المتحري استجوابه على الصحيفتين 77-78 من يومية التحري بتاريخ 2/1/1984 وجدير بالتأمل أن الاتهام حرص على عدم تقديم هذا الشخص إلى المحكمة كشاهد اتهام ولا انتبه الأستاذ المحامي ولا المحكمة إلى أهمية هذا الشاهد بالنسبة لقضية الدفاع كترياق مضاد لشهادة شاهد الاتهام السابع
قال علي محمد حسن – في جميع المراحل – أنه كان يقف في نهاية الزقاق ليلة الحادث حينما أتت سيارة مرسيدس وتوقفت حيث وجدت بها الجثة في الصباح وأنه رأى المتهم الذي يعرفه منذ إثني عشرة سنة ترجل منها ومر بالقرب منه وركب سيارة المتهم الأول وانطلق المتهمان بعيداً عن مسرح الحادث لقد أكد هذا الشخص أنه لم ير أى إنسان في الزقاق منذ أن توقفت سيارة المرسيدس وحتى انصرف المتهمان في سيارة المتهم الأول فشاهد الاتهام السابع هو الصادق أم علي محمد حسن وكيف السبيل إلى ترجيح إحدى الروايتين أو التوفيق بينهما وكل منهما تناقض الأخرى تماماً
ظهر المتهم الثالث – جعفر محمد علي – كشاهد في محاكمة المتهمين الأول والثاني وذلك بعد إدانته فأنكر كل شئ عن حضور المرحوم إلى الاستراحة أو حدوث أي مشاجرة بين المتهم الأول وأي شخص آخر ومهما يكن فلا عدالة لهذا الشاهد بسبب إقراره بالزنا وشرب الخمر
خلاصة الأمر أنه بإطراح شهادة الشاهدين السابع والعاشر ينتفي وجود أي بينة تشير مجرد إشارة إلى ذهاب المرحوم إلى الاستراحة في ليلة الحادث ومؤدى ذلك أن لا علاقة البتة بين الجريمة التي وقعت ليلتئذ وبين وجود المتهمين الثلاثة في تلك الاستراحة إو في نادي النيل في تلك الليلة بالذات وهكذا تنهار قضية الاتهام من أساسها بحيث لا تكون بالمتهمين حاجة إلى تقديم أي بينة للدفاع لأن الدعوى في مواجهتهم منعدمة ابتداء فكل ما يمكن التيقن منه من وقائع هذه القضية لا يعدو أنه في يوم السبت الموافق 10/12/83 تعشى المرحوم في منزل على أحمد محمد بالحصاحيصا وانصرف من ذلك المنزل في حوالي الساعة التاسعة والأربعين دقيقة سائقاً سيارته وفي صباح اليوم التالي وجد المارة المرحوم قتيلاً بطعنة سكين داخل تلك السيارة التي كانت تقف موحلة على كوم من التراب في زقاق بحي السينما وكانت الوفاة بعد الساعة الرابعة والنصف صباحاً
لهذه الأسباب أرى أن نرفض تأييد إدانة المتهم الأول بمخالفة المادة 251 أو أي مادة أخرى من قانون العقوبات ونرفض كذلك إدانة المتهمين الثاني والثالث بمخالفة المادة 179 أو أي مادة أخرى من قانون العقوبات
ملاحظات:
1- كان هنالك إهمال واضح ولا مبرر له في جانب المتحري في عدم تدوين زمن الإجراءات في الساعة والدقيقة على الهامش المخصص لذلك في يومية التحري ونتج عن ذلك انعدام المؤشر للتسلسل الزمني للإجراءات المتخذة في يوم واحد
2- نسى القاضي تدوين القرار بشأن إدانة المتهم الأول مخالفة للمادة 251 عقوبات والمتهم الثالث بمخالفة المادة 179 عقوبات فعلى القاضي عباس عثمان عباس مراجعة المحضر للتأكد من استيفاء الإجراءات السليمة
3- هنالك إهمال ملحوظ في ترقيم شهود الدفاع في المحضر بينما إهملت أسماء الشهود في الكشف المرفق بالمحضر إذ لا تكفي الإشارة إلى الرقم فقط في المساعدة على العثور على أقوال شاهد بعينه داخل المحضر مما يهدر كثيراً من الوقت في البحث العشوائي
12/1/1987م
القاضي: عبد الرحمن عبده عبد الرحمن – قاضي المحكمة العليا
بعد اطلاعي على ملف هذه القضية وعلى يومية التحري ومذكرتي الاستئناف الأصلية والإضافية وعلى مذكرتي الزميلين الموقرين أرى أن أناقش النقاط القانونية المثارة في القضية علها تقودني إلى القرار الصائب بإذن الله – أما عن الوقائع فلقد قام زميلي العالم عبيد قسم الله بسردها بالتفصيل ولا أراني في حاجة إلى أن أكرر ذلك
أولاً: القسامة:
أجد نفسي في اتفاق تام مع زميلي المحترمين فيما توصلا إليه من قرار حول خطأ محكمة الموضوع في تطبيق القسامة في هذه القضية وأود أن أضيف الآتي:-
أ/ لقد انقسم الفقهاء حول اعتماد القسامة كطريقة من طرق الإثبات الشرعي ولقد أخذ بعضهم على أن القسامة مختلفة لأصول التشريع الإسلامي إذ أن الأصل في الشريعة ألا يحلف أحد إلا على ما علم قطعاً أو شاهد حساً وأن البينة على من ادعى واليمين إلى من أنكر
ب/ بينما يرى الأئمة كمالك والشافعي وأحمد أن القسامة شرعت لإثبات الجريمة في حالة عدم كفاية الإثبات الأخرى أو انعدامها – يرى الإمام أبو حنيفة أنها دليل على نفي يدرأ القصاص وعليه فهو يأخذ بقسامة النفي فيما يأخذ الآخرين بقسامة الإثبات
ج/ الرأي عندي أن هناك بينة في هذه القضية تكفي لاسناد الجريمة للمتهم الأول – كما وجد زميلي العالم عبيد قسم الله بحق وكما سأبين فيما بعد ولذا فإن القسامة لا تنطبق في هذه القضية حتى لو كانت طريقة من طرق الإثبات المعتمدة لدينا – لوجود بينة- أنظر في هذا الصدد ما جاء في كتاب العالم الجليل عبد القادر عودة – التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ( الجزء الثاني) ص 331 حيث ذكر: (وظاهر مما سبق أن القسامة تكون عند مالك والشافعي إذا علم القاتل وإنعدمت البينة المثبتة للقتل وكان لوث فإذا كانت بينة تثبت القتل أو كان إقراراً فلا قسامة ومعنى هذا أن القسامة عندهم دليل خاص مثبت للقتل إذا إنعدم دليله الأصلي)
وعليه أرى أنه لا وجه لتطبيق القسامة كطريقة من طرق الإثبات في هذه القضية
ثانياً: شهادة الشهود
الشاهدان في هذه القضية هما شريف على نزل (شاهد الاتهام السابع) وسايمون بول دينق ( شاهد الاتهام العاشر) وسوف أتناول فيما يلي ما جاء في شهاداتهما بشيء من التفصيل
أبدأ بشهادة شريف على نزل أفاد هذا الشاهد أنه كان عائداً لمنزله في ليلة الحادث فيما بين الساعة العاشرة والنصف والحادية عشر مساء عندما وجد عربة مر سيدس وقد وحلت في (كوم) تراب وتحدث إلى الشخص الذي يجلس على عجلة القيادة (المتهم الثاني) – كما تعرف عليه الشاهد فيما بعد في طابور الشخصية ( وسأله إن كان يحتاج (لدفره) ولكنه لم يرد عليه وتحرك الشاهد إتجاه منزله ولقد سمع بوري السيارة ورأى أنوارها تضاء وتطفأ كأنما السائق – يستنجد به – ولا أظن أن السائق يمكن أن يستنجد بأحد في ظروفه تلك – كيف ولقد جاءته النجدة في مكانه من نفس الشاهد ورفض حتى أن يرد عليه السلام والتفسير عندي لظاهرة الأنوار والبوري ( هو أن المجني عليه لم يكن قد توفي حتى تلك اللحظة إذ أنه وحسبما جاء في التقرير الطبي كانت الوفاة حوالي الساعة 4 صباحاً وأراد أن يستنجد بالمارة وما كان بوسعه أن يفعل شيئاً سواء هذه المحاولة عله يجد من يغيثه ولكن من يغيث ؟ فيما عدا هذه السلبية من الشاهد (عدم الاهتمام وعدم التبليغ وحتى عدم إخطار زميله في السكن بهذا الشخص الغريب الذي كان في محنة ورفض المساعدة في تلك الساعة المتأخرة من الليل) لا أرى أن هناك ما يعيب شهادة هذا الشاهد واتفق مع زميلي المحترم عبيد قسم الله في اعتماده لها ويؤسفني في هذا الصدد أن أخالف الزميل العالم عبد الرحمن عبده في رفضه لشهادة هذا الشاهد ومقارنتها بأقوال على محمد حسن ( أخذت أقواله قضائياً ولكن لم يقدمه الاتهام كشاهد اتهام ) ولعل الاتهام لم يقدم هذا الشاهد على محمد حسن ضمن شهوده لما جاء فيها من جهر بالمعصية وفسق واضح أقله شرب الخمر ورغم ذلك فلقد ذكر هذا الشاهد أنه رأى المتهم (طارق أبو نورة) الذي يعرفه حق المعرفة وهو يقود سيارة المجني عليه ثم نزل منها ولحق بأخيه بدر في سيارته هذا يثبت لنا أن ما ذكره شريف على نزل لم يكن بعيداً عن الحقيقة وحتى لو لم ير الشاهد على محمد حسن أحداً يمر بالشارع منذ وصول المتهم الثاني في سيارة المجني عليه ولحين مغادرته لسيارة المتهم الأول فهذا لا يهدر أقوال شريف على نزل إذ ربما حضر المتهم الثاني مرة أخرى لمكان الحادث وحاول وضع السيارة في مكان أفضل أو إخراجها من الوحل دون وجود مارة وخاصة شخص يعرفه كالمدعو على محمد حسن – وفي المرة الثانية رآه الشاهد شريف نزل دون اعتبار لأقوال على محمد حسن
أما عن الشاهد سايمون بول دينق (شاهد الاتهام العاشر) أجد نفسي في اتفاق تام مع زميلي العالم عبيد قسم الله في اعتماده شهادة هذا الشاهد والتعويل عليها بما يستحقه وأضيف الملاحظات التالية:-
أ/ لقد أغنانا المنشور الجنائي رقم 97/83 عن كثير من الاجتهاد عندما أوضح فيما يتعلق بشهادة الكافر على المسلم في البند الرابع منه إذ جاء فيه (يشترط لأداء الشهادة البلوغ والإسلام إذا كان المشهود عليه مسلماً وذلك في جرائم الحدود والقصاص إلا في حالة الضرورة وذلك استناداً إلى ما روى عن الإمام مالك وابن تيمية وابن القيم الذي جاء في كتابه ( أعلام الموقعين) وقد اتفق العلماء على أن مواضع الحاجات يقبل فيها من الشهادة ما لايقبل في غيرها وان اختلفوا في بعض التفاصيل وعلى ذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة في شهادة الصبيان على تجارب بعضهم بعضاً وقد أخذ القرافي المالكي بهذا المبدأ حينما قرر أنه في حالة عدم وجود العدول يقبل غيرهم حتى لا تضيع الأموال وتهدر الحقوق)
ب/ بالرغم من ما جاء في المنشور الجنائي المشار إليه في الفقرة أعلاه أضيف الأتي كسند لقبول شهادة غير المسلم على المسلم عند الضرورة:-
جاء في كتاب عبد القادر عودة المشار آنفاً (ص 406) ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قبول شهادة غير المسلم على المسلم في كل ضرورة حضرا وسفرا في كل شئ عدم فيه المسلمون قياساً على قبول شهاداتهم في الوصية لأن شهاداتهم قبلت في الوصية للضرورة وتقبل في كل ضرورة)
كما جاء في كتاب التعامل في الإسلام للقاضي عبد الوهاب ابن محمد السماوي صفحة 300 (شهادة الكافر الصريح كالوثني لا تقبل ولا شهادة يهودي أو نصراني على مسلم إلا إذا غلب ظن الحاكم صدقهم وألا يفوت الحق مع عدم غيرهم)
وبالرغم من أن الضرورة هي حالة الاستثناء لقبول شهادة غير المسلم على المسلم إلا أنني أرى أن تطبق على أوسع ( لا أضيق) نطاق عندنا في السودان وذلك لوجود ما يزيد عن ربع السكان من غير المسلمين – هل من العدالة أن تهدر شهادة هؤلاء بسبب الدين ؟ لا اعتقد ذلك خاصة وأن دستور السودان الانتقالي لسنة 1985م ينص في مادته السابعة عشر على الآتي:-
1- (جميع الاشخاص في جمهورية السودان سواسية أمام القانون)
2- المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات وفي فرص العمل والكسب وذلك دون تمييز بسبب المولد أو العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي
وتفسيرنا للضرورة في أوسع نطاق يجعلنا نتماشى مع نصوص الدستور والمبادئ الشرعية كما أرتآه المنشور الجنائي المشار إليه في هذا الصدد
ج/ شهادة الشاهد سايمون تعضدها الأقوال والقرائن التي نقلها زميلي العالم عبيد في مذكرته الضافية ولا أراني في حاجة أن أعيدها هنا وحسبي أن أضيف أن التفاصيل التي ذكرها هذا الشاهد لا بد أن تكون حقيقة وألا يكون الشاهد قد فاق (أجاثا كرستي) في خيالها القصصي ولا أظنه مؤهلاً لذلك وهو المراسلة البسيط الذي لا حول له ولا قوة
د/ أما عن عدم إدلاء الشاهد سايمون بشهادته كاملة ودون تأخير فلقد أوضح أن المتهم الأول هدده بنفس المدية أو المطواة التي استعملها في الحادث وقال له لو ذكرت أن أستاذ آدم حضر هنا فسأرسل من يقتلك في أي محل بعد هذا التهديد اعتقد أن شخصاً بسيطاً مثل الشاهد لا بد أن يخاف على نفسه كيف ولا وقد شاهد المتهم الأول يعتدي على المحامي المرموق وفعل به ما فعل وهو لا يسوي شيئاً بالنسبة للمحامي - ألا يخشى على نفسه بعدما شاهد ما شاهد لذا فإن تأخير شهادته أو تقسيطها كان له ما يبرره
نأتي بعد ذلك لشهادة جعفر محمد علي - ولقد كان متهماً ثالثاً في هذه القضية وفصلت محكمة الموضوع قضيته وتحاكم أمامها ولكن برأته المحكمة العليا وأخذت المحكمة أقواله كشاهد محكمة أدلى هذا الشاهد بأقوال للشرطة في يومية التحري ثم عدل عنها فيما بعد لسبب أو لآخر وكذلك تم إجراء مواجهة بينه وبين المتهم الأول ولكنه أنكر ما ورد على لسانه في المواجهة ولكن شاهد الاتهام جمال الدين عثمان أكد أن ما سجله في اليومية كان نفس الأقوال التي تفوه بها الشاهد والمتهم الأول ولا نرى ما يدعونا لتكذيب شاهد الاتهام وتصديق المدعو جعفر محمد علي ولقد رفضت محكمة الموضوع شهادته بحق إذ أنه فاسق بسبب إقراره بالزنا وشرب الخمر – جاء في شرح الأزهار للإمام أحمد بن يحيى المرتضى – الجزء الرابع – ص 1194 ( لا تقبل شهادة الشاهد إذا كان فاسق جارحه كالسارق والشارب والقاذف والزاني والقاتل – أنه لا تقبل شهادتهم إجماعاً)
وعليه نأخذ بما جاء على لسان شاهد الاتهام السادس عن المواجهة وأنها كانت كما أوردها الشاهد وسجلها في يومية التحري ونتجاهل نكران المدعو جعفر محمد علي لما ورد فيها
ننتقل الآن إلى شهود الدفاع ولقد ركزت هيئة الدفاع في خط دفاعها على عدم تواجد المتهمين عند وقت ارتكاب الجريمة في مكان الجريمة ( )
ولقد حشدت عددا من شهود الدفاع لإثبات ذلك ورغم حشدها لهذا العدد من شهود الدفاع إلا أنهم لم يسعفوا هيئة الدفاع في خط دفاعها وذلك لما هو آت من أسباب:-
أ/ أحداث الجريمة منذ أن بدأت إلى أن انتهت لم تأخذ أكثر من ساعة أو ساعة وربع على أكثر تقدير – منذ حوالي الساعة 9:45 إلى الساعة 11م وهذا في حد ذاته يجعل مهمة إثبات عدم التواجد في مكان الجريمة في تلك الساعة – رغم وجود المتهمين قبل هذا الوقت صعباً للغاية ويحتاج إلى دقة وتوافق في أقوال الشهود لم نجدها لدى شهود الدفاع
ب/ إذا نظرنا إلى بعض شهود الدفاع نجد من بينهم الشارب – الزاني وبائعة الخمر ( بخيته بنت نايل) – هل هؤلاء شهود يعتمد عليهم في جريمة قتل ولقد رفضت الشريعة الإسلامية شهادتهم بالإجماع كما بينت أعلاه ؟ ومن المؤسف حقاً أن تباشر هذه الأفعال بعد حوالي ثلاث شهور من تطبيق القوانين الإسلامية والأدهى والأمر أن تباشر حتى في ليلة المولد النبوي الشريف الأخيرة – هل يمكن أن تقبل شهادة هؤلاء الشهود بعد هذا كله – حتى من لم يتفوه منهم بارتكابه لمعصية لم يسلم من لسان صديق أو رفيق كما ذكر الشاهد جعفر محمد علي وهو يتحدث عن برنامج أحد الأطباء في تلك الليلة
ج/ هذا ما صح عن بعض شهود الدفاع أما الآخرون فلقد جاءت شهادتهم متناقضة وهذا التناقض يجعلنا نرفض شهادتهم – لا لأنهم يكذبون وإنما لأن الأمر كان تقديرياً منهم لزمن معين وقد تفاوت تقديرهم وأصبح لا ينسجم مع تقدير البعض الآخر ومع مجريات الأحداث وأشير في هذا الصدد إلى شهادة بخيتة بنت نايل التي ذكرت أنها ذهبت لتغلق الباب وكان التلفزيون يبث النشرة الجوية (بعد الساعة 9:30) وشاهدت عربة بدر (المتهم الأول) موجودة أمام الاستراحة وخط الدفاع كان يرتكز على مغادرة بدر للاستراحة قبل الساعة 9:30 بالإضافة إلى ذلك ذكر شاهد الدفاع السادس ياسر عبد الرحيم أن النشرة الإنجليزية كانت شغالة عندما حضر بدر وجعفر للنادي ومسك منه بدر مضرب (البنج بنج) ولقد بين لنا مندوب التلفزيون أن النشرة الإنجليزية بدأت الساعة 10 أي أن حضور بدر للنادي كان بعد الساعة العاشرة مساء – شاهد الدفاع حسن علي حسن ذكر أن بدر وجعفر عندما دخلا النادي اتجها مباشرة لتربيزة (البنج بنج) هذا يؤيد أقوال الشاهد ياسر إلا أن حسن علي حسن ذكر أنهما (بدر وجعفر) عندما حضرا كانت النشرة العربية شغالة وربما كان هذا خلط منه بين النشرة العربية والإنجليزية
شاهد الدفاع عبد الرحمن حسن عيسى ذكر أنه شاهد بدر وجعفر في النادي حوالي الساعة 9:45 – هذا الخلط والتناقض يجعل خط دفاع المتهمين واهياً خاصة بعد أن قدم الاتهام قضية متماسكة أثبتت لنا بما لا يدع مجالاً لأى شك معقول أن المتهمين كانا بمسرح الجريمة عند ارتكابها وأن المتهم الأول قام بطعن المجني عليه وأن المتهم الثاني قاد سيارة المجنى عليه حيث وجدتها الشرطة في صبيحة يوم البلاغ والمجني عليه بداخلها
ثالثاً: الإدانة:
مما أسلفته انضم إلى ما توصل إليه زميلي العالم عبيد قسم الله في قراره بإدانة المتهم الأول تحت المادة 251 من قانون عقوبات السودان لسنة 1983 والمتهم الثاني تحت المادة 179 من نفس القانون
رابعاً: العقوبة
حسب نص المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م فإن النصاب الشرعي في الإثبات في جرائم الحدود (بخلاف الزنا) شهادة شاهدين ولقد اعتبر الفقهاء القصاص كالحدود ولذا ينطبق عليه هذا الشرط وطالما لم يتوفر النصاب الشرعي في هذه القضية فلا يسعنا الحكم بالإعدام قصاصاً ولا بد من أن نلجأ للمادة 458(3) من قانون العقوبات لسنة 1983 لتوقيع عقوبة تعزيرية على المتهم الأول أوافق أخي وزميلي عبيد قسم الله أن العقوبة التعزيرية قد تصل إلى الإعدام ولكنني أرى أن هذه القضية ليست من القضايا التي يمكن أن تصل فيها العقوبة التعزيرية الإعدام أنظر كتاب التعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز عامر ص 321 حيث ذكر: (من أهم الحالات التي قال فيها الفقهاء بجواز الإعدام تعزيراً وجرائم التجسس والقتل بالمثل وما في حكمهم واللواطة والدعوى إلى البدعة في الدين )
وبما أن هذه الجريمة لا تقع ضمن هذه الجرائم أرى أن عقوبة الإعدام غير مناسبة ولا بد من عقوبة تعزيرية أخرى مناسبة وهي السجن المؤبد كما اقترح الزميل عبيد
أما المتهم الثاني فلقد حكمت عليه محكمة الموضوع بالسجن لمدة خمس سنوات وأيدها الأخ عبيد وأرى أنها مناسبة وجديرة بالتأييد
( ) (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا أصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وأعف عنا وأغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) صدق الله العظيم
صلاح الدين محمد الأمين : قاضي المحكمة العليا – عضو الدائرة الجنائية

