حكومة السودان ضد ( طاعن ) ع . إ . ط وآخرين ( مطعون ضدهم ) م ع/ط ج/ ج ح/156/2019م
المحكمة القومية العليا
دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا
أصحاب السعادة :
سعادة السيد / طارق الضو أيوب
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / سلمان أحمد محمد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / سمير محمد السيد أحمد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
الأطراف :
حكومة السودان
ضد
( طاعن )
ع . إ . ط وآخرين
( مطعون ضدهم )
م ع/ط ج/ ج ح/156/2019م
القانون الجنائي لسنة 1991م المادة 46 منه – رد المال أو المنفعة – مداها .
قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م المواد92/1 و 93 العقد الباطل – أثره .
المبدأ :
- وجوب رد المال أو المنفعة لصاحبها حتى ولو لم يظهر مخاصماً في الدعوى .
- تقرير بطلان العقد بتوكيل مزور يوجب إعادة الحال إلى ما كان عليه والقول بخلاف ذلك يجعل المحاكم تحمي العقود الباطلة .
الحكم
الرأي الأول :
تقدم إلينا الأستاذ : الشفيع حسن محمد عثمان المحامي نيابة عن موكله نبيل عابدين محمد نور بتاريخ 21/10/2019م بطعن جنائي ضد حكم محكمة استئناف كسلا الصادر بالنمرة أ س ج/33/ معادة/ 2019م المؤيد لحكم محكمة جنايات كسلا بالنمرة : غ أ/412/2018م والذي علم به بتاريخ 17/10/2019م والذي قضى بالآتي :
- إعلان براءة المتهم الأول من التهمة المنسوبة إليه تحت المادتين 123/178 من القانون الجنائي لسنة 1991م .
- إعلان براءة المتهم الثالث من التهمة المنسوبة إليه تحت المادة 181 من القانون الجنائي لسنة 1991م .
- يخلى سبيل المتهمين فوراً ما لم يكونا مطلوبين في إجراءات أخرى .
- يعاد تسجيل القطعة رقم 38 مربع بانت الدرجة الأولى من اسم المتهم الثالث لاسم المالك الأول أبو بكر عبد السلام خير الله لإثبات تزوير التوكيل نمرة : 82/2014م الذي بموجبه تم التعديل .
- يخاطب رئيس التسجيلات للإجراء .
حيث صدر حكم هذه الدائرة بالنمرة : ط ج/66/2019م والذي انتهى إلى إلغاء حكم محكمة استئناف كسلا بالنمرة : أ س ج/33/2019م وإعادته للتسبيب ومن ثم كان الحكم بعد الإعادة محل الطعن هذا وحيث قدم الطعن خلال القيد الزمني الذي نصت عليه أحكام المادة 184 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م من ذي صفة بنص المادة 183 من ذات القانون فهو مقبول حيث الشكل :
أما من حيث الموضوع وبعد الاطلاع على محضر الدعوى وسائر متطلباتها يمكننا تلخيص وقائع الدعوى باختصار غير مخل في أن السيد مدير أراضي ولاية كسلا ثار لديه شك في التوكيل رقم 82/2014م توثيقات المحامي إبراهيم محمد الطريفي الذي بموجبه وكل المدعو أبو بكر عبد السلام خير الله المدعو هاشم الفاضل عبد الفتاح للتصرف في القطعة رقم 38 بانت الدرجة الأولى بمدينة كسلا لوجود مستندات أراضي مزورة تقدم بها المدعو هشام الفاضل لدى سلطات الأراضي في قطع أخرى وإيصالات رسوم أراضي وبالتحقيق حول التوكيل الصادر من المحامي إبراهيم محمد الطريفي وبمخاطبة لجنة توثيقات المحامين الاتحادية جاءت الإفادة بعدم وجود اسم المحامي إبراهيم محمد الطريفي بسجل المحامين الموثقين لديها وبمراجعة السجل المدني لبطاقة المدعو أبو بكر عبد السلام خير الله صاحب القطعة المسجل اتضح أن البطاقة المدونة بالتوكيل غير مطابقة لاسمه وبفحص بطاقات الشهود الواردة أسماؤهم بالتوكيل اتضح أيضاً عدم مطابقتها لأسمائهم ومن ثم قام مدير أراضي ولاية كسلا بفتح البلاغ بالتهم 3473/2014م بالمخالفة للمواد 123/180/181 من القانون الجنائي في مواجهة هشام الفاضل عبد الفتاح وآخرين بواسطة مفوض مدير الأراضي المدعو حاتم صالح عبد الرحمن.
حيث لم يتم القبض على المتهم الأول هشام الفاضل عبد الفتاح وتم فصل الاتهام ضده لدى النيابة كما لم يتم القبض على المحامي الذي وثق التوكيل 82/2014م إبراهيم محمد الطريفي وتم القبض على من آلت إليهم القطعة رقم 38 بانت الدرجة الأولى بمدينة كسلا بالشراء ومن ثم حولت الدعوى بعد نهاية التحريات لمحكمة الجنايات كسلا التي توصلت لحكمها المؤيد من قبل محكمة الاستئناف بالحكم محل الطعن أمامنا .
حيث يمكن تلخيص أسباب الطعن المقدم من الأستاذ / الشفيع حسن محمد عثمان باختصار غير مخل في الآتي :
- لا صفة لمدير الأراضي في فتح وتحريك إجراءات البلاغ .
- التزوير محل البلاغ لم يقع في حق سلطات الأراضي لان القطعة مسجلة والتزوير إن كان صحيحاً فقد وقع أمام مكتب تسجيلات الأراضي وليس أمام سلطات الأراضي .
- الحكم بإعادة تسجيل القطعة لمالكها في غيابه ودون طلب منه فيه خلط بين حق المبلغ وحدود صفته في فتح البلاغ .
- سلطات الأراضي سبق وأن أقامت دعوى مدنية بخصوص ذات القطعة وقررت المحكمة المدنية شطب الدعوى لعدم صفة مدير الأراضي في إقامة الدعوى المدنية .
- المحكمة قررت إلغاء التوكيل المزور الذي ثبت لديها أنه مزور وبناءً عليه قررت إلغاء كل التصرفات اللاحقة له بما فيها تعديل السجل الذي تم لصالح موكله وليس من سلطات المحكمة الجنائية ذلك وما جاء بالمادة 46 من القانون الجنائي لسنة 1991م اشترط الإدانة لرد المنفعة أو المال والمحكمة برأت المتهمين وما كان لها مخاطبة التسجيلات لإعادة السجل في اسم المالك الأول لان هذا يخرج من سلطاتها .
وخلص لطلبه إلغاء أحكام المحاكم الأدنى وشطب الدعوى .
ونقول رداً على ما جاء بأسباب الطعن المقدم أمامنا الآتي :
أولاً :
لا نتفق مع محامي مقدم الطعن حيث نرى أن من حق مدير الأراضي أو أي شخص أن يتقدم ببلاغ عن جريمة بما وصل إليه من معلومات ومستندات مزورة ولقد جاء هذا في نص المادة 34/1 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ومدير الأراضي بصفته موظفاً عاماً قام بواجبه نحو فتح البلاغ، كما أن النيابة العامة عليها واجب تولي الادعاء في الجرائم التي تتعلق بالحق العام باعتباره حقاً أصيلاً لها وفقاً لنص المادة 136 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م .
ولقد سجلت النيابة بواسطة مستشارين حضوراً في الدعوى أمام المحكمة حتى جلسة النطق بالحكم وهذا يعني أن النيابة العامة قامت بدورها خير قيام في متابعة إجراءات الدعوى حماية للحق العام وبالتالي نتفق مع محكمة الاستئناف ومن قبلها محكمة الموضوع حول صحة قبول مدير الأراضي أو من يفوضه كمبلغ حيث ثبت أن القطعة ملكية منفعة وليست ملكية عين كما جاء في مذكرة طعن الأستاذ محامي الطاعن ومعلوم الفرق بين ملكية المنفعة وملكية العين ففي الأولى الدولة هي مالكة الرقبة بموجب أحكام المادة 559/1 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1983م وتنص الفقرة الخامسة من المادة 559 على أن الدولة مالكة العين تكون صاحبة مصلحة في أي نزاع بشأن المنفعة وطرفاً فيه .
ومعلوم تنتقل المنفعة من الدولة للمواطن بموجب عقد بخلاف ملكية العين التي تنتقل بكل طرق نقل الملكية للمالك – لذا لا نتفق مع محامي الطاعن في عدم صفة مدير الأراضي ولاية كسلا – كما أنه من المعلوم الفرق بين المقاضاة المدنية والمقاضاة الجنائية حيث تتعلق المقاضاة المدنية بالحقوق المالية الخاصة ولا تجوز إلا بصفة قانونية – أما المقاضاة الجنائية فهي جرائم ارتكبت سواء من حق عام أو خاص أو حقوق مشتركة بين العام والخاص ففي الأولى يمكن أن يرد البلاغ من أي شخص حسب نص المادة 34/1 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – أما في الثاني الحقوق الخاصة مقيدة بصاحب الحق الخاص مقدم الشكوى – لذا جاء التفريق بينهما ففي الأولى سمي مبلغاً لوجود الحق العام وفي الثانية سمي شاكياً لوجود الحق الخاص المادة 34/2 من القانون المشار إليه أعلاه وبينهما جرائم ذات طبيعة مختلطة تحتوي على حق عام وحق خاص في جريمة واحدة ومثال ذلك جريمة السرقة ففيها حق عام لا يجوز التنازل عنه وفيها حق خاص يجوز التنازل عنه وهو المال محل السرقة أما الجريمة في حد ذاتها لا يجوز التنازل عنها لخطورتها على أمن المجتمع لذا وجب على المحاكم إصدار أحكام حتى لو تنازل الشاكي حيث تتولى النيابة العامة الادعاء أو من تأذن له بتولي الادعاء .
ثانياً :
لقد ثبت أن التوكيل بالنمرة : 82/2014م الصادر من المحامي إبراهيم محمد الطريفي مزور وذلك حيث تمت مخاطبة لجنة التوثيقات الاتحادية وجاءت الإفادة بأن اسم المحامي إبراهيم محمد الطريفي غير مدرج في كشف المحامين الموثقين لديها – كما ثبت أن بطاقة الموكل أبو بكر عبد السلام خير الله مزورة حسب إفادة السجل المدني ولاية كسلا وكذلك بطاقة الشاهدين على التوكيل ثبت أنها مزورة حسب إفادة السجل المدني ولاية كسلا – وعليه التصرفات التي تمت بموجب التوكيل المزور تصرفات باطلة بطلاناً مطلقاً وما بني على الباطل فهو باطل حسب القاعدة الأصولية الواردة في النص 92/1/2 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1994م وتقضي المحكمة ببطلان العقد من تلقاء نفسها ولقد جاء نص المادة 93 من ذات القانون عند الحكم ببطلان العقد يعاد المتعاقدان للحالة التي كانا عليها قبل انعقاد العقد .
وبما أن العقد الباطل لا يخلف أثراً باعتباره منعدماً والعدم لا يخلف أثراً لذا فإن عقود التنازلات اللاحقة على التوكيل المزور انبنت على بطلان مطلق وأن تقرير بطلان العقد بتوكيل مزور يرتب أثراً مهماً هو وجوب إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل إبرام العقد الباطل والقول بخلاف ذلك يجعل المحاكم مصدراً لأحكام تحمي العقود الباطلة وتخلق مراكز قانونية تؤدي لضياع حقوق الناس وذلك ما قررته هذه المحكمة في حكم لها بالنمرة : م ع/ ط ج/ 103/2012م المنشور بمجلة الأحكام القضائية لسنة 2012م ص 94 .
ولسبب عدم القبض على المتهم الأول هشام الفاضل عبد الفتاح والمتهم الثاني المحامي إبراهيم محمد الطريفي وهو قصور في التحري أدى لفصل الاتهام في مرحلة النيابة والاستمرار في مواجهة بقية المتهمين حيث لا تعني بالضرورة براءتهم باعتبارهم مشترين حسنى النية شرعية المنفعة أو المال التي حصلوا عليها بموجب التوكيل المزور وحسناً فعلت محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف بالاستناد لنص المادة 46 من القانون الجنائي لسنة 1991م حيث وجب رد المال أو المنفعة لصاحبها حتى لو لم يظهر مخاصماً في الدعوى لافتراض حماية الحقوق القانونية وقيام أجهزة الدولة المختلفة بهذه الحماية واجبٌ عليها لاستقرار الأوضاع القانونية وحماية الحقوق – ولو تم القبض على المتهمين الأصليين هشام الفاضل وإبراهيم محمد الطريفي لكان الوضع مختلفاً تماماً - كما أن المشترين حسنى النية لهم الحق بالرجوع لمن باع لهم لاسترداد أموالهم والمطالبة بأي تعويض إن كان له مقتضى أمام المحاكم .
من الواضح أن سلطات النيابة والشرطة بولاية كسلا لم تبذل جهداً لتصحيح مسار هذه الدعوى منذ البداية واكتفت بجهد المقل – لذا ظهر ذلك في تأخر سير الإجراءات لدى النيابة منذ تاريخ فتح الدعوى الجنائية في العام 2014م ولم تحال للمحكمة إلا في العام 2018م بقصور واضح في التحري أهدر حقوق الأبرياء .
ومحصلة القول عندي أن نذهب لتأييد قضاء محكمة الاستئناف المؤيد لقضاء محكمة الموضوع وأن تظل الدعوى قائمة في مواجهة المتهمين الهاربين هشام الفاضل وإبراهيم محمد الطريفي المحامي وان تسعى النيابة والشرطة الجنائية والمباحث سعياً جاداً للقبض عليهما وكذلك المتهم خضر إدريس طه الذي هرب أثناء نظر الدعوى وفصل الاتهام في مواجهته وتقديمهم للعدالة وهو أمر يسير إن وجد الاهتمام اللازم حيث أن المحامي معلوم العنوان بالخرطوم كما أن المدعو هشام الفاضل يمكن الوصول إليه وشهود التوكيل المزور وللشرطة خبرة جيدة في ذلك .
هذا إن وافقني الزميلان الكريمان عضوا الدائرة .
وبالله التوفيق ،،،
سلمان أحمد محمد
14/1/2020م
أوافق
طارق الضو أيوب
قاضي المحكمة العليا
16/1/2020م
أوافق
سمير محمد السيد أحمد
17/1/2020م
أوافق
الأمر النهائي :
نؤيد القرار محل الطعن
طارق الضو أيوب
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
19/1/2020م

