حكومة السودان ضد ( طاعن ) ض . أ . ف . ح ( مطعون ضده ) النمرة : م ع/ف ج/54/2019م مراجعة : 333/2019م
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
أصحاب السعادة :
سعادة السيد / محمد الفاتح أحمد الياس
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / خالد أحمد خير السيد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / عاطف الشفيع محمد أحمد
سعادة السيد/ عبد الناصر عبد الجابر الأمين
سعادة السيدة / بدرية عبد المنعم حسونة
قاضي المحكمة العليا
قاضي المحكمة العليا
قاضي المحكمة العليا
عضواً
عضواً
عضواً
الأطراف :
حكومة السودان
ضد
( طاعن )
ض . أ . ف . ح
( مطعون ضده )
النمرة : م ع/ف ج/54/2019م
مراجعة : 333/2019م
قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – المادة (8/أ) منه – مقروءة مع قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م – مراجعة الأحكام – مناطها.
المبادئ :
مناط المراجعة هو مخالفة الحكم القضائي وليس مخالفة النص التشريعي للشريعة الإسلامية ، وبالتالي ليس من اختصاص المحكمة أن تقرر مخالفة النص القانوني لأحكام الشريعة الإسلامية .
الحكم
هذا طلب مراجعة تقدم به محامي المدان يطلب مراجعة الحكم لمخالفته للشريعة الإسلامية ولوجود فساد في الاستدلال تتلخص في أن أقوال المجني عليها متناقضة وأنها لم تبلغ والدتها بما حدث لها من المتهم من تخدير أو تهديد ثم اغتصاب ، ومثل هذه الجرائم تتطلب الشكوى الفورية من المجني عليها 0 وعدم الشكوى الفورية تشكك في أقوال المجني عليها.
- أن التقرير الطبي لم يكن معضداً لأقوال المجني عليها بل مناقض لها فقد أثبت التقرير الطبي أن المتهمة حامل في خمسة أسابيع وهذا يكذب أقوال المتهم أنه أتصل بالمجني عليها قبل 13 أسبوعاً لذلك طالب بنقض الحكم المطلوب مراجعته وإصدار الأمر بشطب الدعوي الجنائية
بمطالعة محضر الدعوى والمستندات ومحضر الاستئناف ومحضر المحكمة العليا وإقرار المدان تبين الأتي :-
* جاء في أقوال المتهم علي الصحيفة 11 من يومية التحري0
إقرار قضائي أنه مارس الزنا مع المجني عليها بدون رباط شرعي وأنه كان يرغب في الزواج منها وذهب للدايه بغرض الفحص وتم القبض عليه
* جاء في أقواله من استجوابه بواسطة المحكمة أنه أقر بأقواله لحل المشكلة وأنه ذهب مع المجني عليها للتحقق من أنها حامل0
تنص المادة 145 من القانون الجنائي لسنة 1991م علي ما يلي بعد مرتكبه جريمة الزنا :
- كل رجل وطئ أمرآة دون رباط شرعي .
اختلف الفقهاء في وطء العاقل البالغ لصغيرة أو مجنونة يري الأمام مالك يحد لإتيانه الصغيرة أو المجنونة كلما أمكنه وطؤها ، فإذا لم يكن وطء الصغيرة ممكنا للواطئ فلا حد وإنما يعزر علي الفعل0
راجع – ح الزرقاني ج8 صفحة 76
يري أبو حنيفة وأصحابه أن العاقل البالغ إذا زني بصغيرة يجامع مثلها وجب عليه الحد لأن فعله زنا 0 ولان العذر من جانبها لا يوجب سقوط الحد من جانبه .
[ راجع فتح القدير ج4 صفحة 1560
يري الشافعيون حد العاقل البالغ إذا زني بمجنونه أو صغيره ما دام الوطء قد حدث فعلاً ولا يقيدون العقوبة بأي قيد0
[ راجع اسني المطالب ج2 صفحة 1280
لذلك نقول إن ما وقع من المتهم هي جريمة زنا تحت المادة 145/أ من القانون الجنائي0
أما بالنسبة للمجني عليها فقد ثبت أنها تبلغ من العمر 15أو 16 سنه وقد عرفت المادة 3 من القانون الجنائي لسنة 1991م البالغ بأنه الشخص الذي ثبت بلوغه الحلم بالأمارات الطبيعية القاطعة وكان قد أكمل الخامسة عشرة من عمره – ويعتبر بالغاً كل من أكمل الثامنة عشرة من عمره ولو لم تظهر عليه أمارات البلوغ وقد نص قانون المعاملات في المادة 56 علي أن سن الرشد ثماني عشرة سنة وبما أن المجني عليها أقرت بأن المتهم قد اتصل بها عدة مرات وبما أنها قد ظهر عليها أمارات البلوغ بدليل حملها سفاحاً إلا أن إقرار المجني عليها يعتبر في مرتبة التصرف القانوني والقاعدة أن من يقر علي نفسه أو علي غيره يجب أن تتوفرفيه أهلية كاملة للتصرف فيما يقربه علي نفسه ، لذلك لا يعتد بإقرارها كتصرف قانوني لعدم بلوغ السن المنصوص عليها قانوناً0
دفع المتهم علي لسان محاميه بأن المتهم رجع في إقراره0
- الثابت أن المتهم قد أدلي بإقراره أمام القاضي المختص ثبت صدوره عن طواعية بالطريقة الصحيحة كما جاء الإقرار مفصلاً لجريمة الزنا وقد توافرت لدى الجاني قصد الوطء فقد استصحب المجني عليها إلي المنزل وجردها من ملابسها واتصل بها جنسياً وهو عالم بأنه يطأ امرأة محرمة عليه0
كما أن الحكم أستند علي الإقرار وبينة الحمل وهي قرينة بدليل أن المتهم أخذ المجني عليها للتحقق من حملها بواسطة المتهمة الثانية والثالثة كما أثبت التقرير الطبي حمل المجني عليها0
من ذلك العرض نقرر أن المتهم مدان تحت المادة 145 من القانون الجنائي لسنة 1991م أما المادة 45 من قانون الطفل فقد نصت علي ما يلي يعد مرتكباً جريمة كل من 0
(ب) يغتصب أي طفل0
عرف القانون الطفل : [ كل شخص لم يتجاوز سن الثامنة عشرة0
* أثبت التقرير الطبي أن المزني بها عمرها 16 سنة وأن غشاء البكارة مزال وأنه لا يوجد اتصال جنسي حديث ، وأن الفحص المعملي والموجات الصوتية أثبت وجود حمل خمسة أسابيع ( مستند اتهام (1) .
* ثبت من أقوال المجني عليها أنه تم الاتصال بها جنسياً ثلاث مرات وأن آخر اتصال
بها قبل شهر ونصف0
- نص قانون الطفل علي ما يلي : يعد جريمة من يغتصب طفل يعني ذلك هو أن فعل المجني عليها لم يكن برضاها لأن الرضا هو القبول المبني علي تحكيم العقل الحر من التفكير في الأمور وعواقبها دون إكراه أو غش أو غلط في فهم حقيقة الواقع 0 وقد افترض الشارع فيمن لم يكتمل النمو والنضج العقلي لديهم لصغر سن عدم أهليتهم للرضا لعدم الوعي0
وإن كانت سن الاعتداد بالرضا الصحيح هي الثامنة عشرة بصفة عامة طبقاً للقانون 0
لذلك تكون العقوبة وفقاً لنص المادة 86/ه من قانون الطفل سليمة لأنها جاءت علي سبيل الوجوب ولانعدام الرضا بالنسبة للمجني عليها لذلك تدخل في نص المادة 45/ب من قانون الطفل أما بالنسبة لنص المادة 145/أ من القانون الجنائي فقد أقر الجاني بارتكابه جريمة الزنا في مجلس القضاء وكان إقراره مفصلاً لا يكتنفه غموض أو إبهام وقد دل علي الزنا بدلاله قاطعة، وبما أن الإقرار حجه قاطعة علي المقر لكمال ولاية المتهم علي نفسه دون غيره فيقتصر إقراره عليه ولا يتعداه إلي غيره0
وبما أن حد الزنا من الحدود التي تمس حداً من حدود الله تعالي التي رسمها وعينها ومنع الناس من ارتكابها حماية للفضيلة وتنظيماً للمجتمع وأن حدود الله تعالي محارمه ، وبما أن هذه الجريمة تشيع الفاحشة وهي اعتداء علي النسل وهي مخالفة للنواميس الاجتماعية.
وبما أن هذه العقوبة هي حقٌ لله تعالي هو الذي يقدرها فلا يترك لولي الأمر تقدير الحد الأعلى لها وبما أن إقامة الحدود عبادة وحماية للأمة ولرفع أذي المعتدين لذلك لا بد من إقامة العقوبة الحدية كما نصت عليها المادة 146 من القانون الجنائي0بالجلد مائة جلدة إذا كان محصناً0
بالإضافة إلي عقوبة التعزيز الواردة في قانون الطفل نصت المادة 3 من قانون الطفل علي أن تسود أحكام هذا القانون علي أي حكم من أي قانون آخر 000 الخ0
- أن الزنا إذا تفشي في جماعة أنهار فيها كل قائم ، واندك كل مقوم من مقومات الأخلاق، وما فشت هذه الجريمة في أمه الا كتب الله عليها الغناء في كيانها ، والضياع في أسرها والانحلال في أخلاقها وصارت قوماً بوراً ولذلك ورد في بعض الإناء أنه ما فشي الزني في قوم إلا كتب الله تعالي عليهم الذل .
- بما أن القاضي الجنائي يلتزم بتطبيق الشريعة الإسلامية في الحدود التي أخذ بها المشرع كمصدر ، للقانون مثل أحكام الحدود 0 لذلك لزاماً علينا تطبيق الجريمة الحدية ، إذ إن فعل المتهم يوقعه تحت الجريمة الحدية في القانون الجنائي 0 والجريمة التعزيرية في قانون الطفل0
فلا يجوز إسقاط تنفيذ الحدود بالعفو أو غيره 0 وفقاً للمادة 38 من القانون الجنائي 0
- يري الإمام الشافعي وأحمد أن التغريب معناه النفي الذي حدث فيه الزنا وقد نصت المادة 146/2 من القانون الجنائي علي عقوبة التغريب باعتبارها عقوبة تعزيرية0
إذ تنص يجوز أن يعاقب غير المحصن الذكر بالإضافة إلي الجلد بالتغريب لمدة سنة لقد أخذ المشرع في هذه المادة بمذهب الإمام مالك وأبي حنيفة وهي بذلك تعتبر عقوبة تكميلية إلي جانب عقوبة الجلد0
وبما أن قانون الطفل قيد الحكم بالإعدام أو السجن مدة لا تجاوز عشرين سنه لذلك يمكن أن تكون عقوبة التغريب أي السجن لمدة سنة .
عليه يكون حكمنا بالأتي :-
- نقض الحكم المطلوب مراجعته وإصدار حكم جديد بالآتي الجلد مائة جلدة 0
- السجن لمدة سنه من تاريخ صدور حكم المراجعة0
والله المستعان
د0 بدرية عبد المنعم حسونة
10/12/2019م
- أياً كانت اجتهادات الفقهاء المسلمين ، رحمة الله عليهم ، في مسألة الزنا بالصغيرة باعتبارها جريمة حدية توجب توقيع الحد ( حد الزنا ) علي الزاني ، لم يأخذ المشرع السوداني في قانون الطفل لسنة 2010م بهذا الاجتهاد الفقهي وذلك بإخراجه لهذا الفعل ( الزنا بالصغيرة ) من إطار المادة 149 جنائي لسنة 1991م وإفراد جريمة خاصة به نُصّ عليها في المادة 86/ب من قانون الطفل لسنة 2010م
( يُعد مرتكباً جريمة كل من يغتصب طفلاً )
وحدد لها عقوبة تعزيرية هي الإعدام أو السجن لمدة عشرين سنة مع الغرامة 0
ومخالفة المشرع لهذه الاجتهادات ليس بمخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية تستوجب مراجعة الحكم ، فالمحكمة عند تفسيرها للنص القانوني تستصحب أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية تعطيلاً لواجب قطعي أو أباحة لمحرم بيِّن ، وأن المشرع يراعي توجيهات الشريعة في الندب والكراهية ( المادة 2/أ من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م ) 0 وعلي ذات النهج قضت المحكمة الدستورية في قضية : شركة هايتون ضد أعمال أبو المعتصم التجارية ق0د/41/2003م ( أن جميع القوانين السودانية سارية المفعول قائمة علي المبادئ الشرعية وعلي المذاهب التي اختارها المشرع لتطبيق حكمها ولا يجوز للمحاكم مخالفتها0) .
أن نص المادة 86/ب من قانون الطفل لسنة 2010م هو استثناء من النص العام الوارد بالمادتين 145 و 149 من القانون الجنائي لسنة 1991م ، وأن قانون الطفل قد صدر لاحقاً للقانون الجنائي لسنة 1991م ، والقاعدة هي أن تسود أحكام القانون اللاحق علي القانون السابق بالقدر الذي يزيل التعارض بينهما ( المادة 6/3 من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م) ، وأن أي قانون خاص أو حكم خاص بأي مسألة في أي قانون يُعتبر استثناءً من أي قانون عام بحكم ذات المسألة ( المادة 6/4 من ذات القانون )0
أخيراً فإن مناط المراجعة هو مخالفة الحكم القضائي ، وليس النص التشريعي ، لأحكام الشريعة الإسلامية أو وقوعه في خطأ في القانون أو تطبيقه أو تأويله إذ ليس للمحكمة اختصاص محاكمة النص القانوني لتقرير مخالفته لأحكام الشريعة الإسلامية أو للقانون0
لما تقدم أري شطب طلب المراجعة0
خالد أحمد خير السيد
- أتفق والرأي الثاني
محمد الفاتح احمد الياس
- مع أكيد احترامي لما جاء في الرأي الأول إلا أنني أتفق مع الزميل صاحب الرأي الثاني أسباباً ونتيجة0
عبد الناصر عبد الجابر الأمين
- مع كامل احترامي للرأي الأول إلا أنني أتفق مع الزملاء في الرأي الثاني والثالث والرابع أسباباً ونتيجة0
عاطف الشفيع محمد أحمد
13/2/2020م
الأمـر النهائـي :-
* شطب الطلب
محمد الفاتح أحمد الياس
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
18/2/2020م

