حكومة السودان ضد صلاح موسى علي أبو زيد وآخرين
المحكمة العليا
القضاة
سعادة السيد / محمد ميرغني مبروك قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ زكي عبد لرحمن قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ يوسف دفع الله قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان
ضد صلاح موسى علي أبو زيد وآخرين
م ع / م ك /46/1987م
المبادئ:
إجراءات جنائية – أحكام السجن المؤبد الصادرة من قاضي المديرية بصفته الاستئنافية – الجهة التي تستأنف إليها تجاوز درجة من درجات التقاضي
إجراءات جنائية – إصدار أحكام جديدة في مرحلة الاستئناف – غير مألوفة
1- الأحكام المنصوص عليها في المادة 234 أج هي الأحكام الصادرة بصفة ابتدائية أما أحكام السجن المؤبد الصادر من قاضي المديرية بصفة استئنافية فيجب استئنافها إلى محكمة الاستئناف حتى لا يفقد المحكوم عليه درجة من درجات التقاضي دون مبرر موضوعي
2- السلطات الاستئنافية لا تقوم عادة بإصدار أحكام جديدة ولكن تكتفي بتأييد الأحكام الابتدائية أو إلغائها أو تخفيضها أو إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لإصدار الحكم الذي تراه السلطة الاستئنافية مناسبا
الحكـــــم
16/1/1987م
القاضي: زكي عبد الرحمن:
أمامنا عدد من الطلبات من عدد من المحامين الإجلاء يثبتون فيها نيتهم في الطعن في الحكم الصادر من محكمة المديرية عند نظرها للاستئناف المقدم ضد حكم قاضي الجنايات في القضية المعروفة بقضية الحبوب المنشطة
وقد استبدلت محكمة المديرية القرار الصادر من قاضي الجنايات ( والذي قضي ببراءة المحكوم عليه من التهمه بموجب المادة 457 من قانون العقوبات بقرار بإدانتهم فيها وتوقيع عقوبة السجن المؤبد على المدانين وقد طلب المحامون السماح لهم بتقديم أسبابهم فيما بعد وقبل أن يحين الوقت لنظر الطلب في الجانب الموضوعي منه يتعين أن نقرر أولاً في مسالة مبدئية هي ما إذا كان الاختصاص في نظر الطعن في حكم محكمة المديرية ينعقد للمحكمة العليا أم أنه ينعقد لمحكمة الاستئناف
وفي الإجابه على هذا السؤال يجدر أن نشير إلى أن الطلبات محل النظر مقدمة كطعون باعتبار أن حكم محكمة المديرية وقد انتهى إلى توقيع عقوبة السجن المؤبد أصبح مما يجب تأييده بواسطة المحكمة العليا طبقاً لما تنص عليه المادة 234 من قانون الإجراءات الجنائية وذلك يكون الطعن فيه مما تختص به المحكمة العليا طبقاً لنص المادة 235/3 من القانون ذاته
فهل حقاً ينطبق نص المادة 234 ومن ثم نص المادة 235 (3) على حكم محكمة المديرية الذي صدر في معرض نظر استئناف ضد حكم قاضي الجنايات ؟ في تقديري أن المادة 234 إنما تنطبق على الأحكام الابتدائية إذ ليس من المتصور أصلاً في مجريات الأمور العادية أن يصدر حكم جديد بهذا الشكل في المراحل الاستئنافية فالسلطات الاستئنافية لا تقوم عادة بإصدار أحكام جديدة وإنما تكتفي بتأييد الأحكام الابتدائية أو بإلغائها أو بتخفيضها أو إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لإصدار الحكم الذي تراه السلطة الاستئنافية مناسباً وهذا المفهوم واضح من نص المادة 234 قبل تعديلها في 15/4/86 إذ أن العقوبة التي كانت تخضع للتأييد كانت تقتصر على أحكام الإعدام وحدها وهي ما كانت تصدر في الأحكام الابتدائية فقط ولا مجال لصدورها في مراحل استئنافية
هذه من ناحية ومن ناحية أخرى فإنه بينما يحتمل في المادة 234 تفسيراً يجعل مثل الحكم محل النظر خاضعاً للتأييد بواسطة المحكمة العليا مباشرة فإن التدرج الذي استحدثه التعديل الذي أدخل في قانون الإجراءات الجنائية في 15/4/86 يجعل أحكام المحاكم الجنائية من الدرجتين الأولى والثانية خاضعة للطعن أمام محكمة المديرية ومنها إلى محكمة الاستئناف حيث يكون حكمها نهائياً (من بقاء رقابة المحكمة العليا على مثل هذه الأحكام عن طريق سلطة الفحص في المادة 239 من القانون ذاته ) وبناءً علي ذلك فان تدرج المحاكم بالنسبة للأحكام يكون متضارباً طبقا للزاوية التي ينظر بها إلى الحكم بحيث يكون التدرج باعتبار الموضوع خلاف التدرج باعتبار العقوبة وهذا أمر غير مستساغ ويترتب عليه إجهاض للحكمة من التدرج إذ أن النتيجة الحتمية لإتخاذ العقوبة أساساً للتدرج أن يفقد المحكوم عليه درجة من درجات التقاضي دون مبرر موضوعي لذلك طالما كان أي خطأ في العقوبة في الواقع خطأ يقوم حتماً على خطأ موضوعي يمكن علاجه في إطار التدرج العادي للمحاكم خاصة وحق اللجوء للمحكمة العليا مكفول في كل الحالات حتى إذا اتخذ ذلك شكل طلب الفحص وبذلك يكفل التدرج العادي المهني على اعتبار المسألة الموضوعية جميع فرص الطعن العادية والاستئنافية بينما تقتصر تلك الفرص في الحالات التي تأخذ فيها العقوبة كأساس للتدرج على فرصتين فقط
صحيح أن النفاذ للمحكمة العليا مباشرة قد يؤدي إلى اختصار الطريق وبالتالي إلى توفير الوقت في بعض الحالات وكما انه صحيح أنه يجوز للمحكمة العليا أن تمارس سلطة الفحص حتى فيما لم يعرض على محكمة الاستئناف غير أن تجاوز محاكم أدني مختصة يهز النظام القضائي في جانب جوهري منه ويهدر الحكمة من التدرج القضائي ويؤدي في النهاية إلى تكدس الطلبات أمام المحكمة العليا وتعطيل المحاكم الاستئنافية الأخرى بما يجعلها بلا عمل يذكر وعلى ذلك فإنه ينبغي عدم تشجيع أي اتجاه لتجاوز المحاكم الاستئنافية الأدنى بحجة أنه من الجائز اللجوء إلى المحكمة العليا في كل الأوقات عن طريق طلبات الفحص
إن الحكم المطعون فيه صدر في مرحلة من مراحل طرق الطعن التي نظمها التعديل الذي أخل في قانون الإجراءات الجنائية في 15/4/86 وعليه فان الطعن ينبغي أن يسير وفق تلك الطرق إلى نهايتها دون اعتبار لأي خطأ ربما كان هو السبب في توقيع عقوبة من تلك العقوبات التي يتعين تأييدها بواسطة المحكمة العليا فذلك الخطا – إن وجد – يخضع للطعن أمام محكمة الاستئناف التي تملك تصحيحه وتصحيح ما ترتب عليه من عقوبة فإذا لم تفعل فان المحكمة العليا باقية لمن يرغب في الاستفادة من سلطاتها في فحص أي إجراءات جنائية أياً كانت
خلاصة الرأي أنه طالما صدر الحكم الابتدائي بعد سريان تعديل 15/4 في قانون الإجراءات الجنائية وبذلك انطبقت طرق الطعن التي قررها ذلك التعديل دون حاجة إلى الجدل الذي كان يمكن أن ينشأ فيما لو صدر الحكم قبل سريان التعديل ( الإشارة هنا للوضع في قانون الإجراءات المدنية في ضوء المادة 4 من ذلك القانون) وحيث أن ما يتطلب التأييد بواسطة المحكمة العليا بموجب المادة 334 من قانون الإجراءات الجنائية هو الحكم الابتدائي وليس الحكم الصادر في مرحلة الاستئناف ( والذي ينبغي النظر إليه في جانبه الموضوعي وليس في نتيجته التي قد تتخذ شكل العقوبة) فان الإجراء القانوني من حيث طريق الطعن والمناسب والعادل في نفس الوقت – هو أن يقدم الطعن لمحكمة الاستئناف باعتبارها هي المحكمة المختصة في نظر الطعن وتبقى الفرصة لطرق باب المحكمة العليا بعد ذلك إذا اقتضى الأمر شيئاً من ذلك
18 /6/1987م
القاضي: محمد ميرغني مبروك
أوافـــق
18/6/1978 م
القاضي : يوسف دفع الله
أوافــق

