حكومة السودان ضد شيدر هبيلا ديدان
(المحكمة العليا )
القضاة :
سعادة السيد مهدي الفحل نائب رئيس المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد عمر بخيت العوض قاضي المحكمة العليا بالإنابة عضوا
سعادة السيد حسن على احمد قاضي المحكمة العليا بالإنابة عضوا
حكومة السودان ضد شيدر هبيلا ديدان
م ع/ م ك/ 116/73
المبادئ:
قانون العقوبات – أغراض العقوبة – الردع لإصلاح الفرد والمجتمع – استئصال عادة الثأر
قانون العقوبات – متى يشكل الكلام إثارة عنيفة – المادة 249 (2) – المعركة الكلامية – فجائية المعركة – عامل الزمن واستمرارية التحدي – المادة 249 (4)
1) لتحديد ما إذا كانت العبارة مثيرة يجب وزنها مع الظروف التي قيلت فيها والطريقة التي قيلت بها وما تبعها من نزاع
2) لا يشترط في المعركة الكلامية أن تكون طويلة أو متميزة بكثرة الشتائم بل يكفي أن تكون ألفاظا حادة تحتمل معنى التحدي والاستحقاق ولا تنبني على المسالمة
3) ذهاب المتهم لإحضار سلاح لا يفقد المعركة صفة الفجائية ولكنه قد يفقد حرارة الحماس الغاضب وحدة العاطفة
4) غياب المتهم لمدة قصيرة عن مكان الحادث لا يكفي لتهدئة حدة عاطفته كما أن رفض المجني عليه الانصراف من مسرح الحادث لا يشكل استمرارا لدواعي حدة عاطفة المتهم
5) الهدف من العقوبة الرادعة تلبية حاجة المجتمع من تهذيب وضبط للسلوك والشخصية الشريرة تحتاج لقدر كبير من الإصلاح والردع
6) هنالك ضرورة للردع العادل بتشديد العقوبة في المناطق التي تأخذ بالثار
الحكم:
14ر9ر1973 :
القاضي عمر بخيت العوض :
هذه اجراءات محكمة كبرى انعقدت في الفولة برئاسة القاضي آدم محمد آدم لمحاكمة المتهمين شيدر هبيلا ديدان وسليمان موسى كندي وهشيم هبيلا ديدان وبعد فحص البينات التي قدمت لها برأت ساحة المتهم سليمان موسى والمتهم هشيم هبيلا لعدم ثبوت اشتراكهما في ضرب المرحوم وقد أصابت في ذلك حينما رفضت الأخذ بأقوال الشاهدة (تمبولا الاحمر) لانها شاهدة لا يمكن الاعتماد على روايتها من حيث عدم اتساقها في مرحلة التحري والتحقيق القضائي ومرحلة المحكمة كما عبرت عن سبب قولها الكذب أن أهلها قالوا لها أن تمتنع عن قول الحق
كذلك أرى أن المحكمة الكبرى قد أصابت عندما رفضت الاعتماد على أقوال أخ المرحوم وابنه حيث عما أن المرحوم قال لهما أن سليمان والأطرش اشتركا في ضربه استنادا لعدم ذكرهما لهذه الوقائع في مرحلة التحري ولان بقية شهود الاتهام ذكروا أن المرحوم قال لهم أن الذي ضربه هو المتهم الأول ولم يزد على ذلك اسما ومن هناء جاء قرار المحكمة الكبرى بإدانة المتهم شيدر هبيلا ديدان تحت المادة 251 من قانون العقوبات بناء على الوقائع التي لخصتها عند بيان وقائع الإدانة حيث جاءت كما يلي :-(بتاريخ 15ر12ر1972 أخذ المرحوم إعلانا وذهب به للمتهم وأصر المتهم على معرفة سبب الإعلان وأصر المرحوم على أن ذلك سيكون أمام المحكمة وهنا المتهم أخذ عكازه وضرب المرحوم عدة ضربات نتج عنها تهتك الطحال وكسر وجروح أخرى ونتج عن تهتك الطحال نزيف داخلي أدى إلى الوفاة )
لقد اعتمدت المحكمة في إثبات هذه الوقائع على أقوال المتهم لعدم وجود شخص آخر يوثق بأقوال عند وقوع الحادث ومن ثم ثبت لها أن المرحوم توفى نتيجة للإصابات التي ألحقها به المتهم حسب اعترافه
بعد ذلك ناقشت المحكمة الكبرى الدفوع المنصوص عليها في المادة 249 من قانون العقوبات ووجدت انها غير ذات موضوع بالنسبة لأحداث ووقائع القضية وبذلك أدانت المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات
وقد ثبت أن المرحوم احضر طلبا للمتهم لإعلانه بالمثول أمام إحدى المحاكم والتي لم يوضح المحضر نوعها وان المتهم طلب معرفة سبب الإعلان ولكن المرحوم رد عليه بأن ذلك سيكون أمام المحكمة
هذه العبارة تبدو في ظاهرها انها غير مثيرة ولكن يجب أن لا تجرد هكذا من كل معنى بل يجب وزنها مع بقية الظروف التي قيلت فيها والطريقة التي قيلت بها وما سبقها من نزاع
لما كان الأصل في الإعلان أن تتولاه السلطة ولا تكله للأفراد في حالات الإرشاد بمعونة مثل السلطة في تنفيذه فان ذهاب الخصم مباشرة لخصمه و إبرازه للإعلان دون الإفصاح عن سببه فيه كثير من دواعي الإثارة
والذي يجب أن نوضحه هنا أن الإثارة المقصودة ليست التي تفقد إنسان سيطرته على نفسه مما يجعله يتصرف تحت تأثير العاطفة الطاغي وانما المقصود بها إثارة أدنى درجة لا تفقد الإنسان سيطرته على نفسه بل هي الإثارة التي تمهد للمشاجرة الكلامية التي قد تتطور إلى معركة لأنه قبل تبادل الألفاظ والتنابذ أو تبادل السباب لابد من حدوث شئ يمهد له
وهنا فإن إحضار المرحوم للطلب أو الإعلان لشخصه وحضوره إلى منزل المتهم سواء كان الأخير يعلم السبب أو لا يعلمه إنما هو استفزازي يبرر بداية المعركة الكلامية ولكنه ليس استفزازا شديدا كالذي يعتبر سببا مستقلا لتحويل الفعل إلى قتل جنائي بل استفزاز عاديا أقل درجة ولكنه لازم لإشعال العاطفة الممهدة للشجار الكلامي
وقد أدى هذا الاستفزاز غير الشديد أو الخطير إلى أن يسأل المتهم عن سبب الإعلان وجاء رد المرحوم بأنك سوف تعرف ذلك في المحكمة
أن محكمة الموضوع قد رأت في هذه الإجابة كل الحكمة وكل المعقولية ولكنها قد لا تكون كذلك إذا نظر إليها وقت قولها والطريقة التي قيلت بها إذ ربما توحي تلك الطريقة بشيء من الاستخفاف أو التحدي لشخص المتهم فتزيده استفزاز على استفزاز ولعل الصورة التي قدم بها المرحوم الإعلان للمتهم توحي بذلك حيث قدم له الإعلان ببراءة ويحمل حربته بيمناه وهذه صورة تحمل معنى التحدي وأن كانت محكمة الموضوع لم تحقق فيها الا أنها صورة جائزة ومن حق المتهم أن يستفيد من الشك في حدوثها بتفسيره لصالحه
هذه العبارات التي تبودلت بين الظرفين وفي ظروفها تعتبر معركة كلامية يشترط في المعركة الكلامية أن تطول على نحو ما حتى يقال انها معركة كلامية وليس من الضروري أن تكون المعركة الكلامية كلها شتائم وانما يكفي أن تكون ألفاظا حادة ليس فيها شئ من المسالمة أو النقاش الهادئ ويكفي أن تكون الكلمات المتبادلة تحمل معنى التحدي والاستخفاف
بعد هذا التطور أخذ المتهم عكازه وضرب المرحوم وقد رأت المحكمة الكبرى أن المرحوم مشى نحوا من ستة وعشرين خطوة نصفها من مكان الحادث إلى قطيته حيث أحضر عكازه كانت المسافة 13 خطوة ثم عاد مرة أخري وهذه ثلاثة عشر ثانية وبذلك وجدت أن الستة والعشرين خطوة هذه كافية لتفقد المشاجرة عنصر المفاجأة
أن ذهاب المتهم لإحضار عصاه لا يفقد المعركة صفة المفاجأة ولكنها قد تفقد المعركة صفة أخرى وهي وقوع الحادث في أثناء حرارة الحماس الغاضب وهنا قد يقال أن هذه المسافة التي مشاها المتهم كانت كفيلة بأن يعود العقل لاحتلال مكانه في توجيه تصرفاته باختفاء حدة العاطفة الغاضبة فهل كان الأمر كذلك بالنسبة لهذه القضية ؟
في رأي أن المسافة التي مشاها المتهم لا تكفي لهدوء العواطف لقصرها ولأن شخص المرحوم الذي ظل واقفا ولم يتحرك حتى عاد إليه المتهم وما زال هو نفسه يشكل دواعي استمرار ثورة الغضب لأنه هو الذي كانت تنصب عليه ثورة المتهم ولأن أمثال هؤلاء الناس في تلك البيئة لا يمكن أن تهدأ عواطفهم بالسرعة التي تهدأ بها عواطف غيرهم من أهل الحضر ذوي الطبيعة الهادئة
ولو كان المرحوم لا يريد شرا ويريد للمشاجرة أن تنتهي وهو ليس من أهل الفريق فلماذا ظل واقفا بين منازل المتهم وأهليه ؟ ولماذا لم ينصرف إلى حاله ؟ ولو فعل لابتعد خطوات أكثر ولأعطى بذلك مجالا لهدوء الغضب ولكنه ظل في مكانه حتى وقع الضرب ومن كل ذلك يستنتج أن جميع الظروف لم تدع مجالا للغضب أن يهدأ
ولما كانت أسلحة الطرفين متعادلة ولم يتصرف المتهم بطريقة غير مألوفة أو تنم عن الوحشية فأنني أرى توافر عناصر المعركة المفاجئة وأن الضرب قد حدث أثناء ثورة الغضب بدون سابق إعداد من المتهم ولهذا أرى أن تعدل الإدانة إلى المادة 253 عقوبات
أما عن العقوبة فيجب أن تلبي حاجة المجتمع في تهذيب طباع الأفراد ودفعهم إلى محاولة ضبط النفس وعدم الاندفاع وهذا سبب يستوجب أن تكون العقوبة رادعة
كما أن شخصية المتهم تشير إلى أنه ميال للشر لا يرعوي وهو بهذا يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاح مادام السجن تهذيب و إصلاح
وأخيرا فإن العقوبة البسيطة في مثل تلك المناطق تغري بمخافة القانون وتوحي بأخذ الثأر
وبالنظر لكل هذه الأسباب مجتمعة أرى توقيع أقصى عقوبة تحت المادة 253 وهي السجن مدى الحياة
15ر10ر1973 :
القاضي مهدي الفحل :
أوافق
15ر10ر1973 :
القاضي حسن على أحمد :
أوفق

