حكومة السودان ضد شول جاك سيرك
الحكم:
القضاة:
السيد/ عبد المنعم الزين النحاس قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ على يوسف الولي قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ صالح الشريف قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد شول جاك سيرك
م ع/ف ج/120/1987م
المبادئ:
قانون جنائي – التعدي الجنائي – تشييد بناء على الأرض مل النزاع – وجود نزاع بين الطرفين – عدم توفر القصد الجنائي – المادة 386 عقوبات
لما كان من الثابت أن المتهم قد شيد مباني على الأرض محل النزاع وتحققت بذلك سيطرته وحيازته الفعلية عليها فأنه لا يكون مرتكباً لجريمة التعدي الجنائي في مواجهة الشخص الذي منحت له الحكومة تلك الأرض وذلك لأن النزاع بعتبر أدخل في النطاق المدني منه في النطاق الجنائي
الرأي المخالف:
إن الحيازة التي ترتكب ضدها جريمة تحت المادة 386 عقوبات هي حيازة صاحب العقار الذي يمارس السيطرة الفعلية والقانونية بموجب ترخيص من الحكومة والقول بغير ذلك يجعل القطع السكنية التي خططت وخصصت وسلمت لمستحقيها نهباً للمعتدين عليها والحازين لها بدون وجه حق
المحامون: جمال الدين وداعة الله
الحكـــــم
القاضي/ على يوسف الولي :
التاريخ: 10/6/1987م
هذا الطلب تقدم به لهذه المحكمة المحامي جمال الدين وداعه الله نيابة عن المتهم شول جاك سيرك عن طريق الفحص طاعناً في حكم محكمة جنايات أم درمان جنوب المؤيد بحكم محكمتي المديرية أم درمان والاستئناف الخرطوم والقاضي بإدانة المتهم شول جاك سيرك تحت المادة 386 من قانون العقوبات سنة 1983م وأضافت محكمة المديرية المادة 6/29 من قانون التصرف في الأراضي سنة 1406هـ
نوجز الوقائع الثابتة في أن الشاكي ضحية على عبده بتاريخ 19/1/1986 تقدم بعريضة جنائية لقاضي جنايات أم درمان جنوب في مواجهة المتهم شول جاك سيرك وتأسيساً على أن المتهم المذكور قد تعدى على قطعة الأرض نمرة 475 مربع 17 أبو سعد ام درمان والمصدقة له بها من قبل السلطات المحلية ومن ثم أمر قاضي جنايات بفتح بلاغ تحت المادة 386 من قانون العقوبات سنة 1983م
ثبت بالأدلة لدى محكمة جنايات أمدرمان جنوب أن القطعة المذكورة حسب شهادة البحث الصادرة من رئيس تسجيلات أمدرمان جنوب أن القطعة المذكورة حسب شهادة البحث الصادرة من رئيس تسجيلات أراضي أمدرمان هي أرض حكومية وأن ملكية المنفعة بها مسجلة باسم الشاكي المذكور في 1/4/1979م يقرر الشاكي بأنه لم يبن أي بناء على هذه القطعة منذ أن منحتها له الحكومة إلا أنه ثابت بأن الشاكي كان يحوز على شهادة البحث وتصريح البناء ورسم كروكي صادر من سلطات المساحة بتحديد القطعة محل النزاع وغير ذلك من المستندات والوثائق الدالة على أن الشاكي هو الحائز الحيازة الحكمية للعين موضوع النزاع ثبت أن المتهم قد شيد غرفتين بالجالوص على تلك القطعة من الجهة الجنوبية الشرقية وذلك منذ عام 1978م ومن ثم فأنه كان الحائز الحيازة الفعلية للعين المذكورة قضت محكمة جنايات أمدرمان جنوب بالغرامة عشرين جنيهاً يدفعها المتهم وفي حالة عجزه السجن لمدة أسبوع من الأمر بإزالة المباني
ينعي المحامي وداعه الله في مذكرته القيمة والموضوعية على الحكم بما يجوز لنا أن نوجزه في الآتي:
1/ إدانة موكله تحت المادة 6/29 من قانون التصرف في الأراضي سنة 1406هـ جاءت غير صحيحة لأنه على فرض أن موكله بدخوله وبنائه في القطعة موضوع النزاع في سنة 1978 ارتكب جريمة فأن تطبيق ذلك القانون على حالة موكله يتنافي مع مبدأ تعدم سريان القوانين العقابية بأثر رجعي
2/ أن دخول موكله في العين محل النزاع في سنة 1978 وقيامه بالبناء عليها والسكن فيها لا يعد جريمة لأن وضع اليد على القطعة بالأراضي الحكومية أمر مباح ويجيزه القانون
3/ (بعد أن منحت الدولة القطعة للشاكي كان علي الدولة أن تخلى المتهم أولاً ثم تسلم الشاكي حيازة القطعة خالية أما القول بأن الشاكي يملك الحيازة الحكمية فهذا الحيازة تصلح لرفع دعوى مدنية لإخلاء المتهم ولكنها لا تصلح لتشكيل جريمة في حق المتهم إذا أن المادة 386 عقوبات التي تعرف جريمة التعدي الجنائي تشترط لكي يكون الدخول جريمة أن يكون مرتبطاً بنية المضايقة أو الإزعاج بالنسبة للحائز وليس للمالك وبما أن الشاكي لم يدخل في حيازة القطعة في أي وقت من الأوقات فأنه لا يتصور أن يكون هنالك إزعاج أو مضايقة في فراغ وهذا ما قضت به محكمتكم الموقرة في حكمها الصادر في طلب الفحص الجنائي رقم 118/1406هـ (محكمة مناس لربانج مكايا) الصادر بتاريخ 3/3/1986م)
وفي الختام يلتمس المحامي وداعة الله إلغاء الإدانة والعقوبة أمر إزالة المباني
الأسبـاب
باستقراء المحضر الذي أعدته محكمة الموضوع ومذكرة محكمة المديرية ومذكرة محكمة الاستئناف أجدني لا أوافق على الإدانة تحت المادة 386 مقروءة مع المادة 380 من قانون العقوبات سنة 1983 (جريمة التعدي الجنائي) وأرى براءة المذكور وذلك لعدم توافر ركنين أساسيين من الأركان التي تنهض عليها هذه الجريمة وهما:
1/ عدم وجود قصد المتهم بالدخول أو البقاء في الأرض المنازع عليها لإرهاب أو إهانة أو مضايقة الشاكي والذي خصصت له الحكومة الأرض
2/ كون الأرض موضوع النزاع لم تعد في حيازة الشاكي في وقت الدخول أو البقاء فيها حياة فعلية
إن الذي يدخل في العين أو يبقى فيها على أساس مطالبته بحق قانوني عليها كفل له القانون حق المطالبة بعد لا يعد متعدياً عليها لعدم توافر القصد الجنائي لمضايقة أو إرهاب أو إهانة مالك العين ونسوق لذلك حالات على سبيل المثال لا الحصر فالمستأجر الذي يبقى في العين المستأجرة بعد انتهاء عقد الايجارة على أساس مطالبته بحق قانوني كفل له القانون حق المطالبة به بمقتضى نصوص عقد التأجير لا يعد متعدياً على العين محل الإيجار إلا بعد حسم النزاع مدنياً أمام المحكمة المدنية وأيضاً من أدعى تملك عقار مسجل كملك حر بوضع اليد والبقاء فيها خلال المدة القانونية لا يستطيع المالك أن يقاضيه أمام محكمة الجنايات بحجة أنه تعدي على ملكه تعدياً جنائياً بل يتعين على المالك أن يقاضى واضع اليد لدى المحكمة المدنية والشريك في المال لا يستطيع شريكه أن يفتح بلاغاً جنائياً في مواجهته تأسيساً على أنه تعدى على ذلك المال المشترك ألخ وقد ورد على لسان المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عوض الكريم إبراهيم آخرين نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس سنة 1986 ص 47 مايلي:
"أن العنصر الدخول في العين فيها بقصد المضايقة أو الإرهاب أو الإهانة من العناصر الأساسية التي تنهض عليها جريمة التعدي الجنائي تحت المادة 386 مقروءة مع المادة 380 من قانون العقوبات سنة 1983 إلا أنه أستقر قضاؤنا على أن المتهم إذا دخل في العين أو بقى فيها على أساس مطالبته بحق قانوني عليها كفل له القانون حق المطالبة به فأن ذلك لا يشكل مضايقة تكفى لثبوت جريمة التعدي الجنائي لعدم توافر القصد الجنائي"
والسؤال الملح الذي يطرح ويفرض نفسه ويثور في هذه القضية التي بين أيدينا – ماهو الحق القانوني الذي كفل القانون للمتهم حق المطالبة به على الأرض موضوع النزاع والذي جعل دخوله أو بقاءه فيها منذ سنة 1978 لا يعد تعدياً جنائياً عليها لعدم توافر قصده الجنائي لمضايقة أو إرهاب أو إهانة الشاكي الذي خصصت الحكومة له تلك الأرض ؟
أن قانون الأراضي غير المسجلة سنة 1970 وقانون المعاملات المدنية سنة 1984 الذي جباه فيما بعد أن لم يمنعا المواطنين من التنازع في مواجهة بعضهم البعض حول اكتساب حقوق الانتفاع على أراضي الحكومة التي سجلت باسمها وفقاً لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها سنة 1925م أو تلك التي لم تسجل في أسم أي فرد من المواطنين أو أي جهة غير الحكومة في سنة 1970 حتى الآن والتي أصبحت كأنما مسجلة باسمها وحقوق الانتفاع – كما هو معلوم – تشمل حقوق السكن وحقوق الزراعة وحقوق التحطيب وحقوق الارتفاق وغيرها من الحقوق العينية الأخرى القاصرة عن حق الملكية ولا خلاف في أن الأرض المتنازع عليها في هذه القضية التي بين أيدينا هي ارض حكومية سكنية وتلك خالص للدولة فإذا كان المتهم يدفع بأنه أولي واحق من الشاكي بحيازتها والانتفاع بها فان ذلك حق قانوني على تلك الأرض كفل له القانون حق المطالبة به ومن ثم فأن دخول المتهم وبقاءه على تلك الأرض منذ سنة 1978 بحجة أنه أولي وأحق بالانتفاع بالسكن فيها دون الشاكي لا يكفي لإدانته تحت جريمة التعدي الجنائي لأن ذلك ينبغي إلا يشكل مضايقة للشاكي لأنه دخول أو بقاء في تلك الأرض على أساس المطالبة بحق قانوني عليها كفل القانون له حق المطالبة به مما أدي إلي انعدام القصد الجنائي ولذلك فأن محكمة الموضوع جانبها التوفيق عندما توصلت إلي نتيجة أن المتهم بوجوده أو بقائه في الأرض سبب مضايقة للشاكي في قولها:
"هل قيام المتهم بالبناء سبب مضايقة للشاكي"؟
الإجابة بالإيجاب وذلك لأن الشاكي استلم أرضه وكل المستندات تثبت ملكيته لها إلا أنه لم يستطيع البناء فيها والاستفادة منها بالسكن وذلك لوجود المتهم فيها مما سبب مضايقة للشاكي"
أن الحيازة الفعلية هي الحيازة الحقيقية
"Actual Possession" Or" Defac to Possession"
وهي كما قالت المحكمة العليا في قضية الحاج أحمد محمد ضد عبد الجبار حسين زاكي الدين مجلة الأحكام القضائية سنة 1973 ص 118 هي حالة واقعية تنشأ عن سيطرة شخص على شئ أو على حق عليه سيطرة فعلية بوصفه مالكاً للشيء أو صاحب الحق عليه وقال الدكتور محي الدين عوض في كتابه "قانون العقوبات السواد ني معلقاً عليه" على ص 772 شارحاً معنى الحيازة الفعلية الحقيقية المقصودة في المادة 380 عقوبات في قوله:
"قد تكون الحيازة حقيقية فعلية Actual Possession وهذه هي التي ترتكب ضدها الجريمة وهي حيازة صاحب المال إذا كان يمارس هيمنته الفعلية عليه ومستأجرة ومرتهنة إذا كان تحت يده ومستعيرة والمودع لديه المال ووكيل صاحب المال بالنسبة لما تحت يده أو إدارته من أموال"
ولذلك فأن الحيازة الفعلية الحقيقية المادية هي السيطرة أو الهيمنة الكاملة على المال وفي حالة الأراضي فهي تتحقق بتشييد البناء
أما الحيازة الحكمية Constructive possession هي الحيازة المعنوية وهي فقط الحق في الحيازة Right to Possess وهي حيازة صاحب اليد الكاملة إذا زالت هيمنته على المال موقتاً لسبب أو آخر
ففي القضية التي بين أيدينا بما أنه ثابت أن المتهم قد شيد بناء ثباتاً عبارة عن غرفتين بالجالوص على الأرض موضوع هذا النزاع وتحققت بدلك هيمنته وسيطرته عليها فأن حيازته باتت حيازة فعلية حقيقية مادية وليست حكمية ولكن الشاكي الذي يملك شهادة البحث وتصريح البناء ورسم الكوركي بتحديد القطعة وغير ذلك من المستندات والوثائق الدالة على أن الحكومة قد منحته تلك الأرض ولم يبن عليها ولم يدخل فيها ليمارس أي نوع من أنواع الهيمنة عليها والسيطرة فأن حيازته لا تعدو أن تكون حيازة حكمية فقط ومن ثم فان محكمة الموضوع ومحكمة المديرية ومن بعده محكمة الاستئناف لم تصب هذه المحاكم عندما قررت بأن الحيازة الفعلية تتحقق بمجرد امتلاك المستندات والوثائق الدالة على الحيازة
وفي قضائنا نجد سابقتين الأولي حكومة السودان ضد بقنداس قلنده مجلة الأحكام القضائية سنة 1975 ص 589 حيث قضت محكمة الموضوع ببراءة المتهم من تهمة التعدي الجنائي وكانت أسبابها هي أن جريمة التعدي تقع ضد الحيازة الفعلية وليست الحيازة الحكمية إلا أن محكمة الاستئناف قضت بأن الحيازة الحكمية تعد كافية للإدانة تحت جريمة التعدي الجنائي وقالت محكمة الاستئناف بأن القول بغير ذلك قد يؤدي لنتائج غير عادلة ويحرم المالك من الاستفادة من القانون الجنائي بدعوى أن حيازته لم تكن فعلية
أما السابقة الثانية هي حكومة السودان ضد محمد على سعيد مجلة الأحكام القضائية سنة 1978 ص 434 حيث أن التهمة كانت بموجب المادة 386 من قانون العقوبات لتعدي المتهم على قطعة أرض يحوزها الشاكي الذي سمح لأحد شهود الاتهام باستغلال جزء من الأرض وقد قضت محكمة ببراءة المتهم استناداً إلي أن التعدي الجنائي ضد الحيازة الفعلية ليس ضد الحيازة الحكمية وبما أن حيازة الشاكي كانت حيازة حكمية وليست فعلية فأن جريمة التعدي الجنائي لم ترتكب وأيدت محكمة الاستئناف ذلك وقالت:
"وفي تقديري أن حكمة ذلك في أن التعدي الجنائي ليس هو الدخول وحده وأنما الدخول لعرض من الأغراض المبينة في المادة والتي إذا نظرنا إليها لا تتحقق إلا بوجود شخص في المكان الذي وقع فيه التعدي وأن كان غائباً لحظة التعدي فالجريمة لا ترتكب ضد شخص في الفراغ وكذلك لا يقع الإرهاب و لا الإهانة ولا المضايقة إلا على من كان موجوداً شخصياً والقول بغير ذلك هو جعل واقعة التعدي وحدها خلافاً للقصد الصريح للشارع إذا نظرنا إلي وقائع البلاغ المطروح لوجدنا أنه يثبت أن الشاكي يحز القطعة موضوع النزاع وسماحه لأحد الأشخاص باستغلال جزء منها لا يرقى إلي الحيازة ولكن وقد دخل المتهم أرضاً لم يكن يهيمن عليها الشاكي فأني لا أري مجالاً للقول بثبوت جريمة بموجب المادة 386 من قانون العقوبات"
إن الرأي القائل بضرورة ثبوت الشاكي في قضايا التعدي الجنائي لحيازته للعين حيازة فعلية وألا تكون فقط حيازة حكمية – في تقديري – هو الرأي الأصوب وأجدني أميل إليه لعدالته وإنصافه واجعله مرتكزاً لحكمي في هذه القضية لأن القول بغير ذلك يهزم قصد المشرع من وراء تشريع المادة 380 من قانون العقوبات سنة 1983 الذي يرمي لحماية الحائز الحقيقي الفعلي وليس الحائز الحكمي للمال من حدوث أي تدخل في هيمنته وسيطرته عليه أو ممارساته فيه بأي نوع من أنواع ارتكاب أي جريمة أو إرهابه أو إهانته أو مضايقته
ففي القضية التي بين أيدينا حيث أبنت بأن حيازة الشاكي على العين موضوع النزاع لا تزيد عن كونها حيازة حكمية وليست حيازة فعلية حقيقية فليس هنالك مجال للقول بثبوت جريمة التعدي الجنائي وليس الشاكي في حاجة للحماية ضد ارتكاب أي جريمة في حقه أو إرهابه أو إهانته أو مضايقته طالما أن لم يقم بأي ممارسات في ذلك العقار جديرة بأن تثبت حيازته الفعلية مثال تشييده البناء عليه أو إقامته فيه بأي صورة من الصور كما فعل المتهم وإذا كان الحائز حيازة حكمية لا يجد حماية القانون الجنائي في المادة 380 عقوبات كما رأت محكمة الاستئناف في السابقة الأولي المشار إليها فأنني أري أن باب القانون المدني مفتوح على مصراعيه ليسترد به ذلك الحائز الحكمي حقوقه مدنياً لدى المحكمة المدنية عليه بما أن الحيازة المقصودة في المادة 380 عقوبات هي الحياة الفعلية الحقيقية المادية وبما أن حيازة الشاكي هي حيازة حكمية وليست حيازة فعلية فأن الاتهام لم يستطيع أن يثبت جريمة التعدي الجنائي ولا يفيد الشاكي شيئاً ولا يغير من صفته بانه الحائز الحكمي إذا كان المتهم بنى قبل أو بعد أن منحته الحكومة العين موضوع النزاع لأن المطلوب منه بموجب المادة 380 من قانون العقوبات هو حيازته الفعلية أي هيمنته وسيطرته عليها بصورة عادية وملموسة حتى يتمتع بالحماية تحت المادة 386 من ذات القانون ومهما يكن من أمر فان المتهم في هذه القضية بني على الأرض محل النزاع منذ سنة 1978 في حين أن الحكومة منحت وصدقت للشاكي بها في 1/4/1979م ولذلك ما جاء في حيثيات حكم محكمة المديرية غير مقبول قانوناً في قولها: " وعلى فرض أن المتهم قد دخل أرض الشاكي قبل تسليمه حيازتها فأن بقاءه بعد علمه بتخصيصها للشاكي يعتبر تعدياً وفقاً لنص المادة 380 عقوبات"
بما أن الغرض من وراء تشريع قانون التصرف في الأراضي سنة 1406هـ هو حماية الأراضي الحكومية في حالة النزاع حولها بين الحكومة والمواطن وليس في حالة النزاع بين المواطنين بعضهم البعض حول حقوق الانتفاع على أراضي الحكومة وبما أن النزاع المطروح أمامنا هو نزاع بين الشاكي والمتهم ولم تكن الحكومة طرفاً فيه فأن قرار محكمة المديرية بإدخال المادة 6/29 من ذلك القانون كان في غير محله وأرى إلغاء الإدانة بمقتضاه
عليه ولعدم توافر العنصرين الأساسيين لجريمة التعدي الجنائي وهما (1) القصد الجنائي من جانب المتهم (2) الحيازة الفعلية للشاكي أرى إلغاء الإدانة والعقوبة معاً على أن ترد الغرامة للمتهم كما يلغى الأمر بهدم المباني
لقد جرى وتواتر واستقر قضائنا على أن النزاع بدون قصد جنائي حول حيازة أو ملكية الأراضي أو الحقوق يعتبر بطبيعته نزاعاً ذا سمة مدنية بحتة ومن ثم فإنه ينعقد اختصاص الفصل فيه لدى المحاكم المدنية وحدها فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عوض الكريم إبراهيم وآخرين المشار إليها سابقاً بأنه جرى القضاء واستقر على أن المحاكم المدنية وحدها دون المحاكم الجنائية هي التي تتولي اختصاص نظر النزاع الذي يتعلق بحقوق الانتفاع أو السكن أو الزراعة أو الارتفاق أو أي حق عيني آخر متى نشب النزاع بين المواطنين وبما أن النزاع في هذه القضية التي بين أيدنا هو نزاع بلا قصد جنائي حول حيازة ارض حكومية فأنه بات نزاعاً مدنياً صرفاً محل الفصل فيه المحكمة المدنية وحدها ولأنه أيضاً نزاع حقوق بلا قصد جنائي وكما ورد في قضية حكومة السودان ضد انصاف حسن كرار مجلة الأحكام القضائية سنة 1974 ص 423 "والنزاع حول الحقوق مكانة المحاكم المدنية ما لم يوجد القصد الجنائي" وكان حرياً بالقاضي الذي أخذ علماً بهذه الجريمة أن يشطب العريضة الجنائية في مهدها بمجرد أن تبين له أن الشاكي تتعلق بطلب حيازة أو حق من الحقوق العقارية على أرض مملوكة وكان يتعين له أيضاً أن يعلن منذ الوهلة الأولي بأن النزاع تبين أنه ذو صفة مدنية وأن يوجه الشاكي بالتقدم إلي المحكمة المدنية لاسترداد حقوقه دون أن يأمر بفتح بلاغ التعدي الجنائي حتى لا يضار المتهم وحتى لا يتعرض إلي الإجراءات الجنائية – دون مبرر – من قبض ووضع في الحراسة وغير ذلك من الإجراءات الجنائية المقيدة للحريات
وعليه أرى توجيه الشاكي بإقامة دعوى مدنية في مواجهة المتهم لتفصل المحكمة المدنية وتقرر من من الطرفين أولي واحق بحق الانتفاع أي بحق السكن في هذه الأرض المملوكة للدولة – موضوع هذه القضية – هل هو الشاكي الذي يملك شهادة البحث وتصريح البناء والرسم والكروكي وغيرها من المستندات والوثائق التي تثبت حيازته الحكمية أم المتهم الذي شيد بناءه منذ سنة 1978 – أن المحكمة المدنية هي أقدر بان تقرر من من الطرفين يملك الحيازة "الأفضل"
ألاحظ أن محكمة الاستئناف لم ترد على المحامي وداعه الله عندما أثار نقطة قانونية جوهرية في قوله أن حيازة الشاكي كانت حيازة لا تعدو أن تكون حيازة حكمية وهي لا تصلح لتكوين جريمة التعدي الجنائي تححت المادة 386 عقوبات واستأنس المحامي وداعه الله بالسابقة محاكمة المتهم مناس لوبانج مكايا بالنمرة 118/1406هـ التي أصدرتها المحكمة العليا ولعله كان المحامي المذكور ممثلاً للدفاع فيها فلم تناقش محكمة الاستئناف تلك السابقة ولم تقنعه بأن رأيه ذلك ليس بالقانون الواجب الاتباع بل أوردت محكمة الاستئناف حيثياتها بصورة مقتضبة ومؤسفة في نفس الوقت في قولها:
"هذا الطعن ميئوس منه ويتعين شطبه إذا أن هنالك بينة كافية تثبت أن القطعة قد منحت للشاكي وكانت في حيازته عندما تعدي عليها المتهم وعليه فقد قررت تأييد قرار السيد قاضي المديرية وشطب هذا الطلب"
القاضي/ صالح الشريف :
التاريخ: 6/7/1989م
أوافــــق
رأي مخالف:
القاضي عبد المنعم النحاس
التاريخ:
في رأيي أن الحقائق التي استعرضت أمام محكمة الموضوع تكشف عن تعد من قبل المتهم يبرر صحة الإدانة كما توصلت إليها محكمة الموضوع استناداً علي بينه شاهدي المحكمة مهندس المساحة ومساعد رئيس التسجيلات أمدرمان
مساعد رئيس التسجيلات (ص 13 من الإجراءات يؤكد أن القطعة سجلت ملكية منفعة من حكومة السودان ابتداء من 1/4/1979 باسم الشاكي وقد أضاف مهندس المساحة (شاهد المحكمة الثاني) أن السكن العشوائي أزيل من سنة 1981 كلية وهدمت المباني التي لم يكن تسندها تصاريح أو أوراق ثبوتية للأرض وقد أكد الشاهد (ص 17 من الإجراءات) أنه من استقراء ملف الأرض تبين له أن الشاكي سلم وأنه "لا يمكن أن يكون قد سلم إلا إذا كانت الأرض فضاء" وهذا القول يدحض إدعاء المتهم أنه دخل الأرض موضوع النزاع منذ سنة 1978 وشيد عليها غرفة
بينة تكشف عن واقعتين أن الأرض آلت إلي حيازة الشاكي من 1/4/1979 وسلمت فعلاً في سنة 1981 وأن السكن العشوائي أزيل وهذا يقود إلي تأكيد أقوال الشاكي أن المتهم تعدي بدخول الأرض بعد أيلولة الحيازة الفعلية إلي الشاكي هذا دليل واضح على تعدي المتهم بداية ويبدو لي أن الحيازة التي ترتكب ضدها جريمة تحت المادة 386 عقوبات هي حيازة صاحب العقار الذي يمارس الهيمنة الفعلية الشاكي في البلاغ مالك للعقار وبالتالي حائز للعقار ولا يمكن أن يسلب هذه الحيازة متعد على الأرض يجوز أن يسلب الحيازة المستأجر أو المودع لديه العقار أو المستعير ولكن لا يمكن للمتعدي أن يكتسب حقاً وإلا كانت القطع السكنية التي خططت وخصصت وسلمت لمستحقيها نهباً للمعتدين عليها والحائزين لها دون وجه حق وهذا يعني أنه على كل صاحب أرض أن يبادر بتشييد سور أو أية مباني على أرضه وإلا كانت عقاراً مباحاً لكل من هب أن يدخل عنوة ويشيد مبان عليها يكون له درعاً في المطالبة بالأرض استناداً إلي أن الحيازة الفعلية آلت إليه
إزاء كل ذلك يصعب – مع الاحترام – الاتفاق مع ما توصل إليه الزميلان وأري تأييد قرار محكمة الاستئناف المؤيد لقرار محكمة الموضوع

