حكومة السودان //ضد// س ع أ0
نمرة القضية: م ع/ ط ج/751/2007م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 2007
المبادئ:
· القانون الجنائي لسنة 1991م - المادة (131) - الدفع بالاستفزاز الشديد المفاجئ
إن مسألة الاستفزاز الشديد مسألة نفسية بحتة لا تخضع للمعايير الاجتماعية المتأنية أو المتحضرة بل يجب أن يؤخذ في الاعتبار كافة الملابسات للدعوى بما في ذلك عقلية ومستوى وبيئة المتهم
الحكم:
القضاة:
سعادة السيد / محمد أبوزيـد عثمان قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / سرالختم صالح علـي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محمد إسماعيل سعيـد قاضي المحكمة العليا عضواً
المحامون:
الأستاذ/ زهير عثمان الشيخ عن الطاعن
الحكــم
القاضي: محمد أبوزيد عثمان
التاريخ: 12/11/2007م
أمام محكمة جنايات بحري وسط العامة مثل المتهم س0 ع0 أ0 في إجراءات محاكمته وذلك لمخالفته نص المادة (20) (130) من القانون الجنائي لسنة 1991م والمادة (26) من قانون الأسلحة والذخيرة
والتهمة المنسوبة إليه هي: أنه في أمسية يوم 23/8/2004م وعقب مشادة كلامية وشتائم تبودلت بين أطفال المتهم وبين أطفال شاهدة الاتهام الأولى توجهت المجني عليها إلى باب شقة المتهم وبابها مغلق وكالت لأبنائه سيلاً من الشتائم وعند عودة المتهم علم ما بدر من أخته المجني عليها فتوجه إليها وهي في غرفة شقيقتها وأطلق نحوها أعيرة نارية من مسدسه استقرت رصاصة داخل ضلوعها خلف قلبها وأصابت الثانية يدها اليسرى وبعض أصابعها وطاشت الثالثة إلى سقف الغرفة !! اعترف المتهم قضائياً بصفحة (28) و(29) و(30) من يومية التحري بإطلاقه رصاصتين على أخته هـ0 (المجني عليها) عندما أٌخبر بأنها شتمت أولاده بألفاظ بذيئة قائلة: ( يا شراميط يا شكاشيك يا خدم ) وساءته تلك الألفاظ وقال المتهم إنه أطلق تلك الأعيرة دفاعاً عن نفسه
استمعت المحكمة إلى إفادة المتحري ثم إلى بينات الاتهام وتمَّ استجواب المتهم الذي أقر بأنه وبعد وفاة والده في عام 1983م أشرف على تربية أخواته الخمس من بينهن المجني عليها وكذلك قام بتربية أخويه وقام بتزويج شقيقاته وفي يوم الحادث عاد إلى منزله وهنالك علم بمقدم شقيقتيه هـ0 و و0 إلى باب شقته المغلق وكالتا إلى أبنائه وبناته السباب والشتائم وحاولتا كسر باب الشقة بالضرب الشديد وقالتا لأولاده كلمات نابية وهي ذات الكلمات التي أشرنا إليها وذكرها في اعترافه المدون بيومية التحري – وأضاف المتهم أنه توجه إلى الشقة التي بالطابق الأول حيث تجلس المجني عليها في غرفة منها وسألها عن السبب الذي جعلها "تنبز" بتلك الطريقة وأخرج مسدسه وقبـل رفعه – كما ذكر – انطلقت منه رصاصة في اتجاه السرير الذي تجلس عليه المجني عليها فاستقرت في صدرها إلخ وأضاف المتهم بأنه أصيب بانهيار وأسعف في حينه إلى المستشفى
ثم استمعت المحكمة إلـى بينات الدفاع بعد تحرير ورقة الاتهام وتلاوتها عليه
وبناءً على ما توصلت من قناعة بعد ثبوت الوقائع المثارة أمامها وبعد مناقشتها لموانع المسئولية إن كان المتهم يستفيد من أحكامها المنصوص عليها في المواد 8 – 9 – 10 – 11 – 12 – 13 – 14 – 15 – 16 – 17 – 18 رأت أن المتهم لا يستفيد من تلك الموانع كما رأت ذات المحكمة أن المتهم لا يستفيد من أسباب الإباحة الواردة بالفقرة 131/2 من القانون الجنائي لسنة 1991م وتحديداً من عنصر الاستفزاز الذي تعرض له بسبب أنه أُخبر بواقع ذلك الاستفزاز ولم يسمع شفاهة من مصدر الاستفزاز نفسه وخلصت محكمة الموضوع إلى وجـود رابطة السببية بين الفعل المادي (إطلاق المتهم للأعيرة النارية) وبين حدوث النتيجة وهـي إحداث "الجائفة" لدى المجني عليها ولم يكـن هنالك سببٌ آخـر تدخل لإحداث تلك النتيجة وقضت بإدانة المتهم تحت المادة 139(2) من القانون الجنائـي لسنة 1991م وأوقعت عليه العقـوبات التالية:
1- السجن لمدة ثلاث سنوات اعتباراً من يوم 20/10/2007م
2- الغرامة خمسة آلاف جنيه وبالعدم يسجن لمدة ستة أشهر تسري بالتتابع
3- يلزم بسداد دية مقدرة قدرها عشرة آلاف جنيه
4- وحكومة عدل قدرها ثمانية آلاف إلى المجني عليها (الشاكية) ويحصل المبلغ وفقاً لنص المادة (198) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م
5- وبمصادرة السلاح المعروض ويسلم إلى سلاح الأسلحة
6- وتسليم المعروضات من الملابس لأصحابها
تقدم محامي المحكوم عليه باستئناف حكم المحكمة العامة لدى محكمة الاستئناف بحري وشرق النيل التي أصدرت حكمها رقم أسج/1077/2007م على النحو التالي:
1- تأييد الإدانة والدية المقدرة وغير المقدرة ومصادرة المسدس والأمر بتسليمه إلى سلاح الأسلحة
2- تعديل عقوبة السجن لمدة سنتين اعتباراً من يوم 20/10/2007م وتعديل عقوبة الغرامة لتكون ألفي جنيه وتعديل العقوبة البديلة لتكون السجن لمدة شهرين عند تعذر دفع تلك الغرامة مع سريان العقوبة بالتتابع
الأستاذ/ زهير عثمان الشيخ المحامي إنابة عن المدان تقدم بطعن إلى هذه الدائرة وذلك بتاريخ 3/11/2007م وبعد سرده لوقائع إجراءات المحاكمة وأسباب محكمة الاستئناف أورد أسباباً للطعن أوجزها في الآتي:
أولاً: المتهم ارتكب الفعل الذي أدين به وهو فاقد للسيطرة على نفسه إثر أولاً: استفزاز شديد ومتراكم وأن المجني عليها وجهت إليه إهانات نجم عنها ذلك الاستفزاز وأن تلك الإهانات أثبتتها الشاهدة إ0 ع0
ثانياً: أن المجني عليها قصدت باب شقة المدان ورغم أنه كان مغلقاً بدأت تضرب الباب ضرباً شديداً جداً وكانت ثائرة وتتلفظ بألفاظ نابية "يا شراميط يا خدم أنا أوريكم وأنا أشردكم من البيت" وأن تلك العبارات هي التي استفزت المدان وجعلته يفقد توازنه والضبط على أعصابه واستدل محامي الطاعن بالسابقة القضائية مع/مك/93/73 والتي ترسي مبدأً مفاده أنه ليس على المتهم إثبات دفع الاستفزاز الشديد إذ يكفي أن تنشأ ظروف وملابسات من شأنها أن تقدر محكمة الموضوع أسباب ذلك الاستفزاز على ضوء تلك الظروف
ثالثاً: "المجني عليها مقرة بأنها اتصلت بالمتهم – عقب الحادث" وقالت ليه "يا حرامي يا ابن الحرام والكلام ده كان من باب الزعل " ومحكمة الموضوع لم تراع نص المادة (32) من قج لسنة 1991م والذي يوجب مراعاة جميع الظروف المخففة أو المشددة والبواعث على الجريمة وخطورة الفعل وشخصية الجاني ومركزه وسوابقـه وسائر الظروف التي اكتنفت الجريمة ولتلك الأسباب يلتمس المحامي ولمراعاة ظروف المتهم الأسرية والاجتماعية والصحية والنفسية ويطالب بالاكتفاء بما قضاه المتهم من فترة حبس كعقوبة
الطعن قدم داخل القيد الزمني وفي الموضوع فإن من الثابت
1- أن المتهم وبعـد وفاة والده أشرف على تربية أخواته الخمس واثنين من إخوته وقام بتزويج شقيقاته وكان يقوم بدور الأب لهم والباعث على الفعل الإجرامـي هـو أن مشادة كلامية أعقبت شجاراً بين أولاد المتهـم وبين أولاد أخته و0 فزوجة المتهـم ساقت أولاده إلى شقتهم وأغلقت عليهم الباب حتى لا تتطـور المشكلة إلى مدى لا يُحمد عقباه
2- المجني عليها عرَّجت إلى شقة المتهم وكالت الشتائم والسباب إلى أولاد أخيها وتقر هي قائلة " أنا لمن نبذت زوجة المتهم كنت واقفة جنب باب شقتهم وكان مقفولاً وما في واحد منهم جنب باب الشقة لا المتهم ولا أولاده (انظر إقرارها بصفحة 36 من المحضر وصفحة 32) وأقرت بأنها وعدتهم بتشريدهم خارج تلك الشقة وشهد شاهد الاتهام الرابع أن سبب المشكلة أن هـ0 (المجني عليها قالت لبنات المتهم يا شراميط قبيل الحادث كان المتهم منفعلاً)
3- تقر المجني عليها بأنها قبل الحادث بثلاث سنوات أخبرت المتهم وقالت له: "أمشي أضرب" بنتك" دي الزي أمها عايزة تعمل علاقات وأضافت المجني عليها " قلت ذلك أيضاً بعد الحادث " وأضافت : وبعد الحادث قلت له يا حرامي ويا ابن حرام (صفحة 34 من المحضر)
4- شاهدة الدفاع الثانية أكدت أن المجني عليها قبل الحادث وعندما كانت تضرب باب شقة المتهم ضرباً شديداً قالت لزوجة المتهم وأولاده " يا عفن أنا لو شردتكم يا خدم ويا شراميط ويا مطاليق" (صفحة 105 من المحضر)
5- وتقـر المجني عليها بوجود قطيعة بينها وبين المتهم منذ ثلاث سنوات وتحديداً قبل سنة من الحادث فلا كلام بينهما ولا سلام
وعلـى ضـوء تلك الوقائع الثابتة والمتعلقة بسلوك المجني عليها قبل وبعد الحادث فهنالك سؤال يطرح نفسه وهو: هل تعرض المتهم لاستفزاز شديد قبل الحادث وكتمه ثم عادت المجني عليها لتكرر نفس الاستفزاز على المتهم؟
تواترت السوابق القضائية للمحكمة العليا في تحديد معنى الاستفزاز الشديد ودوافعه وما يترتب عليه من أحداث القتل أو الأذى من الشخص المُسْتفَز إلى الشخص المُسْتَفِز
ففي سابقة حكومة السودان ضد وول نوك أدوير مع/مك/54/1973م تعريف للاستفزاز الشديد المفاجئ وهو:
1- أي فعل غير مشروع
2- أو أية إهانة يكون من شأنها أن تفقد الشخص القدرة على كبح جماح غضبه وتحمله على التهجم على مصدر الاستفزاز ونتيجة للاستفزاز الشديد ولدى فقد الشخص السيطرة على نفسه خلال ارتكابه للفعل المسند إليه فإنه يستفاد حدوث ذلك من تلاحق الأحداث أي بين فترة الاستفزاز وحدوث الفعل الجنائي نتيجة لذلك الاستفزاز والفترة الزمنية التي تفصل بينهما
وفي حقيقة الأمر أن المتهم علم بصدور الكلمات النابية التي تفوهت بها المجني عليها من شاهدة الدفاع رقم (1) والتي يُستشف من تلك الكلمات إساءة بالغة لزوجته ولبناته وإلحاق إهانة بعرضه فضلاً عن ذلك فالمجني عليها تقر بأنها خدشت شرف بنت المتهم حينما قالت له قبل فترة من الحادث " أضرب بنتك دي عايزة تعمل علاقات زي أمها " كما أشرت آنفاً وإن مثل ذلك الاستفزاز المكبُوت والمتعلق بالإهانة اللاحقة بابنة المتهم هو الذي يُعتقد في تسبيب قطيعة بينه وبين المجني عليها طيلة سنة كاملة أو أكثر حسب اعترافها فلا بينهما سلام ولا كلام منذ تلك الفترة وتلك الاستفزازات السابقة للحادث تولِّد ما يسمى بالاستفزازات المتراكمة وهي التي تجعل المتهم في حالة غليان قابل للانفجار الذي يؤدي إلى ارتكاب الفعل الجنائي ضد ذلك الشخص الذي استفزه سابقاً وذلك حينما يسمع المسْتَفَزُّ لاحقاً عبارات مهينة من ذلك الشخص وإن مثل ذلك الانفجار المفضي إلى ارتكاب الجريمة بعد حصول استفزاز متراكم أقرته السابقة "حكومة السودان ضد إبراهيم محمد علي مع/مك/73/1973م (صفحة 296 مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م) أقرته كمبدأ يجب مراعاته وفي اعتقادي أن المتهم يستفيد من ذلك الاستفزاز السابق (المكتوم) واللاحق علماً بأن الفترة الزمنية بين حدوث الاستفزاز من المجني عليه وحتى لحظة وقوع جريمة الاعتداء عليها هي نصف ساعة فقط
يقول شاهد الاتهام الرابع خ0 ع0 (صفحة 68 من محضر المحاكمة) إنه كان يجلس في تلك الغرفة التي حصل فيها الاعتداء من المتهم على المجني عليها وحضر المتهم وسأل المجني عليها " بتنبزي بناتي تقولي ليهم شراميط ليه؟ " وأطلق عليها الرصاص ويضيف هذا الشاهد: " المشكلة بينه (أي المتهم) والمجني عليها هـ0 أنها قالت لبناته يا شراميط" ((وكان المتهم منفعلاً)) (صفحة 70) من محضر المحاكمة
وهذه الكلمات النابية كما أسلفت شهدت بها شاهدة الدفاع الأولى وقالتها المجني عليها وهي تضرب باب شقة المتهم ضرباً شديداً وزوجة المتهم وأطفالها بداخل الشقة وبابها مغلق مما يعكس أن المجني عليها قصدت التحرش بهم وبدأت تعيد تلك الاسطوانة المشروخة مما يعد ذلك عنصراً مستفزاً للمجني عليه ولا يشترط أن يتناسب الفعل الجنائي الناتج عن الاستفزاز مع عنصر الاستفزاز نفسه وليس على المتهم إثبات دفع الاستفزاز الشديد المفاجئ وراء مرحلة الشك المعقول بل يكفي أن تنشأ الظروف والملابسات والقرائن التي ترجح صحة روايته (أنظر السابقة حكومة السودان ضد وول نوك أدوير مع/مك/54/1973م صفحة 273 – مجلة الأحكام القانونية لسنة 1973م وسابقة حكومة السودان ضد باب الله خميس وقد أرست سابقة حكومة السودان ضد الصديق بخيت محمد نور مع/طج/156/1979م (صفحة 138 المجلة لسنة 1979م) مبدأ مفاده: أن الكلمات النابية التي تحط من قدر رجولة الشخص وشرفه قد تشكل استفزازاً خطيراً تكفي لإثارة المتهم مما يجعله يفقد السيطرة على نفسه ويرتكب الجريمة
إن مسألة تحديد الاستفزاز الشديد مسألة وقائع كما أنها مسألة نفسية بحته لا تخضع للمعايير الاجتماعية المتأنية أو المتحضرة بل يجب أن يؤخذ في الاعتبار كافة الملابسات للدعوى بما في ذلك عقلية ومستوى وبيئة المتهم
وإزاء ذلك فالمتهم ثبت أنه قام بدور الوالد وأشرف على تربية إخوته بما في ذلك المجني عليها وقام بتزويجها ويعتقد أنه أحسن إليها ولذلك فإن الإساءة الموجهة من ذوي القربى أشد مضاضة من وقع السهام المهند وتأسيساً على ما تقدم واستصحاباً للسوابق القضائية التي أشرنا إليها فالمتهم يستفيد من عنصر الاستفزاز الشديد المفاجئ الذي تعرض له من المجني عليها وبما أن الفقرة الثانية من المادة (138) من القانون الجنائي لسنة 1991م تنص على أنه " تكون الجراح عمداً أو شبه عمد أو خطأ ويراعى في التمييز بينها ما يراعى في التمييز بين أنواع القتل الثلاث " فإن المتهم من المتعيّن إدانته تحت المادة (140) من القانون الجنائي لسنة 1991م لإحداثه الجراح شبه العمد لثبـوت عنصر الاستفزاز أن محكمة الموضوع وتبعتها محكمة الاستئناف برأي الأغلبية أخطأتا حينما قررتا إدانة المتهم تحت المادة 139(1) من قج لسنة 1991م دون إبداء وزن لعنصر الاستفزاز بينما أشار صاحب الرأي الثالث في الدائرة إلى وجود عنصر الاستفزاز في الوقائع المثارة وأن محكمة الموضوع لم تتناوله بصورة وافية ورأى أن تكون إدانة المتهم تحت المادة (140) من القانون الجنائي لسنة 1991م وأتفق معه في هذا الرأي
لقد أشار محامي الطاعن إلى حكم المادة (32) والصحيح المادة (39) من قج لسنة 1991م فإنه من المتعيّن مراعاة جميع الظروف المخففة أو المشددة للعقوبة ودرجة المسئولية والبواعث على الجريمة وخطورة الفعل وجسامة الضرر وخطورة شخصية الجاني ومركزه وسوابقه وسائر الظروف التي اكتنفت الواقعة
إذا استصحبنا حكم المادة المشار إليها فإن الجريمة ارتكبت إثر استفزازٍ شديد ومفاجئ وهنالك صلة قربى بين المتهم والمجني عليها إذ هي شقيقته وذكرنا آنفاً أنه كان لها بمثابة الأب في التربية وتزويجها ولا توجد أسبقيات جرمية للمتهم ورغم أن الجريمة خطرة لكن هنالك ظروف تستدعي تخفيف العقوبـة ولا سيما أن محكمة الاستئناف أوقعت عليه عقوبة مالت إلى الشدة قليلاً ومن الملاحظ أن حكم محكمة الموضوع والمتعلق بحكومة العدل لم يستند إلـى مستندات أو تقارير طبية معتمدة مما جاء الحكم معيباً في تلك الجزئية ومقدار ارش أصابتها المتعلق بأصابعها قُدِّر جزافاً أرى إن وافق الأخَوانِ إلغاء ارش إصابة أصابع المجني عليها المحكوم به لإعادة النظر في الحكم به بعد عرض المجني عليها على القومسيون الطبي وتحديد نسبة العجز بدنيا والحكم بتكلفة علاجها بعد إيداعها الفواتير أو بسماع بينات حولها وإن وافقني الأخوان أقرر الآتي:
1- إدانة المتهم تحت المادة (140) من القانون الجنائي لسنة 1991م
2- تأييد إلزامه بالدية الناقصة والمحددة وفق حكم محكمة الموضوع والمؤيدة بقرار الاستئناف
3- تأييد مبلغ الغرامة بسجنها البديل وفق حكم الاستئناف
4- تأييد عقوبة السجن على أن تخفض إلى أربعة أشهر فقط اعتباراً من تاريخ 20/10/2007م
5- تأييد الأمر الخاص بمصادرة السلاح وإيداعه بسلاح الأسلحة
6- تعاد الأوراق إلى محكمة الموضوع للنظر في الحكم بارش إصابة أصابع المجني عليها وتكلفة علاجها على هدي مذكرة الحكم
7- يخطر الأطراف بالحكم الصادر
القاضي: محمد إسماعيل سعيد
التاريخ: 14/11/2007م
بعد الاطلاع على سائر الأوراق أرى أن كل أركان جريمة تسبيب الأذى المعني "بالجرح" وفق منطوق النص التعريفي الوارد بالمادة 138(1) من قانون الجنايات لسنة 1991م قد توافرت من خلال البينة التي قدمت بقضية الاتهام المتمثلة فيما يمكن استخلاصه من إفادات شهود الاتهام والدفاع والتقرير الطبي والمعروضات المتمثلة في أداة الجريمة – المسدس – وملابس للمجني عليها وما عليها من آثار دماء فثبتت بذلك صحة واقعة إطلاق المدان للأعيرة النارية التي أصابت المجني عليها "شقيقته" وتسببها دون تدخل لأي عامل خارجي في إحداث الأذى الموصوف بالتقرير الطبي مستند اتهام (1) و(2) فضلاً عن ثبوت عنصر القصد الجنائي Mence Ree استخلاصاً من الأداة المستخدمة والظروف المحيطة بارتكاب الجريمة نفسها لهذا تصح إدانة المدان مبدئياً تحت المادة 139(1) من قانون الجنايات لسنة 1991م
وخلافاً لما ذهبت إليه محكمة الموضوع ورأي الأغلبية بالدائرة الاستئنافية فإنني أتفق مع فضيلة مولانا/ أبو زيد – صاحب الرأي الأول – القول باستفادة المدان من دفع الاستفزاز المنصوص عليه بالمادة 131(2)(و) من قانون الجنايات لسنة 1991م صحيح أن الاستثناء المنصوص عليه بالمادة المذكورة والمتعلق بحالة الاستفزاز لا يتحقق إلا بثبوت عنصرين أساسيين هما:
1- شدة الاستفزاز 2- وفجائيته الأمر الذي يفترض معه عملياً تواجد المتمسك بهذا الدفع بمسرح الجريمة لحظة صدور الاستفزاز – فعلاً أو قولاً – وثبوت فجائية صدوره وشدة وقعه على المدان الذي يتحرك ويتصرف فيما يمكن أن يوصف بردة فعل تحت وطأة الانفعال وبهذا فإن التراخي في الرد بمرور زمن يكفي لإطفاء شحنات الانفعال والغضب وإعادة النفس لحالة التروي والتعقل يسقط ولا شك الحق في الاستفادة من هذا الدفع ولكن قد يرزخ الشخص تحت استفزازات متكررة أفعالاً كانت أم أقوالاً ثم يواجه باستفزازٍ أخير يستنفر في ذهنه كل الاستفزازات القديمة السابقة فيتحرك تحت وطأة الانفعال وفقدان السيطرة على قياد النفس بتوجيه العدوان للجهة التي صدر منها السلوك الأخير المستفز والمعروف اصطلاحاً بـ – Last Straw – فإن الحكم في هذه الحالة أي حالة ألـ Accumulated Provocation يأخذ حكم حالة الاستفزاز الشديد المفاجئ المنصوص عليه بالفقرة (و) من المادة 131(2) جنائي لهذا أتفق مع الأخ مولانا/ أبو زيد في موافقته ما ذهب إليه الرأي المخالف في الحكم المطعون فيه أمامنا لأسبابه ومن ثم أقرر صحة استفادة المدان من الدفع الجزئي الوارد بالمادة المشار إليها أعلاه وفي هذا ما يعدل من وصف الجريمة التي ارتكبها المدان من جرح أي أذى عمدي لشبه عمد وفق التمييز الذي عنته المادة 138(2) جنايات سنة 1991م فتعين تعديل الإدانة للمادة (140) بدلاً عن المادة 139(1) جنايات
وفيمـا يتعلق بالعقوبـة نجـد أن الشارع يخير المحكمـة بين ثلاث عقوبات:
السجن أو الغرامة أو العقوبتين معاً وبالنظر لظروف وملابسات الجريمة موضوع هذه الدعوى ج آخذين في الاعتبار الظروف الأسرية والآثار السالبة التي قد تترتب حال أخذ المدان بعقوبة طويلة سالبة للحرية دون أن نُغْفِل واقعة خلو صحيفة المدان من السوابق أرى إن وافقني الرأي الثالث أن نقرر بشأن عقوبة السجن الاكتفاء بما أمضاه المدان من مدة بالحبس مع موافقة الرأي الأول فيما عدا ذلك
القاضي: سر الختم صالح علي
التاريخ: 17/11/2007م
بعد قراءة متأنية لما خطه الأخوان الكريمان أجدني على وفاق تام معهما فالفعل المؤسف الذي حدث داخل الأسرة لا شك أنه كبير وكشف عن تدهور العلاقات في الأسر السودانية فالشتائم التي وردت بالمحضر ورد الفعل عليها من الجاني كان كبيراً وحدوث الأذى نجم عن تلك العلاقات المتدهورة والأمر الأخير الذي أدى إلى إطلاق النار هو القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال لذا أرى سلامة تأييد الإدانة وبالنسبة للعقوبة تجدني على وفاق مع أخي صاحب الرأي الثاني وذلك أن تفريد العقوبة هنا مراعاة لوشائج القربى والتي نأمل من الله أن تتقوى ويكون فيما حدث عظة وعبرة للجميع أمر يجب مراعاته ولا فائدة من السجن الطويل للمجني عليها إن حدث وأن العقوبة التي تعرض لها المدان مما شكل رادعاً لكل من ينجرف وراء ثورة الغضب حتى ولو كان سلوكه سلوك الأب المربي إلا أن إطلاق النار كان علاجاً غير سليم لسلوك لو افترضنا خطأه من أحد الأبناء أو الأخوة وقد عجبت لعدم تدخل الأهل والجيران لإصلاح ذات البين وعسى الله أن يجعل فيما حدث وقفه للجميع مع أنفسهم وأهلهم وجيرانهم ومعارفهم
الأمر النهائي:
1- تأييد إدانة المتهم تحت المادة (140) من القانون الجنائي لسنة 1991م
2- تأييد إلزامه بالدية الناقصة والمحددة وفق حكم محكمة الموضوع والمؤيدة بقرار الاستئناف
3- الاكتفاء بالمدة التي قضاها المتهم في الحبس كعقوبة أصلية والرأي للأغلبية
4- تأييد الأمر الخاص بمصادرة السلاح وإيداعه بسلاح الأسلحة
5- إعادة الأوراق إلى محكمة الموضوع للنظر في الحكم بأرش إصابة أصابع الشاكية وتكلفة علاجها على هدي مذكرة الحكم
6- يخطر الأطراف بالحكم الصادر
محمـد أبوزيـد عثمـان
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
18/11/2007م

