حكومة السودان ضد سعيد حمد مصطفي
محكمة استئناف الخرطوم
حكومة السودان ضد سعيد حمد مصطفي
م أ/أ س ج/577/1405هـ
المبادئ:
إثبات – بينة الكمين – جواز رفضها – الحكم بالبراءة لدي انعدام بينات أخري
يتعين رفض قبول بينة الكمين التي تحصل عليها نتيجة تجسس بناء على معلومات استقاها من مصدر آخر ولعدم وجود دليل آخر يعضدها
الحكــــم
التاريخ: 1598/9/15م
القاضي: فريدة إبراهيم أحمد حسين:-
تحاكم المتهم سعيد حمد مصطفي أمام محكمة جنايات أم درمان الجديدة وأدين بتاريخ 10/8/1985م بموجب المادة 4 من قانون الحشيش والأفيون لسنة 1924م وحكم عليه بعقوبة السجن لمدة ستة أشهر تتحصل الوقائع في أن الشاكي عريف شرطة كمال محي الدين أحمد مباحث العاصمة القومية أفاد بأنه قد وصلت معلومات بإرشاد مصدر بأنه يوجد حشيش بمنزل شخص يدعي إبراهيم أبو شنب بالحارة 14 بأم درمان الجديدة فأستصدر أمر تفتيش لذلك المنزل وصحب معه قوة من البوليس وللتأكد من صحة المعلومات أفاد الشاكي بأنه قام بإرسال جندي زميل لشراء كمية من الحشيش بمبلغ عشرة جنيهات وأن الأخير قام بشراء قطعة حشيش واحدة من المتهم فداهم رجال الشرطة المنزل وقاموا بتفتيش المنزل ولم يعثروا علي حشيش وأنهم عندما أرادوا أخذ زوجة صاحب المنزل للبوليس لتفتشيها للاشتباه بوجود حشيش تخفيه في صدرها وفقاً للمعلومات التي أفاد الشاكي بأنها وصلتهم نشب شجار وعمت فوضي لاذ علي أثره رجال الشرطة بالفرار بعد أن تمكنوا من أخذ المتهم معهم
استمعت المحكمة إلي شهادة الشاكي وشهادة الشرطي النعيم صديق عبد الله والذي أفاد بأنه بناء علي أوامر من الشاكي أخذ مبلغ 10 جنيهات وأشتري حشيش من المتهم بناء علي الكمين الذي نصب للمتهم
أدانت المحكمة المتهم تحت المادة 4 من قانون الحشيش والأفيون بناء علي شاهد الكمين
أستأنف محامي المدان الحكم الصادر علي أساس :-
أولاً: أن البينة الوحيدة التي قدمت أمام المحكمة هي بينة الكمين وأنه جري العمل في محاكم السودان العليا علي تأسيس الإدانة علي مثل هذه البينة وحدها إلا إذا وجدت بينات أخري قوية تعضدها وتسندها وأن شاهد الكمين يجب أن تؤخذ شهادته بحذر
ثانياً: أن الكمين نفسه لم يكن كميناً مشروعاً لأنه لم تؤخذ موافقة القاضي نفسه مسبقاً لنصبه كما أنه حتى بقبول بينة الكمين فإنه لا وزن في الحالة الراهنة لأنه لم توجد بينات قوية تعضدها
ثالثاً: أنه ورد في أقوال الشاكي في التحري بأن الشخص الذي قام بنصب الكمين يدعي يوسف قمر داؤود والأخير أفاد بيومية التحري بشراء الحشيش من المتهم بينما ظهر أمام المحكمة شاهداً آخر يدعي النعيم صديق وأدي بأنه هو الذي أوكل إليه تنفيذ الكمين وقام بتنفيذه وهذا يشير شكاً في شهادة شاهد الكمين يجب تفسيره لصالح المتهم
رابعاً: أن هناك شكاً في بينة الكمين المقدمة والتي تثير التساؤل وهو لماذا لم يقبض علي المتهم لحظة تسليمه الحشيش للشاهد ولم يثر موضوع ذلك الشراء إلا مؤخراً مما يثير الشك في اصطناع الدليل
باطلاعي علي محضر المحاكمة الإيجازية التي تمت يتضح لي بأن المحكمة أول درجة قد أدانت المتهم بناء علي شهادة شاهد الكمين وحدها
وقد ورد في أقوال شاهد الاتهام جندي النعيم صديق عبد الله أمام محكمة درجة أولي بأنه بناء علي أوامر الشاكي عريف شرطة كمال محي الدين أحمد أخذ مبلغ عشرة جنيهات وذهب إلي منزل المتهم وحده خارج المنزل جوار الباب فأعطاه 10 جنيهات وقال له عاوز حشيش فدخل المتهم إلي داخل المنزل وأحضر له الحشيش وأنه رجع إلي العريف شرطة كمال محي الدين وأخبره بالحاصل فقام بحملة وداهم المنزل
الشاكي أفاد أمام المحكمة بأن الشاهد النعيم صديق هو الذي أخبره بأنه أشتري البنقو من المتهم وبرجوعي ليومية التحري للتحقيق من صدق أقوال هذين الشاهدين (to test credibility of the witness) اتضح لي بأن الشاكي عريف شرطة كمال محي الدين أفاد في أقواله اليومية أكثر من ثلاث مرات بأنه قد قام بإرسال الجندي يوسف قمر لشراء الحشيش بمبلغ عشرة جنيهات من المتهم ولم يذكر اطلاقاً المبلغ اسم الجندي النعيم صديق عبد الله ولم تؤخذ أقوال الأخير في يومية التحري أن كان هو فعلاً الشاهد الذي نفذ عملية الكمين!
أخذت اقوال الجندي يوسف قمر داؤود بيومية التحري وأفاد بأنه هو الذي تم إرساله للمتهم لشراء الحشيش منه بمبلغ عشرة جنيهات وأنه قد قام بشراء الحشيش من المتهم ورجع وأخبر بأن المتهم قد باع له الحشيش وأنه وجد المتهم خارج المنزل وتعرف عليه
فهذا التناقض الذي وضح أقوال المبلغ والشاهد الذي افاد بأنه قد قام بتنفيذ الكمين الذي نصب للمتهم هو تناقض في وقائع جوهرية بشخصية الشخص الذي قام بتنفيذ الكمين وهل هو الشخص الذي مثل أمام المحكمة وأدلي بشهادته علي اليمين ؟ أم هل هو الشاهد الآخر الذي أدلي بأقواله بيومية التحري بأنه هو الذي قام بتنفيذ الكمين بناء علي تعليمات عريف شرطة كمال محي الدين والذي أشار الأخير في يومية التحري بأنه هو الذي نفذ الكمين ثم أتي أمام المحكمة وأفاد بغير ذلك وبأن الذي نفذ الكمين هو الشاهد النعيم صديق ؟
فإذا ما أخذنا في الاعتبار بأن المبلغ بوليس وشاهد الكمين بوليس والمتحري الذي أخذ أقوالهما أيضاً بوليس وليس لديه أية شبهة في تدوين أقوالهما وإذا وضعنا في الاعتبار أيضاً طبيعة البينة المقدمة وهي بينة كمين أي تعتمد أساساً علي شخص من قام بتنفيذ ذلك الكمين وجود التناقض في أقوال الشهود الجوهرية أمام المحكمة ويومية التحري لأخذنا الاقوال التي أدلي بها شاهد الكمين والشاكي معاً بحذر شديد
والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل يمكن الأخذ بأقوال شاهد الكمين لوحدها أم أنها تحتاج لبينات أخري تعضدها
فبينة الكمين كما هو الحال في انجلترا والهند تعتبر بينة شريك وبينة الشريك بالرغم من أنها مقبولة في القانون وأنها لا تتطلب مؤازرة أو تعضيد حيث تنص المادة 133 من قانون الإثبات الهندي:-
S 133 an accomplice, shall be a competent witness against an accused person, an a conviction is not illegal merely because it proceeds upon the uncorroborated testimony of an accomplice
لا أن القضاء في الهند وفي انجلترا علي السواء قد جري علي طلب التعضيد حتي يدان بمقتضاها
أما بينة الكمين أوالجاسوس فهي كما سبق أن ذكرنا تعتبر بينة شريك وقد ورد في كتاب العلامة Sarkar:-
The law of Evidence, P 1079 9th ed
“It may sometimes be necessary to comploy spies or decoys for detection of offences which can not be detected in any other way, but the malice is looked upon with much disfavour and in their enthusiasm these men soon egenerate into” great provocateurs instigating or provoking the commission of crimes”
“So when officials lay a trap incit bribery, the official and bribe givers would be in the position of accomplices
وقد أشار أيضا إلي ذلك مولانا دفع الله الرضي نائب الأحكام في قضية عبد الرحيم محمد خير شنان كما أنه في قضية حكومة السودان /ضد / دهب شريف م أ/أ ن ج/207/78 المنشورة بمجلة الأحكام القضائية لنسة 1978م قررت محكمة إلاستئناف بأن للقاضي أن يرفض الأخذ ببينة الكمين أن اقتنع بأن البوليس قد تعدي الحدود المعقولة في الإيقاع بالمتهم وأنه يصح الأخذ بها إذا أطمأنت المحكمة لصدق أقوال شاهد الكمين كما أنه قد جاء في السابقة القضائية أمام محكمة الاستئناف:
حكومة السودان / ضد / يحي عوض الكريم بالنمرة م أ/ أ ن ج/ 358/78 المنشورة بمجلة الأحكام القضائية لسنة 1978م "بينة شاهد الكمين في غير حاجة إلي تعضيد ويجوز للمحكمة أن تأخذ بها وتعول عليها متي اقتنعت بها واطمأنت إليها وهذه البينة بمثابة شريك"
إلا أن بعض المحاكم في انجلترا قد نظرت إلي بينة الكمين بعد الاقتناع ولم تأخذ بها
In the case of Branman V peek 1947
2 All ER 572 63 T LR 592 Lord Goddard CI observed
The Court observe concern and disapproval the fact that the police authority Derby thought right to send a police officer into a public chouse to commit an offence … It is wholly wrong for a police officer or any other persons to the be send to commit an offence in order that an offence by an other person may be detected…
I hope the day is for distant when it will became a common practice in this country for police officers to be told to commit an offence themselves for the purpose of police of getting evidence against some one: if they do commit offences they ought also to be convicted and punished for the order of their superior would afford no defense
وفي الهند فإن الكمين الذي دأب البوليس علي نصبه تحت إشراف القضاة فإنه ينظر إليه أيضاً بعدم الارتياح وعدم الرضا وينظر إلي البينة التي تأتي نتاجه بحذر فقد جاء في كتاب:
Sarkar’s Law of Evidence 9 ed p 1069
Great disapprobation was expressed of the practice of requisitioning the service of magistrates witnesses of police traps Though the detection of crimes by laying traps is not deemed commendable and may justified in cases of peculiar difficulty and though a mere spy or decoy may not be an accomplice in Law, the evidence of much a person or an agent provacateur is looked upon with suspicion and can not be relied for a convictio The weight to be attached depends on the charactor or each individual witness
أخذت المحاكم في السودان في السوابق التي سبق أن أشرت إليها بقبول بينة الكمين والأخذ بها متي أقتنعت بها واطمأنت إليها
إلا أنه بعد صدور قانون الإثبات لسنة 1983م ففي إعتقادي فإن الوضع قد أصبح مختلفاً فقد عرفت المادة العاشرة من القانون المشار إليه البينة المقبولة بأنها :-
10- البينة التي يقبل تقديمها في أي دعوى هي التي تنتج في اثبات ونفي الوقائع محل النزاع أو الوقائع المتعلقة بها والتي لا يكون قبولها ممنوعاً بموجب أحكام هذا القانون
كما نصت المادة 11 من ذات القانون علي عدم رفض البينة المقبولة لمجرد أنه قد تم الحصول عليها بوسائل غير مشروعة متى ما اطمأنت المحكمة الي سلامة البينة من الناحية الموضوعية إلا أن المادة 12 من ذات القانون قد أجازت رفض البينة المقبولة متى ما رأت أن قبول تلك البنية ينتهك مبادئ الشريعة الإسلامية أو العدالة أو النظام العام
وفي اعتقادي فان البينة التي يتم الحصول عليها عن طريق الكمين أو الجاسوس يعتبر قبولها فيه انتهاك لمبادئ الشريعة الإسلامية والتي تنهى عن التجسس وتتبع عورات الناس وقد جاء في كتاب عبد القادر عودة " التشريع الجنائي الإسلامي ص503 و ص504
"إذا توقف إظهار المنكر علي التجسس أو التعقيب لم يجز إظهار المنكر لأن الله حرم التجسس في قوله:-
"ولا تجسسوا" الحجرات الآية 13 ولأن للبيوت حرمة وللأشخاص حرمة لا يجوز انتهاكها قبل أن تظهر المعصية ولأن الرسول (ص) نهي عن تتبع عورات الناس فقال لمعاوية "إنك أن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم" وقال عليه السلام:
" يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته"
وقد استقر الأمر علي هذا من أول يوم مما يذكر في هذا الشأن ما حدث من عمر رضي الله عنه فقد تسلق دار رجل فوجده في معصية فأنكر عليه فقال يا أمير المؤمنين أن كنت قد عصيت الله من وجه واحد فأنت قد عصيت من ثلاثة أوجه فقال وما هي ؟
قال قد قال الله تعالي" ولا تجسسوا" وقد تجسست وقال تعالي "وأتوا البيوت من أبوابها" وقد تسورت من السطح وقال تعالي ولا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا علي أهلها" وما سلمت فتركه عمر وشرط عليه التوبة وإن كان عمر قد تركه ولم يعاقبه فذلك لان دخول المسكن هو الذي اظهر المنكر وهو دخول بغير وجه حق ومن غير وجهته
وتحريم التجسس يترتب عليه أنه لا ينبغي لإنسان أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر والحشيش وليس لإنسان أن يتحسس ملابس شخص ليعرف ما يخفيه تحتها بل أنه يستخبر من جيرانه ليخبروه بما يجري في داره
وفي الحالة الراهنة فإن البينة التي ادعي تحصل شاهد الكمين عليها كانت نتيجة تجسس الشاهد بناء على معلومات استقاها من مصدر بافتراض صحتها فإن في قبولها انتهاك لمبادئ الشريعة الإسلامية مما يتعين معه رفض قبول مثل هذه البينة
ويرفض قبول المحكمة للبينة التي تحصل عليها بواسطة الجاسوس أو الكمين وبعدم وجود بينة أخري ضد المتهم تقرر المحكمة إلغاء قرار الإدانة والعقوبة والأمر بالإفراج عن المتهم فوراً
أمـر:
يلغي قرار الإدانة ويفرج عن المتهم فوراً

