حكومة السودان // ضد// سامي آدم أحمد
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيدة/ رباب محمد مصطفى أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ محمد سعيد بابكــر خوجلـــي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ محمــد حامــد دفــــع الله قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان // ضد// سامي آدم أحمد
م ع / ط ج / 240/ 1998م
المبادئ:
قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م - المادة 4 توجيه اليمين للمتهم
قانـــون الإثبات لسنة 1983م تعديـــل 1994م - المادة 33 - الطعن في الشهادة وردها - المواد 53 -56-58 توجيه اليمين وصيغتها
القانون الجنائي لسنة 1991م - المادة 180 - التملك الجنائي
1- إن البينات إذا تعارضت تساقطت في حالة عدم إمكانية معرفة أصدق البينتين
2- يجب تحليف المتهم اليمين إن كانت الدعوى موجبة لليمين بأن أضحت بلا بينة
3- القاعدة الأساسية في نظام الإثبات الجنائي عامة أن المدعي لا يعتبر شاهداً في دعواه علي الإطلاق
4- قانون الإثبات لسنة 1993م تعديل 1994م لم يمنع القضاء باليمين مع الشاهد الواحد
5- إن قانون الإثبات لسنة 1993م تعديل 1994م وان لم يرد في مواده ما يمنع جواز قبول شهادة الزوجة إلا أنه قد ترك للمحكمة سلطة تقدير شهادتها وفق معايير تقييم ووزن البينة وما يعتريها من تهمة ولاء أو مصلحة
6- من صور الركن المادي لجريمة التملك الجنائي استعارة المال أو اقتراضه أو أن يكون علي سبيل العارية أو القرض
7- الركن المادي في جريمة التملك الجنائي يتحقق بإسناد الجحود من جانب المستعير أو المقترض
الحكم:
نوجز الوقائع كما هي ثابتة بالمحضر في أن المدعي كانت تربطه بالمتهم صلة زمالة دراسة وصداقة وبتاريخ 17/11/1996م قام المدعي بتسليم المتهم مبلغ واحد مليون جنيه كاستعارة أو قرض الزم المتهم بإعادته في وقت قريب وذلك في منزل المدعي أنكر المتهم استلام المبلغ
قام المدعي برفع شكواه إلي النيابة التي أمرت بفتح الدعوى ووجهت للمتهم تهمة تحت المادة 180 من القانون الجنائي لسنة 1991م
أحيلت الدعوى إلي محكمة الجنايات التي سمعت قضيتي الإدعاء والدفاع وأدانت المتهم تحت المادة 180 جنائي 1991م وحكمت عليه بالغرامة بمبلغ مليون وخمسين ألف جنيه وفي حالة عدم الدفع السجن سنة وفي حالة الغرامة يعوض منها المدعي مبلغ واحد مليون جنيه
استأنف المدان الحكم لدي محكمة استئناف أم درمان التي أصدرت حكمها نمـرة أ س ج/448/1998م بإلغاء الإدانة والعقوبة تأسيساً علي أن دفع المبلغ للمتهم كان علي سبيل الاستدانة ومن ثم تختص بالفصل المحكمة المدنية علم الأستاذ محامي المدعي بالحكم بتاريخ 10/6/1998م تقدم الأستاذ محامي المدعي بطلب لنقض حكم محكمة الاستئناف ومن سرد المذكرة فإن الأستاذ ينعى علي حكم محكمة الاستئناف الخطأ في تطبيق القانون ويرى أن الإدانة كانت سليمة وطلب إلغاء حكم محكمة الاستئناف
الطلب قدم خلال الزمن المحدد فهو مقبول شكلاً من ناحية القانون فقد نصت المادة 180(1) من القانون الجنائي 1991م علي أن يعد مرتكباً جريمة التملك الجنائي من يأخذ أو يعثر على مال مملوك للغير أو يستعيره أو يحوزه عن طريق الخطأ ثم يجحد ذلك المال أو يتصرف فيه بسوء قصد
لا شك أن من صور الركن المادي لجريمة التملك الجنائي استعارة المال أو اقتراضه أو أن يكون علي سبيل العارية أو القرض
إن معني العارية أو القرض يتحقق وفق تعريف قانون المعاملات للعارية التي هي عقد غير لازم يجوز لكل من الطرفين إنهاؤه إن شاء حتى ولو ضرب له أجل من قبل وكذلك يتحقق القرض في معناه في القانون الجنائي كصورة من صور الركن المادي لجريمة الامتلاك الجنائي وفق تعريف قانون المعاملات للقرض الذي هو تمليك مال أو شيء لآخر علي أن يرد مثله قدراً أو نوعاً وصفة عند نهاية مدة القرض
إن أخذ مال الغير بغير حق حرام يؤثم فاعله وعليه يحرم أخذ مال الغير بطريقة إنكار الحق سواء بإنكار الأمانـة أو العارية أو القرض أو الغش أنظر في معني ذلك كتاب القوانين الفقهية لابن جزي المالكي صفحة (82)فإن أخذ المال بدون حق يدخل في معنى غصب الأموال أنظر في معنى ذلك كتاب المبسوط للسَّـرخسي
يرى فقهاء الشريعة الغراء أنه لتوفير الركن المادي للغصب لا تشترط إزالة يد المالك بل اعتبرت في تحقق الركن المادي إثبات يد الغاصب علي مال الغير دون حق ومن جحد الوديعة أو العارية أو القرض يعتبر غاصباً أنظر كتاب المبسوط وعليه فإن الركن المادي في جريمة التملك الجنائي يتحقق بإسناد الجحود من جانب المستعير أو المقترض فإذا كان من الثابت أن المتهم قد استلم من المدعي مبلغ واحد مليون جنيه علي سبيل القرض أو العارية فإن الركن المادي في الجريمة قد ثبت بالاستلام والجحود لقد جانب الصواب محكمة الاستئناف إذ قضت بأن المبلغ دين مدني فالمتهم لم يدع بأن استلامه للمبلغ كان على سبيل الاستدانة بل أنكر إنكاراً كاملاً استلامه المبلغ المدعي به
هناك مسألة هامة أثارها محامي المدان تتعلق بالإثبات ولم تناقشها محكمة الاستئناف فقد جاء في طلب الاستئناف (أن بينة الشاكي وإن قبلت على علاتها إلاّ أنها لا تخرج عن كونها بينة شاهد واحد)
عند الوقوف عند عبارة الأستاذة نري أنها تريد أن تقرر في مسألتين الأولي أن المدعي يعتبر شاهداً في دعواه والثانية أن شهادة الشاهد الواحد لا تكفي للإدانة وفي المسألتين جانب الصواب الأستاذة ولعموم الفائدة وإزالة هذا اللبس والغلط في فهـم أحكام الشريعة الغراء فإننا نرد علي المسألتين لارتباط ذلك بالدعوى موضوع النظر القاعدة الأساسية في نظام الإثبات الجنائي عامة أن المدعي لا يعتبر شاهداً في دعواه علي الإطلاق فالقاعدة الشرعية الثابتة بالسنة المطهرة أن البينة علي من ادعي واليمين علي من أنكر فالمدعي هو الذي يدعي ويقع علي عاتقه تقديم البينة وعلي المدعي عليه اليمين في حالة عجز المدعي عن تقديم البينة
حقيقي قد يكون سبب حدوث هذا اللبس والغلط هو العمل بقاعدة القضاء بيمين المدعي مع الشاهد فهذه القاعدة ثابتة بالسنة النبوية المطهرة فقد ثبت قضاء رسول الله صلي الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد في قضايا الأموال جاء في كتاب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم بصفحة (67) ما يلي :
(ومن ذلك أنه يجوز للمحاكم الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه في غير الحدود ولم يوجب الله علي الحكام أن يحكموا إلاّ بشاهدين أصلاً وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين أو شاهد وامرأتين وهذا يدل علي أن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك بل قد حكم النبي صلي الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد)
قانون الإثبات 1993م تعديل 1994م لم يمنع القضاء باليمين مع الشاهد الواحد جاء في كتاب القوانين الفقهية لابن جزي صفحة (263) الثالثة يمين المدعي مع شاهده فيحلف أنه قد شهد له بالحق جاء في كتاب إعلام الموقعين لابن القيم صفحة (100) (أنه يقضي بالبينة التي تبين الحق وهي الدليل الذي يدل عليه الشاهد الذي به بحسب الإمكان بل الحق أن الشاهد الواحد إذا ظهر صدقه حكم بشهادته وحده)
المسألة الثانية التي وردت في مذكرة الاستئناف ولم تتناولها المحكمة الطعن في شهادة الشاهدة نجوى حسن زوجة المدعي يطعن أن شهادتها لا تخلو من التهمة حقيقي أن مبني الشهادة هو الوازع الديني عند الشاهد وهو مخافة الله سبحانه وتعالي وقد اهتم فقهاء الشريعة الغراء في شروط الشهادة نصابها وتحملها وأدائها ومتى تقبل ومتى ترفض أهم تلك المباحث هو شرط العدالة إذ لا يقبل في نظام الإثبات الإسلامي إلاّ شهادة العدل وترد شهادة من لا يثبت عدله ويعتبر المسلم عدلاً عند الأحناف والمالكية والشافعية إذا عرف عنه إثبات المأمورات واجتناب المنهيات ويضيف الحنابلة المروءة وهي تجنب كل سلوك يخل باحترام الإنسان ووقاره ومن ترك الإنسانية لا يؤمن أن يشهد بالزور (روي أبو مسعود البدري رضي الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : إن ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولي "إذا لم تستح فاصنع ما شئت") ويري ابن حزم من الظاهرية أن المسلم العدل من لم يعرف عند ارتكاب كبيرة ولا مجاهرة بصغيرة والكبيرة عندهم ما أسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرة أو جاء فيه الوعيد أنظر المحلي لابن حزم
وعليه فالشاهدة عدلة بحسب الأصل وشهادتها مقبولة وفق قانون الإثبات رغم أن لفقهاء الشريعة الإسلامية رأياً في قبول شهادتها لزوجها جاء في كتاب إعلام الموقعين لابن القيم صفحة (511) والتابعون إنما نظروا إلي التهمة فهي الوصف المؤثر في الحكم فيجب تعليق الحكم به وجوداً وعدماً ولا تأثير بخصوص القرابة وعمومها بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة وقد توجه تهمة حيث لا قرابة والشارع إنما علق قبول الشهادة بالعدالة وكون الشاهد مرضياً عنه وعلق عدم قبولها بالفسقة ولم يعلق القبول أو الرد بأجنبية أو قرابة والشريعة مبناها تصديق الصادق وقبول خبره وتكذيب الكاذب والتوقف عند خبر الفاسقة فهي لا ترد حقاً ولا تقبل باطلاً (جاء في كتاب القرائن الفقهية لابن جزي صفحة (64) فأما العدالة فمشترطة إجماعاً والعدل الذي يجتنب الذنوب الكبائر ويتحفظ عن الصغائر ويحافظ علي المروءة)
إن قانون الإثبات 1993م تعديل 1994م وإن لم يرد في مواده ما يمنع جواز قبول شهادة الزوجة إلا أنه قد ترك للمحكمة سلطة تقدير شهادتها وفق معايير تقييم ووزن البينة وما يقدمها من تهمة ولاء أو مصلحة باستقراء البينة الواردة نجد أن شهادة زوجة المدعي تثبت أن المتهم قد حضر لمنزل زوجها وأنها قد أعطت زوجها المبلغ موضوع الدعوى وأنها قد شهدت علي استلام المتهم للمبلغ وكان ذلك أمام المنزل وفي حضرة المدعو عبد العظيم سمعت المحكمة شهادة الشاهد المذكور الذي نفي شهادة الشاهدة علي اليمين حيث نفي حتى ذهابه مع المتهم لمنزل الشاكي
القاعدة الشرعية أن البينات إذا تعارضت تساقطت في حالة عدم إمكانية معرفة أصدق البينتين وعليه ولتعارض شهادة الشاهدة الزوجة مع شهادة الشاهد الذي يعمل مع المتهم فقد أضحت الدعوى بلا بينة وفي هذه الحالة تحليف المتهم اليمين حيث أن الدعوى موجبة لليمين عملاً بالقاعدة الشرعية البينة علي المدعي واليمين علي من أنكر هذا وقد أجاز فقهاء الشريعة الغراء تحليف المتهم في غير جرائم الحدود ويجوز تحليف المتهم في جميع التعازير جاء فـــي كتاب القوانين الفقهية لابن جزي صفحة (263) الأولي يمين المنكر علي أن ينفي الدعوى فإن حلف علي مطابقة الإنكار بريء اتفاقــاً
وبهذا أخذ القانون في نص المادة 4/د من قانون الإجراءات الجنائية 1991م تعديل 1998م
لذا نري إلغاء حكم محكمة الاستئناف ومحكمة الموضوع وإعادة الأوراق للسير في الدعوى بتحليف المتهم اليمين ثم إصدار الحكم مع تحديد صيغة اليمين وفق نصوص قانون الإثبات 1993م تعديل 1994م
القاضي : محمد سعيد بابكر خوجلي
التاريـخ : 31/ 8 /1998م
القاضي : محمد حامد دفع الله القاضي : رباب محمد مصطفي أبوقصيصة
التاريـخ : 3/5/1999م التاريـخ : 5/5/1999م

