حكومة السودان / ضد / جمال محمد حسين
المحكمة العليا
حكومة السودان / ضد / جمال محمد حسين
م ع/فحص/ج11/84
المبادئ:
قانون جنائي: جريمة النهب جريمة النهب المعرفة في المادة 332 عقوبات يمكن أن تشكل أساساً لجريمة حدية (حرابة) وأخرى غير حدية
يجب أن تعتبر جريمة النهب المعرفة في المادة 332 عقوبات على أنها ليست جريمة الحرابة فقط أي ليست جريمة حدية فقط بل هي جريمة (الحرابة) وجريمة غير حدية (النهب) أي أنه في حالة توفر نصاب الشهادة الشرعية يمكن إدانة المتهم على اعتبار أنها جريمة حدية وإن لم يتوفر نصاب الشهادة الشرعية ولكن ثبتت التهمة بالبينات العادية يمكن إدانة المتهم على اعتبار أنها جريمة غير حدية
الحكم:
التاريخ : 11/2/1984م
القاضي : د/ مصعب الهادي
الوقائع باختصار كما توصلت إليها محكمة الموضوع هي أنه في يوم 27/10/1983م وفي حوالي الساعة 4 بعد الظهر وبينما كان المجني عليه عبيد حسن العبيد يسير بأحد شوارع سوق أمدرمان الرئيسي أوقفه المتهم زاعماً له أنه من جهاز الأمن القومي وأنه يشتبه فيه بأنه من المخربين للثورة وطلب اصطحابه لجهاز أمن الدولة بالخرطوم وقد انصاع المجني عليه ثم أبرز المتهم مسدساً وسأل المجني عليه عما إذا كان يحمل مثله فأجاب بالنفي وفي أثناء سيرهما نادى المجني عليه على شاهد الاتهام الثاني سعيد يوسف وهو على معرفة به وأخبره بأن المتهم قال له أنه يعمل بجهاز الأمن وسيأخذه لمكاتب أمن الدولة بالخرطوم لأنه يشتبه فيه بأنه من المخربين للثورة وطلب من الشاهد أن يخطر ذويه بذلك وبالقرب من جامع أمدرمان الكبير أوقف المتهم عربة تاكسي وركب هو والمجني عليه وعندما أراد الشاهد سعيد أن يركب معهما منعه المتهم وقد قفل الشاهد راجعاً وأبلغ البوليس كما أبلغ ذوي المجني عليه بما حدث
كان المتهم يحمل مسجلاً بسماعات يضعها على أذنيه ويتحدث بما يفيد أنه قبض على المجرم وهو في طريقه إلي رئاسة الجهاز موهماً بذلك المجني عليه وسائق التاكسي بأنه فعلاً يعمل بالأمن وأنه يخاطب المسئولين وفي الخرطوم نزل المتهم في القيادة العامة وتكلم مع أحد الجنود وعندما رجع أخطرهما (المجني عليه وسائق العربة) بأن الضابط المسئول غير موجود وأنه ذهب للعمارات ومن هناك ذهبوا ثلاثتهم للعمارات فندق أفريقيا ثم نزل المتهم وتكلم مع شخص ورجع وتوجهوا بعد ذلك إلي أماكن متعددة (الرياض والجريف وامتداد ناصر) وفي امتداد ناصر نزل المتهم وفتش أحذية المجني عليه وأدخل يده في جيبه وأخرج مبلغ (2880) جنيه وسلمها لسائق التاكسي ليشهد بأن المجني عليه أعطاه هذا المبلغ كرشوة بعد ذلك طلب المتهم من المجني عليه النزول من العربة ولكن الأخير رفض بحجة أنه لا يمكن أن ينزل في ذلك المكان ولا يمكن أن يترك نقوده من هناك ذهبوا إلي العمارات مرة أخرى ثم إلي السوق الشعبي حسب توجيهات المتهم كان المتهم قبل أخذ المبلغ من جيب المجني عليه يضربه ويهدده بالمسدس وفي السوق الشعبي طلب المجني عليه من السائق تسليمه لأقرب بوليس لأنه تعب جداً وبين سباق الخيل والعشش شاهدوا عربة بوليس وعندما وقف سائق التاكسي نزل المتهم بسرعة و ولى هارباً حتى قبض عليه تيم المباحث المكلف بالبحث والقبض عليه باعتباره هارباً من الحراسة وبصفته معتاد النهب المسلح تم القبض عليه داخل أحد المنازل بالعشش بعد أن أطلق ضابط الشرطة عياراً نارياً في الهواء رمى على أثره المتهم المسدس من يده أقر المتهم بملكيته لجهاز المسجل وللمسدس أرسل المجني عليه للكشف الطبي و وجد به أذى بسيط وحالته غير خطيرة ما لم تحدث مضاعفات (أنظر م إتهام (1) – وجدت هذا المستند مرفقاً خطأ مع يومية التحري وكان ينبغي على محكمة الموضوع إرفاقه بالمحضر بعد أقوال المتحرى مباشرة)
أدين المتهم أمام محكمة المديرية أمدرمان تحت المواد 146 و303 و308 و 339 من قانون العقوبات والمادة 32 من قانون الأسلحة والذخيرة والمفرقعات ثم صدرت ضده عقوبة القطع من خلاف وهي إحدى العقوبات التي وضعت لجريمة النهب والمنصوص عليها في المادة 339 من قانون العقوبات على أساس أن الجريمة التي ارتكبها المتهم هي نفسها جريمة الحرابة وهي جريمة حدية تستوجب القطع من خلاف – كان ذلك في21/11/1983م
أرسلت الأوراق لمحكمة الاستئناف وتقدم المتهم باستئناف لمحكمة الاستئناف ناكراً فيه قيامه بهذا الفعل بالمرة ثم ذكر في صلب الاستئناف أنه يعاني من اضطرابات نفسية ثم تقدمت والدته أيضا باستئناف لنفس المحكمة ملتمسة تخفيف العقوبة لأن أبنها (المتهم) هو العائل الوحيد لأطفالها السبعة
وفي يوم 15/1/1984م أيدت محكمة الاستئناف الإدانة والعقوبة على أساس أن ما ارتكبه المتهم من فعل يشكل جريمة الحرابة بالمعني الوارد في الآية القرآنية:( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) ومن ثم أرسلت الأوراق لهذه المحكمة للتأييد وأرفق معها طلب من والدة المتهم بنفس الأسباب السابقة بإضافة أن ابنها مريض وكان يتعالج بمستشفي التجاني الماحي وعليه تلتمس تخفيف العقوبة
أولاً : وقبل الخوض في صحة العقوبة من عدم ذلك أود أن أشير إلي أن إدانة المتهم تحت كل المواد ما عدا 339 والتي سأتحدث عنها بتفصيل فيما بعد جاءت صحيحة حيث أن الوقائع قد ثبتت دون مرحلة الشك المعقول وهي كلها جرائم غير حدية وبالتالي لا تتطلب التشدد في الإثبات (أنظر المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م) أما فيما يختص بجريمة النهب تحت المادة 339 من قانون العقوبات فرغم أن المشرع لم يسمها (جريمة الحرابة) إلا أنه يبدو أن المشرع قد قصد إلي ذلك بدليل أن المذكرة التفسيرية لقانون العقوبات لسنة 1983 قد أشارت إلي هذا كما أن العقوبات التي وضعت لجريمة النهب هي نفسها عقوبة حد الحرابة التي جاءت في الآية المشار إليها أعلاه (أنظر كذلك المادة 332 من قانون العقوبات ) كما أشار إلي ذلك السيد رئيس القضاء في المنشور الجنائي رقم(96/83) وسأتحدث فيما بعد عما إذا كان المشرع قد قصد أن تكون جريمة النهب بنصها وتعريفها الوارد في المادة 332 عقوبات جريمة حدية فقط أم لا لكن جريمة الحرابة كما هو متفق عليها في الفقه الإسلامي هي قطع الطريق لأخذ المال مجاهرة وعن طريق المغالبة إلا أن هناك اختلاف بين الفقهاء في مكان الطريق أبو حنيفة يشترط أن تكون في غير الأمصار أي في غير العمران ولكن الرأي الراجح أن الحرابة لا بد أن تقع في الطريق في العمران أو في غير العمران وأما في حالة الأخيرة لا بد من عدم إمكان الغوث أما الإمام مالك والظاهرية هم فقط الذين لا يشترطون هذا الشرط بل يرون أنه يمكن أن تقع الحرابة عن طريق الحيلة وفي داخل الدار إذا منعت الإغاثة (أنظر الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي – الجزء الثاني لأبى زهرة 142) والقتل غيلة يشدد المالكية في اعتباره من الحرابة أي أن المجاهرة ليست شرطاً من شروط جريمة الحرابة عند المالكية خلافاً لما اتفق عليه أغلب الفقهاء ويرد الإمام أبو زهرة على المالكية بقوله : ( ولاشك في أن اعتبار الغيلة من قبيل الحرابة يحتاج إلي نظر كبير لأن المجاهرة التي هي من مقتضيات معنى الحرابة غير قائمة إذ أن الاغتيال والمجاهرة نقيضان لا يجتمعان لأن هذه تكون بأعلام والآخر يكون في اختفاء ولا يمكننا اعتبار الغيلة من قبيل المحاربة) (أنظر المصدر السابق ص 147) ورغم هذا الاختلاف فقد اتفق جميع الفقهاء على عدم إمكانية الغوث في جريمة الحرابة وعلى هذا المعنى ليست كل جريمة نهب المعرفة تحت المادة 332 عقوبات هي جريمة حد الحرابة إذ أن وقوع الجريمة في الطريق أو وجود حيلة من عدم ذلك أو عدم امكانية الغوث كل هذه ليست من الشروط الواجب توافرها في جريمة النهب تحت قانون العقوبات ويبدو أنه لخطورة جريمة النهب من حيث هي بل تعد من أخطر الجرائم على الإطلاق أخذ المشرع السوداني برأي مالك في هذا الخصوص ( علماً بأن مالكاً يشترط هو أيضاً عدم إمكانية الغوث) وجعل جريمة النهب متساوية أو هي نفسها جريمة حد الحرابة في الفقه الإسلامي ووضع لها نفس العقوبة الحدية الواردة في الآية التي سلفت الإشارة إليها
ذكرت كل ذلك لأن القضية التي نحن بصددها الآن ثبت فيها أن المتهم لم يعلن المجاهرة بالعدوان بل استعمل الحيلة والخداع لاستدراج المجني عليه كما أنه لنفس السبب أي الخداع منع الغوث عن المجني عليه فقد ثبت أنه لولا هذا السبب لتمكن المجني عليه من الغوث إذ أن الطريق كان يسلكه كثير من المارة (أنظر ص 17 من المحضر) هذا خلافاً لما رأته محكمة الاستئناف بأن (نقل المتهم للمجني عليه في عربة وتهديده بالسلاح هو أخطر من قطع الطريق لأن الشخص يستطيع الهرب من قاطع الطريق ولا يستطيع الهرب من شخص يهدده بالسلاح في عربة هو محبوس فيها) فإن منع الغوث هنا ليس للسبب الذي ذكرته محكمة الاستئناف كان من الممكن أن يكون ذلك صحيحاً إذا كان سائق العربة متفقاً مع المتهم أو أن المتهم نفسه هو الذي يقود العربة ولكن الثابت هو أن سائق العربة نفسه مثله مثل المجني عليه خدع في المتهم فقد قال : (أنا لم أشك في أن المتهم من جهاز الأمن إطلاقاً (ص25 من المحضر ) و (نحن ما حاولنا الاستنجاد بأي زول لأننا ما شكينا في المتهم (ص 26 من المحضر) وقال المجني عليه : ( أنا ما حاولت الاستنجاد بأي زول لأني مصدق أن المتهم ضابط (ص 81 من المحضر) ورغم ذلك فإن قصد المشرع واضح كما أسلفنا القول وهو أن جريمة النهب المعرفة في المادة 332 من قانون العقوبات هي نفسها جريمة حد الحرابة
ومن هنا وبعد هذا الاستطراد نأتي لموضوع إدانة المتهم تحت المادة 339 عقوبات والتي بموجبها أصدرت محكمة الموضوع وأيدتها في ذلك محكمة الاستئناف العقوبة الحدية بالقطع من خلاف لنرى إن كانت الإدانة بالجريمة الحدية صحيحة أم غير ذلك لثبوت جريمة حد الحرابة لابد أن تتوفر البينة الشرعية حسب نص المادة 78 من قانون الإثبات وهي في هذه الحالة أما الإقرار أو شهادة رجلين (ليس من بين شهود الاتهام الذين أخذت أقوالهم امرأة) فهل توفرت البينة الشرعية ؟
الإجابة في رأيي بالنفي أولاً فيما يختص بالإقرار فإن المتهم ومنذ البداية أنكر صلته تماماً بالحادث بل أحضر شاهدي دفاع لإثبات أنه وفي الوقت المدعى فيه بوقوع الجريمة كان بمنزل بالعشش محكمة الموضوع استبعدت أقوال هذين الشاهدين لتضاربها وكذبهما وأنهما من أرباب السجون وكانا في الحبس ولو رجعت محكمة الموضوع إلي أقوال المتهم وقارنتها مع أقوال هذين الشاهدين لوجدت التناقض واضحاً في واقعة مهمة وهي الزمن الذي يدعي فيه المتهم بأنه كان بالمنزل والزمن الذي يقول الشاهدان أنه كان فيه بالمنزل نفسه لو رجعت محكمة الموضوع لهذا التناقض لاستبعدت أقوالهما دون الإشارة إلي أنهما من أرباب السجون أو خلافه فقد ذكر المتهم بأنه خرج من الحراسة في يوم 20/10/1983م (هذا هو التاريخ الذي يدعى فيه أنه قد تم القبض عليه بواسطة تيم المباحث بالعشش) حوالي الساعة الثانية والنص ظهراً ثم بعد ذلك ذهب ونام في إحدى المنازل بالعشش حتى تم القبض عليه (أنظر ص 31 من المحضر ) بينما جاءت أقوال شاهدي الدفاع مناقضة لذلك تماماً قال الشاهد الأول : (المتهم كان معنا منذ الساعة الثامنة صباحاً المتهم لم يخرج إطلاقاً من المنزل (ص36 من المحضر) وقال الشاهد الثاني ( المتهم كان معنا في البيت حوالي الساعة السابعة صباحاً المتهم كان معنا بالمنزل ولم يخرج إطلاقاً (ص 38 من المحضر) ثانياً فيما يختص بنصاب الشهادة فرغم أن محكمة الموضوع ذكرت أن جريمة النهب من الجرائم الحدية ولا بد من توفر البينة الشرعية وهي شهادة رجلين وأنهما يمكن أن يكونا من الرفقة الذين قاتلوا المخربين رغم هذا أخذت بأقوال شاهد الاتهام الرابع فقط وهو سائق التاكسي فيما يختص بإثبات جريمة السرقة وهي من عناصر جريمة النهب تحت المادة 332 من قانون العقوبات وذلك لأن هذه الحالة (حالة السرقة) رغم أنه لم يشهد بها سوى سائق التاكسي فقط إلا أنها يمكن أن تثبت بأقوال شاهد واحد وليس من الضروري أن يشهد بها شاهدان لأن السرقة هنا أي في المادة 332 عقوبات ليس بالضرورة أن تكون سرقة حدية (رغم أن الجريمة نفسها جريمة حدية) يتوجب فيها شرط الشهادة الشرعية وإنما يمكن أن تكون سرقة عادية بدليل أن جريمة الابتزاز وهي ليست جريمة حدية يمكن أن تصبح نهباً وفي كلمات أخرى أنه لصيرورة السرقة نهباً لا يلزم أن تكون هذه السرقة نفسها سرقة حدية هذا ما ذكرته محكمة الموضوع وهو رأي صائب في حدود وهي أنه ليس بالضرورة أن تكون سرقة حدية لا من ناحية النصاب ولا من ناحية أي شرط آخر من شروط السرقة الحدية ولكن خطأ محكمة الموضوع الأساسي في رأيي هو فصلها لأركان جريمة النهب بغرض البينة والإثبات أن جريمة النهب جريمة متكاملة بشروطها حسب تعريفها في المادة 332 من قانون العقوبات وإذا قررت محكمة الموضوع بأنها جريمة حدية لابد أن تتوفر الشهادة الشرعية لكل ركن من أركانها أي أن الشهادة فيها يجب أن تثبت كل أركانها ولا يمكن أن تجزأ ليشهد شاهد واحد عن حمل السلاح مثلاً والآخر عن السرقة والثالث عن مشاهدته المتهم وهو يهرب وهكذا لأن في هذه الحالة تكون البينة مباشرة في واقعة بل ركن من أركان الجريمة وسماعية في واقعة أخرى أو تشير إلي قرينة من القرائن الدالة على وجود واقعة أخرى مكملة لأركان الجريمة الأخرى وهذا ما لا يجوز في نظري في البينة المطلوبة شرعاً إذ لا بد أن تكون شهادة الشاهدين شهادة صريحة ومباشرة تدل على ثبوت كل أركان الجريمة وفي ذلك يقول عبد القادر عودة : ( تثبت (جريمة الحرابة) بالبينة والإقرار ويكفي في حالة البينة شهادة شاهدين وإذا لم يتوفر نصاب الشهادة فكان شاهد واحد أو شاهد وامرأة أو شاهد رؤية وشاهد سماع يعاقب المحارب عقوبة تعزيرية ) (التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي الجزء الثاني - ص 646 ) هذا يعني أن شهادة الشاهدين يجب أن تكون صريحة قاطعة الدلالة على وقوع الجريمة كلها وبهذا أخذ مشروع القانون المصري في جريمة الحرابة واشترط في المادة (13) للشهادة التي تثبت بها جريمة الحرابة : (د) أن يشهد بالمعاينة لا نقلاً عن الغير : (هـ) أن تكون شهادة صريحة في الدلالة على وقوع الجريمة بالشروط المبينة في المادة الأولى من هذا القانون (مشروع القانون بشأن جريمة الحرابة) وفسرت ذلك المذكرة الإيضاحية الخاصة بهذه النقطة : وإذا كان الخلاف في الفقه حول وجوب قطعية الشهادة وصراحتها وورودها إلي كافة وقائع الجريمة وزمانها ومكانها فقد اشترط المشروع في الفقرة (هـ) من المادة (13) لصحة الشهادة أن تكون صريحة الدلالة على وقوع الجريمة بالشروط المبينة في القانون فلا يكفي أن يشهد الشاهد عن بعض وقائع الجريمة وشروطها ويشهد الآخر عن باقيها بحيث تتكامل الشهادتان بل ينبغي أن يشهد كل شاهد منهما على كافة وقائع الجريمة وشروطها المبينة في القانون (ولهذا وإن أخذنا بوجاهة هذا الرأي فإن جريمة الحرابة تحت المادة 339 عقوبات لم تثبت في حق المتهم على النحو الذي سبقت الإشارة إليه وهو عدم وجود بينة من شاهدين تثبت جميع أركان الجريمة وبالتالي فإن العقوبة الحدية الصادرة بالقطع من خلاف غير صحيحة
يبقي لنا بعد ذلك النظر في موضوع التعزير في رأيي أن الحد والتعزير هما عقوبتان ولا يمكن بالطبع أن تنظر أي محكمة في موضوع العقوبة ما لم تثبت الجريمة بالطريقة التي فصلها القانون أي قبل أن تعلن المحكمة إدانة المتهم بالجريمة المعاقب عليها هذا مبدأ ثابت ولا يحتاج لإيضاح باعتبار أن لا جريمة ولا عقوبة بدون نص أي لا عقوبة بدون إدانة في جريمة منصوص عليها فإن لم تكن هنالك إدانة يستحيل النظر في موضوع أي عقوبة وإذا رجعنا إلي جريمة النهب فهي أن قصد المشرع أنها جريمة حدية لا تثبت إلا بتوفر البينة الشرعية وهي شهادة شاهدين حسب نص المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983 ولم تتوفر لنا هذه البينة في هذه القضية كما سبق وأشرت إلي ذلك فهل يمكن أن يدان المتهم بنفس المادة ويعزربعد ذلك ؟ أم يبرأ المتهم منها ويعاقب على الجرائم الأخرى التي ارتكبها وأدانته محكمة الموضوع فيها ؟ للإجابة على ذلك واجهتني صعوبة ناتجة عن أمرين أولهما أنه لو أدين المتهم تحت المادة 339 عقوبات على فهم أنها جريمة حدية وبعد ذلك ينظر في العقوبة التعزيزية تكون الإدانة باطلة لأنها تتعارض مع نص المادة 78 من قانون الإثبات والمادة 458 (1) (أ) و (ج) من قانون العقوبات والمادة 170(1) من قانون الإجراءات الجنائية وهذه المادة الأخيرة توجب على المحكمة في حالة عدم ثبوت الجريمة (أي أن المتهم غير مذنب) أن تأمر ببرائته
صحيح أن المشرع نص في المادة 458 (3) من قانون العقوبات بأنه في حالة درء الحد بشبهة جاز توقيع أي عقوبة تعزيزية حتى ولو لم ينص صراحة عليها في هذا القانون (قانون العقوبات) ولكن يجب أن يفهم أن درء الحد بشبهة ليس معناه عدم توفر نصاب الشهادة الشرعية والتي نص عليها صراحة في المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983 بالآتي:
" مع مراعاة احكام المادة 77 (خاص بإثبات جريمة الزنا) تثبت سائر جرائم الحدود:-
1- بالإقرار ولو مرة واحدة في مجلس القضاء أو
2- بشهادة رجلين كما ثبت عند الضرورة بشهادة رجل وامرأتين أو أربع نسوة
والمشرع أوجب التثبت في الأحكام والتأكد من سلامة الحكم وفق المعايير الشرعية خصوصاً في جرائم الحدود(المادة 458(1) (أ) وأوجب توفر البينة الشرعية في كل حد (المادة 458 (1) (ج) إذا لم تتوفر البينة الشرعية المنصوص عليها لم تثبت التهمة وبالتالي وجب الأمر ببراءة المتهم منها وفقاً لنص المادة 170 (1) إجراءات إلا إذا كان الفعل يشكل جريمة أخرى ليست حدية يمكن أن يدان بها المتهم إذا ثبت بالبينة العادية وفق المعايير المتطلب توافرها في البينة العادية إن معنى الشبهة التي يدرأ بها الحد جاء في المادة 458 (1) (ج) من قانون العقوبات على أنه (كل شك معقول ( و وجود) الشك المعقول ) يفضي إلي براءة المتهم من الجريمة الحدية وحتى إذا وجد مثل هذا الشك في أي جريمة أخرى يحتم براءة المتهم منها ومعنى درء الحدود بالشبهات جاء أيضا في المادة 80 (2) من قانون الإثبات وذكرت هذه المادة أنه يعتبر من الشبهات الرجوع عن الإقرار واختلاف الشهود ورجوع الشاهد عن شهادته واضح أن كل ذلك يختلف تماماً عن ضرورة توفر نصاب الشهادة التي تثبت بها الجريمة الحدية
وثانيهما إذا برئ المتهم من المادة 339 عقوبات وعوقب فقط على الجرائم الأخرى التي ارتكبها وأدين بها ( وهي جرائم غير حدية وثابتة) يكون المتهم قد فلت من عقاب مناسب لفعل خطير ارتكبه ولو لم تكن الجريمة تحت المادة 339 عقوبات جريمة حدية كما في قانون العقوبات الملغي لتثبت التهمة عليه بتوفر البينة المباشرة وبالقرائن الدالة على ارتكابها وحتى لو قلنا أن القانون يبيح للمحكمة العليا إصدار أي عقوبة تراها مناسبة بتشديدها مثلاً (أنظر المادة 64 (3) و458 (3) من قانون العقوبات) فهنا ربما يجوز فقط في هذه الحالة بالذات إذ أن المتهم وجهة إليه تهم أخرى أقل خطورة من التهمة تحت المادة 339 عقوبات وأدين بها والسؤال الذي يتبادر إلي الذهن هو ماذا يكون الحال لو أن متهماً آخر لم يرتكب أي جريمة أخرى ولم توجه إليه أي تهمة أخرى غير جريمة النهب أي أنه قدم للمحاكمة تحت مادة واحدة (المادة 339عقوبات ) ولم تتوفر البينة الشرعية وفقاً لنص المادة 78 من قانون الإثبات ؟ مثل هذا المتهم يمكن أن يفلت من العقاب كلية إذا برئ من جريمة النهب المتهم فيها
الحل في نظري والذي يتوافق مع القانون وبالذات المواد 78 من قانون الإثبات و170 (1) من قانون الإجراءات الجنائية و458 (1) (أ) (ج) من قانون العقوبات هو أن ينص على جرائم الحدود كجرائم منفصلة وقائمة بذاتها وتترك الجرائم الأخرى الغير حدية والتي بالطبع لا تخالف الشرع الحنيف كما هي على غرار مشروع القانون المصري فقد نص مشروع القانون المصري على جريمة الحرابة بشروطها المتفق عليها برأي الأغلبية من الفقهاء وترك جريمة النهب (أو ما يعادلها) في قانون العقوبات كما هي وهكذا فعل في باقي الجرائم الحدية الأخرى وكذلك على غرار جريمة السرقة في قانون العقوبات فالمشرع السوداني نفسه نص في قانون العقوبات لسنة 1983على جريمة السرقة الحدية كجريمة منفصلة وقائمة بذاتها وتعاقب تحت المادة 321 (2) وترك جريمة السرقة العادية كما هي لتعاقب تحت المادة 321 (1) وبهذا حل الإشكال فيما يختص بجريمة السرقة بمعنى أنه إذا اتهم شخص بجريمة السرقة الحدية ولم تثبت التهمة ضده وفقاً لنص القانون (المادة 78 إثبات) يمكن أن يدان بالسرقة العادية تحت المادة 321(1) عقوبات دون كبير عناء ويعاقب وفقاً للعقوبة أو العقوبات المنصوص عليها فيها
وإذا حاولنا أن نحل المشكلة التي تواجهنا في القضية التي هي أمامنا الآن يجب أن نعتبر جريمة النهب المعرفة في المادة 332 عقوبات على أنها ليست جريمة الحرابة فقط أي ليست جريمة حدية فقط بل هي جريمة حدية (الحرابة) وجريمة غير حدية (النهب) أي أنه في حالة توفر نصاب الشهادة الشرعية يمكن إدانة المتهم على اعتبار أنها جريمة حدية ومن ثم توقع المحكمة العقوبة الحدية وإن لم يتوفر نصاب الشهادة الشرعية ولكن ثبتت التهمة بالبينات العادية كما هو الحال في القضية التي أمامنا الآن يمكن إدانة المتهم تحت نفس المادة( 339 عقوبات) على اعتبار أنها جريمة غير حدية هذا الرأي أي اعتبار جريمة النهب جريمة حدية وجريمة غير حدية لا يتعارض في نظري مع القانون إذ أن المشرع نفسه لم يسمها باسمها الشرعي (الحرابة) مثل السرقة الحدية أو القذف أو شرب الخمر (وأميل إلي القول بأنه قصد ذلك بالفعل) لكي لا يؤخذ بها على أنها جريمة حدية فقط وبالتالي عدم ثبوتها بالمعايير الشرعية (نص المادة 78 إثبات) يحتم براءة المتهم منها وبذا يفلت من العقاب كلية وحتى المذكرة التفسيرية للقانون والمنشور الجنائي رقم (96/83) لا يشيران إلي جريمة النهب على أنها جريمة حدية فقط وعلى ذلك وإن صح القول تكون التهمة تحت المادة 339 من قانون العقوبات قد ثبتت دون أي شك معقول بالبينة العادية فيما يختص بادعاء المتهم بأنه يعاني من أمراض نفسية فإنه لم يتقدم بالدفاع بالمرض العقلي (أو الجنون ) في أثناء محاكمته بل ذكر هذا عرضاً في صلب استئنافه لمحكمة الاستئناف كما أن محكمة الموضوع لم تسجل ما يفيد أنها لاحظت على المتهم أي آثار لمرض عقلي وإثارة مثل هذا الدفاع أمام محكمة الموضوع ضروري جداً حيث أنه وبرغم أن المتهم غير ملزم بإثبات الدفاع دون مرحلة الشك المعقول إلا أنه يتحتم عليه إيراد البينة الكافية بشهود أم بغير ذلك تدعم ادعائه بالمرض العقلي أو الجنون تحت المادة (50) من قانون العقوبات ثم إن والدته نفسها عندما تقدمت بطلب استرحام لمحكمة الاستئناف بتاريخ 21/12/1983 لم تذكر شيئاً في هذا الخصوص أي أن ابنها المتهم يعاني من مرض عقلي بل ذكرت ذلك في طلبها لهذه المحكمة مما يشير إلي أن هذا دفاع غير جاد وعلى أي حال فلا مجال إلي إثارة هذا الدفع الآن لكل ذلك تصح في نظري إدانة المتهم تحت المادة 339 عقوبات باعتبار أنها وفي هذه الحالة بالذات جريمة غير حدية وفيما يختص بالعقوبة بالقطع من خلاف فإنها غير صحيحة لعدم إثبات الجريمة الحدية ضد المتهم ولذا يمكن أن يعاقب المتهم عقوبة تعزيرية بالسجن مثلاً وإذا قيل أن ذلك يمكن أن يتعارض مع وضع العقوبة الحدية لنفس المادة وأنه لا يمكن أن يدان متهم في جريمة معينة ويعاقب بعقوبة أخرى غير العقوبة التي حددت للجريمة التي أدين بها (إلا بالطبع في حالة المادة 24 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 67 من قانون العقوبات وهي لا يقصد بها أن تكون عقوبة بالمعنى الضيق لكلمة عقوبة) يمكن الرد بأن عقوبة النفي التي وضعت (مع عقوبات أخرى) لجريمة النهب يمكن أن تتحقق بالسجن (أنظر المنشور الجنائي رقم 96) ولا يعني هذا أن يسجن المتهم سجناً مؤبداً لأن جريمة الحرابة لم تثبت في حقه
وفي نفس الوقت لا يمكن أن يقال أنه يمكن أن يدان شخص بجريمة ويعاقب بعقوبة أخرى غير المنصوص عليها في نفس الجريمة وفقاً لنص المادة 458 (3) من قانون العقوبات ففي نظري إن هذه المادة تتحدث فقط عن الحالات التي تثبت فيها الجريمة بالمعيار القانوني (أنظر المادة 78 إثبات) ولكن يدرأ الحد بالشبهات وتصدر العقوبة التعزيرية كبديل للعقوبة الحدية مثلاً في حالة ثبوت الجريمة بالإقرار وتم تأييد الإدانة إلا أن المتهم عدل عن إقراره أو رجع الشهود عن شهادتهم بعد تأييد الإدانة
لكل هذه الأسباب مجتمعة فإن الحل الأمثل في نظري هو مناشدة المشرع أن يجعل الجرائم الحدية جرائم منفصلة قائمة بذاتها كما سلفت إلي ذلك الإشارة فإذا ثبتت يعاقب المتهم بالعقوبة الحدية وإن لم تثبت ينظر في أمر إدانته في الجرائم الأخرى العادية التي تقابلها فإذا ثبتت بالبينة العادية يدان المتهم بها ويعاقب بالعقوبة المحددة لها
فيما يختص بالقضية التي أمامنا الآن فإنني قد سبق وقررت أن إدانة المتهم تحت المادة 339 عقوبات صحيحة ولكن فقط على اعتبار أنها غير حدية وبهذا أرى إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لتقدير وإصدار العقوبة المناسبة مع الأخذ في الاعتبار أيضاً خطورة الجريمة والأسلوب الذي اتبعه المتهم في تنفيذ مخططه وإلي طبيعة المتهم نفسه الإجرامية
أمر :
1- أويد الإدانة تحت المادة 339 من قانون العقوبات
2- الغي عقوبة القطع من خلاف
تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع لتقدير العقوبة المناسبة على ضوء هذه المذكرة

