حكومة السودان ضد / الزاكي تر كاوي عيسي
المحكمة العليا
القضاة
سعادة السيد/ صالح محمد علي عتيق نائب رئيس المحكمة العليا رئيسًا
سعادة السيد/ حسن محمود بابكر قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ رمضان على محمد قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد / الزاكي تر كاوي عيسي
م ع /م ك / 1/73
سعادة السيد هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا بالإنابة عضواً
حكومة السودان ضد/ الزاكي تر كاوي عيسي
م ع/ط ج/ 25/73
المبادئ:
قانون الإجراءات الجنائية – ممارسة سلطة التأييد والنقض في وقت واحد بواسطة المحكمة العليا – حق المحكمة العليا في مراجعة أحكامها وانقضاء ذلك الحق – المواد 251و 252
قانون العقوبات – حق الدفاع الشرعي عن النفس – نشوء الحق وشروط استعماله – التناسب في رد العدوان – لا دفاع ضد من يمارس حقه في الدفاع الشرعي عن النفس – المادة 56
قانون الإثبات – قبول وتجزئة الاعتراف القضائي
1) ينشأ حق الدفاع الشرعي عن النفس بعد استيفاء شرطين أولهما وجود عدوان حال أو وشيك الوقوع وثانيهما لزوم استعمال القوة لرد ذلك العدوان كما يحكم استعماله شرطان أولهما توجيه الرد إلى مصدر العدوان وثانيهما التناسب بين الرد والعدوان
2) يقاس تناسب الرد مع العدوان بالأخذ في الاعتبار بظروف الارتباك والخوف الناشئة من العدوان ولا يقاس بمقياس الرجل العادي في الظروف العادية
3) لا ينشأ حق الدفاع الشرعي عن النفس ضد فعل ارتكب في ممارسة مشروعة لحق الدفاع
4) إذا كان الاعتراف القضائي هو البينة الوحيدة التي توفرت أمام المحكمة ضد المتهم فان القاعدة تقضي بعدم تجزئة ذلك الاعتراف أما إذا كانت هنالك بينة أخرى فانه يمكن على ضوءها قبول جزء من الاعتراف وطرح الجزء الآخر
5) تحصر المحكمة العليا نفسها عند مباشرتها لسلطة التأييد في المسائل القانونية فقط بإمكانها مناقشة الوقائع متى ظهر لها أن ثمة إخلال واضح في تطبيق قواعد الإثبات
6) النقض درجة من درجات التقاضي يكون في يد المحكمة العليا بمثابة المعول تباشر به هدم الأحكام الخاطئة التي تصدر من المحاكم الأدنى وتقوم به ما يعوج من مقاييس العدالة
7) تباشر المحكمة العليا فيما يعرض أمامها للتأييد سلطة النقد والتأييد في مرحلة واحدة أخذة في اعتبارها كل الجوانب والتفاصيل التي تتعلق بالموضوع
8) تملك المحكمة العليا حق مراجعة قراراتها السابقة إذا تبين لها وجود خطأ فيها على أن يتم ذلك خلال الأشهر الثلاثة اللاحقة لصدور القرار المعين وإلا اصبح باتا نهائيا
المحامون :
محمد علي المرضي عن المتهم
علي محمود حسنين وسعد ياجى عن أقارب المجني عليه
الحـكـم :
م ع/م ك/1/73
15/3/1973م
هذه إجراءات محكمة كبري رقم 223/73 مديرية كردفان أرسلت للتأييد طبقا للمادة 251 (المعدلة) من قانون الإجراءات الجنائية مقروء مع المادة 95 (5) من قانون السلطة القضائية لسنة 1972 ويصاحب الإجراءات استئناف ضد قرار الإدانة قدم من المتهم بواسطة محاميه وفقا للمادة 252(المعدلة) من قانون الإجراءات الجنائية
في يوم 8/2/1972ادانت محكمة كبري انعقدت في رشاد المتهم بارتكاب جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات وقضت بإعدامه شنقا حتى الموت
ثابت قطعا باعتراف المتهم منذ وقت القبض عليه وفي يوم الحادث وحتى ظهوره أمام المحكمة الكبرى وبشهادة شاهد الاتهام الثاني انه أصاب المجني عليه بسكين بكل تلك الطعنات التي توضحها التقارير الطبية وتوضحها كذلك شهادة الطبيب الذي حرر تلك الشهادة التي أدلى بها (كشاهد ثالث للاتهام) أمام قاضي محكمة الإحالة واكتفت بها المحكمة الكبرى
وتثبت شهادة الطبيب هذه وكذلك التقارير الطبية التي حررها اثر الكشف على المجني عليه ومراقبته ومعالجته حتى وقت الوفاة بعد حوالي ستة أيام من تاريخ الحادث أن الطعنة التي أصابت البطن قد سببت الوفاة مباشر دون تدخل أي سبب أخر قطع رابطة السببية بين الفعل والنتيجة وذلك على النحو المفصل في البينة الطبية
لقد لجاء المتهم لسلاح قاتل بطبيعته هو السكين وسدد طعنة غائرة في مقتل من جسم المجني عليه هو البطن ولا بد انه استعمل قوة كبيرة في التسديد وذلك بدليل الاثار التي أحدثتها الطعنة والتي توضحها البينة الطبية والاستنتاج المعقول الوحيد المستقي من استقراء هذه الظروف هو أن المتهم بفعله ذاك قد كان يقصد تسبيب موت المجني عليه وقت تصرفه ومن ثم وبصفة مبدئية فقد ارتكب المتهم جريمة القتل العمد
سبب الإباحة المدفوع به هو حق الدفاع الشرعي عن النفس وذلك على النحو المفصل في أسباب الاستئناف البارعة المركزة الوافية التي قدمها لنا محامي المتهم السيد محمد علي المرضي
الثابت وراء مرحلة الشك المعقول أن العلاقة بين المتهم والمقتول سيئة بدرجة بلغت حد القطيعة وذلك منذ فترة تربو على العام قبل تاريخ هذا الحادث
والإثبات واضح الدلالة على أن المقتول كان فيما مضي من مناسبات هو المبادر والبادي باستفزاز المتهم وفي مواضيع حساسة وفي صباح يوم 29/11/1971 خرج المتهم وشاهد الاتهام الثالث سريا من مكان عملهما المشترك صوب القرية لتناول وجبة الإفطار واثناء سيرهما لحق بهما المجني عليه وهو يعمل مهما في ذات المؤسسة وساروا ثلاثتهم صوب القرية وبعد أن عبروا الخور كان المتهم قد فارقهم واتجه ناحية الشمال صوب منزله بينما اتجه المجني عليه وشاهد الاتهام الثالث ناحية اليمين وسارو سويا في ذلك الاتجاه لمسافة ما وبعد ذاك افترق المجني عليه عم زميله وسار وحيدا في الاتجاه والطريق الذي سلكه المتهم من قبل كان المتهم وقتها يحمل عصاه في يده طولها 32 بوصة ووزنها نصف رطل ويضع سكينا بجفيرها في ذراعه كالمعتاد في تلك البينة لم يكن المقتول وقتها يحمل أي سلاح بعد فترة قصيرة سمع شاهد الاتهام الثاني صوت ضربات متعددة اعتقد أن شخصا يضرب ثعبانا وقرب منزله رفع رأسه وشاهد عمامة المتهم حمراء من اثر الدم وعندما أسرع للشارع لاستجلاء حقيقة ما يجري وهنالك شاهد المتهم يطعن المجني عليه على ظهره ورأي أمعاء المجني عليه خارج بطنه فرق بينهما وانهي العراك واخذ المتهم لمركز البوليس وحسب شهادة هذا الشاهد فانه حتى وقت التفريق بين المتهم والمجني عليه فان الأخير كان واقفا على قدميه وكان هناك تماسك قائم وحال أن يركز قوة إمساكه به هذه الوقائع الهامة والأساسية للمشهد الأخير بعد انتهاء العراك هي وقائع ثبتت وراء مرحلة كل شك بشهادة شاهد الاتهام الثاني هذا أن ما جرى بعد أن فارق المجني عليه شاهد الاتهام الثالث ولحق بالمتهم وحتى حضور شاهد الاتهام الثاني لا يعرف غير المتهم والمجني عليه وحدهما أن قاعدة عدم تجزئة الاعتراف التي تعرضت لها المحكمة الكبرى إنما تنطبق عندما يكون اعتراف المتهم هو البينة الوحيدة المتوفرة أما إذا كانت هناك بينة أخرى متوفرة ظرفية أو مباشرة فانه يمكن وفقا لها وعلى ضوئها
تجزئة الاعتراف بقبول بعضه ورفض بعضه الآخر لكن ما فات على الحكمة الكبرى ملاحظته هو أن اعتراف المتهمة ليس البينة الوحيدة المتوفرة عن كيفية بدء هذه الحادثة ومسيرة وحتى حضور شاهد الاتهام الثاني هناك بينة أخرى مقبولة قانونيا في هذا الصدد بصرف النظر عن تصديقنا لها منعدم ذلك إذ هذا أمر مختلف تماما هي أقوال المجني عليه كشخص محتضر والتي يثبت صدورها منه شاهد الاتهام الأول والمسجلة بواسطته على الصفحتين الأولى والثانية من يومية التحرري هنالك أقوال أخرى سجلت للمجني عليه ولكن مسجليها لم يحضروا للشهادة عن صدورها من المجني عليه كشخص محتضر لكننا والوضع هكذا توافق المحكمة الكبرى في تصديق رواية المتهم هما حدث دون رواية المجني عليه ذلك أن رواية المتهم وجدت زمنا أطول خضعت خلاله للتمحيص الذي تبين منه تماسكها في جوهرها وأساسها بينما رواية المجني عليه لم تجد فرصة التمحيص هذه ولم تصدر على اليمين وبحضور المتهم كما كان ينبغي وذلك لغرض تقييم أمر تصديقها (قبولها كبينة قانونية أمر أخر وثانيا لان الإثبات يوضح أن المقولة في ماضي من زمن قبل الحادث كان البادي باستفزاز المتهم وهذا يوضح سلوكا له يتفق ورواية المتهم دون رواية المجني عليه وثالثا والعداء والقطيعة بين المتهم والمجني عليه ثابت فلماذا بادر المقتول باللحاق بالمتهم الذي اتخذ طريقا أخر نه إذا لم يكن ينوي شرا خاصة وكلا الطريقين ( الشمال واليمين ) يمكن أن يؤدي به إلى منزله ؟ بالإضافة إلى هذا فإننا نقول إذا كان اعتراف المتهم واقوال المحتضر هي كل البينة المتوفرة بصدد واقعة مؤثرة وتناقضت أقوالها بصدد هذه الواقعة المؤثر وانعدام أي إثبات أخر مباشر أو ظرفي يعين في تصديق رواية هذا أو ذاك
فان المتهم هو الذي يستفيد من هذا الموقف وتصدق أقواله ذلك أن الموقف بصورته هذه يعني فشل الاتهام في إثبات ركن أو أركان من الجريمة بعد مرحلة الشك المعقول وهذا واجب يقع عليه قانونا وحده ويعني أيضا إذا كان الأمر يتعلق بسبب اباحة مثل حق الدفاع الشرعي أن شكا معقولا قد وجد في ذهن المحكمة بصدد توافر تسبب من أسباب الإباحة لصالح المتهم ومن ثم يتعين بمستوي الإثبات هذا أن يستفيد المتهم من سبب الإباحة ذلك
نخلص من كل هذا إلى القول بان ما حدث بين الفريقين منذ التقائهما وحتى وقت حضور شاهد الاتهام الثاني تثبته بعد مرحلة الشك المعقول اقول المتهم ووفق هذا الثابت وراء مرحلة الشك المعقول أن العلاقة بين المتهم والقتيل سيئة لدرجة القطيعة عبر ما يربو على العام قبل تاريخ هذا الحادث
في ذلك اليوم وبعد الخور فارق المتهم شاهد الاتهام الثالث والمجني عليه واتجه شمال صوب منزله بعد قليل ترك المجني عليه زميله وسلك الطريق الآخر الذي يسير فيه الاتهام ولحقه وهناك –والمتهم يحمل عصاه ويلبس سكينا في ذراعه – فان المجني عليه ( لا يحمل أي سلاح) تعمد التحرش بالمتهم
ومن هذا المنطق فان المقتول دفع المتهم بكتفه وتقدمه أنب المتهم المجني عليه على فعله غير المناسب ذلك عندها فان المجني عليه عاد سائرا نحو المتهم مواجها له حتى وصله وفي هذه اللحظة فان المتهم ضرب المجني عليه ضربا خفيفا من عصاته وهى ضربات لم تترك اثر في جسم المتهم حسب شهادة الطبيب عند ذلك انتزع المجني عليه – هو اكبر حجما واقوي بنية من المتهم – العصاة منا المتهم وصار يضرب بها – العصاة تزن نصف رطل ويقارب طولها المتر – حتى تكسرت على جسم المتهم وتركت آثار على جسمه والضرب واقع على المتهم ومستمر بالعصاة ذات الأوصاف تلك فان المتهم لجا إلى السلاح الوحيد المتاح له وقتها هو السكين التي كان يلبسها في ذراعه استلمها وسدد بها طعنة واحدة للقتيل في بطنه – وهي وحدها التي سببت الوفاة عند ذلك تماسكا متعاركين وفي ملاواة لنزع السكين فإنها أحدثت جرحا غائرا في إصبع يد المقتول اليسرى استمر التماسك والتلاصق والمدافرة بينهما – والمقتول اكبر حجما من المتهم واثناء ذلك وهما متماسكان متواجهان وأيدي المتهم من خلف القتيل فان المتهم سدد طعنات عديدة من سكينة للمقتول كانت الطعنات كلها من الخلف على الظهر وكانت جميعها طعنات طفيفة وسطحية ولا اثر لها ألبته في إحداث الوفاة حسب شهادة الطبيب ورغم ذلك استمر التماسك والعنف بين المتهم والمجني عليه حتى حضر شاهد الاتهام الثاني وفرق بينهما واخذ المتهم للبوليس وحتى لحظة النهاية هذه فان التماسك كان قائما وكان كلاهما يقف على قدميه وذلك على النحو الموضح في شهادة شاهد الاتهام الثاني
بعد استعراض هذه الوقائع الثابتة نستعرض بعض المبادئ القانونية المستقرة ذات الصلة بها هو معروض على هذه المحكمة أن المتهم لا يلزم بان يثبت فوق مرحلة الشك المعقول انه كان في حالة الدفاع الشرعي يكفيه أن يثير في ذهن المحكمة شكا معقولا – أو حتى أن يثير الإثبات المقدم هذا الشك المعقول دون تدخل من المتهم – انه كان في حالة ممارسة لحق الدفاع الشرعي
أن لحق الدفاع الشرعي شرطي نشوء الحق ووجوده فان استعماله في حدود القانونية له أيضا شرطا استعمال شرطا النشوء أول وجود عدوان حال أو وشيك الوقوع بمعني ذلك القانوني الوارد النص عليه في المادة 56من قانون العقوبات وثانيها لزم قوه لرد العدوان ويدخل في هذا الشرط الثاني عوامل عدة أيهمها دم وجود وقت كاف يسمح للمتهم باللجوء إلى حماية السلطات العامة متى توفر هذان الشرطان فان حق الدفاع الشرعي قد نشأ ووجد الأمر الذي يبرر للمعتدي عليه استعمال قوة لرد العدوان ولكن الاستعمال أيضا يحكمه توفر شرطين أولهما أن يوجه الرد إلى مصدر العدوان وثانيهما وجود التناسب بين الرد والعدوان وفق ضوابط المادتين 58و61 من قانون العقوبات
في هذه القضية فان الأخذ بالكشف الذي صدر من المجني عليه ابتداء على جسم المتهم يشكل – في ظل سوء العلاقة بينهما – عدوانا يمس جسمه في صورة جريمة استعمال القوة الجنائية وبما أن المقتول سار عقبها فالعدوان عند ذلك الموقف لم يعد قائما لكن عودة المقتول بعد ذلك في ظل تلك الظروف مباشر صوب المتهم لا شك يشكل عدوانا منه يؤثر في جسم المتهم في صورة جريمة جنائية هي جريمة التهجم وإذن وفي تلك اللحظة فقد وجد عدوانا بكل معناه القانوني وشيك الوقع على جسم المتهم من قبل المجني عليه وفي ظل تلك الظروف فيلزم استعمال قوة لرد العدوان ذاك إذ أن المتهم لا يلزم قانونا في مثل هذه الحالة بان ينسحب أو يهرب فارا من وجه المعتدى وأت في ذلك الموقف فقد نشأ للمتهم حق دفاع شرعي عن نفسه لرد عدوان القتيل ذاك فكيف استعمل المتهم ذلك الحق الذي نشأ لصالحه ؟ لقد وجه المتهم الرد ضد مصدر العدوان ومع انه كانت لديه سكينا فقد استعمل عصاته استعمالا خفيفا بدليل أن ضارباته لم تترك اثر علي جسم المجني عليه الذي هو اقوي منه بينة ولذلك فالتناسب موجود بين الرد والعدوان لان المتهم بفعله ذاك لم قوة تزيد على ما هو ضروري لرد الاعتداء وإذا فالمتهم قد استعمل الحق الذي نشا له استعمالا مشروعا ذلك انتزع المجني عليه عصاه المتهم وضربه بها ضربة ترك أثره على الجسم حتى تكسرت العصاة وفي أثناء الضرب بالعصاة وقعت طعنة البطن التي أدت إلى الوفاة لوحدها في هذا الموقف الأخير فان حق الدفاع الشرعي الذي نشأ للمتهم من قبل قد ظل موجود وقائما لكن في مواجهة اعتداء اخطر من الأول ولا مجال والموقف هكذا للمجني عليه أن يدعي أن ضربه للمتهم كان ممارسة لحق دفاع له ضده ذلك أن القانون مستقر في انه لا يوجد حق دفاع شرعي في مواجهة الشخص الذي يمارس حقه في الدفاع ذات الوقت ولقد استعمل المتهم الحق الذي نشأ له استعمالا مشروعا لقلد وجه الرد ضد مصدر العدوان بصدد التناسب بين الرد ذاك والعدوان الذي كان قائما – وهو الضرب بالعصاه تلك – فان التقييم لا يكون وفق قواعد ذهبية جامدة لشخص يجلس مستريحا بعيد عن الاضطراب والتخوف والارتباك الذي يحدثه عادة جو العراك يتعين أن يكون تقييم التناسب في ظل ظروف العراك والتخوف والاضطراب والارتباك الذي يسود عادة في مثل تلك اللحظات غير صحيح إذن عزل التناسب اللازم من جو العراك القائم وجره لمقاييس رجل يجلس بعيدا عن ذلك وفي هدوء فقد وجد المتهم نفسه تحت عدوان من شخص اكبر منه حجما واقوي منه بنية والعلاقات بينهما تعاني نوعا من السوء لمدة مضت كان المجني عليه في ظل هذه الظروف يستعمل عصاه تزن نصف الرطل ويبلغ طولها 32 بوصة وكرد للعدوان واثناء قيامه سدد المتهم طعنة واحدة قاتلة في البطن ووفق المعايير المساقة في هذه المذكرة فان المتهم في ظل سائر الظروف لم يستعمل بفعله ذاك قوة تزيد عن اللازم لغرض الدفاع بل أن الاعتداء بوصفه ذاك وبالته تلك وفي ظروفه السابقة والقائمة هو اعتداء يسبب للمتهم تخوفا معقولا بان الأذى الجسيم على الأقل سينتج له من جرائه أن العبرة في ذلك ليست بالنتيجة التي حصلت فعلا إنما بالنتيجة التي كان يمكن أن تحصل كنتاج للتخوف المعقول من الاعتداء ومن ثم فيحق للمتهم في هذه الحالة أن يمتد في ممارسة حقه في الدفاع إلى درجة تعمد أحداث موت المعتدي حسب نص المادة 61(أ) عقوبات
الطعنات الطفيفة السطحية التي حصلت على الظهر اثنا التماسك والعنف اليدوي إنما تمت أيضا وحق الدفاع قائم لان الاعتداء كان ما زال قائما وتلك الطعانات الطفيفة تشكل استعمالا مشروعا للحق كرد على درجة العدوان الذي كان قائما وقت تسديدها التناسب بينهما قائم تماما
لكل هذه الأسباب فإننا نقرر أن المتهم كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه واستعمل حقه استعمالا مشروعا ومن ثم فلم يرتكب أي جرم جنائي وذلك تطبيقا للمادة 55 من قانون العقوبات
لذلك فإننا نلغي قرار المحكمة الكبرى القاضي بإدانة المتهم بجريمته تحت المادة 251 من قانون العقوبات ونستبدله بقرار ببراءة المتهم من جريمة تحت هذه المادة ومن أية جريمة أخرى وخامر بإطلاق سراحه فورا
م ع/ ط ج/ 25/73
6/8/1973م
الطلب المقدم لنا يختص بقضية المدعو الذاكي تر كاوي عيسي التي نظرتها محكمة كبرى في رشاد برئاسة السيد مالك الريح حامد والتي صدر فيها قرار بتاريخ 8/12/1972 يدينه تحت المادة 251 من قانون العقوبات وحكمت عليه بالإعدام شنقا حتى الموت
الإجراءات رفعة للمحكمة العليا وفقا للمادة 251 من قانون الإجراءات الجنائية مقرونة بالمادة 15(5) من قانون السلطة القضائية لسنة 1972 ( قبل إلغائه) – وكان هنالك أيضا استئناف بموجب المادة 252 من قانون الإجراءات الجنائية ( المعدل) من محامي المتهم
باشرت المحكمة سلطتها الممنوحة لها في التأييد معطية الاعتبار اللازم للطلب المقدم من محامي المتهم والذي أطلق خطا اسم (المستأنف) أصدرت قرارها رقم م ع / م ك /1 –1973 المؤرخ 15/3/1973 الذي يقتضي بتبرئة المتهم واطلاق سراحه
الطلب الحالي المؤرخ 5/5/1973 هو من أهل المجني عليه بواسطة محامي ارتكزت علي النقاط التالية:
1) أن قرار المحكمة العليا الأخير المشار إليه والذي يقضي بتبرئة المتهم والإفراج عنه صدر من المحكمة بصفتها المؤبدة – أو التي ترفض التأييد بالنسبة لاحكام الإعدام بالسجن المؤبد
2) هذه المحكمة العليا لديها صفة وصلة أخرى بموجب المادة 10(ب) من قانون السلطة القضائية لسنة 1972 (الملغي) وهي سلطة نظر الطعون بالنقض في المواد الجنائية
3) سلطة التأييد أو عدم التأييد (التي باشرتها المحكمة) تختلف عن سلطتها الأخرى كمحكمة للنظر في الطعون بالنقض – إذ أنها في المرة الأولى تناقش الوقائع والقانون تلقائيا وبدون طلب – وفي دورها الثاني لا تتحرك المحكمة ألا بطلب يقدم لها من الطرف المضرور وتتقيد المحكمة هنا بمناقشة القانون دون الوقائع
4) المجال ألان مفتوح أمام الطرف المضرور (أهل المجني عليه) لتحريك المحكمة للنظر في القرار الذي أصدرته بتبرئة المتهم وذلك عن طريق تقديم طعن بالفقض ذلك القرار جميع هذه النقاط مبنية على فهم خاطى للوضع الاسبق والسابق والحالى لقانون الاجراءات الجنائية فى بابه الرابع والعشرين الخاص باجراءات التأيد والاستئناف وإعادة النظر قانون السلطة القضائية لسنة 1972(الملغي ) لم يلغ شيئا من قانون الإجراءات الجنائية سوى انه منح السلطات التي كانت مخولة للسيد رئيس القضاء إلى المحكمة العليا ثم نص على انشأ دائرة بالمحكمة العليل للنظر في الطعون بالنقض في المواد الجنائية وترك كل نصوص الإجراءات الجنائية معمولا بها كما كانت من قبل حسب تلك النصوص فان كل حكم بالإعدام أو السجن المؤبد يجب رفعه للمحكمة العليا للنظر في تأييده والمحكمة عند مباشرتها لسلطة التأييد تأخذ في الاعتبار أي طلب يقدم لها فيما يختص بالحكم الصادر متى ما استوفيت مقتضيات المادة 252من القانون
والمحكمة العليا عند مباشرتها لسلطتها بالنسبة للمواد الجنائية ليست محكمة قانون فقط بل تناقش أيضا الوقائع متى ما ظهر لها إخلال واضح في تطبيق قواعد الإثبات
حاصل الطعن المقدم ألان هو أن السيد محامي أهل المجني عليه يريد أن يلتمس من المحكمة العليا أن تباشر اختصاصها مرتين فيما يتعلق بالمواد الجنائية التي يصدر فيها حكم بالإعدام أو السجن مدي الحياة مرة كسلطة للتأييد تناقش الوقائع والقانون ومرة ثانية كمحكمة للنقض تنظر في أي طعن يقدم لها في نفس تلك القضية وتناقش فيه النقاط القانونية فقط وهذا رأي لا أساس له وغير متصور فقهيا ولا قانونيا ولا قضائيا
النقض كدرجة من درجات التقاضي هو بمثابة معول تهدم به المحكمة العليا الأحكام الخاطئة التي تصدر من المحاكم الأدنى درجة وقيم به ما يعوج من مقاييس العدالة في تلك المحاكم ولكنه غير صالح للتطبيق في الأحكام والقرارات الصادر منها والمحكمة العليا عند فحصها لآيه قضية تأخذ في الاعتبار كل الجوانب وتدرس كل التفاصيل وتباشر سلطتيها اللتين أشار إليهما مقدم الطلب تباشرهما في وقت واحد وكسلطة واحدة ويكون لها رأي واحد وقرار واحد لا يمكن فصله أو تجزئيه
أن تعديل قانون التحقيق الجنائي الأخير قانون رقم 23 لسنة 1973 جاء اكثر وضوحا في هذه الناحية الخاصة بقضايا المحاكم الكبرى التي يصدر فيها حكم بالإعدام أو السجن مدي الحياة إذ نصت المادة 251على أن كل حكم يصدر من محكمة كبرى بإحدى عقوبتي الإعدام أو السجن مدي الحياة يجب عرضه علي المحكمة العليا للتأييد ثم نصت المادة 252 (ج) على أن تختص المحكمة العليا بالطعن بالنقض في القرارات التي تصدرها محكمة الاستئناف بموجب المادتين 252(أ) على ان تختص المحكة العليا بالطعن بالنقص فى القرارات التي تصدرها محكمة الاستئناف بموجب المادتين 252(أ) و252(ب) الخ وباستقرار هاتين المادتين والمواد 252(أ)و252(ب) نتوصل إلى أن القضايا المحكومة فيها بالإعدام أو السجن مدي الحياة منحها المشرع وضعا خاصا وجعلها غير خاضعة لقيود إجراءات النقض وفرض ضرورة عرضها على المحكمة العليا سواء كان هناك طلب مقدم فيها أم لم يكن أطلق يد المحكمة العليا فيها لتباشر فحص ومناقشة الوقائع والقانون فيها وليس القانون وحده
وهذه السلطة كما ذكرن لا تتحمل التجزئة ولا تباشرها المحكمة في مرحلتين بل في مرحلة واحدة وبصورة متكاملة
لقد فرقت المحكمة من النظر في الحكم الصادر من هذه القضية وناقشته وقائع وقانونا – أصدرت قرارها بالغا وبرأت المتهم وأمرت بالإفراج عنه وهو قرار نهائي بات لا سبيل للتحدث عن التقدم بنقض ضده لقد كان من الممكن للمحكمة بموجب المادة 257 من قانون الإجراءات الجنائية أن تراجع نفسها إذا ما ظهرت لها بينات أخرى دامغة تشير إلى خطا في ذلك القرار في خلال الثالثة اشهر التالية لصدوره أما ألان وبعد انقضا هذه الفترة فقد استقر ذلك الحكم استقرارا نهائيا ولا سبيل للتعرض له إطلاقا لذا نأمر بشطب الطلب

