حكومة السودان //ضد// إ . س . ح .ا م ع/ غ إ/إعدام/59/2010م
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ محمــد حمـــد أبوســن
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد/د.عبدالرحمن محمد عبدالرحمن شرفي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد/محجــوب الأمـين الفكــي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد/ عبـد الله العــوض محمــد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد/ الرشيـد التـوم محمـد خـير
قاضي المحكمة العليا
عضواً
حكومة السودان //ضد// إ . س . ح .ا
م ع/ غ إ/إعدام/59/2010م
قانون الإثبات لسنة 1994م – التحليف – متى يصار إليه - المادة (41) من القانون – الطعـن في المستندات الرسمية بالتزوير – ليست مطلقة – بيانات المستندات الرسمية – اختلاف حجيتها – ما يجوز وما لا يجوز الطعن فيه.
المبادئ:
1- التحليف إنما يصار إليه مع الإنكار المجرد لا في حالة النفي المنضبط المحصور.
2- إن القاعدة المانعة من الطعن في المحررات الرسمية إلا بالتزوير ليست مطلقة بحيث تشمل كل ما دون بالمحرر الرسمي حيث إن المستندات الرسمية تشتمل على نوعين من البيانات وتختلف حجية كل منها عن الأخرى.
3- البيانات التي لا يجوز الطعن فيها إلا بالتزوير هي تلك التي يتولى الموثق ضبطها مما تدخل في علمه وتحت سمعه وبصره خلال إجراءات التوثيق، أما البيانات التي تدخل إلى علم الموثق عن طريق الحكاية فيثبتها الموثق بنحو ما أدلى بها أصحابها دون التبين من صحتها في حقيقة الأمر ، فيجوز إثبات عكسها بكافة طرق الإثبات المقررة قانوناً.
الحكــم
القاضي: عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي
التاريخ: 14/4/2010م
بتاريخ 19/2/2009م أصدر قاضي الدرجة الثانية بمحكمة جنايات الرهد حكمه بإدانة المتهمين الأولى ... ... ... والثاني ... ... ... تحت المادة (151) من القانون الجنائي لسنة 1991م ، وقضت بمعاقبتهما بالغرامة مائة جنيه لكل واحد منهما وبالعدم بالسجن لمدة شهر اعتباراً من تاريخ الحكم في 19/2/2009م.
كان ذلك بناءً على وقائع الدعوى التي تتلخص في أن المشتكي ... وهو والد المتهمة الأولى المذكورة قد أبلغ الشرطة بأنه قد زوج ابنته المتهمة ... إلى المتهم الثاني المذكور قبل اثنتي عشر ة سنة وأنها قد أنجبت منه أطفالاً ، ثم طلقها ثلاث طلقات ثابتة وفقاً لوثيقة الطلاق رقم 9753 . دفتر رقم 13 محاكم شرعية الصادرة في 28/4/2007م على يد المأذون حسب الرسول حسن مأذون ناحية أجري التابعة لمحكمة الرهد الشرعية ، وبعدئذٍ ودون أن تتزوج بزوج آخر ، يتزوجها زواجاً شرعياً ثم يطلقها بعد الدخول بها ومعاشرتها بالوجه الشرعي ، قام المتهم الثاني بإرجاع مطلقته ثلاثاً إلى عصمته وعاشرها معاشرة الأزواج وأنجب منها طفلين هما ... وعمره 5 سنوات و... وعمرها سنتان وطلب الحكم عليهما بما يجب عليهما شرعاً ، وقد دفع المتهم الثاني الدعوى الجنائية بأن الطلاق الذي بينهما طلقتان وليس ثلاث طلقات حيث إن الطلاق الثالث قد أوقعه أخوه ولم يرض المتهم الثاني بذلك الطلاق ولا أجازه ، وبعد استفتاء أهل المعرفة تمّ إرجاعهما لبعضهما أمام كثرة من الشهود بوساطة الفكي بابكر وبأنه أنجب منها بعدئذٍ طفلين شرعيين . وبعد انتهاء التحريات والتحقيقات اللازمة قدمت الأوراق للمحاكمة التي خلصت إلى الحكم المذكور ، حيث إن قاضي الدرجة الثانية قد أجرى التحقيقات كافة في مرحلة المحاكمة بالاستماع إلى المتحري والشاكي وإلى شهود الاتهام وباستجواب المتهمين وتوجيه التهمة إليهما تحت المادة (145) من القانون الجنائي لسنة 1991م ومخاطبتها بالتهمة ثم بالاستماع إلى شهود الدفاع خلوصاً إلى الإدانة والعقوبة المذكورتين على سند من القول بأن المتهمين المذكورين قد اعتقدا مشروعية استدامة الحياة الزوجية بينهما بعد إرجاعهما لبعضهما وأنهما قد باشرا العملية الجنسية كزوجين بينهما وأنجبا طفلين نتيجة ذلك الوطء الذي وقع بينهما ، الأمر الذي يجعلهما يستفيدان من الشبهة الدارئة لحدّ الزنى ومن ثم كانت إدانتهما تحت المادة (151) من القانون الجنائي لسنة1991م وليس بالمادة محل الاتهام – أي المادة (145) من القانون الجنائي لسنة1991م.
استؤنف الحكم المذكور لدى قاضي المحكمة الجنائية العامة الذي أصدر حكمه بإلغاء الإدانة تحت المادة (151) من القانون الجنائي لسنة 1991م وبإلغاء عقوبة الغرامة وبإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لمراجعتها وفق المذكرة مع السماح لها بسماع بينة حول الإحصان أو عدم الإحصان بالنسبة للمتهم الثاني ، حيث إن قاضي محكمة الجنايات العامة قد اعتبر أنه أمام واقعة زنى لا جدال فيها – على حد تعبيره – وبأن المتهم الثاني قد أقر بالطلاق الثالث أمام المأذون حسب الثابت بوثيقة الطلاق المشار إليها آنفاً وبأن المتهم الثاني اتصل بالمتهمة الأولى جنسياً بعد الطلاق الثالث دون أن يتم التحليل بالوجه الشرعي ولأن الجهل بالقانون لا يُعدّ عذراً وبأن إدانتهما يجب أن تكون تحت المادة 145(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م وقد أضافت محكمة الجنايات العامة في أسباب حكمها بأن تطبق على المتهمة الأولى أحكام المادة 146(ب) من القانون الجنائي لسنة 1991م لأنها لا تُعدّ محصنة حيث لم تكن لحظة ارتكاب الجريمة في عصمة رجل ثانٍ ولأن العبرة في الإحصان هو قيام الزوجية الصحيحة وقت ارتكاب الزنى حسب نص المادة 146(3) من القانون الجنائي لسنة 1991م بينما أن المتهم الثاني ربما كانت له زوجة أخرى وقت ارتكاب الجريمة فإن ثبت ذلك فتطبق بشأنه المادة 146(أ) من ذات القانون وإلاّ فتطبق بشأنه أحكام المادة 146(ب) من ذات القانون في حالة عدم ثبوت الإحصان في حقه.
استؤنف قرار محكمة الجنايات العامة لدى محكمة استئناف ولاية شمال كردفان بوساطة المتهمين المذكورين فأصدرت حكمها في 20/5/2009م بتأييد قضاء محكمة الجنايات العامة وبشطب طلب الاستئناف – وذلك على سندٍ من القول بأن مستند الاتهام رقم (1) أي وثيقة الطلاق المشار إليها آنفاً يعتبر واضحاً ولا غموض فيه حيث إنه يفيد حدوث الطلاق الثالث وليس ما يدفع به المتهم الثاني سوى مراوغة من هذه الحقيقة – على حدّ تعبيرها – ومن ثم خلصت إلى تأييد حكم محكمة الجنايات العامة.
بعد إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع ، سار فيها مرة أخرى قاضي الدرجة الثانية – بديل – وقام بالتحقيق بشأن الإحصان حيث ثبت إحصان المتهم الثاني ، وعندئذٍ أحالها إلى قاضي المحكمة العامة الذي قام بإجراء التحقيقات اللازمة في الإحصان فقط – مع البناء على كل الإجراءات التحقيقية السابقة - ، وبعد ثبوت الإحصان في حق المتهم الثاني أصدر حكمه في 9/3/2010م بإدانة المتهمة الأولى تحت المادة 146(ب) من القانون الجنائي لسنة 1991م وبإدانة المتهم الثاني تحت المادة 146(1)(أ) من ذات القانون وقضى بمعاقبة المتهمة الأولى بالجلد مائة جلدة بالسوط حدّأً وبمعاقبة المتهم الثاني بالإعدام رجماً حتى الموت حدّاً – وبرفع الأوراق إلى المحكمة العليا بعد انتهاء مدة الاستئناف للتأييد وفقاً لأحكام المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م وبوقف تنفيذ الجلد للمدانة ... ... إلى حين انقضاء مدة الاستئناف -. [ تم تنفيذ الجلد عليها في ذات يوم صدور هذا الحكم في 9/3/2010م بطلبها – على حدّ تعبير قاضي المحكمة الجنائية العامة ] – ورفعت الأوراق إلى المحكمة العليا لتأييد الحكم الحدي الصادر في حق المتهم الثاني – أو خلافه – وفقاً لمقتضى المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م.
" الأسباب "
الحكم المرفوع إلينا بالمحكمة العليا – للتأييد أو خلافه – قد استوفى شرائط المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م من حيث نوع العقوبة المحكوم بها في حق المتهم الثاني ... ... ومن حيث اكتسابه لصفة النهائية.
وفي موضوعه فقد خلصت دراستنا للأوراق والأقوال والأدلة المطروحة بهذه الدعوى الجنائية ، إلى أن المحاكم الأدنى بمختلف مراحلها قد جانبت الصواب فيما قضت به ، ونبيّن بتفصيل أسباب مجانبتها للصواب ، ذاكرين بأننا سوف نتعرض خلال المناقشة لأوضاع المتهمين سوياً ، فذلك ما تفرضه طبيعة الدعوى والروابط الجامعة بين مركزي المتهمين والتي لا تنفصم عن بعضها في التهمة المرفوعة بها الدعوى -. وفيما يلي نبيّن أسباب مجانبة المحاكم الأدنى للصواب:
أولاً: الثابت الذي لا مراء فيه هو أن المتهمين الأولى والثاني قد تزوجا منذ حوالي اثنتي عشرة سنة ، وحدثت بينهما طلقات – عددها محل النزاع في هذه الدعوى الجنائية – وقد أنجب المتهمان من زواجهما أطفالاً ، اثنان منهما –وهما ... و ... – مختلف في كونهما على فراش الزوجية الصحيح أم من زوجية باطلة فيكونان في هذه الحالة الأخيرة من سفاح يوجب حدّ الزنى في حق المتهمين -. ولعمري فقد أحزنني بحق أن أغفلت المحاكم الأدنى بدءاً من الدرجة الثانية ثم المحكمة العامة ثم الاستئناف ، التحقق بالتحقيق والاستقصاء القضائي الدقيق عن وجه الحقيقة في أمر جوهري حاسم – وهو المتمثل في الطلقات محل النزاع وهل هما طلقتان كما يدعيها المتهمان أم ثلاث طلقات كما يدعيها الشاكي الذي يحسب أن المتهمين قد أرجعا إلى بعضهما بعد ثلاث طلقات من غير حدوث التحليل بالوجه الشرعي فأنجبا بعدئذٍ طفلين من غير رباط شرعي.
إن الشاكي قد أسس شكواه بأن المتهم الثاني قد طلق ابنته المتهمة الأولى ثلاث طلقات دون أن يكون قد عاين تلك الطلقات ، بل إنه قد أعلن بأنه لم يحضر شيئاً من تلك الطلقات الثلاث المدعى بها ، وبأنه إنما يعتمد في دعواه على وثيقة الطلاق – مستند اتهام رقم (1) – ( راجع أقواله في محضر التحري بصفحة 6) وفي ذات الوقت فإن المتهمين الأولى والثاني قد أصرا على أن الطلقات اثنتان وليست ثلاثة ، وظلا على إصرارهما خلال مرحلتي التحري والمحاكمة ، ففي أقواله التي أدلى بها المتهم الثاني – منذ المرة الأولى – ولأول وهلة بعد أقل من أسبوع من تاريخ البلاغ ذكر المتهم المذكور بأنه قد طلق زوجته المتهمة الأولى طلقتين وليس ثلاث طلقات ، وتمّ إرجاعهما لبعضهما بوساطة الفكي بابكر محمد بابكر ( راجع صفحة 3 من محضر التحري) ، ثم ذكرت المتهمة الأولى ذات الأقوال في صفحتي 4 ، 5 من محضر التحري . وفي مثل هذه الحالة فيلزم على الشاكي إقامة البينة الجازمة على الطلقات الثلاث المدعي بها ، حيث لا يُعتد بأقواله في شأن الطلقات الثلاث إلا بدليل – ففي المغني لابن قدامة : " إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها فالقول قوله ، لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق ، إلاّ أن يكون لها بما ادعته بينة ، ولا يقبل فيه إلاّ عدلان ". [ راجع المغني لابن قدامة جزء (10) ص 529 طبعة حجر 1992م].
وبدلالة الفحـوى فإن هذا الحكم ينطبق على هذه الدعوى المقدمة من الشاكي، لأن انطباقه هنا أظهر، في ظل إنكار الزوجين وانتفاء البينة الشرعية، فالشاكي نفسه لم يعاين شيئاً من الطلقات الثلاث المدعى بها وشهود الاتهام الأول ... والثاني ... والثالث ... لم يحضروا مجلساً من مجالس الطلقات محل النزاع ، فانتفت البينة الشخصية النفسية - ، ولا مجال لتحليف المتهم الثاني – أو قل المتهمين – في هذه الدعوى لنفي حدوث الطلقة الثالثة لوجهين ، أولهما : أن الطلاق مما لا يستحلف فيه ، وتلك هي الرواية المنقولة عن ابن منصور في المذهب الحنبلي ( راجع المغني لابن قدامة ج 10– ص 530) والوجه الثاني : تقتضيه أصول التقاضي، حيث أن التحليف إنما يصار إليه مع الإنكار المجرد ، لا في حالة النفي المنضبط المحصور ، وفي هذه الدعوى الجنائية ، فإن المتهمين الأولى والثاني قد نفيا الطلقة الثالثة باعتبار أنها حدثت من أخ الزوج ولم يرض بها الزوج المتهم وبأنه حدثت رجعتها بوساطة أهل المعرفة أمام كثرة من الشهود بعد الإفتاء بعدم وقوع طلاق الأخ لزوجة أخيه ، حيث لا تفويض للمطلق ولا إجازة ممن يملكها ، وهـو الزوج ، ففي الحديث الشريف : " إنما الطلاق لمن أخذ بالساق " ( رواه ابن ماجة في سننه في كتاب الطلاق ) ولا نعلم خلافاً في المسألة بين الفقهاء - . ويصدق قولهما – أي قول المتهمين– وهو قول غير مكذوب أصلاً من أي أحد ، ما يستخلص بالقرائن القضائية ، حيث أن إرجاعمها بوساطة أهل المعرفة وبحضور كثرة من الشهود أمر ثابت ، ولا يتم ذلك إلا بثبوت عدم صحة الطلاق الثالث الذي أوقعه أخ المتهم الثاني ، حيث أنه صدر ممن لا يملكه ، فضلاً عن ثبوت رضاء الشاكي نفسه بذلك الإرجاع حينه-.
ثانياً: لا غنى في التدليل بما في وثيقة الطلاق المقدمة في هذه الدعوى الجنائية – مستند اتهام رقم (1) حيث إنه ليس صحيحاً ما ذكرته المحاكم الأدنى من أنه مستند رسمي لا يجوز الطعن فيه إلا بالتزوير - ، فهذه العبارة لا تطلق كما لو كانت المحررات الرسمية حجة قاطعة لا تقبل الطعن إلا بالتزوير في كل مشتملاتها -، صحيح أن المادة (41) من قانون الإثبات السوداني تنص على أن " تكون المستندات الرسمية حجة على الجهة التي أصدرتها وعلى الكافة بما دُوّن فيها ما لم تثبت تزويرها ، ولكن هل تعطي تلك الحجية المانعة من الطعن إلا بالتزوير ، لكل ما دوّن بالمستند الرسمي ؟ - كما حسبت محكمة الموضوع وسايرتها فيه المحاكم الأعلى -؟
إن القاعدة المانعة من الطعن في المحررات الرسمية إلا بالتزوير ، ليست مطلقة بحيث تشمل كل ما دوّن بالمحرر الرسمي ، حيث إن المستندات الرسمية تشتمل على نوعين من البيانات وتختلف حجية كل منها عن الأخرى ، فالبيانات التي لا يجوز الطعن فيها إلا بالتزوير هي تلك التي يتولى الموثق ضبطها مما تدخل في عمله تحت سمعه وبصره خلال إجراءات التوثيق ، أما البيانات التي تدخل إلى علم الموثق عن طريق الحكاية فيثبتها الموثق بنحو ما أدلى بها أصحابها دون التبيّن من صحتها في حقيقة الأمر ، فيجوز إثبات عكسها بكافة طرق الإثبات المقررة قانوناً ، ومن قبيل الطائفة الأولى زمان ومكان تحرير المستند الرسمي وتوقيع ذوي الشأن والشهود عليه وتحقق الموثق من شخصياتهم بوساطة بطاقات إثبات الهوية ونحوها ، وتبادل الطرفين للإيجاب والقبول أمامه وتوقيعه على المستند الرسمي ، فلا يجوز الطعن في شيء من ذلك ومثله إلاّ بالتزوير صوناً من المساس بأمانة الموثق . أما الطائفة الثانية فمن قبيلها حدوث تصرف قانوني تمّ في غير مجلس التوثيق أو إقرارات بوقائع معينة يحكيها الأطراف فيقوم الموثق بتدوينها بنحو ما أدلى بها أصحابها دون الخوض في صحتها أو عن حقائق الواقع فيها ويجوز الطعن فيها وإثبات عكسها بوسائل الإثبات المقررة كافة – ( راجع الوسيط للسنهوري – المجلد الثاني صفحات 147 – 149 ). هذا فضلاً عن قاعدة حجية المستندات الرسمية المانعة من الطعن فيها إلاّ بالتزوير مقررة أصلاً لإعمالها في المعاملات – لا الجنايات – لذلك تستثنى منها محاضر التحقيقات الجنائية والمستندات التي تقدم في الدعوى الجنائية لإثبات الاتهام ، فيجوز فيها للمتهم إثبات عكسها بكل طرق الإثبات ، لأن حق المتهم في الدفاع أقدس من صون أمانة الموثق ، ويلزم ألاّ يحيد القضاء عن هذا النظر قيد أنملة.
بناءً عليه : جانبت المحاكم الأدنى الصواب حين أقفلت الباب أمام المتهمين فلم تأبه إلى دفاعهما بشأن عـدم وقوع الطلاق الثالث ، بحجة أنه – أي الطلاق الثالث قد ثبت بوثيقة الطلاق – مستند اتهام رقم (1) -.
هذا رغم أن دفاعهما كان موضوعياً ، فالمتهمان لم ينكرا حدوث طلاق ثالث وإنما ذكرا حدوثه من أخ المتهم الثاني بنحو ما سلف بيانه من ترتيب عليه من إفتاء ورجعة ومعاشرة وإنجاب طفلين.
ثم إننا بالنظر إلى وثيقة الطلاق المقدمة للإثبات في هذه الدعوى الجنائية – مستند اتهام رقم (1) نجدها صورة ضوئية لوثيقة الطلاق – رقم متسلسل 09753 من الدفتر رقم 13 محاكم شرعية صادر في 28/4/2007م على يد حسب الرسول حسن مأذون ناحية أجري التابعة لمحكمة الرهد للأحوال الشخصية – وأمام الشهود أقر – أشهد الرجل المكلف الرشيد / ... ... ... على نفسه طائعاً مختاراً بأنه طلق زوجته المرأة ... ... ... ثلاث طلقات – أ هـ -.
لقد كانت تلك الوثيقة وبيانات الطلاق الواردة فيها قد أدلى بها أمام الموثق على سبيل الحكاية ، وهي فضلاً عن كونها صورة ضوئية ، فإن الموثق لم يتثبت من الطلقتين السابقتين ولا تنبيء الوثيقة عن حدوث الطلقات بالوجه الشرعي أو عن صدورها بكلمة واحدة ولم يستوثق الموثق عن الطلقة الثالثة وكيفية وقوعها ولا أوقع المتهم أية طلقة أمام الموثق ، بل – وكما ذكرنا آنفاً – حكى أمراً دخل إلى علم الموثق مبتسراً وعن طريق الحكاية . ويعاب على المحاكم الأدنى أنها قد اعتدت بهذا المستند في هذه الدعوى الجنائية ذات الخطر البالغ باعتباره حجة قاطعة لا يجوز الطعن فيها إلا بالتزوير ، رغم ما شابه من نواقص ورغم ما كان يتطلب من التحقيق لتجلية أمر تلك الطلقات والثالثة منها بصفة أخص في ظل الدفوع التي طرأت عليه . وكان جديراً بالمحاكم الأدنى العناية بكل ما يحتف بذلك الطلاق الثالث المدعى به ، وموقعه – إن كان صحيحاً – من تواريخ ميلاد الطفلين ... و ... – وبغير حدوث شيء من ذلك الاستقصاء القضائي – وهو واقع الحال في هذه الدعوى – فلا يمكن القول بأن ذلك المستند قد أفاد شيئاً يعتد به -.
ثالثاً: الواضح من الدعوى الجنائية وما تضمنتها من تواريخ أنها رفعت في 15/9/2008م ووقته كان الطفل ... عمره خمس سنوات والطفلة ... عمرها سنتان ، ويدعي الشاكي بأنهما ولدا سفاحاً بعد طلاق المتهم الثاني لابنته المتهمة الأولى ثلاثاً ورجوعهما لبعضهما بدون التحليل بالوجه الشرعي – وهنا نطرح السؤال : لماذا تأخر الشاكي كل تلك السنين عن رفع الدعوى الجنائية ؟ لا تهمنا إجابته عن هذا السؤال ، فالذي يهمنا هو أن تأخره كل تلك السنوات يورث شبهة في أمره بحيث لا يقبل معه قوله لوجوه ، أهمها : أنه ربما آثر الستر ابتداءً ، فلما عاد لرفع الدعوى بعدئذٍ صار متهماً في دعواه فلربما هيجته ضغينة ، ومثله لا يقبل قوله ( راجع شرح فتح القدير لابن الهمام ج 5 ص 57) – ويؤيد توفر هذا الوجه في حق الشاكي ما أشارت إليه ابنته من تهديده لها ، فضلاً عن كثرة سبق التقاضي بين الشاكي والمتهم الثاني أمام دوائر الأحوال الشخصية ، الأمر الذي تتهاتر معه دعواه الجنائية الحدّية.
وبناءً على كل ما سبق نرى إلغاء الإدانة والعقوبة المحكوم بهما في حق المتهمين المذكورين والأمر بالإفراج عنهما فوراً ما لم يكونا محبوسين في ذمة قضية أخرى.
ونشير في الختام إلى أنه لم يكن ثمة موجب لوضع هذه الدعوى الجنائية منذ البدء أمام قاضٍ من الدرجة الثانية رغم أنها رفعت تحت المادة (146) من القانون الجنائي وفي ظل الظروف المعلومة من حال المتهمين ، فالدعوى ذات خطر عظيم ونعجب من قرار محكمة الموضوع – في حكمها الأول – بشأن توجيه أطراف الدعوى إلى دائرة الأحوال الشخصية للفصل في مسألتي الطلاق ونسب الولدين – وكان ذلك التوجيه بعد صدور حكمها ، وكلاهما كان جوهرياً للفصل في الدعوى الجنائية.
وصلى الله على سيدا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين , ,,
القاضي: الرشيد التوم محمد خير
التاريخ: 1/5/2010م
هذه قضية حدية والحدود تدرأ بالشبهات فإنكار المتهمين للطلقة الثالثة البائنة بينونة كبرى يورث هذا الإنكار في حد ذاته شبهة كما أنهما لم يتعمدا الزَّنى ولم يقصدانه بل اعتمدا على التأويل والإفتاء من آخرين ومنهم المدعو الشيخ بابكر محمد بابكر مما دفعهما لإبرام عقد زواج للرجوع باعتبار أن الطلاق الواقع هو طلقتان لا ثلاث ، وقد أوضح المتهم الثاني بأنه لم يطلقها الطلقة الثالثة وزعم أن الذي أوقع هذه الطلقة أخوه دون علمه ورضاه ولم ترد أية بينة تؤكد وقوع الطلقة الثالثة أمامه أو أمام المأذون الصادرة باسمه وثيقة الطلاق كما أن الشاكي نفسه لم يكن حاضراً هذه الطلقة التي حمل وثيقتها وفتح بها هذه الدعوى بعد أن سكت لثلاث سنوات دون أن يتقدم بهذه الشكوى مما ينهض شبهة تفسر لصالح المتهمين وحتى في حالة إقرار أحد الزوجين بالزنى وادعى الطرف الآخر الزوجية فيرى أبوحنيفة وأحمد أن لا يحد منهما أحد لأن دعوى النكاح تحتمل الصدق وبتقدير صدق مدعي النكاح منهما كون ادعاء النكاح شبهة تسقط الحد لاحتمال صدق دعوى النكاح.
وإذا ضبط شخص يطأ امرأة فادعى الرجل والمرأة الزوجية فالقول قولهما على ما يرى جمهور الفقهاء ما لم يشهد الشهود بزنائهما إلا أن مالكاًَ يوجب عليهما أن يثبتا الزوجية.
هذا ويشترط في قيام الزَّنى أن يتوفر لدى الزاني أو الزانية نية العمد أو القصد الجنائي ويعتبر القصد الجنائي متوفراً إذا ارتكب الزاني الفعل وهو يعلم أنه يطأ امرأة محرمة عليه أو إذا مكنت الزانية من نفسها وهي تعلم أن من يَطَؤُها محرم عليها فإن أتى أحدهما الفعل وهو متعمدٌ ولا يعلم بالتحريم فلا حد عليه ويشترط أن يعاصر القصد الجنائي إتيان الفعل المحرم.
والأصل في الشريعة الإسلامية أن لا يعتد في دار الإسلام بجهل الأحكام فلا يقبل من أحد أن يحتج بجهل تحريم الزَّنى وبالتالي انعدام القصد الجنائي ولكن الفقهاء يبحثون استثناءً الاحتجاج بجهل الأحكام لمن لم تيسر له ظروفه العلم بالأحكام.
( راجع في ذلك كتاب التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة الجزء الثاني المادة (429) الوطء بشبهة ص (395) وما بعدها ).
مما تقدم أراني متفقاً مع أخي العالم د. شرفي فيما توصل إليه في التسبيب والنتيجة.
[ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ] .
صدق الله العظيم
القاضي: محجوب الأمين الفكي
التاريخ: 16/5/2010م
أوافق زميلي العالم د. عبد الرحمن شرفي أسباباً ونتيجة في رأيه المؤيد من زميلي الرشيد التوم وليس لديّ إضافة للأسباب الضافية التي أبديت لإلغاء الإدانة والعقوبة والأمر بالإفراج عن المدانين فوراً.
القاضي: عبد الله العوض محمد
التاريخ: 17/5/2010م
أوافق ومع الالتفات عن الطلب المقدم من الأستاذ/ ازيرق محمد ازيرق المحامي نيابة عن المدان الثاني لأنه موجه لمحكمة الاستئناف وليس لدائرة التأييد بالمحكمة العليا.
القاضي: محمد حمد أبوسن
التاريخ: 26/5/2010م
أوافق الإخوة فيما توصلوا إليه تسبيباً ونتيجة لأن هنالك شبهة حقيقية تدرأ الحد عن المتهمين.
الأمر النهائي:
نلغي الإدانة والعقوبة في مواجهة المتهمين الاثنين ونأمر بإخلاء سبيلهما فوراً ما لم يكونا مطلوبين في إجراءات أخرى.
محمـد حمـد أبوسـن
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
26/5/2010م

