تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
  • دخول/تسجيل
07-04-2026
  • العربية
  • English

استمارة البحث

  • الرئيسية
  • من نحن
    • السلطة القضائية
    • الأجهزة القضائية
    • الرؤية و الرسالة
    • الخطط و الاستراتيجية
  • رؤساء القضاء
    • رئيس القضاء الحالي
    • رؤساء القضاء السابقين
  • القرارات
  • الادارات
    • إدارة التدريب
    • إدارة التفتيش القضائي
    • إدارة التوثيقات
    • إدارة تسجيلات الاراضي
    • ادارة خدمات القضاة
    • الأمانة العامة لشؤون القضاة
    • المكتب الفني
    • رئاسة ادارة المحاكم
    • شرطة المحاكم
  • الخدمات الإلكترونية
    • البريد الالكتروني
    • الدليل
    • المكتبة
    • خدمات التقاضي
    • خدمات التوثيقات
    • خدمات عامة
  • المكتبة التفاعلية
    • معرض الصور
    • معرض الفيديو
  • خدمات القضاة
  • اتصل بنا
    • اتصل بنا
    • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

07-04-2026
  • العربية
  • English
    • الرئيسية
    • من نحن
      • السلطة القضائية
      • الأجهزة القضائية
      • الرؤية و الرسالة
      • الخطط و الاستراتيجية
    • رؤساء القضاء
      • رئيس القضاء الحالي
      • رؤساء القضاء السابقين
    • القرارات
    • الادارات
      • إدارة التدريب
      • إدارة التفتيش القضائي
      • إدارة التوثيقات
      • إدارة تسجيلات الاراضي
      • ادارة خدمات القضاة
      • الأمانة العامة لشؤون القضاة
      • المكتب الفني
      • رئاسة ادارة المحاكم
      • شرطة المحاكم
    • الخدمات الإلكترونية
      • البريد الالكتروني
      • الدليل
      • المكتبة
      • خدمات التقاضي
      • خدمات التوثيقات
      • خدمات عامة
    • المكتبة التفاعلية
      • معرض الصور
      • معرض الفيديو
    • خدمات القضاة
    • اتصل بنا
      • اتصل بنا
      • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

07-04-2026
  • العربية
  • English
      • الرئيسية
      • من نحن
        • السلطة القضائية
        • الأجهزة القضائية
        • الرؤية و الرسالة
        • الخطط و الاستراتيجية
      • رؤساء القضاء
        • رئيس القضاء الحالي
        • رؤساء القضاء السابقين
      • القرارات
      • الادارات
        • إدارة التدريب
        • إدارة التفتيش القضائي
        • إدارة التوثيقات
        • إدارة تسجيلات الاراضي
        • ادارة خدمات القضاة
        • الأمانة العامة لشؤون القضاة
        • المكتب الفني
        • رئاسة ادارة المحاكم
        • شرطة المحاكم
      • الخدمات الإلكترونية
        • البريد الالكتروني
        • الدليل
        • المكتبة
        • خدمات التقاضي
        • خدمات التوثيقات
        • خدمات عامة
      • المكتبة التفاعلية
        • معرض الصور
        • معرض الفيديو
      • خدمات القضاة
      • اتصل بنا
        • اتصل بنا
        • تقديم طلب/شكوى

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2019
  4. الجنائي 2019م
  5. حكومة السودان //ضد// أ. ص. م م ع/ ف ج/ج ح/157/2019م

حكومة السودان //ضد// أ. ص. م م ع/ ف ج/ج ح/157/2019م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة القومية العليا

دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا

ببورتسودان

 

القضاة:

سعادة السيد / أحمــد الطيـب عمــر

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد / سمير محمـد السيـد أحمـد

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / عبد الرؤوف حسب الله ملاسي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

حكومة السودان //ضد//  أ. ص. م

م ع/ ف ج/ج ح/157/2019م

 

قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م - المادة 7(1) منه الاختصاص النوعي للمحاكم - تكييفه - من النظام العام - يجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها.

الدستور الانتقالي لسنة 2005م - المادة 34(3/4) منه - المحاكم العادية  والاستثنائية - تعريفها.

 

المبادئ:

1-الاختصاص النوعي من النظام العام فيجب التمسك بأن يحاكم المتهم أمام قاضيه الطبيعي المختص بنظر النزاع وقت ارتكاب الفعل.

 

2- المحكمة العادية تعني محكمة القاضي الطبيعي العادي وفق القانون والمجرى العادي للإجراءات ولا تعني المحاكم الاستثنائية.

3- قضاء الطوارئ قضاء استثنائي ، والأصلح للمتهم محاكمته أمام المحكمة الطبيعية وفقاً للدستور الانتقالي لسنة 2005م.

المحامون:

  الأستاذ/ شعيـب أبوبكـر                                  عن مقدم الطلب

الحكــم

 

القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي

التاريخ: 8/10/2019م

 

الرأي الأول:

هذا طلب للفحص مقدم من الأستاذ/ شعيب أبو بكر المحامى إنابة عن المدان المحكوم عليه في المحاكمة الجنائية/غ أ/2/2019م القاضي بالحكم فيها بتاريخ 8/أبريل/2019م بإدانة المتهم تحت المادة 177(2) من القانون الجنائي 1991م وبموجب أمر الطوارئ رقم (5)/2019م والحكم عليه بالسجن (5) سنوات اعتباراً من 5/مارس/ 2019م وهو الحكم الذي تم تأييده تحت المادة 177(2) من القانون الجنائي /1991م أمام محكمة استئناف الطوارئ مع إلغاء الإدانة تحت أمر الطوارئ رقم(5)2019م وتعديل عقوبة السجن إلى ثلاث سنوات مع إعادة الإجراءات إلى محكمة جنايات الطوارئ لتوقيع عقوبة الغرامة الوجوبية وعند الإعادة إلى محكمة الطوارئ وقعت على المدان عقوبة الغرامة 5000 آلاف جنيه وفى حالة عدم الدفع تسري عقوبة بسجن بديل للغرامة ثلاثة أشهر تسري بالتتابع بعد انقضاء عقوبة السجن الأصلية ويدور طلب الفحص حول النقاط التالية:

أولاً: أثار الدفاع دفعاً قانونياًً ببطلان إجراءات المحاكمة أمام محكمة الطوارئ تتمثل في:  

1- بطلان إجراءات تحريك الدعوى الجنائية وبموجب أحكام قانون الإجراءات الجنائية 1991م لأن النيابة حركت الدعوى بناءً على شكوى من شخص تابع لجهاز الأمن وليس له الصفة القانونية التي تخول حق تقديم الشكوى إذ ليس من اختصاص أفراد جهاز الأمن والمخابرات لسنة 1991م في المادتين (7,6) سلطة تحريك الدعوى الجنائية بشكوى.

2- أن المال موضوع الاتهام ملك خاص لهيئة المواني البحرية وبالتالي فهي الجهة الوحيدة التي يخولها قانون الإجراءات حق تحريك الدعوى الجنائية ومباشرة الاتهام والظهور أمام المحاكم بعد التحقيق الإداري حول المخالفة المدعى بها وفرد جهاز الأمن ليس مفوضاً بتحريك إجراءات البلاغ إنابة عن هيئة المواني وقد عرفت المادة (4) إجراءات جنائية الشاكي في الجنايات.

ثانياً: أيدت محكمة استئناف الطوارئ الحكم الابتدائي الصادر من محكمة الطوارئ بإدانة المتهم تحت قانون الطوارئ ومخالفة في ذات الوقت قانون الطوارئ نفسه بإحالة البلاغ للمحاكمة أمام محكمة الطوارئ ومخالف للقواعد الإجرائية والأصولية في الإجراءات الجنائية حيث لا ينعقد الاختصاص ابتداء لمحاكم الطوارئ للنظر والمحاكمة لهذا البلاغ فوقائع الاتهام المنسوبة للمتهم كفعل إجرائي وقعت أفعاله في خلال الفترة من أكتوبر/ نوفمبر وديسمبر 2018م ولم يكن حينها قانون الطوارئ وأمر الطوارئ سارياً أو موجوداً ولم ير النور في خلال فترة تاريخ ارتكاب الجريمة والعبرة في الاتهام الجنائي بتطبيق أحكام القانون الجنائي الذي كان سارياً وقت ارتكاب الجريمة ووقوع وحدوث الوقائع محل الاتهام فقد صدر أمر الطوارئ بموجب مرسوم عن رئيس الجمهورية في حوالي10/مارس/2019م أي بعد وقوع الأفعال محل الاتهام وبالتالي يخرج البلاغ ومحاكمته ابتداءً من اختصاص محكمة الطوارئ وفق أحكام الفقرة (2) من المادة (4) من القانون الجنائي1991م والذي ينص على تطبيق القانون الجنائي الأصلح للمتهم في الجرائم التي لم يصدر بشأنها حكم نهائي (في حالة الجرائم التي لم يصدر فيها حكم نهائي تطبق أحكام هذا القانون إذا كان الأصلح للمتهم).

ثالثاً: وبناء عليه تعتبر المحاكم الجنائية العادية في هذه الحالة هي المختصة بنظر القضية تحت مواد القانون الجنائي العادية والتي تعتبر في هذه الحالة المعروضة الأصلح عند المحاكمة من حيث الإجراءات ودرجات التقاضي العدلية المتاحة في المحاكمات العادية وفيها كل ضمانات العدالة الإجرائية الأساسية.

رابعاً: المحاكمة العادلة وفق القواعد التشريعية التي نصت عليها الفقرتان (ب) و(ج) من المادة (4) إجراءات جنائية 1991م هي أن يراعى عند تطبيق أحكام هذا القانون (1) لا تجريم ولا جزاء إلا بنص تشريعي ساري سابق (ج) المتهم برئ حتى تثبت إدانته وله الحق في أن يكون التحري معه ومحاكمته بوجه عادل وناجز وذلك وفق قاعدة ومبدأ (القانون الأصلح) للمتهم وحماية الحرية الفردية والمحافظة على المصلحة العامة.

خامساً: إن المعيار القانوني لقاعدة القانون الأصلح للمتهم قاعدة تحدد إجرائياً وفق قاعدة المقارنة بين كل القوانين الجنائية التي صدرت خلال الفترة من تاريخ وقوع الحادث موضوع الجريمة والتي صدرت حتى تاريخ الفصل النهائي البات بحكم قضائي ووفق هذه المقارنة بيَن كل هذه القوانين تتحدد ماهية القانون الأصلح في المحاكمة الجنائية ومبدأ القانون الأصلح للمتهم أقرته المادة (32) من دستور السودان التي نصت على (لا يجرم أحد أو يعاقب على فعل إلا وفق قانون سارٍ وقت ارتكاب الجريمة ) وقد أقرت المحكمة العليا ذات المبدأ في السابقة القضائية المنشورة في مجلة الأحكام 1980م ص 105 - 107(بأن مرجعية أي أثر رتبه أي تعديل في القانون الجنائي يكون وفق قاعدة ما هو أصلح للمتهم في الدعوى الجنائية). 

سادساً: تواتر القضاء على أن من أهم شروط تطبيق أحكام جريمة (خيانة الأمانة) هو ركن أن يؤدي التصرف في المال موضوع الجريمة بسوء قصد أو إهمال إلى ضياعه أو تبديده مع ضرورة توافر علاقة السببية بين الإهمال والخسارة لهذا المال وأيضاً مراعاة أن التصرف يشمل الفعل أو الامتناع عن الفعل وأن يكون الإهمال في المال سابقاً على ضياعه أو تبديده لأن المسألة الجنائية لا تكون على مطلق الإهمال والخسارة لهذا المال وهو ما أقرته السابقة: محمود الأمين برهماي//ضد// ح . س المنشورة في مجلة 1974م ص 397).

سابعاً: وجه الخطأ في حكم الاستئناف في تأييده لقضاء محكمة الطوارئ نابع من الخطأ في التكييف القانوني للبينة واستندت على مستند الاتهام وهي الواقعة التي لم ينكرها المتهم في كل مراحل التحري وإقراره القضائي وإلى مرحلة المحاكمة وقد جاءت أقواله متماسكة وتقوي من دفاعه (بأنه قام بتركيب فلاتر مصنع شقيقه في مصنع مياه هيئة المواني البحرية وقام بتركيب فلاتر مصنع مياه المواني البحرية في مصنع شقيق المتهم وهي فلاتر متشابهة ومتطابقة وهنالك صعوبة فنية في التمييز بين فلاتر مصنع مياه شقيق المتهم وفلاتر مصنع مياه هيئة المواني وكان الخطأ في تركيب الفلاتر بين ما ركب في مصنع شقيق المتهم وما ركب في مصنع الهيئة بالبدل بسبب التشابه بين الفلاتر وبما ينفي أي خسارة أو تحويل منافع مال الهيئة لأن فلاتر (شقيق المتهم ركبت في مصنع الهيئة) وقد تواتر القضاء على قبول الأعذار والمبررات المقبولة والمنطقية كأساس لنفي الاتهام (مثال السابقة/ح . س//ضد// شرف الدين فرح/ مجلة الأحكام القضائية 1974م ص 397 حيث لم يثبت أن تبديل الفلاتر بين مصنع شقيق المتهم وفلاتر مصنع الهيئة كان بسوء قصد وبما ينفي إثبات التهمة بالمعنى الجنائي بالنسبة لجريمة خيانة الأمانة السابقة /ح .س//ضد// محمد أحمد مجلة 1976م ص 628).

ثامناً: أفاد الشاهد (مورد الفلاتر) لهيئة المواني أن جميع الفلاتر التي باعها للهيئة تم تركيبها في محطة مياه الهيئة وأن فلاتر شقيق المتهم ركبت في مصنع الهيئة عن طريق الخطأ بتبديل الفلاتر بين المصنعين للمتشابه وأكد أن الفلاتر التي باعها للهيئة لم تكن بأرقام متسلسلة لأنه باعها بالعدد والموديل وفق فاتورة البيع ولم تقم سلطة التحري بطلب الفلاتر المركبة بمحطة شقيق المتهم والتي يفيد المتهم أنه قام بتركيبها عن طريق الخطأ غير مقصود في مصنع هيئة المواني وبما ينفي سوء القصد بتركيب فلاتر شقيق المتهم في مصنع الهيئة وفلاتر الهيئة المتشابهة في مصنع شقيق المتهم.

تاسعاً: جاءت إفادات الاتهام متضاربة ومتناقضة في الوقائع ولا سند للتعويل عليها في الإدانة بالإضافة إلى أن الاتهام لم يقدم أي بينة حول قيمة فواتير الفلاتر محل الاتهام وبالتالي لا توجد مقارنة بتاريخ استلام المتهمة للفلاتر بتاريخ تركيبها بما يثير ظلالاً عن الشك حول صحة واقعة (عدد الفلاتر) كما لم يستدع (خبير فني) في شأن هذه الفلاتر وفق مقتضيات المادة (30) من قانون الإثبات 1994م مقروءة مع المادة (162) إجراءات جنائية 1991م ولا سند لقبول تقارير فنية إلا بسماع بينة الخبرة (يشير إلى السابقة القضائية/ح . س//ضد// محمد عبد العافي المنشورة في مجلة الأحكام القضائية 1997م ص 147) والتي تقرر(عدم الاستعانة بخبير فيه مساس بقواعد العدالة) وبالتالي يثور الشك في صحة واقعة تركيب الفلاتر وأنه كان الواجب الاستعانة بالخبرة الفنية لأن الخبرة الفنية كانت ستؤكد واقعة الخطأ في استبدال فلاتر شقيق المتهم بمصنع هيئة المواني ووضع فلاتر الهيئة بمصنع شقيق المتهم لتشابه الفلاتر وبما يستوجب تفسير الشك لصالح المتهم بأنه يجب أن تكون الإدانة فوق كل مرحلة شك معقول.

[ يشير إلى السابقة/القضائية مجلة الأحكام/1976م ص 66].

ومن ثم يلتمس الدفاع من كل هذه الأسباب فحص الإجراءات وإلغاء الإدانة والعقوبة لعدم اختصاص محكمة الطوارئ وما بنى على باطل فهو باطل بالتبعية وأيضاً من جهـة أخرى فقد فشل الاتهام في إثبات سوء نية المتهم وأيضاً كان تحريك الدعوى الجنائية بلا سند قانوني لتحريك الدعوى بواسطة شخص لم تخول له صفة تحريك هذه الإجراءات وفق أحكام قانون الإجراءات الجنائية.

ونرى في البدء وقبل الدخول في مناقشة تفصيلية وضرورة العضوية إلى أننا قد قصدنا إيراد كل ما أثاره الدفاع في طلب الفحص من مسائل إجرائية ودفوع قانونية وبوجه تفصيلي لأهمية ما أثير من الجهة القانونية البحتة والتي بذل فيها الدفاع جهداً قانونياً مقدراً يستحق أن نتصدى له بالمناقشة القانونية العدلية بما لنا من رقابة قانونية عدلية وفق أحكام المادة (188) إجراءات جنائية 1991م للتأكد من سلامة الإجراءات ولتحقيق العدالة الإجرائية القانونية والعدالة الموضوعية وهو ما سنفصله في مناقشة الفقرات التالية:

أولاً: يدور التماس الفحص على وجهين هما:

الدفع الأول: بطلان إجراءات تحريك الدعوى الجنائية ابتداءً أمام النيابة وحتى مرحلة التحري. وبطلان تحريك الدعوى تحت أحكام قانون الطوارئ وأمر الطوارئ وبالتبعية بطلان إحالة الدعوى والبلاغ للمحاكمة أمام محكمة الطوارئ لعدم اختصاصهما بالنظر واختصاص المحكمة الجنائية ابتداء.

الدفع الثاني: بطلان إجراءات المحاكمة لعدم اختصاص محكمة الطوارئ ومن جهة أخرى بناء الحكم على عدم تقدير سليم للوقائع ووزن البينة وفق أحكام وقواعد قانون الإثبات ووفق ما استقر عليه الفقه القضائي من مبادئ قانونية.

ثانياً: نناقش الدفعين السالف ذكرهما من وجهة النظر القانونية البحتة بموجب رقابتنا القانونية وفق أحكام المادة (188) إجراءات جنائية على وجه التفصيل التالي:

بالنسبة للجزئية الأولى المثارة حول بطلان إجراءات تحريك الدعوى الجنائية وبطلان إجراءات التحري إلى مرحلة إحالة الدعوى إلى المحاكمة تحت المادة (56) إجراءات جنائية 1991م نرى ونقرر الآتي:

(أ ) المعلوم قانوناً وفقهاً وقضاءً أن سلطة العلم بالجريمة وسلطة تحريك الدعوى الجنائية ببلاغ أو شكوى ابتداءً أنها سلطة تختص بها النيابة وحدها ولا اختصاص للقضاء أو المحاكم بإجراءات أخذ العلم أو تحريك الدعوى الجنائية أو توجيه التحري فيها إلا استثناء وفق أحكام المادة (7) فقرة (2) إجراءات جنائية 1991م (أخذ الإقرارات ، تجديد الحبس لأكثر من ثلاثة أيام والأمر بالتفتيش العام ، بممارسة سلطات وكيل النيابة في حال غيابه عن دائرة اختصاصه وفق الفقرة (د) من المادة المذكورة) انظر المواد (33) ، (34) ، (35) ، (39) ، (44) ، (53) ، (55) إجراءات جنائية 1991م و 17 ، 19 من نفس القانون.

(ب) من المعلوم قانوناً وفقهاً وقضاءً أن ما تقرره أو تصدره النيابة العامة والشرطة الجنائية تحت رقابة النيابة ابتداءً من مرحلة أخذ العلم بالجريمة والتحري فيها إلى مرحلة توجيه الاتهام والإحالة للمحاكمة تحت المادة (56) إجراءات جنائية وأوامر وقرارات وإجراءات لا سلطة للمحاكم بالتدخل في شأن إلغائها أو تعديلها لأن ذلك اختصاص أصيل لسلطات النيابة في مراحل تدرجها الأعلى بالطعن أو الفحص وفق قواعد إجراءات الطعن في مرحلة الدعوى الجنائية في المراحل السالف ذكرها إلى آخر مراحل وفق قانون النائب العام ولائحة تنظيم أعمال النيابة وينحصر اختصاص المحاكم الاستثنائي في خلال مرحلة إجراءات التحري في جزئية المادة 21(2) إجراءات جنائية الذي يجيز استئناف القرار النهائي لوكيل النيابة إلى قاضي محكمة الاستئناف في جزئية حجز الأموال.

(ت) وبالتالي فقرارات وأوامر قبول الشكوى الجنائية أو تحريك الدعوى الجنائية بواسطة النيابة أو الشرطة وتحت إشرافها سواء كانت صحيحة أو خاطئة لا سلطة للقضاء أو المحاكم عليها بطرق الطعن المعلومة وتخرج عن اختصاص المحاكم الاستئنافية والنقض الأعلى وقد قيد المشرع سلطة المحكمة فقط بإجراءات المحاكم الواردة في الباب الخامس المحاكمة من المادة (131) إجراءات جنائية 1991م وما بعدها من مواد إلى مرحلة الحكم والطعن فيه وفق المواد (179) إلى (188) ، 188(أ) إجراءات جنائية وبالتالي فما أثاره الدفاع حول صحة أو عدم صحة إجراءات تحريك الدعوى الجنائية فإنه مسألة تخرج عن اختصاص مناقشة المحاكم لها وكان متاحاً للدفاع الطعن فيها في مرحلة التحري إلى وكيل النيابة الأعلى وفق التدرج والاختصاص الوظيفي لأعمال النيابة وفق لائحة تنظيم أعمال النيابة كما أسلفنا وبالتالي فلا مجال في مرحلة المحاكمة أو في مرحلة الاستئناف أو الفحص ، الطعن أمام المحاكم ليقدح في صحة إجراءات تحريك الدعوى الجنائية أمام النيابة أو الشرطة تحت إشرافها المادة 39(4) إجراءات وما بعدها.

 وبناءً عليه فلا مجال أمامنا أو سلطة بنظر الطعن أو الفحص أو الاستئناف للنظر في صحة قرارات وأوامر النيابة حتى ولو كان الدفاع يرى مخالفتها للقانون فالمحاكم مقيدة قانوناً من هذا الإجراء رغم وجاهة ما أثاره الدفاع إلا أن مكانه ليس أمامنا في هذه المرحلة.

(د) بالنسبة للدفع الثاني الذي أثاره الدفاع حول عدم اختصاص محكمة الطوارئ كمحكمة إجرائية استئنافية وحيث الاختصاص معلوم قانوناً أنه من النظام العام الإجرائي يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل التقاضي وبل يجوز أن تقضي المحكمة من تلقاء نفسها نقرر الآتي:

(أ ) من المعلوم قانوناً وقضاءً أن حالة الطوارئ ظلت حاكمة للسودان وأقاليمه المتعددة ولفترة زمنية طويلة حتى تاريخ لاحق في 1997م حيث أصدر الرئيس السابق قانوناً جديداً للطوارئ وحماية السلامة العامة 1997م والذي ظل سارياً حتى قيام الثورة الشعبية في السودان حيث اصدر الرئيس السابق المرسوم الجمهوري رقم 6/2019م بتجديد إعلان حالة الطوارئ العامة في كل السودان وبموجب ذلك الإعلان وبموجب أحكام قانون الطوارئ 1997م أصدر أيضاً أمر الطوارئ رقم (1) 2019م بتاريخ الخامس والعشرين من شهر فبراير 2019م الموافق التاسع عشر من شهر جمادى الآخرة 1440هـ والذي فوض بموجبه القوات النظامية (القوات المسلحة وجهاز الأمن والمخابرات الوطني وقوات الدعم السريع) المهام والسلطات الواردة في قانون الطوارئ والسلامة العامة 1997م وفي ذات الأمر التفويضي فوض رئيس القضاء في إنشاء محاكم الطوارئ وفوضه بإصدار القواعد الإجرائية التي تنظم (إجراءات المحاكمة والاستئناف) كما فوض أيضاً وفق المادة (7) من أمر الطوارئ (1) 2019م النائب العام بإنشاء نيابات طوارئ وإصدار القواعد التي تنظم إجراءات التحري والتحقيق والاستئناف في إجراءات التحري وقد أصدر رئيس القضاء بموجب هذا التفويض قواعد محاكم الطوارئ بالقرار رقم (56) لسنة 2019م كما أصدر النائب العام قواعد تنظيم التحري وتحريك الدعاوى الجنائية أمام نيابات الطوارئ الخاصة استثناءً من قانون الإجراءات الجنائية مع مراعاة قانون الإثبات 1994م في حال خلو هذه القواعد من أي نص خاص يحكم أي مسالة إجرائية أو موضوعية.

(ب) وبموجب القواعد التي أصدرها رئيس القضاء الأسبق رقم 56/2019م بإنشاء محاكم خاصة لمحاكمة المخالفات لقانون الطوارئ وفق الأمر (1) لسنة 2019م أصدر رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر أمر تشكيل طوارئ محاكم بالرقم (1) قرار 20/2019م والحق بقرار لاحق في 28/فبراير/2019م بتعيين قضاة آخرين لنظر البلاغات وفق الأوامر والاختصاصات والإجراءات المنصوص عليها بأمر تأسيس المحكمة ويتضح من ذلك أن رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر وبتفويض من رئيس القضاء قد أصدر القرارات بالأرقام 20 ، 22 ، 25 ، 30 ، 48 بتشكيل محاكم طوارئ ابتدائية وأيضاً محكمة استئناف طوارئ لنظر الاستئنافات المقدمة في مواجهة أحكام هذه المحاكم (قرار 35/2019م) بتاريخ 26/يونيو/2019م الموافق الثاني والعشرين من شوال 1440هـ.

ويتضح من هذا السرد التفصيلي لقواعد تأسيس محاكم الطوارئ ومحكمة استئناف الطوارئ وأمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م الصادر من الرئيس السابق المسائل الإجرائية التالية:

أولاً: أن أمر الطوارئ بإعلان حالة الطوارئ كان بالقرار الجمهوري 6/2019م وأن الأمر التفويضي التنفيذي بتفويض سلطات الطوارئ للقوات النظامية وتفويض رئيس القضاء بإنشاء محاكم الطوارئ وقواعد المحكمة وتفويض النائب العام لإصدار قواعد التحري والتحقيق والاستئناف في مرحلة التحري كان بالأمر 1/2019م بتاريخ: 25/فبراير/2019م.

ثانياً: يتضح من ذلك وخلال الفترة السابقة على تاريخ 25/فبراير/2019م لم تكن هنالك أوامر تفويضية بإنشاء محاكم للطوارئ أو أي أوامر تفويضية سابقة على الأمر التفويضي رقم 1/2019م بسريان لحالة الطوارئ فعلياً وبما ينفي أي وجود لمحاكم طوارئ أو نيابة طوارئ خلال الفترة من ديسمبر 2018م إلى 24/فبراير/2019م وكان الساري خلال هذه الفترة القانون الجنائي 1991م وقانون الإجراءات العادية الطبيعية العدلية وليس محاكم الطوارئ أو أي محاكم استثنائية أخرى كما أن السلطات التنفيذية للقوات النظامية بالسلطة التفويضية بأمر الطوارئ 1/2019م الصادر في 25/فبراير/2019م لم تكن سارية خلال الفترة من ديسمبر 2018م إلى 24/فبراير/2019م كما أن محاكم الطوارئ لم يتم تشكيها بأمر رئيس الجهاز إلا بعد 25/2/2019م ، 28/2/2019م و 27/مارس/2019م.

ثالثاً: كما يلاحظ أنه ورغم إنشاء محاكم الطوارئ ورغم وضع رئيس القضاء قواعد المحاكمة 56/2019م في 26/2/2019م لم تشكل محكمة الاستئناف إلا في وقت لاحق ولم ينفذ قرار التشكيل على أرض الواقع من الوجهة الإجرائية العدلية والقانونية إلا في يوم السادس والعشرين من شهر يونيو 2019م بموجب القرار رقم 35/2019م الصادر من رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر وبما يفيد إجرائياً أنه لم توجد أو تنشأ محكمة استئناف طوارئ خلال الفترة الزمنية من 25/فبراير إلى 25/يونيو 2019م وظل الأمر معلقاً خلال تلك الفترة وبما يفيد أيضاً (الربكة والخلل الإجرائي) بالنسبة لقضاء الطوارئ حيث كانت محاكم الطوارئ تمارس عملها وتصدر أحكامها في ظل أمر الطوارئ وفق قواعد محاكمات الطوارئ الصادرة من رئيس القضاء 56/2019م في 26/فبراير/2019م مع غياب وانعدام تام لوجود محاكم استئناف لنظر الاستئناف في أحكامها وترتب على ذلك أن المحاكم تباشر نظر قضايا الطوارئ مع عدم وجود لسلطة استئنافيه للطوارئ ومع مراعاة عدم اختصاص المحاكم العادية الطبيعية لنظر استئناف أحكام الطوارئ والتي قيد النظر فيها باختصاص محاكم استئناف الطوارئ وفق أحكام المادة (26) من قواعد أحكام محاكم الطوارئ رقم 56/2019م الصادر من رئيس القضاء والذي يقيد سلطة استئناف أحكام الطوارئ لمحكمة استئناف مشكلة باختصاص وقواعد إعلان الطوارئ ... ولا خلاف أن هذه الحالة الإجرائية قد أثارت إشكالية جدلية قانونية وفقهية ليس في ولاية البحر الأحمر وحدها بل في كافة الولايات الأخرى (وجود محاكم طوارئ وغياب محاكم استئناف طوارئ).

رابعاً: عرضت إجراءات الدعوى أمام محكمة الطوارئ وبدأت إجراءات المحاكمة في محاكمة: غ إ/2/2019م أمام قاضي المحكمة العامة في تاريخ 28/مارس/2019م وصدر الحكم الابتدائي بتاريخ 8/أبريل/2019م بتبرئة شقيق المتهم وإدانة المتهم بموجب إجراءات ... أمر الطوارئ (رقم 5/2019م) والمادة 177(2) من القانون الجنائي 1991م وحكم عليه بالسجن (5 سنوات) اعتباراً من 5/مارس/2019م وهو الحكم الذي أيده حكم الاستئناف طوارئ: أ س ج/2/2019م بتاريخ 28/مايو/2019م محل الفحص الآن وأعاد الإجراءات لتوقيع عقوبة الغرامة الوجوبية مع إلغاء الإدانة تحت أمر الطوارئ رقم (5) مع تعديل عقوبة السجن لتكون ثلاث سنوات اعتباراً من 5/مارس/2019م وتسليم المعروضات لهيئة الموانئ وعلى ضوء ذلك فالتساؤل القانوني الإجرائي الذي أثاره الدفاع في طلبه بشأن اختصاص محكمة الطوارئ التي نظرت هذه القضية فإن السؤال هو:  

 (هل كانت محكمة الطوارئ التي فصلت في القضية مختصة بالنظر ومحاكمته الجريمة موضوع الدعوى ؟؟)

                               وذلك

(وفق أحكام قانون الطوارئ 1979م وقواعد محاكم الطوارئ رقم: 56/2019م الصادر من رئيس القضاء وفق أمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م وما تلاه من أوامر الطوارئ ؟؟؟؟ )

 وإجابة على ذلك فبالرجوع إلى السرد التفصيلي الذي أوردناه آنفاً حول قانون الطوارئ وإعلان حالة الطوارئ وقواعد محاكمات الطوارئ وقرارات تشكيل محاكم الطوارئ نقرر أن محكمة الطوارئ التي نظرت القضية لم تكن مختصة ابتداء بنظرها وفق القواعد العامة للإجراءات ووفق قواعد النظام العام الإجرائي باعتبار أن الاختصاص النوعي من النظام العام لإجراءات التقاضي ولا مجال لتجاوزه حتى إن عدلت محكمة الطوارئ في حكمها ولما يلي من أسباب تفصيلية نوردها على الوجه التفصيلي التالي:

أولاً: من استقراء واقع طبيعة التحري ومحضر المحاكمة نجد أن هذه القضية تم تحريك إجراءات الدعوى فيها بتاريخ 5/مارس/2019م حيث تقدم الشاكي محمد الخير محمد من جهاز الأمن الوطني والمخابرات بعريضة شكوى أمام النيابة بارتكاب المتهم المخالفة موضوع الاتهام وبناء عليه حركت النيابة الاتهام في مواجهة المتهم تحت المادتين (5,4) من قانون الطوارئ 1997م (انظر عريضة النيابة) بمحضر اليومية وبناءً عليه حركت الدعوى الجنائية أمام شرطة القسم الأوسط تحت المادتين (5,4) من قانون طوارئ 1997م وليس تحت أمر الطوارئ رقم 5/2019م الذي أدانت بموجبه محكمة الطوارئ فيما بعد المتهم في حكمها بالإضافة إلى أن البلاغ قد فتح أيضاً تحت المادة 177(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م وفق محضر اليومية وبناءً عليه حركت الدعوى الجنائية بالاتهام القائم على أن المتهم مهندس موظف بهيئة المواني البحرية وبهذه الصفة تسلم عدد 2 فلاتر تنقية مياه بمصنع مياه الهيئة وتصرف فيها بخلاف مقتضى الأمانة بتركيبها في مصنع مياه شقيقه وواضح أن البلاغ والشاكي والتحريات لم تحدد تاريخ وقوع الأفعال محل أركان جريمة خيانة الأمانة.

ثانياً: من المعلوم قانوناً أن تاريخ وقوع أفعال وأركان الجريمة هو التاريخ الذي يعتد به في تحديد القانون الواجب التطبيق على القضايا الجنائية وهذا ما نصت عليه صراحة أحكام المادة 4(1) من القانون الجنائي 1991م بالآتي: على الرغم من حكم المادة (2) يطبق القانون الذي كان معمولاً وقت ارتكاب الجريمة.

وبالتالي فالمبدأ العدلي القانوني يؤكد أن إلغاء القانون الذي كان سارياً وقت ارتكاب الجريمة أو تعديله أو الإحالة إلى قانون جنائي جديد لم يكن سارياً وقت ارتكاب الجريمة لا يؤثر في تطبيق أحكام القانون الجنائي الذي وقعت الجريمة في ظل أحكامه وهو ما يعرف قانوناً وفقهاً بالأثر الرجعي للقانون وهو مبدأ يقوم على عدالة المحاكمة الجنائية كما أن المادة 4(2) من القانون الجنائي 1991م تنص صراحة على مبدأ عدلي آخر يتعلق بالقانون الأصلح للمتهم عند المحاكمة . في حالة الجرائم التي لم يصدر فيها حكم نهائي تطبق أحكام القانون الجنائي إذا كان هو الأصلح للمتهم.

ومفاد هذا المبدأ من الوجهة التفسيرية أن قاعدة القانون الأصلح للمتهم مقصدها عدالة المحاكمة بالنسبة للمتهم وهو مبدأ مستقر فقهاً وقضاءً بل مبدأ مستقر في كل القوانين الدولية الجنائية والمفهوم التفسيري للنص مقصده التشريعي هو أن القانون الجنائي 1991م هو الذي تطبق أحكامه متى كان هو القانون العقابي الأصلح للمتهم.

أن القانون الجديد يكون هو الواجب التطبيق متى كان هو الأصلح عقابياً وعدلياً.

ومعلوم قانونياً أن تاريخ وقوع الجريمة بالإضافة إلي أنه القانون الواجب التطبيق عقابياً وعدلياً فقد أكد المشرع هذا المبدأ بأنه هو أيضاً تاريخ وقوع الجريمة بالنسبة للجرائم التعزيرية وفق أحكام (38) من قانون الإجراءات الجنائية 1991م الذي يقرر:

لا يجوز فتح الدعوى الجنائية في الجرائم ذات العقوبات التعزيرية إذا انقضت مدة التقادم بدءاً من تاريخ وقوع الجريمة وفق المواد الواردة في الفقرات (أ -ب - ج).

وبالتالي لا يسري التقادم من تاريخ اكتشاف الجريمة والشكوى أو البلاغ أو أيٍ من تلك التواريخ إلا في حالة كانت هذه التواريخ هي ذات تواريخ وقوع الجريمة باعتبار أن القاعدة والمعيار القانوني والعدلي هو (تاريخ وقوع الجريمة) وليس أي تاريخ آخر بخلاف هذا التاريخ العدلي.

ثالثاً: بمراجعة عريضة الشكوى التي فتحت بها الدعوى وحركت إجراءاتها أمام النيابة ومجريات التحري في الشكوى فلا نجد سنداً وقائعياً لتقرير أن تاريخ تقديم الشكوى من الشاكي التابع لجهاز الأمن كان هو في نفس يوم أو نفس تاريخ (وقوع أفعال الجريمة) وهي واقعة التصرف من جانب المتهم في عهدة فلاتر مصنع مياه هيئة الموانئ وذلك بتركيب الفلاتر لمصلحة مصنع شقيقه ... وأيضاً بمراجعة المحضر والتحري يمكن استقراء أن المتحري قد قام بمراجعة دفاتر استبدال وتغيير الفلاتر بمصانع مياه الهيئة خلال الفترة من أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 2018م فلم يحدث أي استبدال في تلك التواريخ كما تم أيضاً مراجعة الفلاتر لمحطة زمزم وهو دفتر أحوال استبدال الفلاتر خلال يناير إلى 12/مارس/2019م ولم توضح دفاتر اليومية خلال هذه الفترة أي استبدال أو إحلال للفلاتر نتيجة عطل بالفلاتر في المحطة (دفتر مستند اتهام 4) ومن استقراء عريضة الشكوى يتضح أن تاريخ الشكوى ليس هو تاريخ وقوع أفعال الجريمة بل هو تاريخ اكتشاف الجريمة بعد وقوعها بوجودها بأرقامها المتسلسلة مركبة في محطة تحليه شقيق المتهم بالمنطقة الصناعية جوار حي دبايوا (انظر الشكوى).

رابعاً: الواقعة الوحيدة الثابتة إستلام المتهم الفلاتر بمزرعة هيئة الموانئ واكتشف الفلاتر بحسب ادعاء الاتهام في محطة شقيق المتهم ( ص 10 من المحضر وكل التحريات الأخرى لا تفيد تاريخ وقوع الجريمة محل الاتهام أو التصرف في الفلاتر محل الاتهام لصالح مصنع تحليه شقيق المتهم والإفادة الوحيدة التي يمكن أن يعول عليها لتحديد تاريخ الجريمة المدعى بها وهي واقعة ليس محل خلاف من إقرار المتهم بأنه ركب الفلاتر في بداية يناير أو بداية فبراير 2019م نتيجة خطأ ولتشابه الفلاتر بأن ركب فلاتر الهيئة في مصنع شقيقه وركب فلاتر شقيقه المتشابهة والمطابقة مع فلاتر الهيئة في مصنع تنقية مياه هيئة المواني البحرية.

خامساً: نخلص من هذا الاستقراء لواقع التحري ومحضر المحاكمة أن تاريخ وقوع الجريمة المدعاة من الاتهام كان في يناير أو بداية فبراير2019م ومن استقراء إعلان سريان حالة الطوارئ بالقرار الجمهوري رقم 6/2019م واستقراء إعلان تفويض سلطات الطوارئ للقوات النظامية بإنفاذ حالة الطوارئ وتفويض رئيس القضاء بإنشاء محاكم الطوارئ ووضع قواعد محاكماتها وقواعد تنظيم إجراءات التحري والتحقيق في مخالفات الطوارئ وهي أمر الطوارئ رقم (1/2019م) وقواعد محاكم الطوارئ رقم (56/2019م) كلها كانت صادرة في 25/فبراير/2019م والتواريخ التي تليه كما أن تفويض رئيس الجهاز بإنشاء وتأسيس محاكم الطوارئ بالقرار 183/2019م وإنشاء محاكم الطوارئ والأوامر التي صدرت كلها كانت في الفترة بعد 25/فبراير/2019م والذي يعنينا من هذا الاستقراء أنه في وقت ارتكاب الجريمة لم تعلن حالة الطوارئ ولم يصدر أمر تفويض الطوارئ 1/2019م ولم تشكل محاكم للطوارئ كما أن محكمة الطوارئ التي حاكمت المتهم لم تشكل إلا في تاريخ 27/مارس/2019م بموجب القرار رقم 30/2019م الصادر من رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر وعلى ضوء ذلك يتضح لنا ما هو آت:

1- أن تاريخ وقوع الفعل المادي محل الاتهام تحت جريمة خيانة الأمانة وهو تاريخ تصرف المتهم في الفلاتر التي بعهدته من هيئة المواني البحرية بصفته الوظيفية كمهندس بالهيئة وقد كان ذلك قبل صدور قرار رئيس الجمهورية السابق بالرقم 1/2019م بتاريخ 25/فبراير/2019م والذي فوض بموجبه في المادتين (7),(8) لكلاً من النائب العام ورئيس القضاء بإصدار القواعد الإجرائية التي تنظم إجراءات التحري والتحقيق والاستئناف في مخالفات الطوارئ , وإنشاء محاكم الطوارئ وإصدار القواعد الإجرائية التي تنظم المحاكمة أمام محكمة الطوارئ وطريق الطعن بالاستئناف في هذه الأحكام.

2- طالما أن تاريخ وقوع الجريمة المدعى بها هو تاريخ تصرف المتهم في عهدة الفلاتر لصالح شقيق المتهم قد ارتكب كركن مادي للجريمة وبلا جدال كان قبل إصدار الرئيس السابق القرار التفويضي رقم 1/2019م بإنشاء محاكم الطوارئ بالرقم 1/2019م وأن رئيس القضاء لم يصدر قواعد إنشاء وإجراءات المحاكمة في محاكم الطوارئ بالرقم 56/2019م في 26/فبراير2019م فسريان أمر الطوارئ وإنشاء نيابات الطوارئ وإنشاء محاكم الطوارئ وقواعد إجراءاتها لم تكن سارية وقت وقوع الجريمة فالقانون الساري وقت وقوعها هو القانون الجنائي لسنة 1991م وقانون الإجراءات الجنائية 1991م وليس أمر الطوارئ أو أوامر الطوارئ الاتهامية التي أقحمت بلا أي مبرر في البلاغ كما أن محكمة الطوارئ لم تكن منشأة أو موجودة وقت وقوع الجريمة محل الاتهام فمحكمة الطوارئ المشكلة والتي حاكمت المتهم لم تشكل إلا في 27/مارس/2019م ولم تكن المحكمة المختصة وقت وقوع الجريمة في يناير وبداية فبراير 2019م وبالتالي فوفق أحكام العدالة الإجرائية والموضوعية والمنصفة ووفق المبدأ العدلي الذي أقرته المادة (4) الفقرة (1) من القانون الجنائي 1991م والتي تنص صراحة على قاعدة عدلية بأن:

(قاعدة الأثر الرجعي للقانون الجنائي أنه على الرغم من حكم المادة (2) يطبق القانون الذي كان معمولاً به وقت ارتكاب الجريمة).

ويظل هذا المبدأ العدلي سارياً في ظل أحكام قانون الطوارئ وسارياً في ظل وجود أمر الطوارئ أو وجود الطوارئ ومن المفيد الإشارة إلى أن قواعد محاكمة الطوارئ التي أصدرها رئيس القضاء تحت الرقم 56/2019م أن القواعد تنص في المادة (27) على الأتي:

(تطبق المحاكم المختصة هذه القواعد مع مراعاة قانون الإجراءات الجنائية وقانون الإثبات في حالة خلو هذه القواعد من أي نص يحكم المسألة).

وهذه القاعدة بسريان القانون العام في حالة غياب النص في أي تشريع خاص قاعدة عامة تسري على أي حالة لم يرد بشأنها نص في القانون الخاص أي لم ينص وفق قاعدة سيادة القانون الخاص وقاعدة سريان القانون العام فيما لم يرد بشأنه نص خاص أوردها قانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م في المادة (6) فقرة (4) منه:

(يعتبر أي قانون خاص أو أي حكم خاص بأي مسألة في أي قانون استثنائي من أي قانون عام أو نصوص عامه في أي قانون يحكم تلك المسألة).

والمفهوم التفسيري للنص أنه في حالة عدم وجود نص في أي قانون خاص يحكم أي مسألة تكون المرجعية في هذه المسألة التي لم ترد في القانون الخاص تطبق أحكام القانون العام وهو المبدأ الذي أقره القانون الإجرائي الأم لكل القوانين في المادة 3(1) إجراءات مدنية 1983م (يطبق القانون):

(على الإجراءات المتعلقة بالمسائل المدنية ومسائل الأحوال الشخصية وعلى الإجراءات المتعلقة بغيرها من المواد فيما لم يرد بشأنه نص في قوانين أخرى).

ونخلص من مجمل هذه المناقشة إلى أن قانون الطوارئ والأوامر الصادرة بموجبه هي بمثابة قانون خاص استثنائي من أحكام القانون الجنائي لسنة 1991م وقانون الإجراءات الجنائية 1991م وإن كانت تسري عليه قاعدة سيادة الخاص على العام إلا أنه في ذات الوقت تسري عليه قاعدة:

(سريان القانون العام الجنائي فيما لم يرد بشأنه نص في قانون الطوارئ) وطالما لم يرد في قانون الطوارئ أو أوامره أي نص صريح يستثني قانون الطوارئ القانون الاستثنائي من قواعد ومبادئ رجعية القانون وسريان القانون الذي كان معمولاً به وسارياً وقت ارتكاب الجريمة أو يستثني قانون الطوارئ الاستثنائي من قاعدة ومبدأ القانون الأصلح للمتهم عند المحاكمة ولا يوجد أي نص صريح يلغي أو يعطل سريان هذه القواعد السالفة فإننا نقرر:

(أ ) أن القانون الواجب التطبيق في هذه القضية هو القانون الجنائي المعمول به وقت ارتكاب الجريمة وليس قانون الطوارئ والأوامر الصادرة بموجبه أو قواعد محاكمات الطوارئ والتي لم يكن معمولاً بها وقت ارتكاب الجريمة المدعاة.

(ب) أن القانون الجنائي 1991م وقانون الإجراءات الجنائية هما القانونان الواجبا التطبيق لأنهما القانونان الساريان والمعمول بهما وقت ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام.

(ج) أن القانون الأصلح للمتهم بلا جدال هو القانون الجنائي المعمول به وقت الجريمة ولا مجال بأي حال من الأحوال لفرضية أن قانون الطوارئ وأوامره الاستثنائية المقيدة لإجراءات التحري والتحقيق والمحاكمة أنها هي الأصلح للمتهم في المحاكمة.

وعلى ضوء كل ما تقدم نرى إن لم يكن هنالك أي محل أو مجال ابتداءً لتوجيه الاتهام تحت قانون الطوارئ وأوامره أو إقحامه في الاتهام كمبرر لمحاكمة المتهم أمام محكمة الطوارئ ومن ثم نقرر:

1- طالما أن الاختصاص النوعي من النظام العام الإجرائي فيجب التمسك به كقاعدة عدلية وكنظام عدلي بأن يحاكم المتهم أمام قاضيه الطبيعي المختص بنظر النزاع وقت ارتكاب الجريمة محل الاتهام.

2- وطالما أن الاختصاص من النظام العام العدلي الإجرائي والموضوعي ويجوز الدفع به في أي مرحلة من مراحل التقاضي بل تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.

3- فإن هذه القضية كان الواجب أن تنظر ابتداءً أمام قاضي الجنايات وليس قاضي محكمة الطوارئ.

4- طالما كانت محكمة الطوارئ غير مختصة ابتداءً إجرائياً وقانوناً وفق أوامر الطوارئ ليس هي القانون الأصلح للمتهم بأي حال من الأحوال فلا مجال في هذه الحالة لمناقشة صحة أو عدالة الحكم الصادر من محكمة غير مختصة لبطلان الإجراءات والحكم بالتبعية وبما يستوجب إلغاء الإدانة والعقوبة.

ونقرر:

إحالة القضية للنظر أمام المحكمة المختصة المحكمة الجنائية الطبيعية العادية وبالتالي قبول طلب الدفاع حول الاختصاص وبطلان الإجراءات أمام محكمة الطوارئ لعدم الاختصاص.

ويجدر بنا هنا ضرورة التنويه إلى ما أقره الدستور الانتقالي 2005م الساري وقت ارتكاب الجريمة والذي يقرر صراحة في الفقرتين (3) , (4) من المادة (43) على أنه:

1- يكـون لأي شخص تتخذ ضـده إجراءات مدنية أو جنائية الحق في سماع عادل وعلنـي أمام محكمة (عادية) ووفق الإجراءات التي يحددها القانون.

وعبارة محكمة (عادية) تعني محكمة القاضي الطبيعي العادي وفق القانون والذي يحاكم القضية وفق المجري العادي للإجراءات ولا تعني عبارة محكمة استثنائية غير عادية في ظروف وأحوال غير طبيعية وغير عادية كمحكمة الطوارئ ومعلوم لنا أسباب تشكيل هذه المحاكم تحت هذه الظروف الاستثنائية غير العادية.

2- كما أن الفقرة (4) من المادة (34) من الدستور 2005م تقرر:

لا يجوز توجيه اتهام ضد أي شخص بسبب فعل أو امتناع عن فعل ما لم يشكل ذلك الفعل أو الامتناع جريمة (عند وقوع الجريمة).

وتفيد هذه الفقرة العدلية الدستورية أن المحاكمة الجنائية في أصلها مرتبطة بالقانون الساري وقت ارتكاب الجريمة وليس أي قانون آخر غير سارٍ وقت ارتكاب الجريمة وهذا ما أكده قانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م في الفقرة (2) من المادة (6) منه التي تقرر:

(إذا تعارض أي نص في أي قانون مع أي حكم من أحكام الدستور تسود أحكام الدستور بالقدر الذي يزيل هذا التعارض).

ونشير هنا إلى جزئية مهمة وهي أن قانون الطوارئ 1997م صادر قبل إصدار دستور 1998م والذي أقر حالة الطوارئ بموجب أحكام قانون الطوارئ 1989م في الفقرة (د) من المادة (34) وهي ذات (حالة الطوارئ) التي أقرت في المادة 58(2) من الدستور الانتقالي 2005م وظل قانون الطوارئ والسلامة العامة 1997م ساري المفعول طوال هذه السنوات ولم يلغ أو يعدل وقد ورد ذلك في ديباجة أمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م والتي تقول:

(عملاً بأحكام المادة (211) من دستور جمهورية السودان الانتقالي 2005م مقروءة مع المادتين 5،8 من قانون الطوارئ وحماية السلامة العامة 1997م وبعد الاطلاع على المرسوم الجمهوري رقم (6/2019م) بإعلان حالة الطوارئ أصدر الأمر الأتي نصه:

الأمر: 1/2019م

ويلاحظ أنه رغم إعلان حالة الطوارئ لم يعطل العمل بدستور 2005م ومما يجعل نص المادة 34 فقرة (4،3) من دستور السودان حاكمه ومقيدة لحالة الطوارئ ومقيدة لقواعد وأحكام محاكمات الطوارئ بسيادة حكم الدستور إذا تعارضت أحكام وقواعد محاكمات الطوارئ مع الدستور وتسود مبادئ الدستور بأن يطبق القانون المعمول به وقت وقوع الجريمة ومبدأ وقاعدة العدالة قاعدة القانون الأصلح للمتهم وفق ما أقرته الفقرة (1) ’(2) من المادة (4) من القانون الجنائي 1991م وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى الجزئية التي وردت في حكم الاستئناف ومع تقديرنا التام لوجهة نظرها حول واقعة عدم اختصاص محكمة الطوارئ حيث رأت أن المتهم قد وجد حظه في محاكمة عادلة من حيث حق الدفاع ووجود محام في الدفاع وفي محاكمته محاكمة غير إيجازية كما لو كان في محاكمة (عادية) ولم ينقص حقه في الدفاع رغم أن المحكمة محكمة طوارئ ونخالف محكمة الاستئناف في وجهة نظرها من الوجهة الإجرائية القانونية العدلية البحتة وفق ما يلي:

1- فكلما أسلفنا في المناقشة السالفة فإن محكمة الطوارئ مشكلة بموجب أحكام قانون الطوارئ وبموجب أحكام أمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م وبالتالي لا اختصاص لها في نظر القضية وكما أسلفنا فالاختصاص من النظام العام الإجرائي لا مجال لتجاوزه بأي حال من الأحوال وبالتالي لا سند لتأييد حكم محكمة غير مختصة بنظر النزاع في وجود المحكمة المختصة وقت وقوع الجريمة.

2- وفي تقديرنا وبحسب ما استقر وتواتر في الفقه القضائي التفسيري ومعرفتنا لأداء القضاة بولاية البحر الأحمر فلا شك في عدالة القاضي الذي حكم القضية القاضي (محمد عبد الرحمن) وتميزه في أدائه الوظيفي إلا أن المتواتر في الفقه العدلي التفسيري أن المحكمة غير المختصة لا يصح قضاؤها وإن عدلت فالعبرة في تحقق عدالة الحكم اطمئنان الشخص المحاكم إلى أنه سيحاكم محاكمة عادلة أمام عدالة قاضيه الطبيعي العادي وفق إجراءات عادية وليس في محكمة استثنائية شكلت في ظروف استثنائية غير طبيعية ووفق قواعد محاكمات استثنائية مقيدة بإجراءات استثنائية ومقيدة بإعلان حالة الطوارئ لان العبرة العدلية الإجرائية والموضوعية ليس في عدالة القاضي في محكمة الطوارئ بل جلوسه في محكمة استثنائية لإجراءات استثنائية وبالمقابل فالفرضية الإجرائية أن قضاء الطوارئ أنه قضاء استثنائي من التقاضي العادي الطبيعي وفي حالة عامة غير طبيعية وفي ظل ظرف غير طبيعي وتوتر سياسي وأمني وتفكك أركان النظام الحاكم دعاه إلى فرض حالة الطوارئ المعلومة أسبابها فتنتفي بذلك الفرضية بالاطمئنان لعدالة الطوارئ فأساس الحكم اطمئنان الشخص المحاكم لعدالة المحاكمة في ظل هذه الظروف وحتى أن عدلت محكمة الطوارئ فذلك لا ينفي أو يزيل حالة عدم الاطمئنان للعدالة الاستثنائية بقواعد وقوانين استثنائية من ذهنيه المتهم المحاكم ناهيك من عدم اختصاص محكمة الطوارئ ابتداءً ومعلوم لأهل القانون في العهود السابقة في السودان التي طبقت فيها حالة الطوارئ وشكلت فيها محاكم الطوارئ السمعة العامة بفقدان الإحساس بعدالة هذه المحاكم في تلك الظروف الاستثنائية وفي ظل عدم الاطمئنان لعدالة مرتبطة بحالة الطوارئ غير الطبيعية وكل ذلك التاريخ لحالة الطوارئ والتي كانت خاضعة لوضع عام وفي ظل نظام الحكم الشمولي أنها لا يطمئن لعدالتها كمحاكم استثنائية وإن عدلت وبما ينفي عن عدالتها قاعدة الطمأنينة المفترضة للقضاء الطبيعي العادي في ظل نظام عدلي طبيعي ونظام عدلي سياسي وأمني طبيعي.

 

وعليه نرى أن عدالة محكمة الطوارئ لا تبرر اختصاصها أو التجاوز عن عدم اختصاصها وقبول ما تقضي به من أحكام لاجتماع صفة القضاء الاستثنائي وصفة انعدام الاختصاص النوعي في أداء محاكم الطوارئ.

 

وعلى ضوء ما تقدم نقرر عدم اختصاص محكمة الطوارئ وبالتبعية بطلان ما تم من إجراءات وبالتبعية عدم صحة الإدانة وما وقع من عقوبات وبما يستوجب من الوجهة العدلية الإجرائية القانونية البحتة إلغاء الإدانة والعقوبات الصادرة وأن تعاد الإجراءات للنظر في الدعوى أمام محكمة جنائية طبيعية عادلة للفصل فيها وبما يجعلنا قبول ما أثاره الدفاع في طلبه بعدم اختصاص المحكمة وبطلان كل ما تم من إجراءات وفق قواعد الاختصاص من النظام العام العدلي الإجرائي ولا مجال لتجاوزه بفرضية عدالة محكمة الطوارئ ونرى أخيراً الأتي:

 

رغم قرارنا بعدم اختصاص محكمة الطوارئ التي حكمت هذه القضية وبالتالي لا مجال لمناقشة صحة الإجراءات أو صحة الحكم من عدمها إلا أن مذكرة الرأي الأول في استئناف الطوارئ التي سطرها يراع القاضي المتميز في أدائه (القاضي هشام عوض أحمد أسد) والتي اتفق فيها معه زملاؤه في الدائرة (يحي أحمد محمد) , (سعد موسى عروباي) فرضت علينا أن نسجل لمحه تقدير لهذا السرد والدقة والرؤية المنطقية للبينة والوقائع والتسبيب الجيد لوجهة النظر القانونية والسرد الموضوعي لهذا التسبيب فله منا ولزملائه في الدائرة كل التقدير والثناء وما ضيع اختلاف الرأي للود قضية ولا بد أن نقول للمحسن قد أحسنت في كل الأحوال.

 

وعموماً ووفق ما توصلنا إليه في المناقشة التفصيلية نقرر:

 

أولاً: عدم اختصاص محكمة الطوارئ بنظر القضية.

 

ثانياً: تلغى الإدانة والعقوبة بالتبعية.

 

ثالثاً: يعاد القبض على المتهم ويسلم لشرطة المحكمة لإعادة المحاكمة أمام المحكمة المختصة.

 

رابعاً: تعاد المحاكمة أمام محكمة الجنايات المختصة.

 

 

 

 

 

 

 

القاضي: أحمـد الطيب عمـر

التاريخ: 21/10/2019م

 

أوافق الرأي للقاضي العالم مولانا/ ملاسي ولم يترك لنا ما يمكن إضافته في مذكرته الشاملة.

 

القاضي: سمير محمد السيد أحمد

التاريخ: 22/10/2019م

 

أوافق.

 

الأمر النهائي:

1- إلغاء قرار محكمة الموضوع بالإدانة والعقوبة.

2- يعاد القبض على المتهم.

3-  تعاد المحاكمة أمام محكمة الجنايات المختصة.

4- يخطر مقدم الطلب.

 

 

 

أحمــد الطيـب عمـر

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

24/10/2019م

▸ الجنائي 2019م فوق حكومة السودان //ضد// ز. ع. ع. ج م ع/م ك ا/مؤبد/15/2018م ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2019
  4. الجنائي 2019م
  5. حكومة السودان //ضد// أ. ص. م م ع/ ف ج/ج ح/157/2019م

حكومة السودان //ضد// أ. ص. م م ع/ ف ج/ج ح/157/2019م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة القومية العليا

دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا

ببورتسودان

 

القضاة:

سعادة السيد / أحمــد الطيـب عمــر

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد / سمير محمـد السيـد أحمـد

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / عبد الرؤوف حسب الله ملاسي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

حكومة السودان //ضد//  أ. ص. م

م ع/ ف ج/ج ح/157/2019م

 

قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م - المادة 7(1) منه الاختصاص النوعي للمحاكم - تكييفه - من النظام العام - يجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها.

الدستور الانتقالي لسنة 2005م - المادة 34(3/4) منه - المحاكم العادية  والاستثنائية - تعريفها.

 

المبادئ:

1-الاختصاص النوعي من النظام العام فيجب التمسك بأن يحاكم المتهم أمام قاضيه الطبيعي المختص بنظر النزاع وقت ارتكاب الفعل.

 

2- المحكمة العادية تعني محكمة القاضي الطبيعي العادي وفق القانون والمجرى العادي للإجراءات ولا تعني المحاكم الاستثنائية.

3- قضاء الطوارئ قضاء استثنائي ، والأصلح للمتهم محاكمته أمام المحكمة الطبيعية وفقاً للدستور الانتقالي لسنة 2005م.

المحامون:

  الأستاذ/ شعيـب أبوبكـر                                  عن مقدم الطلب

الحكــم

 

القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي

التاريخ: 8/10/2019م

 

الرأي الأول:

هذا طلب للفحص مقدم من الأستاذ/ شعيب أبو بكر المحامى إنابة عن المدان المحكوم عليه في المحاكمة الجنائية/غ أ/2/2019م القاضي بالحكم فيها بتاريخ 8/أبريل/2019م بإدانة المتهم تحت المادة 177(2) من القانون الجنائي 1991م وبموجب أمر الطوارئ رقم (5)/2019م والحكم عليه بالسجن (5) سنوات اعتباراً من 5/مارس/ 2019م وهو الحكم الذي تم تأييده تحت المادة 177(2) من القانون الجنائي /1991م أمام محكمة استئناف الطوارئ مع إلغاء الإدانة تحت أمر الطوارئ رقم(5)2019م وتعديل عقوبة السجن إلى ثلاث سنوات مع إعادة الإجراءات إلى محكمة جنايات الطوارئ لتوقيع عقوبة الغرامة الوجوبية وعند الإعادة إلى محكمة الطوارئ وقعت على المدان عقوبة الغرامة 5000 آلاف جنيه وفى حالة عدم الدفع تسري عقوبة بسجن بديل للغرامة ثلاثة أشهر تسري بالتتابع بعد انقضاء عقوبة السجن الأصلية ويدور طلب الفحص حول النقاط التالية:

أولاً: أثار الدفاع دفعاً قانونياًً ببطلان إجراءات المحاكمة أمام محكمة الطوارئ تتمثل في:  

1- بطلان إجراءات تحريك الدعوى الجنائية وبموجب أحكام قانون الإجراءات الجنائية 1991م لأن النيابة حركت الدعوى بناءً على شكوى من شخص تابع لجهاز الأمن وليس له الصفة القانونية التي تخول حق تقديم الشكوى إذ ليس من اختصاص أفراد جهاز الأمن والمخابرات لسنة 1991م في المادتين (7,6) سلطة تحريك الدعوى الجنائية بشكوى.

2- أن المال موضوع الاتهام ملك خاص لهيئة المواني البحرية وبالتالي فهي الجهة الوحيدة التي يخولها قانون الإجراءات حق تحريك الدعوى الجنائية ومباشرة الاتهام والظهور أمام المحاكم بعد التحقيق الإداري حول المخالفة المدعى بها وفرد جهاز الأمن ليس مفوضاً بتحريك إجراءات البلاغ إنابة عن هيئة المواني وقد عرفت المادة (4) إجراءات جنائية الشاكي في الجنايات.

ثانياً: أيدت محكمة استئناف الطوارئ الحكم الابتدائي الصادر من محكمة الطوارئ بإدانة المتهم تحت قانون الطوارئ ومخالفة في ذات الوقت قانون الطوارئ نفسه بإحالة البلاغ للمحاكمة أمام محكمة الطوارئ ومخالف للقواعد الإجرائية والأصولية في الإجراءات الجنائية حيث لا ينعقد الاختصاص ابتداء لمحاكم الطوارئ للنظر والمحاكمة لهذا البلاغ فوقائع الاتهام المنسوبة للمتهم كفعل إجرائي وقعت أفعاله في خلال الفترة من أكتوبر/ نوفمبر وديسمبر 2018م ولم يكن حينها قانون الطوارئ وأمر الطوارئ سارياً أو موجوداً ولم ير النور في خلال فترة تاريخ ارتكاب الجريمة والعبرة في الاتهام الجنائي بتطبيق أحكام القانون الجنائي الذي كان سارياً وقت ارتكاب الجريمة ووقوع وحدوث الوقائع محل الاتهام فقد صدر أمر الطوارئ بموجب مرسوم عن رئيس الجمهورية في حوالي10/مارس/2019م أي بعد وقوع الأفعال محل الاتهام وبالتالي يخرج البلاغ ومحاكمته ابتداءً من اختصاص محكمة الطوارئ وفق أحكام الفقرة (2) من المادة (4) من القانون الجنائي1991م والذي ينص على تطبيق القانون الجنائي الأصلح للمتهم في الجرائم التي لم يصدر بشأنها حكم نهائي (في حالة الجرائم التي لم يصدر فيها حكم نهائي تطبق أحكام هذا القانون إذا كان الأصلح للمتهم).

ثالثاً: وبناء عليه تعتبر المحاكم الجنائية العادية في هذه الحالة هي المختصة بنظر القضية تحت مواد القانون الجنائي العادية والتي تعتبر في هذه الحالة المعروضة الأصلح عند المحاكمة من حيث الإجراءات ودرجات التقاضي العدلية المتاحة في المحاكمات العادية وفيها كل ضمانات العدالة الإجرائية الأساسية.

رابعاً: المحاكمة العادلة وفق القواعد التشريعية التي نصت عليها الفقرتان (ب) و(ج) من المادة (4) إجراءات جنائية 1991م هي أن يراعى عند تطبيق أحكام هذا القانون (1) لا تجريم ولا جزاء إلا بنص تشريعي ساري سابق (ج) المتهم برئ حتى تثبت إدانته وله الحق في أن يكون التحري معه ومحاكمته بوجه عادل وناجز وذلك وفق قاعدة ومبدأ (القانون الأصلح) للمتهم وحماية الحرية الفردية والمحافظة على المصلحة العامة.

خامساً: إن المعيار القانوني لقاعدة القانون الأصلح للمتهم قاعدة تحدد إجرائياً وفق قاعدة المقارنة بين كل القوانين الجنائية التي صدرت خلال الفترة من تاريخ وقوع الحادث موضوع الجريمة والتي صدرت حتى تاريخ الفصل النهائي البات بحكم قضائي ووفق هذه المقارنة بيَن كل هذه القوانين تتحدد ماهية القانون الأصلح في المحاكمة الجنائية ومبدأ القانون الأصلح للمتهم أقرته المادة (32) من دستور السودان التي نصت على (لا يجرم أحد أو يعاقب على فعل إلا وفق قانون سارٍ وقت ارتكاب الجريمة ) وقد أقرت المحكمة العليا ذات المبدأ في السابقة القضائية المنشورة في مجلة الأحكام 1980م ص 105 - 107(بأن مرجعية أي أثر رتبه أي تعديل في القانون الجنائي يكون وفق قاعدة ما هو أصلح للمتهم في الدعوى الجنائية). 

سادساً: تواتر القضاء على أن من أهم شروط تطبيق أحكام جريمة (خيانة الأمانة) هو ركن أن يؤدي التصرف في المال موضوع الجريمة بسوء قصد أو إهمال إلى ضياعه أو تبديده مع ضرورة توافر علاقة السببية بين الإهمال والخسارة لهذا المال وأيضاً مراعاة أن التصرف يشمل الفعل أو الامتناع عن الفعل وأن يكون الإهمال في المال سابقاً على ضياعه أو تبديده لأن المسألة الجنائية لا تكون على مطلق الإهمال والخسارة لهذا المال وهو ما أقرته السابقة: محمود الأمين برهماي//ضد// ح . س المنشورة في مجلة 1974م ص 397).

سابعاً: وجه الخطأ في حكم الاستئناف في تأييده لقضاء محكمة الطوارئ نابع من الخطأ في التكييف القانوني للبينة واستندت على مستند الاتهام وهي الواقعة التي لم ينكرها المتهم في كل مراحل التحري وإقراره القضائي وإلى مرحلة المحاكمة وقد جاءت أقواله متماسكة وتقوي من دفاعه (بأنه قام بتركيب فلاتر مصنع شقيقه في مصنع مياه هيئة المواني البحرية وقام بتركيب فلاتر مصنع مياه المواني البحرية في مصنع شقيق المتهم وهي فلاتر متشابهة ومتطابقة وهنالك صعوبة فنية في التمييز بين فلاتر مصنع مياه شقيق المتهم وفلاتر مصنع مياه هيئة المواني وكان الخطأ في تركيب الفلاتر بين ما ركب في مصنع شقيق المتهم وما ركب في مصنع الهيئة بالبدل بسبب التشابه بين الفلاتر وبما ينفي أي خسارة أو تحويل منافع مال الهيئة لأن فلاتر (شقيق المتهم ركبت في مصنع الهيئة) وقد تواتر القضاء على قبول الأعذار والمبررات المقبولة والمنطقية كأساس لنفي الاتهام (مثال السابقة/ح . س//ضد// شرف الدين فرح/ مجلة الأحكام القضائية 1974م ص 397 حيث لم يثبت أن تبديل الفلاتر بين مصنع شقيق المتهم وفلاتر مصنع الهيئة كان بسوء قصد وبما ينفي إثبات التهمة بالمعنى الجنائي بالنسبة لجريمة خيانة الأمانة السابقة /ح .س//ضد// محمد أحمد مجلة 1976م ص 628).

ثامناً: أفاد الشاهد (مورد الفلاتر) لهيئة المواني أن جميع الفلاتر التي باعها للهيئة تم تركيبها في محطة مياه الهيئة وأن فلاتر شقيق المتهم ركبت في مصنع الهيئة عن طريق الخطأ بتبديل الفلاتر بين المصنعين للمتشابه وأكد أن الفلاتر التي باعها للهيئة لم تكن بأرقام متسلسلة لأنه باعها بالعدد والموديل وفق فاتورة البيع ولم تقم سلطة التحري بطلب الفلاتر المركبة بمحطة شقيق المتهم والتي يفيد المتهم أنه قام بتركيبها عن طريق الخطأ غير مقصود في مصنع هيئة المواني وبما ينفي سوء القصد بتركيب فلاتر شقيق المتهم في مصنع الهيئة وفلاتر الهيئة المتشابهة في مصنع شقيق المتهم.

تاسعاً: جاءت إفادات الاتهام متضاربة ومتناقضة في الوقائع ولا سند للتعويل عليها في الإدانة بالإضافة إلى أن الاتهام لم يقدم أي بينة حول قيمة فواتير الفلاتر محل الاتهام وبالتالي لا توجد مقارنة بتاريخ استلام المتهمة للفلاتر بتاريخ تركيبها بما يثير ظلالاً عن الشك حول صحة واقعة (عدد الفلاتر) كما لم يستدع (خبير فني) في شأن هذه الفلاتر وفق مقتضيات المادة (30) من قانون الإثبات 1994م مقروءة مع المادة (162) إجراءات جنائية 1991م ولا سند لقبول تقارير فنية إلا بسماع بينة الخبرة (يشير إلى السابقة القضائية/ح . س//ضد// محمد عبد العافي المنشورة في مجلة الأحكام القضائية 1997م ص 147) والتي تقرر(عدم الاستعانة بخبير فيه مساس بقواعد العدالة) وبالتالي يثور الشك في صحة واقعة تركيب الفلاتر وأنه كان الواجب الاستعانة بالخبرة الفنية لأن الخبرة الفنية كانت ستؤكد واقعة الخطأ في استبدال فلاتر شقيق المتهم بمصنع هيئة المواني ووضع فلاتر الهيئة بمصنع شقيق المتهم لتشابه الفلاتر وبما يستوجب تفسير الشك لصالح المتهم بأنه يجب أن تكون الإدانة فوق كل مرحلة شك معقول.

[ يشير إلى السابقة/القضائية مجلة الأحكام/1976م ص 66].

ومن ثم يلتمس الدفاع من كل هذه الأسباب فحص الإجراءات وإلغاء الإدانة والعقوبة لعدم اختصاص محكمة الطوارئ وما بنى على باطل فهو باطل بالتبعية وأيضاً من جهـة أخرى فقد فشل الاتهام في إثبات سوء نية المتهم وأيضاً كان تحريك الدعوى الجنائية بلا سند قانوني لتحريك الدعوى بواسطة شخص لم تخول له صفة تحريك هذه الإجراءات وفق أحكام قانون الإجراءات الجنائية.

ونرى في البدء وقبل الدخول في مناقشة تفصيلية وضرورة العضوية إلى أننا قد قصدنا إيراد كل ما أثاره الدفاع في طلب الفحص من مسائل إجرائية ودفوع قانونية وبوجه تفصيلي لأهمية ما أثير من الجهة القانونية البحتة والتي بذل فيها الدفاع جهداً قانونياً مقدراً يستحق أن نتصدى له بالمناقشة القانونية العدلية بما لنا من رقابة قانونية عدلية وفق أحكام المادة (188) إجراءات جنائية 1991م للتأكد من سلامة الإجراءات ولتحقيق العدالة الإجرائية القانونية والعدالة الموضوعية وهو ما سنفصله في مناقشة الفقرات التالية:

أولاً: يدور التماس الفحص على وجهين هما:

الدفع الأول: بطلان إجراءات تحريك الدعوى الجنائية ابتداءً أمام النيابة وحتى مرحلة التحري. وبطلان تحريك الدعوى تحت أحكام قانون الطوارئ وأمر الطوارئ وبالتبعية بطلان إحالة الدعوى والبلاغ للمحاكمة أمام محكمة الطوارئ لعدم اختصاصهما بالنظر واختصاص المحكمة الجنائية ابتداء.

الدفع الثاني: بطلان إجراءات المحاكمة لعدم اختصاص محكمة الطوارئ ومن جهة أخرى بناء الحكم على عدم تقدير سليم للوقائع ووزن البينة وفق أحكام وقواعد قانون الإثبات ووفق ما استقر عليه الفقه القضائي من مبادئ قانونية.

ثانياً: نناقش الدفعين السالف ذكرهما من وجهة النظر القانونية البحتة بموجب رقابتنا القانونية وفق أحكام المادة (188) إجراءات جنائية على وجه التفصيل التالي:

بالنسبة للجزئية الأولى المثارة حول بطلان إجراءات تحريك الدعوى الجنائية وبطلان إجراءات التحري إلى مرحلة إحالة الدعوى إلى المحاكمة تحت المادة (56) إجراءات جنائية 1991م نرى ونقرر الآتي:

(أ ) المعلوم قانوناً وفقهاً وقضاءً أن سلطة العلم بالجريمة وسلطة تحريك الدعوى الجنائية ببلاغ أو شكوى ابتداءً أنها سلطة تختص بها النيابة وحدها ولا اختصاص للقضاء أو المحاكم بإجراءات أخذ العلم أو تحريك الدعوى الجنائية أو توجيه التحري فيها إلا استثناء وفق أحكام المادة (7) فقرة (2) إجراءات جنائية 1991م (أخذ الإقرارات ، تجديد الحبس لأكثر من ثلاثة أيام والأمر بالتفتيش العام ، بممارسة سلطات وكيل النيابة في حال غيابه عن دائرة اختصاصه وفق الفقرة (د) من المادة المذكورة) انظر المواد (33) ، (34) ، (35) ، (39) ، (44) ، (53) ، (55) إجراءات جنائية 1991م و 17 ، 19 من نفس القانون.

(ب) من المعلوم قانوناً وفقهاً وقضاءً أن ما تقرره أو تصدره النيابة العامة والشرطة الجنائية تحت رقابة النيابة ابتداءً من مرحلة أخذ العلم بالجريمة والتحري فيها إلى مرحلة توجيه الاتهام والإحالة للمحاكمة تحت المادة (56) إجراءات جنائية وأوامر وقرارات وإجراءات لا سلطة للمحاكم بالتدخل في شأن إلغائها أو تعديلها لأن ذلك اختصاص أصيل لسلطات النيابة في مراحل تدرجها الأعلى بالطعن أو الفحص وفق قواعد إجراءات الطعن في مرحلة الدعوى الجنائية في المراحل السالف ذكرها إلى آخر مراحل وفق قانون النائب العام ولائحة تنظيم أعمال النيابة وينحصر اختصاص المحاكم الاستثنائي في خلال مرحلة إجراءات التحري في جزئية المادة 21(2) إجراءات جنائية الذي يجيز استئناف القرار النهائي لوكيل النيابة إلى قاضي محكمة الاستئناف في جزئية حجز الأموال.

(ت) وبالتالي فقرارات وأوامر قبول الشكوى الجنائية أو تحريك الدعوى الجنائية بواسطة النيابة أو الشرطة وتحت إشرافها سواء كانت صحيحة أو خاطئة لا سلطة للقضاء أو المحاكم عليها بطرق الطعن المعلومة وتخرج عن اختصاص المحاكم الاستئنافية والنقض الأعلى وقد قيد المشرع سلطة المحكمة فقط بإجراءات المحاكم الواردة في الباب الخامس المحاكمة من المادة (131) إجراءات جنائية 1991م وما بعدها من مواد إلى مرحلة الحكم والطعن فيه وفق المواد (179) إلى (188) ، 188(أ) إجراءات جنائية وبالتالي فما أثاره الدفاع حول صحة أو عدم صحة إجراءات تحريك الدعوى الجنائية فإنه مسألة تخرج عن اختصاص مناقشة المحاكم لها وكان متاحاً للدفاع الطعن فيها في مرحلة التحري إلى وكيل النيابة الأعلى وفق التدرج والاختصاص الوظيفي لأعمال النيابة وفق لائحة تنظيم أعمال النيابة كما أسلفنا وبالتالي فلا مجال في مرحلة المحاكمة أو في مرحلة الاستئناف أو الفحص ، الطعن أمام المحاكم ليقدح في صحة إجراءات تحريك الدعوى الجنائية أمام النيابة أو الشرطة تحت إشرافها المادة 39(4) إجراءات وما بعدها.

 وبناءً عليه فلا مجال أمامنا أو سلطة بنظر الطعن أو الفحص أو الاستئناف للنظر في صحة قرارات وأوامر النيابة حتى ولو كان الدفاع يرى مخالفتها للقانون فالمحاكم مقيدة قانوناً من هذا الإجراء رغم وجاهة ما أثاره الدفاع إلا أن مكانه ليس أمامنا في هذه المرحلة.

(د) بالنسبة للدفع الثاني الذي أثاره الدفاع حول عدم اختصاص محكمة الطوارئ كمحكمة إجرائية استئنافية وحيث الاختصاص معلوم قانوناً أنه من النظام العام الإجرائي يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل التقاضي وبل يجوز أن تقضي المحكمة من تلقاء نفسها نقرر الآتي:

(أ ) من المعلوم قانوناً وقضاءً أن حالة الطوارئ ظلت حاكمة للسودان وأقاليمه المتعددة ولفترة زمنية طويلة حتى تاريخ لاحق في 1997م حيث أصدر الرئيس السابق قانوناً جديداً للطوارئ وحماية السلامة العامة 1997م والذي ظل سارياً حتى قيام الثورة الشعبية في السودان حيث اصدر الرئيس السابق المرسوم الجمهوري رقم 6/2019م بتجديد إعلان حالة الطوارئ العامة في كل السودان وبموجب ذلك الإعلان وبموجب أحكام قانون الطوارئ 1997م أصدر أيضاً أمر الطوارئ رقم (1) 2019م بتاريخ الخامس والعشرين من شهر فبراير 2019م الموافق التاسع عشر من شهر جمادى الآخرة 1440هـ والذي فوض بموجبه القوات النظامية (القوات المسلحة وجهاز الأمن والمخابرات الوطني وقوات الدعم السريع) المهام والسلطات الواردة في قانون الطوارئ والسلامة العامة 1997م وفي ذات الأمر التفويضي فوض رئيس القضاء في إنشاء محاكم الطوارئ وفوضه بإصدار القواعد الإجرائية التي تنظم (إجراءات المحاكمة والاستئناف) كما فوض أيضاً وفق المادة (7) من أمر الطوارئ (1) 2019م النائب العام بإنشاء نيابات طوارئ وإصدار القواعد التي تنظم إجراءات التحري والتحقيق والاستئناف في إجراءات التحري وقد أصدر رئيس القضاء بموجب هذا التفويض قواعد محاكم الطوارئ بالقرار رقم (56) لسنة 2019م كما أصدر النائب العام قواعد تنظيم التحري وتحريك الدعاوى الجنائية أمام نيابات الطوارئ الخاصة استثناءً من قانون الإجراءات الجنائية مع مراعاة قانون الإثبات 1994م في حال خلو هذه القواعد من أي نص خاص يحكم أي مسالة إجرائية أو موضوعية.

(ب) وبموجب القواعد التي أصدرها رئيس القضاء الأسبق رقم 56/2019م بإنشاء محاكم خاصة لمحاكمة المخالفات لقانون الطوارئ وفق الأمر (1) لسنة 2019م أصدر رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر أمر تشكيل طوارئ محاكم بالرقم (1) قرار 20/2019م والحق بقرار لاحق في 28/فبراير/2019م بتعيين قضاة آخرين لنظر البلاغات وفق الأوامر والاختصاصات والإجراءات المنصوص عليها بأمر تأسيس المحكمة ويتضح من ذلك أن رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر وبتفويض من رئيس القضاء قد أصدر القرارات بالأرقام 20 ، 22 ، 25 ، 30 ، 48 بتشكيل محاكم طوارئ ابتدائية وأيضاً محكمة استئناف طوارئ لنظر الاستئنافات المقدمة في مواجهة أحكام هذه المحاكم (قرار 35/2019م) بتاريخ 26/يونيو/2019م الموافق الثاني والعشرين من شوال 1440هـ.

ويتضح من هذا السرد التفصيلي لقواعد تأسيس محاكم الطوارئ ومحكمة استئناف الطوارئ وأمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م الصادر من الرئيس السابق المسائل الإجرائية التالية:

أولاً: أن أمر الطوارئ بإعلان حالة الطوارئ كان بالقرار الجمهوري 6/2019م وأن الأمر التفويضي التنفيذي بتفويض سلطات الطوارئ للقوات النظامية وتفويض رئيس القضاء بإنشاء محاكم الطوارئ وقواعد المحكمة وتفويض النائب العام لإصدار قواعد التحري والتحقيق والاستئناف في مرحلة التحري كان بالأمر 1/2019م بتاريخ: 25/فبراير/2019م.

ثانياً: يتضح من ذلك وخلال الفترة السابقة على تاريخ 25/فبراير/2019م لم تكن هنالك أوامر تفويضية بإنشاء محاكم للطوارئ أو أي أوامر تفويضية سابقة على الأمر التفويضي رقم 1/2019م بسريان لحالة الطوارئ فعلياً وبما ينفي أي وجود لمحاكم طوارئ أو نيابة طوارئ خلال الفترة من ديسمبر 2018م إلى 24/فبراير/2019م وكان الساري خلال هذه الفترة القانون الجنائي 1991م وقانون الإجراءات العادية الطبيعية العدلية وليس محاكم الطوارئ أو أي محاكم استثنائية أخرى كما أن السلطات التنفيذية للقوات النظامية بالسلطة التفويضية بأمر الطوارئ 1/2019م الصادر في 25/فبراير/2019م لم تكن سارية خلال الفترة من ديسمبر 2018م إلى 24/فبراير/2019م كما أن محاكم الطوارئ لم يتم تشكيها بأمر رئيس الجهاز إلا بعد 25/2/2019م ، 28/2/2019م و 27/مارس/2019م.

ثالثاً: كما يلاحظ أنه ورغم إنشاء محاكم الطوارئ ورغم وضع رئيس القضاء قواعد المحاكمة 56/2019م في 26/2/2019م لم تشكل محكمة الاستئناف إلا في وقت لاحق ولم ينفذ قرار التشكيل على أرض الواقع من الوجهة الإجرائية العدلية والقانونية إلا في يوم السادس والعشرين من شهر يونيو 2019م بموجب القرار رقم 35/2019م الصادر من رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر وبما يفيد إجرائياً أنه لم توجد أو تنشأ محكمة استئناف طوارئ خلال الفترة الزمنية من 25/فبراير إلى 25/يونيو 2019م وظل الأمر معلقاً خلال تلك الفترة وبما يفيد أيضاً (الربكة والخلل الإجرائي) بالنسبة لقضاء الطوارئ حيث كانت محاكم الطوارئ تمارس عملها وتصدر أحكامها في ظل أمر الطوارئ وفق قواعد محاكمات الطوارئ الصادرة من رئيس القضاء 56/2019م في 26/فبراير/2019م مع غياب وانعدام تام لوجود محاكم استئناف لنظر الاستئناف في أحكامها وترتب على ذلك أن المحاكم تباشر نظر قضايا الطوارئ مع عدم وجود لسلطة استئنافيه للطوارئ ومع مراعاة عدم اختصاص المحاكم العادية الطبيعية لنظر استئناف أحكام الطوارئ والتي قيد النظر فيها باختصاص محاكم استئناف الطوارئ وفق أحكام المادة (26) من قواعد أحكام محاكم الطوارئ رقم 56/2019م الصادر من رئيس القضاء والذي يقيد سلطة استئناف أحكام الطوارئ لمحكمة استئناف مشكلة باختصاص وقواعد إعلان الطوارئ ... ولا خلاف أن هذه الحالة الإجرائية قد أثارت إشكالية جدلية قانونية وفقهية ليس في ولاية البحر الأحمر وحدها بل في كافة الولايات الأخرى (وجود محاكم طوارئ وغياب محاكم استئناف طوارئ).

رابعاً: عرضت إجراءات الدعوى أمام محكمة الطوارئ وبدأت إجراءات المحاكمة في محاكمة: غ إ/2/2019م أمام قاضي المحكمة العامة في تاريخ 28/مارس/2019م وصدر الحكم الابتدائي بتاريخ 8/أبريل/2019م بتبرئة شقيق المتهم وإدانة المتهم بموجب إجراءات ... أمر الطوارئ (رقم 5/2019م) والمادة 177(2) من القانون الجنائي 1991م وحكم عليه بالسجن (5 سنوات) اعتباراً من 5/مارس/2019م وهو الحكم الذي أيده حكم الاستئناف طوارئ: أ س ج/2/2019م بتاريخ 28/مايو/2019م محل الفحص الآن وأعاد الإجراءات لتوقيع عقوبة الغرامة الوجوبية مع إلغاء الإدانة تحت أمر الطوارئ رقم (5) مع تعديل عقوبة السجن لتكون ثلاث سنوات اعتباراً من 5/مارس/2019م وتسليم المعروضات لهيئة الموانئ وعلى ضوء ذلك فالتساؤل القانوني الإجرائي الذي أثاره الدفاع في طلبه بشأن اختصاص محكمة الطوارئ التي نظرت هذه القضية فإن السؤال هو:  

 (هل كانت محكمة الطوارئ التي فصلت في القضية مختصة بالنظر ومحاكمته الجريمة موضوع الدعوى ؟؟)

                               وذلك

(وفق أحكام قانون الطوارئ 1979م وقواعد محاكم الطوارئ رقم: 56/2019م الصادر من رئيس القضاء وفق أمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م وما تلاه من أوامر الطوارئ ؟؟؟؟ )

 وإجابة على ذلك فبالرجوع إلى السرد التفصيلي الذي أوردناه آنفاً حول قانون الطوارئ وإعلان حالة الطوارئ وقواعد محاكمات الطوارئ وقرارات تشكيل محاكم الطوارئ نقرر أن محكمة الطوارئ التي نظرت القضية لم تكن مختصة ابتداء بنظرها وفق القواعد العامة للإجراءات ووفق قواعد النظام العام الإجرائي باعتبار أن الاختصاص النوعي من النظام العام لإجراءات التقاضي ولا مجال لتجاوزه حتى إن عدلت محكمة الطوارئ في حكمها ولما يلي من أسباب تفصيلية نوردها على الوجه التفصيلي التالي:

أولاً: من استقراء واقع طبيعة التحري ومحضر المحاكمة نجد أن هذه القضية تم تحريك إجراءات الدعوى فيها بتاريخ 5/مارس/2019م حيث تقدم الشاكي محمد الخير محمد من جهاز الأمن الوطني والمخابرات بعريضة شكوى أمام النيابة بارتكاب المتهم المخالفة موضوع الاتهام وبناء عليه حركت النيابة الاتهام في مواجهة المتهم تحت المادتين (5,4) من قانون الطوارئ 1997م (انظر عريضة النيابة) بمحضر اليومية وبناءً عليه حركت الدعوى الجنائية أمام شرطة القسم الأوسط تحت المادتين (5,4) من قانون طوارئ 1997م وليس تحت أمر الطوارئ رقم 5/2019م الذي أدانت بموجبه محكمة الطوارئ فيما بعد المتهم في حكمها بالإضافة إلى أن البلاغ قد فتح أيضاً تحت المادة 177(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م وفق محضر اليومية وبناءً عليه حركت الدعوى الجنائية بالاتهام القائم على أن المتهم مهندس موظف بهيئة المواني البحرية وبهذه الصفة تسلم عدد 2 فلاتر تنقية مياه بمصنع مياه الهيئة وتصرف فيها بخلاف مقتضى الأمانة بتركيبها في مصنع مياه شقيقه وواضح أن البلاغ والشاكي والتحريات لم تحدد تاريخ وقوع الأفعال محل أركان جريمة خيانة الأمانة.

ثانياً: من المعلوم قانوناً أن تاريخ وقوع أفعال وأركان الجريمة هو التاريخ الذي يعتد به في تحديد القانون الواجب التطبيق على القضايا الجنائية وهذا ما نصت عليه صراحة أحكام المادة 4(1) من القانون الجنائي 1991م بالآتي: على الرغم من حكم المادة (2) يطبق القانون الذي كان معمولاً وقت ارتكاب الجريمة.

وبالتالي فالمبدأ العدلي القانوني يؤكد أن إلغاء القانون الذي كان سارياً وقت ارتكاب الجريمة أو تعديله أو الإحالة إلى قانون جنائي جديد لم يكن سارياً وقت ارتكاب الجريمة لا يؤثر في تطبيق أحكام القانون الجنائي الذي وقعت الجريمة في ظل أحكامه وهو ما يعرف قانوناً وفقهاً بالأثر الرجعي للقانون وهو مبدأ يقوم على عدالة المحاكمة الجنائية كما أن المادة 4(2) من القانون الجنائي 1991م تنص صراحة على مبدأ عدلي آخر يتعلق بالقانون الأصلح للمتهم عند المحاكمة . في حالة الجرائم التي لم يصدر فيها حكم نهائي تطبق أحكام القانون الجنائي إذا كان هو الأصلح للمتهم.

ومفاد هذا المبدأ من الوجهة التفسيرية أن قاعدة القانون الأصلح للمتهم مقصدها عدالة المحاكمة بالنسبة للمتهم وهو مبدأ مستقر فقهاً وقضاءً بل مبدأ مستقر في كل القوانين الدولية الجنائية والمفهوم التفسيري للنص مقصده التشريعي هو أن القانون الجنائي 1991م هو الذي تطبق أحكامه متى كان هو القانون العقابي الأصلح للمتهم.

أن القانون الجديد يكون هو الواجب التطبيق متى كان هو الأصلح عقابياً وعدلياً.

ومعلوم قانونياً أن تاريخ وقوع الجريمة بالإضافة إلي أنه القانون الواجب التطبيق عقابياً وعدلياً فقد أكد المشرع هذا المبدأ بأنه هو أيضاً تاريخ وقوع الجريمة بالنسبة للجرائم التعزيرية وفق أحكام (38) من قانون الإجراءات الجنائية 1991م الذي يقرر:

لا يجوز فتح الدعوى الجنائية في الجرائم ذات العقوبات التعزيرية إذا انقضت مدة التقادم بدءاً من تاريخ وقوع الجريمة وفق المواد الواردة في الفقرات (أ -ب - ج).

وبالتالي لا يسري التقادم من تاريخ اكتشاف الجريمة والشكوى أو البلاغ أو أيٍ من تلك التواريخ إلا في حالة كانت هذه التواريخ هي ذات تواريخ وقوع الجريمة باعتبار أن القاعدة والمعيار القانوني والعدلي هو (تاريخ وقوع الجريمة) وليس أي تاريخ آخر بخلاف هذا التاريخ العدلي.

ثالثاً: بمراجعة عريضة الشكوى التي فتحت بها الدعوى وحركت إجراءاتها أمام النيابة ومجريات التحري في الشكوى فلا نجد سنداً وقائعياً لتقرير أن تاريخ تقديم الشكوى من الشاكي التابع لجهاز الأمن كان هو في نفس يوم أو نفس تاريخ (وقوع أفعال الجريمة) وهي واقعة التصرف من جانب المتهم في عهدة فلاتر مصنع مياه هيئة الموانئ وذلك بتركيب الفلاتر لمصلحة مصنع شقيقه ... وأيضاً بمراجعة المحضر والتحري يمكن استقراء أن المتحري قد قام بمراجعة دفاتر استبدال وتغيير الفلاتر بمصانع مياه الهيئة خلال الفترة من أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 2018م فلم يحدث أي استبدال في تلك التواريخ كما تم أيضاً مراجعة الفلاتر لمحطة زمزم وهو دفتر أحوال استبدال الفلاتر خلال يناير إلى 12/مارس/2019م ولم توضح دفاتر اليومية خلال هذه الفترة أي استبدال أو إحلال للفلاتر نتيجة عطل بالفلاتر في المحطة (دفتر مستند اتهام 4) ومن استقراء عريضة الشكوى يتضح أن تاريخ الشكوى ليس هو تاريخ وقوع أفعال الجريمة بل هو تاريخ اكتشاف الجريمة بعد وقوعها بوجودها بأرقامها المتسلسلة مركبة في محطة تحليه شقيق المتهم بالمنطقة الصناعية جوار حي دبايوا (انظر الشكوى).

رابعاً: الواقعة الوحيدة الثابتة إستلام المتهم الفلاتر بمزرعة هيئة الموانئ واكتشف الفلاتر بحسب ادعاء الاتهام في محطة شقيق المتهم ( ص 10 من المحضر وكل التحريات الأخرى لا تفيد تاريخ وقوع الجريمة محل الاتهام أو التصرف في الفلاتر محل الاتهام لصالح مصنع تحليه شقيق المتهم والإفادة الوحيدة التي يمكن أن يعول عليها لتحديد تاريخ الجريمة المدعى بها وهي واقعة ليس محل خلاف من إقرار المتهم بأنه ركب الفلاتر في بداية يناير أو بداية فبراير 2019م نتيجة خطأ ولتشابه الفلاتر بأن ركب فلاتر الهيئة في مصنع شقيقه وركب فلاتر شقيقه المتشابهة والمطابقة مع فلاتر الهيئة في مصنع تنقية مياه هيئة المواني البحرية.

خامساً: نخلص من هذا الاستقراء لواقع التحري ومحضر المحاكمة أن تاريخ وقوع الجريمة المدعاة من الاتهام كان في يناير أو بداية فبراير2019م ومن استقراء إعلان سريان حالة الطوارئ بالقرار الجمهوري رقم 6/2019م واستقراء إعلان تفويض سلطات الطوارئ للقوات النظامية بإنفاذ حالة الطوارئ وتفويض رئيس القضاء بإنشاء محاكم الطوارئ ووضع قواعد محاكماتها وقواعد تنظيم إجراءات التحري والتحقيق في مخالفات الطوارئ وهي أمر الطوارئ رقم (1/2019م) وقواعد محاكم الطوارئ رقم (56/2019م) كلها كانت صادرة في 25/فبراير/2019م والتواريخ التي تليه كما أن تفويض رئيس الجهاز بإنشاء وتأسيس محاكم الطوارئ بالقرار 183/2019م وإنشاء محاكم الطوارئ والأوامر التي صدرت كلها كانت في الفترة بعد 25/فبراير/2019م والذي يعنينا من هذا الاستقراء أنه في وقت ارتكاب الجريمة لم تعلن حالة الطوارئ ولم يصدر أمر تفويض الطوارئ 1/2019م ولم تشكل محاكم للطوارئ كما أن محكمة الطوارئ التي حاكمت المتهم لم تشكل إلا في تاريخ 27/مارس/2019م بموجب القرار رقم 30/2019م الصادر من رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر وعلى ضوء ذلك يتضح لنا ما هو آت:

1- أن تاريخ وقوع الفعل المادي محل الاتهام تحت جريمة خيانة الأمانة وهو تاريخ تصرف المتهم في الفلاتر التي بعهدته من هيئة المواني البحرية بصفته الوظيفية كمهندس بالهيئة وقد كان ذلك قبل صدور قرار رئيس الجمهورية السابق بالرقم 1/2019م بتاريخ 25/فبراير/2019م والذي فوض بموجبه في المادتين (7),(8) لكلاً من النائب العام ورئيس القضاء بإصدار القواعد الإجرائية التي تنظم إجراءات التحري والتحقيق والاستئناف في مخالفات الطوارئ , وإنشاء محاكم الطوارئ وإصدار القواعد الإجرائية التي تنظم المحاكمة أمام محكمة الطوارئ وطريق الطعن بالاستئناف في هذه الأحكام.

2- طالما أن تاريخ وقوع الجريمة المدعى بها هو تاريخ تصرف المتهم في عهدة الفلاتر لصالح شقيق المتهم قد ارتكب كركن مادي للجريمة وبلا جدال كان قبل إصدار الرئيس السابق القرار التفويضي رقم 1/2019م بإنشاء محاكم الطوارئ بالرقم 1/2019م وأن رئيس القضاء لم يصدر قواعد إنشاء وإجراءات المحاكمة في محاكم الطوارئ بالرقم 56/2019م في 26/فبراير2019م فسريان أمر الطوارئ وإنشاء نيابات الطوارئ وإنشاء محاكم الطوارئ وقواعد إجراءاتها لم تكن سارية وقت وقوع الجريمة فالقانون الساري وقت وقوعها هو القانون الجنائي لسنة 1991م وقانون الإجراءات الجنائية 1991م وليس أمر الطوارئ أو أوامر الطوارئ الاتهامية التي أقحمت بلا أي مبرر في البلاغ كما أن محكمة الطوارئ لم تكن منشأة أو موجودة وقت وقوع الجريمة محل الاتهام فمحكمة الطوارئ المشكلة والتي حاكمت المتهم لم تشكل إلا في 27/مارس/2019م ولم تكن المحكمة المختصة وقت وقوع الجريمة في يناير وبداية فبراير 2019م وبالتالي فوفق أحكام العدالة الإجرائية والموضوعية والمنصفة ووفق المبدأ العدلي الذي أقرته المادة (4) الفقرة (1) من القانون الجنائي 1991م والتي تنص صراحة على قاعدة عدلية بأن:

(قاعدة الأثر الرجعي للقانون الجنائي أنه على الرغم من حكم المادة (2) يطبق القانون الذي كان معمولاً به وقت ارتكاب الجريمة).

ويظل هذا المبدأ العدلي سارياً في ظل أحكام قانون الطوارئ وسارياً في ظل وجود أمر الطوارئ أو وجود الطوارئ ومن المفيد الإشارة إلى أن قواعد محاكمة الطوارئ التي أصدرها رئيس القضاء تحت الرقم 56/2019م أن القواعد تنص في المادة (27) على الأتي:

(تطبق المحاكم المختصة هذه القواعد مع مراعاة قانون الإجراءات الجنائية وقانون الإثبات في حالة خلو هذه القواعد من أي نص يحكم المسألة).

وهذه القاعدة بسريان القانون العام في حالة غياب النص في أي تشريع خاص قاعدة عامة تسري على أي حالة لم يرد بشأنها نص في القانون الخاص أي لم ينص وفق قاعدة سيادة القانون الخاص وقاعدة سريان القانون العام فيما لم يرد بشأنه نص خاص أوردها قانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م في المادة (6) فقرة (4) منه:

(يعتبر أي قانون خاص أو أي حكم خاص بأي مسألة في أي قانون استثنائي من أي قانون عام أو نصوص عامه في أي قانون يحكم تلك المسألة).

والمفهوم التفسيري للنص أنه في حالة عدم وجود نص في أي قانون خاص يحكم أي مسألة تكون المرجعية في هذه المسألة التي لم ترد في القانون الخاص تطبق أحكام القانون العام وهو المبدأ الذي أقره القانون الإجرائي الأم لكل القوانين في المادة 3(1) إجراءات مدنية 1983م (يطبق القانون):

(على الإجراءات المتعلقة بالمسائل المدنية ومسائل الأحوال الشخصية وعلى الإجراءات المتعلقة بغيرها من المواد فيما لم يرد بشأنه نص في قوانين أخرى).

ونخلص من مجمل هذه المناقشة إلى أن قانون الطوارئ والأوامر الصادرة بموجبه هي بمثابة قانون خاص استثنائي من أحكام القانون الجنائي لسنة 1991م وقانون الإجراءات الجنائية 1991م وإن كانت تسري عليه قاعدة سيادة الخاص على العام إلا أنه في ذات الوقت تسري عليه قاعدة:

(سريان القانون العام الجنائي فيما لم يرد بشأنه نص في قانون الطوارئ) وطالما لم يرد في قانون الطوارئ أو أوامره أي نص صريح يستثني قانون الطوارئ القانون الاستثنائي من قواعد ومبادئ رجعية القانون وسريان القانون الذي كان معمولاً به وسارياً وقت ارتكاب الجريمة أو يستثني قانون الطوارئ الاستثنائي من قاعدة ومبدأ القانون الأصلح للمتهم عند المحاكمة ولا يوجد أي نص صريح يلغي أو يعطل سريان هذه القواعد السالفة فإننا نقرر:

(أ ) أن القانون الواجب التطبيق في هذه القضية هو القانون الجنائي المعمول به وقت ارتكاب الجريمة وليس قانون الطوارئ والأوامر الصادرة بموجبه أو قواعد محاكمات الطوارئ والتي لم يكن معمولاً بها وقت ارتكاب الجريمة المدعاة.

(ب) أن القانون الجنائي 1991م وقانون الإجراءات الجنائية هما القانونان الواجبا التطبيق لأنهما القانونان الساريان والمعمول بهما وقت ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام.

(ج) أن القانون الأصلح للمتهم بلا جدال هو القانون الجنائي المعمول به وقت الجريمة ولا مجال بأي حال من الأحوال لفرضية أن قانون الطوارئ وأوامره الاستثنائية المقيدة لإجراءات التحري والتحقيق والمحاكمة أنها هي الأصلح للمتهم في المحاكمة.

وعلى ضوء كل ما تقدم نرى إن لم يكن هنالك أي محل أو مجال ابتداءً لتوجيه الاتهام تحت قانون الطوارئ وأوامره أو إقحامه في الاتهام كمبرر لمحاكمة المتهم أمام محكمة الطوارئ ومن ثم نقرر:

1- طالما أن الاختصاص النوعي من النظام العام الإجرائي فيجب التمسك به كقاعدة عدلية وكنظام عدلي بأن يحاكم المتهم أمام قاضيه الطبيعي المختص بنظر النزاع وقت ارتكاب الجريمة محل الاتهام.

2- وطالما أن الاختصاص من النظام العام العدلي الإجرائي والموضوعي ويجوز الدفع به في أي مرحلة من مراحل التقاضي بل تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.

3- فإن هذه القضية كان الواجب أن تنظر ابتداءً أمام قاضي الجنايات وليس قاضي محكمة الطوارئ.

4- طالما كانت محكمة الطوارئ غير مختصة ابتداءً إجرائياً وقانوناً وفق أوامر الطوارئ ليس هي القانون الأصلح للمتهم بأي حال من الأحوال فلا مجال في هذه الحالة لمناقشة صحة أو عدالة الحكم الصادر من محكمة غير مختصة لبطلان الإجراءات والحكم بالتبعية وبما يستوجب إلغاء الإدانة والعقوبة.

ونقرر:

إحالة القضية للنظر أمام المحكمة المختصة المحكمة الجنائية الطبيعية العادية وبالتالي قبول طلب الدفاع حول الاختصاص وبطلان الإجراءات أمام محكمة الطوارئ لعدم الاختصاص.

ويجدر بنا هنا ضرورة التنويه إلى ما أقره الدستور الانتقالي 2005م الساري وقت ارتكاب الجريمة والذي يقرر صراحة في الفقرتين (3) , (4) من المادة (43) على أنه:

1- يكـون لأي شخص تتخذ ضـده إجراءات مدنية أو جنائية الحق في سماع عادل وعلنـي أمام محكمة (عادية) ووفق الإجراءات التي يحددها القانون.

وعبارة محكمة (عادية) تعني محكمة القاضي الطبيعي العادي وفق القانون والذي يحاكم القضية وفق المجري العادي للإجراءات ولا تعني عبارة محكمة استثنائية غير عادية في ظروف وأحوال غير طبيعية وغير عادية كمحكمة الطوارئ ومعلوم لنا أسباب تشكيل هذه المحاكم تحت هذه الظروف الاستثنائية غير العادية.

2- كما أن الفقرة (4) من المادة (34) من الدستور 2005م تقرر:

لا يجوز توجيه اتهام ضد أي شخص بسبب فعل أو امتناع عن فعل ما لم يشكل ذلك الفعل أو الامتناع جريمة (عند وقوع الجريمة).

وتفيد هذه الفقرة العدلية الدستورية أن المحاكمة الجنائية في أصلها مرتبطة بالقانون الساري وقت ارتكاب الجريمة وليس أي قانون آخر غير سارٍ وقت ارتكاب الجريمة وهذا ما أكده قانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م في الفقرة (2) من المادة (6) منه التي تقرر:

(إذا تعارض أي نص في أي قانون مع أي حكم من أحكام الدستور تسود أحكام الدستور بالقدر الذي يزيل هذا التعارض).

ونشير هنا إلى جزئية مهمة وهي أن قانون الطوارئ 1997م صادر قبل إصدار دستور 1998م والذي أقر حالة الطوارئ بموجب أحكام قانون الطوارئ 1989م في الفقرة (د) من المادة (34) وهي ذات (حالة الطوارئ) التي أقرت في المادة 58(2) من الدستور الانتقالي 2005م وظل قانون الطوارئ والسلامة العامة 1997م ساري المفعول طوال هذه السنوات ولم يلغ أو يعدل وقد ورد ذلك في ديباجة أمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م والتي تقول:

(عملاً بأحكام المادة (211) من دستور جمهورية السودان الانتقالي 2005م مقروءة مع المادتين 5،8 من قانون الطوارئ وحماية السلامة العامة 1997م وبعد الاطلاع على المرسوم الجمهوري رقم (6/2019م) بإعلان حالة الطوارئ أصدر الأمر الأتي نصه:

الأمر: 1/2019م

ويلاحظ أنه رغم إعلان حالة الطوارئ لم يعطل العمل بدستور 2005م ومما يجعل نص المادة 34 فقرة (4،3) من دستور السودان حاكمه ومقيدة لحالة الطوارئ ومقيدة لقواعد وأحكام محاكمات الطوارئ بسيادة حكم الدستور إذا تعارضت أحكام وقواعد محاكمات الطوارئ مع الدستور وتسود مبادئ الدستور بأن يطبق القانون المعمول به وقت وقوع الجريمة ومبدأ وقاعدة العدالة قاعدة القانون الأصلح للمتهم وفق ما أقرته الفقرة (1) ’(2) من المادة (4) من القانون الجنائي 1991م وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى الجزئية التي وردت في حكم الاستئناف ومع تقديرنا التام لوجهة نظرها حول واقعة عدم اختصاص محكمة الطوارئ حيث رأت أن المتهم قد وجد حظه في محاكمة عادلة من حيث حق الدفاع ووجود محام في الدفاع وفي محاكمته محاكمة غير إيجازية كما لو كان في محاكمة (عادية) ولم ينقص حقه في الدفاع رغم أن المحكمة محكمة طوارئ ونخالف محكمة الاستئناف في وجهة نظرها من الوجهة الإجرائية القانونية العدلية البحتة وفق ما يلي:

1- فكلما أسلفنا في المناقشة السالفة فإن محكمة الطوارئ مشكلة بموجب أحكام قانون الطوارئ وبموجب أحكام أمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م وبالتالي لا اختصاص لها في نظر القضية وكما أسلفنا فالاختصاص من النظام العام الإجرائي لا مجال لتجاوزه بأي حال من الأحوال وبالتالي لا سند لتأييد حكم محكمة غير مختصة بنظر النزاع في وجود المحكمة المختصة وقت وقوع الجريمة.

2- وفي تقديرنا وبحسب ما استقر وتواتر في الفقه القضائي التفسيري ومعرفتنا لأداء القضاة بولاية البحر الأحمر فلا شك في عدالة القاضي الذي حكم القضية القاضي (محمد عبد الرحمن) وتميزه في أدائه الوظيفي إلا أن المتواتر في الفقه العدلي التفسيري أن المحكمة غير المختصة لا يصح قضاؤها وإن عدلت فالعبرة في تحقق عدالة الحكم اطمئنان الشخص المحاكم إلى أنه سيحاكم محاكمة عادلة أمام عدالة قاضيه الطبيعي العادي وفق إجراءات عادية وليس في محكمة استثنائية شكلت في ظروف استثنائية غير طبيعية ووفق قواعد محاكمات استثنائية مقيدة بإجراءات استثنائية ومقيدة بإعلان حالة الطوارئ لان العبرة العدلية الإجرائية والموضوعية ليس في عدالة القاضي في محكمة الطوارئ بل جلوسه في محكمة استثنائية لإجراءات استثنائية وبالمقابل فالفرضية الإجرائية أن قضاء الطوارئ أنه قضاء استثنائي من التقاضي العادي الطبيعي وفي حالة عامة غير طبيعية وفي ظل ظرف غير طبيعي وتوتر سياسي وأمني وتفكك أركان النظام الحاكم دعاه إلى فرض حالة الطوارئ المعلومة أسبابها فتنتفي بذلك الفرضية بالاطمئنان لعدالة الطوارئ فأساس الحكم اطمئنان الشخص المحاكم لعدالة المحاكمة في ظل هذه الظروف وحتى أن عدلت محكمة الطوارئ فذلك لا ينفي أو يزيل حالة عدم الاطمئنان للعدالة الاستثنائية بقواعد وقوانين استثنائية من ذهنيه المتهم المحاكم ناهيك من عدم اختصاص محكمة الطوارئ ابتداءً ومعلوم لأهل القانون في العهود السابقة في السودان التي طبقت فيها حالة الطوارئ وشكلت فيها محاكم الطوارئ السمعة العامة بفقدان الإحساس بعدالة هذه المحاكم في تلك الظروف الاستثنائية وفي ظل عدم الاطمئنان لعدالة مرتبطة بحالة الطوارئ غير الطبيعية وكل ذلك التاريخ لحالة الطوارئ والتي كانت خاضعة لوضع عام وفي ظل نظام الحكم الشمولي أنها لا يطمئن لعدالتها كمحاكم استثنائية وإن عدلت وبما ينفي عن عدالتها قاعدة الطمأنينة المفترضة للقضاء الطبيعي العادي في ظل نظام عدلي طبيعي ونظام عدلي سياسي وأمني طبيعي.

 

وعليه نرى أن عدالة محكمة الطوارئ لا تبرر اختصاصها أو التجاوز عن عدم اختصاصها وقبول ما تقضي به من أحكام لاجتماع صفة القضاء الاستثنائي وصفة انعدام الاختصاص النوعي في أداء محاكم الطوارئ.

 

وعلى ضوء ما تقدم نقرر عدم اختصاص محكمة الطوارئ وبالتبعية بطلان ما تم من إجراءات وبالتبعية عدم صحة الإدانة وما وقع من عقوبات وبما يستوجب من الوجهة العدلية الإجرائية القانونية البحتة إلغاء الإدانة والعقوبات الصادرة وأن تعاد الإجراءات للنظر في الدعوى أمام محكمة جنائية طبيعية عادلة للفصل فيها وبما يجعلنا قبول ما أثاره الدفاع في طلبه بعدم اختصاص المحكمة وبطلان كل ما تم من إجراءات وفق قواعد الاختصاص من النظام العام العدلي الإجرائي ولا مجال لتجاوزه بفرضية عدالة محكمة الطوارئ ونرى أخيراً الأتي:

 

رغم قرارنا بعدم اختصاص محكمة الطوارئ التي حكمت هذه القضية وبالتالي لا مجال لمناقشة صحة الإجراءات أو صحة الحكم من عدمها إلا أن مذكرة الرأي الأول في استئناف الطوارئ التي سطرها يراع القاضي المتميز في أدائه (القاضي هشام عوض أحمد أسد) والتي اتفق فيها معه زملاؤه في الدائرة (يحي أحمد محمد) , (سعد موسى عروباي) فرضت علينا أن نسجل لمحه تقدير لهذا السرد والدقة والرؤية المنطقية للبينة والوقائع والتسبيب الجيد لوجهة النظر القانونية والسرد الموضوعي لهذا التسبيب فله منا ولزملائه في الدائرة كل التقدير والثناء وما ضيع اختلاف الرأي للود قضية ولا بد أن نقول للمحسن قد أحسنت في كل الأحوال.

 

وعموماً ووفق ما توصلنا إليه في المناقشة التفصيلية نقرر:

 

أولاً: عدم اختصاص محكمة الطوارئ بنظر القضية.

 

ثانياً: تلغى الإدانة والعقوبة بالتبعية.

 

ثالثاً: يعاد القبض على المتهم ويسلم لشرطة المحكمة لإعادة المحاكمة أمام المحكمة المختصة.

 

رابعاً: تعاد المحاكمة أمام محكمة الجنايات المختصة.

 

 

 

 

 

 

 

القاضي: أحمـد الطيب عمـر

التاريخ: 21/10/2019م

 

أوافق الرأي للقاضي العالم مولانا/ ملاسي ولم يترك لنا ما يمكن إضافته في مذكرته الشاملة.

 

القاضي: سمير محمد السيد أحمد

التاريخ: 22/10/2019م

 

أوافق.

 

الأمر النهائي:

1- إلغاء قرار محكمة الموضوع بالإدانة والعقوبة.

2- يعاد القبض على المتهم.

3-  تعاد المحاكمة أمام محكمة الجنايات المختصة.

4- يخطر مقدم الطلب.

 

 

 

أحمــد الطيـب عمـر

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

24/10/2019م

▸ الجنائي 2019م فوق حكومة السودان //ضد// ز. ع. ع. ج م ع/م ك ا/مؤبد/15/2018م ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2019
  4. الجنائي 2019م
  5. حكومة السودان //ضد// أ. ص. م م ع/ ف ج/ج ح/157/2019م

حكومة السودان //ضد// أ. ص. م م ع/ ف ج/ج ح/157/2019م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة القومية العليا

دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا

ببورتسودان

 

القضاة:

سعادة السيد / أحمــد الطيـب عمــر

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد / سمير محمـد السيـد أحمـد

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / عبد الرؤوف حسب الله ملاسي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

حكومة السودان //ضد//  أ. ص. م

م ع/ ف ج/ج ح/157/2019م

 

قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م - المادة 7(1) منه الاختصاص النوعي للمحاكم - تكييفه - من النظام العام - يجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها.

الدستور الانتقالي لسنة 2005م - المادة 34(3/4) منه - المحاكم العادية  والاستثنائية - تعريفها.

 

المبادئ:

1-الاختصاص النوعي من النظام العام فيجب التمسك بأن يحاكم المتهم أمام قاضيه الطبيعي المختص بنظر النزاع وقت ارتكاب الفعل.

 

2- المحكمة العادية تعني محكمة القاضي الطبيعي العادي وفق القانون والمجرى العادي للإجراءات ولا تعني المحاكم الاستثنائية.

3- قضاء الطوارئ قضاء استثنائي ، والأصلح للمتهم محاكمته أمام المحكمة الطبيعية وفقاً للدستور الانتقالي لسنة 2005م.

المحامون:

  الأستاذ/ شعيـب أبوبكـر                                  عن مقدم الطلب

الحكــم

 

القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي

التاريخ: 8/10/2019م

 

الرأي الأول:

هذا طلب للفحص مقدم من الأستاذ/ شعيب أبو بكر المحامى إنابة عن المدان المحكوم عليه في المحاكمة الجنائية/غ أ/2/2019م القاضي بالحكم فيها بتاريخ 8/أبريل/2019م بإدانة المتهم تحت المادة 177(2) من القانون الجنائي 1991م وبموجب أمر الطوارئ رقم (5)/2019م والحكم عليه بالسجن (5) سنوات اعتباراً من 5/مارس/ 2019م وهو الحكم الذي تم تأييده تحت المادة 177(2) من القانون الجنائي /1991م أمام محكمة استئناف الطوارئ مع إلغاء الإدانة تحت أمر الطوارئ رقم(5)2019م وتعديل عقوبة السجن إلى ثلاث سنوات مع إعادة الإجراءات إلى محكمة جنايات الطوارئ لتوقيع عقوبة الغرامة الوجوبية وعند الإعادة إلى محكمة الطوارئ وقعت على المدان عقوبة الغرامة 5000 آلاف جنيه وفى حالة عدم الدفع تسري عقوبة بسجن بديل للغرامة ثلاثة أشهر تسري بالتتابع بعد انقضاء عقوبة السجن الأصلية ويدور طلب الفحص حول النقاط التالية:

أولاً: أثار الدفاع دفعاً قانونياًً ببطلان إجراءات المحاكمة أمام محكمة الطوارئ تتمثل في:  

1- بطلان إجراءات تحريك الدعوى الجنائية وبموجب أحكام قانون الإجراءات الجنائية 1991م لأن النيابة حركت الدعوى بناءً على شكوى من شخص تابع لجهاز الأمن وليس له الصفة القانونية التي تخول حق تقديم الشكوى إذ ليس من اختصاص أفراد جهاز الأمن والمخابرات لسنة 1991م في المادتين (7,6) سلطة تحريك الدعوى الجنائية بشكوى.

2- أن المال موضوع الاتهام ملك خاص لهيئة المواني البحرية وبالتالي فهي الجهة الوحيدة التي يخولها قانون الإجراءات حق تحريك الدعوى الجنائية ومباشرة الاتهام والظهور أمام المحاكم بعد التحقيق الإداري حول المخالفة المدعى بها وفرد جهاز الأمن ليس مفوضاً بتحريك إجراءات البلاغ إنابة عن هيئة المواني وقد عرفت المادة (4) إجراءات جنائية الشاكي في الجنايات.

ثانياً: أيدت محكمة استئناف الطوارئ الحكم الابتدائي الصادر من محكمة الطوارئ بإدانة المتهم تحت قانون الطوارئ ومخالفة في ذات الوقت قانون الطوارئ نفسه بإحالة البلاغ للمحاكمة أمام محكمة الطوارئ ومخالف للقواعد الإجرائية والأصولية في الإجراءات الجنائية حيث لا ينعقد الاختصاص ابتداء لمحاكم الطوارئ للنظر والمحاكمة لهذا البلاغ فوقائع الاتهام المنسوبة للمتهم كفعل إجرائي وقعت أفعاله في خلال الفترة من أكتوبر/ نوفمبر وديسمبر 2018م ولم يكن حينها قانون الطوارئ وأمر الطوارئ سارياً أو موجوداً ولم ير النور في خلال فترة تاريخ ارتكاب الجريمة والعبرة في الاتهام الجنائي بتطبيق أحكام القانون الجنائي الذي كان سارياً وقت ارتكاب الجريمة ووقوع وحدوث الوقائع محل الاتهام فقد صدر أمر الطوارئ بموجب مرسوم عن رئيس الجمهورية في حوالي10/مارس/2019م أي بعد وقوع الأفعال محل الاتهام وبالتالي يخرج البلاغ ومحاكمته ابتداءً من اختصاص محكمة الطوارئ وفق أحكام الفقرة (2) من المادة (4) من القانون الجنائي1991م والذي ينص على تطبيق القانون الجنائي الأصلح للمتهم في الجرائم التي لم يصدر بشأنها حكم نهائي (في حالة الجرائم التي لم يصدر فيها حكم نهائي تطبق أحكام هذا القانون إذا كان الأصلح للمتهم).

ثالثاً: وبناء عليه تعتبر المحاكم الجنائية العادية في هذه الحالة هي المختصة بنظر القضية تحت مواد القانون الجنائي العادية والتي تعتبر في هذه الحالة المعروضة الأصلح عند المحاكمة من حيث الإجراءات ودرجات التقاضي العدلية المتاحة في المحاكمات العادية وفيها كل ضمانات العدالة الإجرائية الأساسية.

رابعاً: المحاكمة العادلة وفق القواعد التشريعية التي نصت عليها الفقرتان (ب) و(ج) من المادة (4) إجراءات جنائية 1991م هي أن يراعى عند تطبيق أحكام هذا القانون (1) لا تجريم ولا جزاء إلا بنص تشريعي ساري سابق (ج) المتهم برئ حتى تثبت إدانته وله الحق في أن يكون التحري معه ومحاكمته بوجه عادل وناجز وذلك وفق قاعدة ومبدأ (القانون الأصلح) للمتهم وحماية الحرية الفردية والمحافظة على المصلحة العامة.

خامساً: إن المعيار القانوني لقاعدة القانون الأصلح للمتهم قاعدة تحدد إجرائياً وفق قاعدة المقارنة بين كل القوانين الجنائية التي صدرت خلال الفترة من تاريخ وقوع الحادث موضوع الجريمة والتي صدرت حتى تاريخ الفصل النهائي البات بحكم قضائي ووفق هذه المقارنة بيَن كل هذه القوانين تتحدد ماهية القانون الأصلح في المحاكمة الجنائية ومبدأ القانون الأصلح للمتهم أقرته المادة (32) من دستور السودان التي نصت على (لا يجرم أحد أو يعاقب على فعل إلا وفق قانون سارٍ وقت ارتكاب الجريمة ) وقد أقرت المحكمة العليا ذات المبدأ في السابقة القضائية المنشورة في مجلة الأحكام 1980م ص 105 - 107(بأن مرجعية أي أثر رتبه أي تعديل في القانون الجنائي يكون وفق قاعدة ما هو أصلح للمتهم في الدعوى الجنائية). 

سادساً: تواتر القضاء على أن من أهم شروط تطبيق أحكام جريمة (خيانة الأمانة) هو ركن أن يؤدي التصرف في المال موضوع الجريمة بسوء قصد أو إهمال إلى ضياعه أو تبديده مع ضرورة توافر علاقة السببية بين الإهمال والخسارة لهذا المال وأيضاً مراعاة أن التصرف يشمل الفعل أو الامتناع عن الفعل وأن يكون الإهمال في المال سابقاً على ضياعه أو تبديده لأن المسألة الجنائية لا تكون على مطلق الإهمال والخسارة لهذا المال وهو ما أقرته السابقة: محمود الأمين برهماي//ضد// ح . س المنشورة في مجلة 1974م ص 397).

سابعاً: وجه الخطأ في حكم الاستئناف في تأييده لقضاء محكمة الطوارئ نابع من الخطأ في التكييف القانوني للبينة واستندت على مستند الاتهام وهي الواقعة التي لم ينكرها المتهم في كل مراحل التحري وإقراره القضائي وإلى مرحلة المحاكمة وقد جاءت أقواله متماسكة وتقوي من دفاعه (بأنه قام بتركيب فلاتر مصنع شقيقه في مصنع مياه هيئة المواني البحرية وقام بتركيب فلاتر مصنع مياه المواني البحرية في مصنع شقيق المتهم وهي فلاتر متشابهة ومتطابقة وهنالك صعوبة فنية في التمييز بين فلاتر مصنع مياه شقيق المتهم وفلاتر مصنع مياه هيئة المواني وكان الخطأ في تركيب الفلاتر بين ما ركب في مصنع شقيق المتهم وما ركب في مصنع الهيئة بالبدل بسبب التشابه بين الفلاتر وبما ينفي أي خسارة أو تحويل منافع مال الهيئة لأن فلاتر (شقيق المتهم ركبت في مصنع الهيئة) وقد تواتر القضاء على قبول الأعذار والمبررات المقبولة والمنطقية كأساس لنفي الاتهام (مثال السابقة/ح . س//ضد// شرف الدين فرح/ مجلة الأحكام القضائية 1974م ص 397 حيث لم يثبت أن تبديل الفلاتر بين مصنع شقيق المتهم وفلاتر مصنع الهيئة كان بسوء قصد وبما ينفي إثبات التهمة بالمعنى الجنائي بالنسبة لجريمة خيانة الأمانة السابقة /ح .س//ضد// محمد أحمد مجلة 1976م ص 628).

ثامناً: أفاد الشاهد (مورد الفلاتر) لهيئة المواني أن جميع الفلاتر التي باعها للهيئة تم تركيبها في محطة مياه الهيئة وأن فلاتر شقيق المتهم ركبت في مصنع الهيئة عن طريق الخطأ بتبديل الفلاتر بين المصنعين للمتشابه وأكد أن الفلاتر التي باعها للهيئة لم تكن بأرقام متسلسلة لأنه باعها بالعدد والموديل وفق فاتورة البيع ولم تقم سلطة التحري بطلب الفلاتر المركبة بمحطة شقيق المتهم والتي يفيد المتهم أنه قام بتركيبها عن طريق الخطأ غير مقصود في مصنع هيئة المواني وبما ينفي سوء القصد بتركيب فلاتر شقيق المتهم في مصنع الهيئة وفلاتر الهيئة المتشابهة في مصنع شقيق المتهم.

تاسعاً: جاءت إفادات الاتهام متضاربة ومتناقضة في الوقائع ولا سند للتعويل عليها في الإدانة بالإضافة إلى أن الاتهام لم يقدم أي بينة حول قيمة فواتير الفلاتر محل الاتهام وبالتالي لا توجد مقارنة بتاريخ استلام المتهمة للفلاتر بتاريخ تركيبها بما يثير ظلالاً عن الشك حول صحة واقعة (عدد الفلاتر) كما لم يستدع (خبير فني) في شأن هذه الفلاتر وفق مقتضيات المادة (30) من قانون الإثبات 1994م مقروءة مع المادة (162) إجراءات جنائية 1991م ولا سند لقبول تقارير فنية إلا بسماع بينة الخبرة (يشير إلى السابقة القضائية/ح . س//ضد// محمد عبد العافي المنشورة في مجلة الأحكام القضائية 1997م ص 147) والتي تقرر(عدم الاستعانة بخبير فيه مساس بقواعد العدالة) وبالتالي يثور الشك في صحة واقعة تركيب الفلاتر وأنه كان الواجب الاستعانة بالخبرة الفنية لأن الخبرة الفنية كانت ستؤكد واقعة الخطأ في استبدال فلاتر شقيق المتهم بمصنع هيئة المواني ووضع فلاتر الهيئة بمصنع شقيق المتهم لتشابه الفلاتر وبما يستوجب تفسير الشك لصالح المتهم بأنه يجب أن تكون الإدانة فوق كل مرحلة شك معقول.

[ يشير إلى السابقة/القضائية مجلة الأحكام/1976م ص 66].

ومن ثم يلتمس الدفاع من كل هذه الأسباب فحص الإجراءات وإلغاء الإدانة والعقوبة لعدم اختصاص محكمة الطوارئ وما بنى على باطل فهو باطل بالتبعية وأيضاً من جهـة أخرى فقد فشل الاتهام في إثبات سوء نية المتهم وأيضاً كان تحريك الدعوى الجنائية بلا سند قانوني لتحريك الدعوى بواسطة شخص لم تخول له صفة تحريك هذه الإجراءات وفق أحكام قانون الإجراءات الجنائية.

ونرى في البدء وقبل الدخول في مناقشة تفصيلية وضرورة العضوية إلى أننا قد قصدنا إيراد كل ما أثاره الدفاع في طلب الفحص من مسائل إجرائية ودفوع قانونية وبوجه تفصيلي لأهمية ما أثير من الجهة القانونية البحتة والتي بذل فيها الدفاع جهداً قانونياً مقدراً يستحق أن نتصدى له بالمناقشة القانونية العدلية بما لنا من رقابة قانونية عدلية وفق أحكام المادة (188) إجراءات جنائية 1991م للتأكد من سلامة الإجراءات ولتحقيق العدالة الإجرائية القانونية والعدالة الموضوعية وهو ما سنفصله في مناقشة الفقرات التالية:

أولاً: يدور التماس الفحص على وجهين هما:

الدفع الأول: بطلان إجراءات تحريك الدعوى الجنائية ابتداءً أمام النيابة وحتى مرحلة التحري. وبطلان تحريك الدعوى تحت أحكام قانون الطوارئ وأمر الطوارئ وبالتبعية بطلان إحالة الدعوى والبلاغ للمحاكمة أمام محكمة الطوارئ لعدم اختصاصهما بالنظر واختصاص المحكمة الجنائية ابتداء.

الدفع الثاني: بطلان إجراءات المحاكمة لعدم اختصاص محكمة الطوارئ ومن جهة أخرى بناء الحكم على عدم تقدير سليم للوقائع ووزن البينة وفق أحكام وقواعد قانون الإثبات ووفق ما استقر عليه الفقه القضائي من مبادئ قانونية.

ثانياً: نناقش الدفعين السالف ذكرهما من وجهة النظر القانونية البحتة بموجب رقابتنا القانونية وفق أحكام المادة (188) إجراءات جنائية على وجه التفصيل التالي:

بالنسبة للجزئية الأولى المثارة حول بطلان إجراءات تحريك الدعوى الجنائية وبطلان إجراءات التحري إلى مرحلة إحالة الدعوى إلى المحاكمة تحت المادة (56) إجراءات جنائية 1991م نرى ونقرر الآتي:

(أ ) المعلوم قانوناً وفقهاً وقضاءً أن سلطة العلم بالجريمة وسلطة تحريك الدعوى الجنائية ببلاغ أو شكوى ابتداءً أنها سلطة تختص بها النيابة وحدها ولا اختصاص للقضاء أو المحاكم بإجراءات أخذ العلم أو تحريك الدعوى الجنائية أو توجيه التحري فيها إلا استثناء وفق أحكام المادة (7) فقرة (2) إجراءات جنائية 1991م (أخذ الإقرارات ، تجديد الحبس لأكثر من ثلاثة أيام والأمر بالتفتيش العام ، بممارسة سلطات وكيل النيابة في حال غيابه عن دائرة اختصاصه وفق الفقرة (د) من المادة المذكورة) انظر المواد (33) ، (34) ، (35) ، (39) ، (44) ، (53) ، (55) إجراءات جنائية 1991م و 17 ، 19 من نفس القانون.

(ب) من المعلوم قانوناً وفقهاً وقضاءً أن ما تقرره أو تصدره النيابة العامة والشرطة الجنائية تحت رقابة النيابة ابتداءً من مرحلة أخذ العلم بالجريمة والتحري فيها إلى مرحلة توجيه الاتهام والإحالة للمحاكمة تحت المادة (56) إجراءات جنائية وأوامر وقرارات وإجراءات لا سلطة للمحاكم بالتدخل في شأن إلغائها أو تعديلها لأن ذلك اختصاص أصيل لسلطات النيابة في مراحل تدرجها الأعلى بالطعن أو الفحص وفق قواعد إجراءات الطعن في مرحلة الدعوى الجنائية في المراحل السالف ذكرها إلى آخر مراحل وفق قانون النائب العام ولائحة تنظيم أعمال النيابة وينحصر اختصاص المحاكم الاستثنائي في خلال مرحلة إجراءات التحري في جزئية المادة 21(2) إجراءات جنائية الذي يجيز استئناف القرار النهائي لوكيل النيابة إلى قاضي محكمة الاستئناف في جزئية حجز الأموال.

(ت) وبالتالي فقرارات وأوامر قبول الشكوى الجنائية أو تحريك الدعوى الجنائية بواسطة النيابة أو الشرطة وتحت إشرافها سواء كانت صحيحة أو خاطئة لا سلطة للقضاء أو المحاكم عليها بطرق الطعن المعلومة وتخرج عن اختصاص المحاكم الاستئنافية والنقض الأعلى وقد قيد المشرع سلطة المحكمة فقط بإجراءات المحاكم الواردة في الباب الخامس المحاكمة من المادة (131) إجراءات جنائية 1991م وما بعدها من مواد إلى مرحلة الحكم والطعن فيه وفق المواد (179) إلى (188) ، 188(أ) إجراءات جنائية وبالتالي فما أثاره الدفاع حول صحة أو عدم صحة إجراءات تحريك الدعوى الجنائية فإنه مسألة تخرج عن اختصاص مناقشة المحاكم لها وكان متاحاً للدفاع الطعن فيها في مرحلة التحري إلى وكيل النيابة الأعلى وفق التدرج والاختصاص الوظيفي لأعمال النيابة وفق لائحة تنظيم أعمال النيابة كما أسلفنا وبالتالي فلا مجال في مرحلة المحاكمة أو في مرحلة الاستئناف أو الفحص ، الطعن أمام المحاكم ليقدح في صحة إجراءات تحريك الدعوى الجنائية أمام النيابة أو الشرطة تحت إشرافها المادة 39(4) إجراءات وما بعدها.

 وبناءً عليه فلا مجال أمامنا أو سلطة بنظر الطعن أو الفحص أو الاستئناف للنظر في صحة قرارات وأوامر النيابة حتى ولو كان الدفاع يرى مخالفتها للقانون فالمحاكم مقيدة قانوناً من هذا الإجراء رغم وجاهة ما أثاره الدفاع إلا أن مكانه ليس أمامنا في هذه المرحلة.

(د) بالنسبة للدفع الثاني الذي أثاره الدفاع حول عدم اختصاص محكمة الطوارئ كمحكمة إجرائية استئنافية وحيث الاختصاص معلوم قانوناً أنه من النظام العام الإجرائي يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل التقاضي وبل يجوز أن تقضي المحكمة من تلقاء نفسها نقرر الآتي:

(أ ) من المعلوم قانوناً وقضاءً أن حالة الطوارئ ظلت حاكمة للسودان وأقاليمه المتعددة ولفترة زمنية طويلة حتى تاريخ لاحق في 1997م حيث أصدر الرئيس السابق قانوناً جديداً للطوارئ وحماية السلامة العامة 1997م والذي ظل سارياً حتى قيام الثورة الشعبية في السودان حيث اصدر الرئيس السابق المرسوم الجمهوري رقم 6/2019م بتجديد إعلان حالة الطوارئ العامة في كل السودان وبموجب ذلك الإعلان وبموجب أحكام قانون الطوارئ 1997م أصدر أيضاً أمر الطوارئ رقم (1) 2019م بتاريخ الخامس والعشرين من شهر فبراير 2019م الموافق التاسع عشر من شهر جمادى الآخرة 1440هـ والذي فوض بموجبه القوات النظامية (القوات المسلحة وجهاز الأمن والمخابرات الوطني وقوات الدعم السريع) المهام والسلطات الواردة في قانون الطوارئ والسلامة العامة 1997م وفي ذات الأمر التفويضي فوض رئيس القضاء في إنشاء محاكم الطوارئ وفوضه بإصدار القواعد الإجرائية التي تنظم (إجراءات المحاكمة والاستئناف) كما فوض أيضاً وفق المادة (7) من أمر الطوارئ (1) 2019م النائب العام بإنشاء نيابات طوارئ وإصدار القواعد التي تنظم إجراءات التحري والتحقيق والاستئناف في إجراءات التحري وقد أصدر رئيس القضاء بموجب هذا التفويض قواعد محاكم الطوارئ بالقرار رقم (56) لسنة 2019م كما أصدر النائب العام قواعد تنظيم التحري وتحريك الدعاوى الجنائية أمام نيابات الطوارئ الخاصة استثناءً من قانون الإجراءات الجنائية مع مراعاة قانون الإثبات 1994م في حال خلو هذه القواعد من أي نص خاص يحكم أي مسالة إجرائية أو موضوعية.

(ب) وبموجب القواعد التي أصدرها رئيس القضاء الأسبق رقم 56/2019م بإنشاء محاكم خاصة لمحاكمة المخالفات لقانون الطوارئ وفق الأمر (1) لسنة 2019م أصدر رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر أمر تشكيل طوارئ محاكم بالرقم (1) قرار 20/2019م والحق بقرار لاحق في 28/فبراير/2019م بتعيين قضاة آخرين لنظر البلاغات وفق الأوامر والاختصاصات والإجراءات المنصوص عليها بأمر تأسيس المحكمة ويتضح من ذلك أن رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر وبتفويض من رئيس القضاء قد أصدر القرارات بالأرقام 20 ، 22 ، 25 ، 30 ، 48 بتشكيل محاكم طوارئ ابتدائية وأيضاً محكمة استئناف طوارئ لنظر الاستئنافات المقدمة في مواجهة أحكام هذه المحاكم (قرار 35/2019م) بتاريخ 26/يونيو/2019م الموافق الثاني والعشرين من شوال 1440هـ.

ويتضح من هذا السرد التفصيلي لقواعد تأسيس محاكم الطوارئ ومحكمة استئناف الطوارئ وأمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م الصادر من الرئيس السابق المسائل الإجرائية التالية:

أولاً: أن أمر الطوارئ بإعلان حالة الطوارئ كان بالقرار الجمهوري 6/2019م وأن الأمر التفويضي التنفيذي بتفويض سلطات الطوارئ للقوات النظامية وتفويض رئيس القضاء بإنشاء محاكم الطوارئ وقواعد المحكمة وتفويض النائب العام لإصدار قواعد التحري والتحقيق والاستئناف في مرحلة التحري كان بالأمر 1/2019م بتاريخ: 25/فبراير/2019م.

ثانياً: يتضح من ذلك وخلال الفترة السابقة على تاريخ 25/فبراير/2019م لم تكن هنالك أوامر تفويضية بإنشاء محاكم للطوارئ أو أي أوامر تفويضية سابقة على الأمر التفويضي رقم 1/2019م بسريان لحالة الطوارئ فعلياً وبما ينفي أي وجود لمحاكم طوارئ أو نيابة طوارئ خلال الفترة من ديسمبر 2018م إلى 24/فبراير/2019م وكان الساري خلال هذه الفترة القانون الجنائي 1991م وقانون الإجراءات العادية الطبيعية العدلية وليس محاكم الطوارئ أو أي محاكم استثنائية أخرى كما أن السلطات التنفيذية للقوات النظامية بالسلطة التفويضية بأمر الطوارئ 1/2019م الصادر في 25/فبراير/2019م لم تكن سارية خلال الفترة من ديسمبر 2018م إلى 24/فبراير/2019م كما أن محاكم الطوارئ لم يتم تشكيها بأمر رئيس الجهاز إلا بعد 25/2/2019م ، 28/2/2019م و 27/مارس/2019م.

ثالثاً: كما يلاحظ أنه ورغم إنشاء محاكم الطوارئ ورغم وضع رئيس القضاء قواعد المحاكمة 56/2019م في 26/2/2019م لم تشكل محكمة الاستئناف إلا في وقت لاحق ولم ينفذ قرار التشكيل على أرض الواقع من الوجهة الإجرائية العدلية والقانونية إلا في يوم السادس والعشرين من شهر يونيو 2019م بموجب القرار رقم 35/2019م الصادر من رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر وبما يفيد إجرائياً أنه لم توجد أو تنشأ محكمة استئناف طوارئ خلال الفترة الزمنية من 25/فبراير إلى 25/يونيو 2019م وظل الأمر معلقاً خلال تلك الفترة وبما يفيد أيضاً (الربكة والخلل الإجرائي) بالنسبة لقضاء الطوارئ حيث كانت محاكم الطوارئ تمارس عملها وتصدر أحكامها في ظل أمر الطوارئ وفق قواعد محاكمات الطوارئ الصادرة من رئيس القضاء 56/2019م في 26/فبراير/2019م مع غياب وانعدام تام لوجود محاكم استئناف لنظر الاستئناف في أحكامها وترتب على ذلك أن المحاكم تباشر نظر قضايا الطوارئ مع عدم وجود لسلطة استئنافيه للطوارئ ومع مراعاة عدم اختصاص المحاكم العادية الطبيعية لنظر استئناف أحكام الطوارئ والتي قيد النظر فيها باختصاص محاكم استئناف الطوارئ وفق أحكام المادة (26) من قواعد أحكام محاكم الطوارئ رقم 56/2019م الصادر من رئيس القضاء والذي يقيد سلطة استئناف أحكام الطوارئ لمحكمة استئناف مشكلة باختصاص وقواعد إعلان الطوارئ ... ولا خلاف أن هذه الحالة الإجرائية قد أثارت إشكالية جدلية قانونية وفقهية ليس في ولاية البحر الأحمر وحدها بل في كافة الولايات الأخرى (وجود محاكم طوارئ وغياب محاكم استئناف طوارئ).

رابعاً: عرضت إجراءات الدعوى أمام محكمة الطوارئ وبدأت إجراءات المحاكمة في محاكمة: غ إ/2/2019م أمام قاضي المحكمة العامة في تاريخ 28/مارس/2019م وصدر الحكم الابتدائي بتاريخ 8/أبريل/2019م بتبرئة شقيق المتهم وإدانة المتهم بموجب إجراءات ... أمر الطوارئ (رقم 5/2019م) والمادة 177(2) من القانون الجنائي 1991م وحكم عليه بالسجن (5 سنوات) اعتباراً من 5/مارس/2019م وهو الحكم الذي أيده حكم الاستئناف طوارئ: أ س ج/2/2019م بتاريخ 28/مايو/2019م محل الفحص الآن وأعاد الإجراءات لتوقيع عقوبة الغرامة الوجوبية مع إلغاء الإدانة تحت أمر الطوارئ رقم (5) مع تعديل عقوبة السجن لتكون ثلاث سنوات اعتباراً من 5/مارس/2019م وتسليم المعروضات لهيئة الموانئ وعلى ضوء ذلك فالتساؤل القانوني الإجرائي الذي أثاره الدفاع في طلبه بشأن اختصاص محكمة الطوارئ التي نظرت هذه القضية فإن السؤال هو:  

 (هل كانت محكمة الطوارئ التي فصلت في القضية مختصة بالنظر ومحاكمته الجريمة موضوع الدعوى ؟؟)

                               وذلك

(وفق أحكام قانون الطوارئ 1979م وقواعد محاكم الطوارئ رقم: 56/2019م الصادر من رئيس القضاء وفق أمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م وما تلاه من أوامر الطوارئ ؟؟؟؟ )

 وإجابة على ذلك فبالرجوع إلى السرد التفصيلي الذي أوردناه آنفاً حول قانون الطوارئ وإعلان حالة الطوارئ وقواعد محاكمات الطوارئ وقرارات تشكيل محاكم الطوارئ نقرر أن محكمة الطوارئ التي نظرت القضية لم تكن مختصة ابتداء بنظرها وفق القواعد العامة للإجراءات ووفق قواعد النظام العام الإجرائي باعتبار أن الاختصاص النوعي من النظام العام لإجراءات التقاضي ولا مجال لتجاوزه حتى إن عدلت محكمة الطوارئ في حكمها ولما يلي من أسباب تفصيلية نوردها على الوجه التفصيلي التالي:

أولاً: من استقراء واقع طبيعة التحري ومحضر المحاكمة نجد أن هذه القضية تم تحريك إجراءات الدعوى فيها بتاريخ 5/مارس/2019م حيث تقدم الشاكي محمد الخير محمد من جهاز الأمن الوطني والمخابرات بعريضة شكوى أمام النيابة بارتكاب المتهم المخالفة موضوع الاتهام وبناء عليه حركت النيابة الاتهام في مواجهة المتهم تحت المادتين (5,4) من قانون الطوارئ 1997م (انظر عريضة النيابة) بمحضر اليومية وبناءً عليه حركت الدعوى الجنائية أمام شرطة القسم الأوسط تحت المادتين (5,4) من قانون طوارئ 1997م وليس تحت أمر الطوارئ رقم 5/2019م الذي أدانت بموجبه محكمة الطوارئ فيما بعد المتهم في حكمها بالإضافة إلى أن البلاغ قد فتح أيضاً تحت المادة 177(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م وفق محضر اليومية وبناءً عليه حركت الدعوى الجنائية بالاتهام القائم على أن المتهم مهندس موظف بهيئة المواني البحرية وبهذه الصفة تسلم عدد 2 فلاتر تنقية مياه بمصنع مياه الهيئة وتصرف فيها بخلاف مقتضى الأمانة بتركيبها في مصنع مياه شقيقه وواضح أن البلاغ والشاكي والتحريات لم تحدد تاريخ وقوع الأفعال محل أركان جريمة خيانة الأمانة.

ثانياً: من المعلوم قانوناً أن تاريخ وقوع أفعال وأركان الجريمة هو التاريخ الذي يعتد به في تحديد القانون الواجب التطبيق على القضايا الجنائية وهذا ما نصت عليه صراحة أحكام المادة 4(1) من القانون الجنائي 1991م بالآتي: على الرغم من حكم المادة (2) يطبق القانون الذي كان معمولاً وقت ارتكاب الجريمة.

وبالتالي فالمبدأ العدلي القانوني يؤكد أن إلغاء القانون الذي كان سارياً وقت ارتكاب الجريمة أو تعديله أو الإحالة إلى قانون جنائي جديد لم يكن سارياً وقت ارتكاب الجريمة لا يؤثر في تطبيق أحكام القانون الجنائي الذي وقعت الجريمة في ظل أحكامه وهو ما يعرف قانوناً وفقهاً بالأثر الرجعي للقانون وهو مبدأ يقوم على عدالة المحاكمة الجنائية كما أن المادة 4(2) من القانون الجنائي 1991م تنص صراحة على مبدأ عدلي آخر يتعلق بالقانون الأصلح للمتهم عند المحاكمة . في حالة الجرائم التي لم يصدر فيها حكم نهائي تطبق أحكام القانون الجنائي إذا كان هو الأصلح للمتهم.

ومفاد هذا المبدأ من الوجهة التفسيرية أن قاعدة القانون الأصلح للمتهم مقصدها عدالة المحاكمة بالنسبة للمتهم وهو مبدأ مستقر فقهاً وقضاءً بل مبدأ مستقر في كل القوانين الدولية الجنائية والمفهوم التفسيري للنص مقصده التشريعي هو أن القانون الجنائي 1991م هو الذي تطبق أحكامه متى كان هو القانون العقابي الأصلح للمتهم.

أن القانون الجديد يكون هو الواجب التطبيق متى كان هو الأصلح عقابياً وعدلياً.

ومعلوم قانونياً أن تاريخ وقوع الجريمة بالإضافة إلي أنه القانون الواجب التطبيق عقابياً وعدلياً فقد أكد المشرع هذا المبدأ بأنه هو أيضاً تاريخ وقوع الجريمة بالنسبة للجرائم التعزيرية وفق أحكام (38) من قانون الإجراءات الجنائية 1991م الذي يقرر:

لا يجوز فتح الدعوى الجنائية في الجرائم ذات العقوبات التعزيرية إذا انقضت مدة التقادم بدءاً من تاريخ وقوع الجريمة وفق المواد الواردة في الفقرات (أ -ب - ج).

وبالتالي لا يسري التقادم من تاريخ اكتشاف الجريمة والشكوى أو البلاغ أو أيٍ من تلك التواريخ إلا في حالة كانت هذه التواريخ هي ذات تواريخ وقوع الجريمة باعتبار أن القاعدة والمعيار القانوني والعدلي هو (تاريخ وقوع الجريمة) وليس أي تاريخ آخر بخلاف هذا التاريخ العدلي.

ثالثاً: بمراجعة عريضة الشكوى التي فتحت بها الدعوى وحركت إجراءاتها أمام النيابة ومجريات التحري في الشكوى فلا نجد سنداً وقائعياً لتقرير أن تاريخ تقديم الشكوى من الشاكي التابع لجهاز الأمن كان هو في نفس يوم أو نفس تاريخ (وقوع أفعال الجريمة) وهي واقعة التصرف من جانب المتهم في عهدة فلاتر مصنع مياه هيئة الموانئ وذلك بتركيب الفلاتر لمصلحة مصنع شقيقه ... وأيضاً بمراجعة المحضر والتحري يمكن استقراء أن المتحري قد قام بمراجعة دفاتر استبدال وتغيير الفلاتر بمصانع مياه الهيئة خلال الفترة من أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 2018م فلم يحدث أي استبدال في تلك التواريخ كما تم أيضاً مراجعة الفلاتر لمحطة زمزم وهو دفتر أحوال استبدال الفلاتر خلال يناير إلى 12/مارس/2019م ولم توضح دفاتر اليومية خلال هذه الفترة أي استبدال أو إحلال للفلاتر نتيجة عطل بالفلاتر في المحطة (دفتر مستند اتهام 4) ومن استقراء عريضة الشكوى يتضح أن تاريخ الشكوى ليس هو تاريخ وقوع أفعال الجريمة بل هو تاريخ اكتشاف الجريمة بعد وقوعها بوجودها بأرقامها المتسلسلة مركبة في محطة تحليه شقيق المتهم بالمنطقة الصناعية جوار حي دبايوا (انظر الشكوى).

رابعاً: الواقعة الوحيدة الثابتة إستلام المتهم الفلاتر بمزرعة هيئة الموانئ واكتشف الفلاتر بحسب ادعاء الاتهام في محطة شقيق المتهم ( ص 10 من المحضر وكل التحريات الأخرى لا تفيد تاريخ وقوع الجريمة محل الاتهام أو التصرف في الفلاتر محل الاتهام لصالح مصنع تحليه شقيق المتهم والإفادة الوحيدة التي يمكن أن يعول عليها لتحديد تاريخ الجريمة المدعى بها وهي واقعة ليس محل خلاف من إقرار المتهم بأنه ركب الفلاتر في بداية يناير أو بداية فبراير 2019م نتيجة خطأ ولتشابه الفلاتر بأن ركب فلاتر الهيئة في مصنع شقيقه وركب فلاتر شقيقه المتشابهة والمطابقة مع فلاتر الهيئة في مصنع تنقية مياه هيئة المواني البحرية.

خامساً: نخلص من هذا الاستقراء لواقع التحري ومحضر المحاكمة أن تاريخ وقوع الجريمة المدعاة من الاتهام كان في يناير أو بداية فبراير2019م ومن استقراء إعلان سريان حالة الطوارئ بالقرار الجمهوري رقم 6/2019م واستقراء إعلان تفويض سلطات الطوارئ للقوات النظامية بإنفاذ حالة الطوارئ وتفويض رئيس القضاء بإنشاء محاكم الطوارئ ووضع قواعد محاكماتها وقواعد تنظيم إجراءات التحري والتحقيق في مخالفات الطوارئ وهي أمر الطوارئ رقم (1/2019م) وقواعد محاكم الطوارئ رقم (56/2019م) كلها كانت صادرة في 25/فبراير/2019م والتواريخ التي تليه كما أن تفويض رئيس الجهاز بإنشاء وتأسيس محاكم الطوارئ بالقرار 183/2019م وإنشاء محاكم الطوارئ والأوامر التي صدرت كلها كانت في الفترة بعد 25/فبراير/2019م والذي يعنينا من هذا الاستقراء أنه في وقت ارتكاب الجريمة لم تعلن حالة الطوارئ ولم يصدر أمر تفويض الطوارئ 1/2019م ولم تشكل محاكم للطوارئ كما أن محكمة الطوارئ التي حاكمت المتهم لم تشكل إلا في تاريخ 27/مارس/2019م بموجب القرار رقم 30/2019م الصادر من رئيس الجهاز القضائي بولاية البحر الأحمر وعلى ضوء ذلك يتضح لنا ما هو آت:

1- أن تاريخ وقوع الفعل المادي محل الاتهام تحت جريمة خيانة الأمانة وهو تاريخ تصرف المتهم في الفلاتر التي بعهدته من هيئة المواني البحرية بصفته الوظيفية كمهندس بالهيئة وقد كان ذلك قبل صدور قرار رئيس الجمهورية السابق بالرقم 1/2019م بتاريخ 25/فبراير/2019م والذي فوض بموجبه في المادتين (7),(8) لكلاً من النائب العام ورئيس القضاء بإصدار القواعد الإجرائية التي تنظم إجراءات التحري والتحقيق والاستئناف في مخالفات الطوارئ , وإنشاء محاكم الطوارئ وإصدار القواعد الإجرائية التي تنظم المحاكمة أمام محكمة الطوارئ وطريق الطعن بالاستئناف في هذه الأحكام.

2- طالما أن تاريخ وقوع الجريمة المدعى بها هو تاريخ تصرف المتهم في عهدة الفلاتر لصالح شقيق المتهم قد ارتكب كركن مادي للجريمة وبلا جدال كان قبل إصدار الرئيس السابق القرار التفويضي رقم 1/2019م بإنشاء محاكم الطوارئ بالرقم 1/2019م وأن رئيس القضاء لم يصدر قواعد إنشاء وإجراءات المحاكمة في محاكم الطوارئ بالرقم 56/2019م في 26/فبراير2019م فسريان أمر الطوارئ وإنشاء نيابات الطوارئ وإنشاء محاكم الطوارئ وقواعد إجراءاتها لم تكن سارية وقت وقوع الجريمة فالقانون الساري وقت وقوعها هو القانون الجنائي لسنة 1991م وقانون الإجراءات الجنائية 1991م وليس أمر الطوارئ أو أوامر الطوارئ الاتهامية التي أقحمت بلا أي مبرر في البلاغ كما أن محكمة الطوارئ لم تكن منشأة أو موجودة وقت وقوع الجريمة محل الاتهام فمحكمة الطوارئ المشكلة والتي حاكمت المتهم لم تشكل إلا في 27/مارس/2019م ولم تكن المحكمة المختصة وقت وقوع الجريمة في يناير وبداية فبراير 2019م وبالتالي فوفق أحكام العدالة الإجرائية والموضوعية والمنصفة ووفق المبدأ العدلي الذي أقرته المادة (4) الفقرة (1) من القانون الجنائي 1991م والتي تنص صراحة على قاعدة عدلية بأن:

(قاعدة الأثر الرجعي للقانون الجنائي أنه على الرغم من حكم المادة (2) يطبق القانون الذي كان معمولاً به وقت ارتكاب الجريمة).

ويظل هذا المبدأ العدلي سارياً في ظل أحكام قانون الطوارئ وسارياً في ظل وجود أمر الطوارئ أو وجود الطوارئ ومن المفيد الإشارة إلى أن قواعد محاكمة الطوارئ التي أصدرها رئيس القضاء تحت الرقم 56/2019م أن القواعد تنص في المادة (27) على الأتي:

(تطبق المحاكم المختصة هذه القواعد مع مراعاة قانون الإجراءات الجنائية وقانون الإثبات في حالة خلو هذه القواعد من أي نص يحكم المسألة).

وهذه القاعدة بسريان القانون العام في حالة غياب النص في أي تشريع خاص قاعدة عامة تسري على أي حالة لم يرد بشأنها نص في القانون الخاص أي لم ينص وفق قاعدة سيادة القانون الخاص وقاعدة سريان القانون العام فيما لم يرد بشأنه نص خاص أوردها قانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م في المادة (6) فقرة (4) منه:

(يعتبر أي قانون خاص أو أي حكم خاص بأي مسألة في أي قانون استثنائي من أي قانون عام أو نصوص عامه في أي قانون يحكم تلك المسألة).

والمفهوم التفسيري للنص أنه في حالة عدم وجود نص في أي قانون خاص يحكم أي مسألة تكون المرجعية في هذه المسألة التي لم ترد في القانون الخاص تطبق أحكام القانون العام وهو المبدأ الذي أقره القانون الإجرائي الأم لكل القوانين في المادة 3(1) إجراءات مدنية 1983م (يطبق القانون):

(على الإجراءات المتعلقة بالمسائل المدنية ومسائل الأحوال الشخصية وعلى الإجراءات المتعلقة بغيرها من المواد فيما لم يرد بشأنه نص في قوانين أخرى).

ونخلص من مجمل هذه المناقشة إلى أن قانون الطوارئ والأوامر الصادرة بموجبه هي بمثابة قانون خاص استثنائي من أحكام القانون الجنائي لسنة 1991م وقانون الإجراءات الجنائية 1991م وإن كانت تسري عليه قاعدة سيادة الخاص على العام إلا أنه في ذات الوقت تسري عليه قاعدة:

(سريان القانون العام الجنائي فيما لم يرد بشأنه نص في قانون الطوارئ) وطالما لم يرد في قانون الطوارئ أو أوامره أي نص صريح يستثني قانون الطوارئ القانون الاستثنائي من قواعد ومبادئ رجعية القانون وسريان القانون الذي كان معمولاً به وسارياً وقت ارتكاب الجريمة أو يستثني قانون الطوارئ الاستثنائي من قاعدة ومبدأ القانون الأصلح للمتهم عند المحاكمة ولا يوجد أي نص صريح يلغي أو يعطل سريان هذه القواعد السالفة فإننا نقرر:

(أ ) أن القانون الواجب التطبيق في هذه القضية هو القانون الجنائي المعمول به وقت ارتكاب الجريمة وليس قانون الطوارئ والأوامر الصادرة بموجبه أو قواعد محاكمات الطوارئ والتي لم يكن معمولاً بها وقت ارتكاب الجريمة المدعاة.

(ب) أن القانون الجنائي 1991م وقانون الإجراءات الجنائية هما القانونان الواجبا التطبيق لأنهما القانونان الساريان والمعمول بهما وقت ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام.

(ج) أن القانون الأصلح للمتهم بلا جدال هو القانون الجنائي المعمول به وقت الجريمة ولا مجال بأي حال من الأحوال لفرضية أن قانون الطوارئ وأوامره الاستثنائية المقيدة لإجراءات التحري والتحقيق والمحاكمة أنها هي الأصلح للمتهم في المحاكمة.

وعلى ضوء كل ما تقدم نرى إن لم يكن هنالك أي محل أو مجال ابتداءً لتوجيه الاتهام تحت قانون الطوارئ وأوامره أو إقحامه في الاتهام كمبرر لمحاكمة المتهم أمام محكمة الطوارئ ومن ثم نقرر:

1- طالما أن الاختصاص النوعي من النظام العام الإجرائي فيجب التمسك به كقاعدة عدلية وكنظام عدلي بأن يحاكم المتهم أمام قاضيه الطبيعي المختص بنظر النزاع وقت ارتكاب الجريمة محل الاتهام.

2- وطالما أن الاختصاص من النظام العام العدلي الإجرائي والموضوعي ويجوز الدفع به في أي مرحلة من مراحل التقاضي بل تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.

3- فإن هذه القضية كان الواجب أن تنظر ابتداءً أمام قاضي الجنايات وليس قاضي محكمة الطوارئ.

4- طالما كانت محكمة الطوارئ غير مختصة ابتداءً إجرائياً وقانوناً وفق أوامر الطوارئ ليس هي القانون الأصلح للمتهم بأي حال من الأحوال فلا مجال في هذه الحالة لمناقشة صحة أو عدالة الحكم الصادر من محكمة غير مختصة لبطلان الإجراءات والحكم بالتبعية وبما يستوجب إلغاء الإدانة والعقوبة.

ونقرر:

إحالة القضية للنظر أمام المحكمة المختصة المحكمة الجنائية الطبيعية العادية وبالتالي قبول طلب الدفاع حول الاختصاص وبطلان الإجراءات أمام محكمة الطوارئ لعدم الاختصاص.

ويجدر بنا هنا ضرورة التنويه إلى ما أقره الدستور الانتقالي 2005م الساري وقت ارتكاب الجريمة والذي يقرر صراحة في الفقرتين (3) , (4) من المادة (43) على أنه:

1- يكـون لأي شخص تتخذ ضـده إجراءات مدنية أو جنائية الحق في سماع عادل وعلنـي أمام محكمة (عادية) ووفق الإجراءات التي يحددها القانون.

وعبارة محكمة (عادية) تعني محكمة القاضي الطبيعي العادي وفق القانون والذي يحاكم القضية وفق المجري العادي للإجراءات ولا تعني عبارة محكمة استثنائية غير عادية في ظروف وأحوال غير طبيعية وغير عادية كمحكمة الطوارئ ومعلوم لنا أسباب تشكيل هذه المحاكم تحت هذه الظروف الاستثنائية غير العادية.

2- كما أن الفقرة (4) من المادة (34) من الدستور 2005م تقرر:

لا يجوز توجيه اتهام ضد أي شخص بسبب فعل أو امتناع عن فعل ما لم يشكل ذلك الفعل أو الامتناع جريمة (عند وقوع الجريمة).

وتفيد هذه الفقرة العدلية الدستورية أن المحاكمة الجنائية في أصلها مرتبطة بالقانون الساري وقت ارتكاب الجريمة وليس أي قانون آخر غير سارٍ وقت ارتكاب الجريمة وهذا ما أكده قانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م في الفقرة (2) من المادة (6) منه التي تقرر:

(إذا تعارض أي نص في أي قانون مع أي حكم من أحكام الدستور تسود أحكام الدستور بالقدر الذي يزيل هذا التعارض).

ونشير هنا إلى جزئية مهمة وهي أن قانون الطوارئ 1997م صادر قبل إصدار دستور 1998م والذي أقر حالة الطوارئ بموجب أحكام قانون الطوارئ 1989م في الفقرة (د) من المادة (34) وهي ذات (حالة الطوارئ) التي أقرت في المادة 58(2) من الدستور الانتقالي 2005م وظل قانون الطوارئ والسلامة العامة 1997م ساري المفعول طوال هذه السنوات ولم يلغ أو يعدل وقد ورد ذلك في ديباجة أمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م والتي تقول:

(عملاً بأحكام المادة (211) من دستور جمهورية السودان الانتقالي 2005م مقروءة مع المادتين 5،8 من قانون الطوارئ وحماية السلامة العامة 1997م وبعد الاطلاع على المرسوم الجمهوري رقم (6/2019م) بإعلان حالة الطوارئ أصدر الأمر الأتي نصه:

الأمر: 1/2019م

ويلاحظ أنه رغم إعلان حالة الطوارئ لم يعطل العمل بدستور 2005م ومما يجعل نص المادة 34 فقرة (4،3) من دستور السودان حاكمه ومقيدة لحالة الطوارئ ومقيدة لقواعد وأحكام محاكمات الطوارئ بسيادة حكم الدستور إذا تعارضت أحكام وقواعد محاكمات الطوارئ مع الدستور وتسود مبادئ الدستور بأن يطبق القانون المعمول به وقت وقوع الجريمة ومبدأ وقاعدة العدالة قاعدة القانون الأصلح للمتهم وفق ما أقرته الفقرة (1) ’(2) من المادة (4) من القانون الجنائي 1991م وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى الجزئية التي وردت في حكم الاستئناف ومع تقديرنا التام لوجهة نظرها حول واقعة عدم اختصاص محكمة الطوارئ حيث رأت أن المتهم قد وجد حظه في محاكمة عادلة من حيث حق الدفاع ووجود محام في الدفاع وفي محاكمته محاكمة غير إيجازية كما لو كان في محاكمة (عادية) ولم ينقص حقه في الدفاع رغم أن المحكمة محكمة طوارئ ونخالف محكمة الاستئناف في وجهة نظرها من الوجهة الإجرائية القانونية العدلية البحتة وفق ما يلي:

1- فكلما أسلفنا في المناقشة السالفة فإن محكمة الطوارئ مشكلة بموجب أحكام قانون الطوارئ وبموجب أحكام أمر الطوارئ التفويضي رقم 1/2019م وبالتالي لا اختصاص لها في نظر القضية وكما أسلفنا فالاختصاص من النظام العام الإجرائي لا مجال لتجاوزه بأي حال من الأحوال وبالتالي لا سند لتأييد حكم محكمة غير مختصة بنظر النزاع في وجود المحكمة المختصة وقت وقوع الجريمة.

2- وفي تقديرنا وبحسب ما استقر وتواتر في الفقه القضائي التفسيري ومعرفتنا لأداء القضاة بولاية البحر الأحمر فلا شك في عدالة القاضي الذي حكم القضية القاضي (محمد عبد الرحمن) وتميزه في أدائه الوظيفي إلا أن المتواتر في الفقه العدلي التفسيري أن المحكمة غير المختصة لا يصح قضاؤها وإن عدلت فالعبرة في تحقق عدالة الحكم اطمئنان الشخص المحاكم إلى أنه سيحاكم محاكمة عادلة أمام عدالة قاضيه الطبيعي العادي وفق إجراءات عادية وليس في محكمة استثنائية شكلت في ظروف استثنائية غير طبيعية ووفق قواعد محاكمات استثنائية مقيدة بإجراءات استثنائية ومقيدة بإعلان حالة الطوارئ لان العبرة العدلية الإجرائية والموضوعية ليس في عدالة القاضي في محكمة الطوارئ بل جلوسه في محكمة استثنائية لإجراءات استثنائية وبالمقابل فالفرضية الإجرائية أن قضاء الطوارئ أنه قضاء استثنائي من التقاضي العادي الطبيعي وفي حالة عامة غير طبيعية وفي ظل ظرف غير طبيعي وتوتر سياسي وأمني وتفكك أركان النظام الحاكم دعاه إلى فرض حالة الطوارئ المعلومة أسبابها فتنتفي بذلك الفرضية بالاطمئنان لعدالة الطوارئ فأساس الحكم اطمئنان الشخص المحاكم لعدالة المحاكمة في ظل هذه الظروف وحتى أن عدلت محكمة الطوارئ فذلك لا ينفي أو يزيل حالة عدم الاطمئنان للعدالة الاستثنائية بقواعد وقوانين استثنائية من ذهنيه المتهم المحاكم ناهيك من عدم اختصاص محكمة الطوارئ ابتداءً ومعلوم لأهل القانون في العهود السابقة في السودان التي طبقت فيها حالة الطوارئ وشكلت فيها محاكم الطوارئ السمعة العامة بفقدان الإحساس بعدالة هذه المحاكم في تلك الظروف الاستثنائية وفي ظل عدم الاطمئنان لعدالة مرتبطة بحالة الطوارئ غير الطبيعية وكل ذلك التاريخ لحالة الطوارئ والتي كانت خاضعة لوضع عام وفي ظل نظام الحكم الشمولي أنها لا يطمئن لعدالتها كمحاكم استثنائية وإن عدلت وبما ينفي عن عدالتها قاعدة الطمأنينة المفترضة للقضاء الطبيعي العادي في ظل نظام عدلي طبيعي ونظام عدلي سياسي وأمني طبيعي.

 

وعليه نرى أن عدالة محكمة الطوارئ لا تبرر اختصاصها أو التجاوز عن عدم اختصاصها وقبول ما تقضي به من أحكام لاجتماع صفة القضاء الاستثنائي وصفة انعدام الاختصاص النوعي في أداء محاكم الطوارئ.

 

وعلى ضوء ما تقدم نقرر عدم اختصاص محكمة الطوارئ وبالتبعية بطلان ما تم من إجراءات وبالتبعية عدم صحة الإدانة وما وقع من عقوبات وبما يستوجب من الوجهة العدلية الإجرائية القانونية البحتة إلغاء الإدانة والعقوبات الصادرة وأن تعاد الإجراءات للنظر في الدعوى أمام محكمة جنائية طبيعية عادلة للفصل فيها وبما يجعلنا قبول ما أثاره الدفاع في طلبه بعدم اختصاص المحكمة وبطلان كل ما تم من إجراءات وفق قواعد الاختصاص من النظام العام العدلي الإجرائي ولا مجال لتجاوزه بفرضية عدالة محكمة الطوارئ ونرى أخيراً الأتي:

 

رغم قرارنا بعدم اختصاص محكمة الطوارئ التي حكمت هذه القضية وبالتالي لا مجال لمناقشة صحة الإجراءات أو صحة الحكم من عدمها إلا أن مذكرة الرأي الأول في استئناف الطوارئ التي سطرها يراع القاضي المتميز في أدائه (القاضي هشام عوض أحمد أسد) والتي اتفق فيها معه زملاؤه في الدائرة (يحي أحمد محمد) , (سعد موسى عروباي) فرضت علينا أن نسجل لمحه تقدير لهذا السرد والدقة والرؤية المنطقية للبينة والوقائع والتسبيب الجيد لوجهة النظر القانونية والسرد الموضوعي لهذا التسبيب فله منا ولزملائه في الدائرة كل التقدير والثناء وما ضيع اختلاف الرأي للود قضية ولا بد أن نقول للمحسن قد أحسنت في كل الأحوال.

 

وعموماً ووفق ما توصلنا إليه في المناقشة التفصيلية نقرر:

 

أولاً: عدم اختصاص محكمة الطوارئ بنظر القضية.

 

ثانياً: تلغى الإدانة والعقوبة بالتبعية.

 

ثالثاً: يعاد القبض على المتهم ويسلم لشرطة المحكمة لإعادة المحاكمة أمام المحكمة المختصة.

 

رابعاً: تعاد المحاكمة أمام محكمة الجنايات المختصة.

 

 

 

 

 

 

 

القاضي: أحمـد الطيب عمـر

التاريخ: 21/10/2019م

 

أوافق الرأي للقاضي العالم مولانا/ ملاسي ولم يترك لنا ما يمكن إضافته في مذكرته الشاملة.

 

القاضي: سمير محمد السيد أحمد

التاريخ: 22/10/2019م

 

أوافق.

 

الأمر النهائي:

1- إلغاء قرار محكمة الموضوع بالإدانة والعقوبة.

2- يعاد القبض على المتهم.

3-  تعاد المحاكمة أمام محكمة الجنايات المختصة.

4- يخطر مقدم الطلب.

 

 

 

أحمــد الطيـب عمـر

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

24/10/2019م

▸ الجنائي 2019م فوق حكومة السودان //ضد// ز. ع. ع. ج م ع/م ك ا/مؤبد/15/2018م ◂
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©